أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - الجندر بعد الطبقة - خاتمة كتاب : - الماركسيّة و النسويّة - ، تجميع و نشر شهرزاد موجاب ، كتب زاد ، لندن 2015















المزيد.....



الجندر بعد الطبقة - خاتمة كتاب : - الماركسيّة و النسويّة - ، تجميع و نشر شهرزاد موجاب ، كتب زاد ، لندن 2015


شادي الشماوي

الحوار المتمدن-العدد: 5857 - 2018 / 4 / 26 - 01:29
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الفصل الخامس : الجندر بعد الطبقة

تريزا أل. أبارت
( خاتمة كتاب : " الماركسيّة و النسويّة " ، تجميع و نشر شهرزاد موجاب ، كتب زاد ، لندن 2015 )

[ تعريف بالمؤلّفة بالصفحة 375 من الكتاب :
تريزا أل. أبارت واضعة كتاب " مهمّة النقد الثقافي " ( 2009 ) و " النسويّة السخيفة و بعدها " ( 1996) وهي كذلك واحدة من مؤلّفي كتاب " الطبقة في الثقافة " (2008 ) و عملها الذى سينشر قريبا هو " الماركسيّة و سير ما بعد الإنسانيّات " (2015) . و قد نشرت بحوثها في مجلاّت من مثل " إعادة التفكير في الماركسيّة " و " النقد الثقافي " و " ممارسة النصّ " و " مجلّة كتب النساء " و " إنجليزية المعاهد " . وهي أستاذة تدرّس النظريّة الثقافية في جامعة ألبانى بولاية نيويورك . ]
--------------------------------------
النسويّة المعاصرة نسويّة مرحة ( أبارت 1996) . إنّها إلى درجة كبيرة لا تبالى بالممارسات الماديّة في ظلّ الرأسماليّة كالعمل ، التي تشكّل الهياكل الإجتماعيّة للحياة اليوميّة . في النظريّة و في الممارسة ، جعلت النسويّة من الإختلاف صنميّة و محت مسألة الإستغلال و نشر معرفة جذور أوضاع و واقع النساء في خصوصيّات الإضطهات . و قد عانقت المنعرج الثقافي و تجسيم الثقافة على أنّها حقل مستقلّ بممارسات ذات دلالة – و وضعت جانبا السياسة التغييريّة إلى درجة أنّها غدت أصغر من لعبة لغويّة مؤلمة في سخريّتها .
و الآن نحتاج إلى نسويّة جديدة ( نسويّة حمراء ) : نسويّة لا تظهر إلى العيان جذور و منابع الإيديولوجيا البرجوازية التي بتشويهها لمفاهيم الطبقة و التاريخ و النظريّة و العمل ، قلّصت المصطلحات التي من خلالها تفهم النسويّة وضع النساء . و لا تهتمّ النسويّة الحمراء ب" قضيّة المرأة " فحسب بل تهتمّ حتّى أكثر بالقضايا " الأخرى " المتّصلة ب" قضيّة المرأة " – قضايا الطبقة و العمل .
طرق جميع النزعات الداخليّة ضمن النسويّة المرحة كما أسّستها نظريّات ما بعديّة ( مثلا ، بن حبيب و آخرون 1995 ، بتلار و آخرون 2000)، في فهم الجندر و الجنسانيّة إستراتيجيات لتجاوز قضايا العمل و رأس المال – العلاقات الإجتماعيّة القائمة على تحويل قوّة عمل الآخر إلى ربح . و بدلا من ذلك ، تقيم النسويّة المرحة الآن في مواضيع الإختلاف الثقافي . و بالمطالبة بمعرفة مادية ، تصارع النسويّة النظريّة الثقافية التي تستند إليها النسويّة المرحة . و بوجه خاص ، تحاجج أنّ اللغة – الخطاب في حركة مروره الإجتماعيّة " وعي عملي " ( مثلما كتب ماركس و إنجلز في " الإيديولوجيا الألمانيّة " 1976: 44 ) و أنّ الثقافة ، بعيدا عن أن تكن مستقلّة هي دائما و في نهاية المطاف تعبير إجتماعي عن علاقات الإنتاج الماديّة . و تجعل النسويّة المرحة من الجندر و الجنسانيّة مسائلا محلّية باسم تشريف إختلافاتها و خصوصيّات إضطهادها. و بالقيام بذلك ، تعزلها عن التاريخ و تقلّصها إلى " أحداث " أدائيّة و تفرغها من ثمّة من العمل . و بالنسبة للنسويّة الحمراء ، المحلّى ، الخاص و الفريد ، و على وجه الضبط الملموس هو دائما " ملموس متصوّلر " و نتيجة ل" عدّة تحديدات " و للعلاقات التي تشكّل جميعها عناصر كُلِّية ، إختلافات صلب وحدة . لا يهيمن الإنتاج ( علاقات العمل ) على نفسه و حسب ...بل كذلك على اللحظات الأخرى " ( ماركس 1973: 99-101 ).
و تدريجيّا تضمحلّ النسويّة المرحة و تتحوّل إلى عدم فاعليّة و نزوة و مزاج برجوازيّة – عليا مرتبطة بشعبويّة دفاعيّة . إنّها تتحوّل إلى كرنفال بختنيان أين يعوّض المرح و التلاعب بالتشابه الجسدي ، الحجج التغييريّة ( بروبين 2005 ) ، و يحلّ الإستسلام للعالم محلّ التحليل النقدي و النقد لتغييره . ( غالوب 2002 ) .
و لنأخذ موضوعا معيّنا كان له إنعكاس على حياة النساء و أسرهنّ حول العالم و بالخصوص جنوب كوكبنا ، إذ تفهم النظريّة النسويّة المرحة العولمة على أنّها " خطاب ، لغة هيمنة ، رواية مصاغة بإحكام لقوّة متفاوتة "( جبسون – غراهام 2006- أ : 120 ) و تجرى التعمية على تناقضات العولمة على أنّها " سياسات توفّر وقتيّة مكثّفة – محوّلة المسافة من " لامكا " إلى " الآن هنا " ( جبسون – غراهام 2006 – ب : xxi ).
و كانت تبعات قراءة العولمة قراءة شكليّة كارثيّة على النسويّة فج. ك. جبسون- غراهام مثلا ، توظّف إستعارات شارون مركوز ( 1992) ليعقد مقارنة بين العولمة والإغتصاب . "( جبسون – غراهام 2006-أ : 120-147 ) كتبت : " ثمّة عدّة نقاط بديهيّة في العلاقة بين لغة الإغتصاب و لغة العولمة الرأسماليّة " و تقدّم أمثلة كلمات من مثل " الإيلاج " و " الغزو " و " الأرض العذراء " ( المصدر السابق : 124 ) . حسب كلماتها ، قوّة عنف العولمة كعنف الإغتصاب و العولمة هكذا تصبح خطاب سلطة و إضطهاد . و لا يفهم الإغتصاب على أنّه هيمنة بل على أنّه رواية تصوّر ( تشوّه ) و إستخدام القسر مع الضحيّة و إجبارها على ممارسة الجنسيمكن مقاومته عبر الخضوع . و التغيير بالنسبة لها بالتالى تغيير شكلي – إعادة صياغة الإغتصاب / العولمة . و هكذا ، تعنى مقاومة الرأسماليّة إعادة صياغة " جسد الرأسماليّة " . منطلقة من كلام أليزابيت غروسز عن جسد الذكر (1994 ) ، تعتقد أنّ قوّة ديناميكيّة العولمة يمكن أن تتغيّر ب " النظر بصورة مختلفة لجسد الرأسماليّة ، على أنّه منفتح ، قابل للإيلاج ، على أنّه دامع أو مستنزف بعيدا عوضا عن أنّه لا محالة قوّة إيلاج هائلة صعبة و منقبضة " ( المصدر السابق : 135 ).
و هكذا تعيد كتابة " راس المال المالى ( أو المال ) " على أنّه " السيولة المؤسّسة للرأسماليّة " و على أنّه " عرض من التجاوز الجسدي ، حلم مبلّل " مصوّرة إيّاه ك " تدفّقات مطلقة للمال لا يمكن التحكّم فيها ، تتماوج في كلّ الإتجاهات ، بما في ذلك إتّجاه الدمار الذاتي " ( المصدر السابق : 135 ) .
و مع ذلك ، ليس بوسع هذه التشابيه أن تشرح الإستغلال المادي الذى يمثّل السبب الكامن وراء العوزلمة . و علاوة على ذلك ، هذه الحركة المزدوجة – التعاطي مع الإغتصاب كمسألة علاقات سلطة ثمّ تحويل علاقات السلطة إلى روابط لغويّة – تعزل الإغتصاب عن علاقات الإنتاج الإجتماعيّة و تحوّله إلى قضيّة جندريّة محلّية هي ، بالنسبة لها ، ببساطة مسألة أداء لغة ( المصدر السابق : 123 ) . و متلاغبة بهذه العبارات المجازيّة الإضافيّة ، يأخذ تحليلهم في اللفّ أكثر فأكثر بعيدا عن العولمة كواقع موضوعي لعلاقات العمل المعاصر . و يصبح فقط مجاز تافه عن العوملة و أيضا تسطيح لمصير النساء و جنسانيّتهم في ظلّ الرأسماليّة . و تحوّل النضال ضد العولمة – نهب عمل الآخرين – إلى مسأة " كيف نستطيع أن نخفّف من إنتصاب العولمة ؟ " ( المصدر السابق : 126-127 ). و لا يغدو هذا عسيرا في قراءة ليزا ديش المعجبة بحججها ، لأنّ نظرتها للعولمة تساوى قول إنّ " ما نعرفه على أنّه عولمة هو إستمناء متبادل أقلّ ... منه لإغتصاب " ( ديش 1999).
تستعمل الحجّة العامة لجبسون – غراهام النسويّة كإستراتيجيا تعدّديّة لزعم أنّ الرأسماليّة ليست المصدر الوحيد للإستغلال في العالم المعولم . و بالتالى ، كتبت أنّ " صياغة العولمة " تحتاج ألاّ نعتمد على صورة جسد الرأسمالي على أنّه صعب و مندفع و قويّ " ( جبسون – غراهام 2006- أ : 138 ) . و من ثمّة تصوير تدخّل الشركات المتعدّدة الجنسيّات في إقتصاد البلد المضيف لا يجب قراءتها في إطار صياغة القياسي . ثمّ تطرح سؤالا يستدعى لإجابته الخاصة: ألا نقدر على رؤية نشاط الشركات المتعدّدة الجنسيّة في أوضاع العالم الثالث على ضوء مختلف قليلا ، ربّما أحيانا برؤية توليديّة عن غير قصد عوضا عن أنّه مجرّد مدمّر ؟ " ( المصدر السابق : 130 ) . و بكلمات أخرى ، تنتهى نسويّتها كإعتذار للشركات المتعدّدة الجنسيّة و تؤدّى إلى " قمّة " ذلك " افغتصاب " الاقتصادي غير القاسي بفعل العولمة في العالم الثالث كصياغة متعدّدة المخارج . و في هذه الحال إقرأوا حدث الإغتصاب على أنّه يفرز حملا " . ( المصدر السابق : 131 ) . و ينتهى تحليلهم الخطابي بنهاية عظيمة للعولمة كإغتصاب هي أنّ الإستغلال جيّد للنساء . : " مشاركة بعض النساء في الإستغلال الرأسمالي قد حرّرهنّ من مظاهر الإستغلال المتصلة بمواقعهنّ الطبقيّة للعناية بالمنزل و وفّرت لعنّ موقعا إنطلاقا منه تستطيع أن تناضل و تعيد تحديد الأدوار الجندريّة التقليديّة ". ( المصدر السابق :132 )
هذا مؤلم جدّا لينعت بالكوميدي . إستنتاج " تحليلهم " النسوي المتطوّر و الحديث يشبه الخزعبلات الليبراليّة المكتوبة يوميّا في صفحات ناشرين كبار كأجهزة الرأسماليّة العالميّة مثل " النيويورك تايمز " ( الموقع الأهمّ لبثّ وجهات نظر توماس فريدمان حول العولمة ) . في مقاله " في الثناء على المصانع الهشّة المشوّهة " ، كتب نيكولاس دى كليستوف أنّ المصانع الهشّة في أفريقيا التي أقامها الرأسماليّون من الشمال هي بالفعل " فرص " و ينصح بأنّه " يجب على كلّ من يشغله قتال الفقر أن ينظّم حملة لفائدة المصانع الهشّة " ( كريستوف 2006- أ : 21 ). و تتلخّص حجّته في جملتين مطبوعتين بحروف كبرى و بارزة في مقاله : " ما هو أتعس من أن نكون مستغَلّين ؟ أن لا نكون مستغَلّين ." ( المصدر السابق : أ 21 ).
العولمة بالنسبة لكلّ من الكتّاب الليبراليين و النسويّات المرحات هي الشيء عينه : جبسون – غراهام تراها ممارسات إقتصاديّة تعدّديّة " تحرّريّة " ( جبسون – غراهام 2006-أ : 139 ) . و عدم التماثل هو الأهمّ . وهي نظرة لا يمكن التمييز بينها – بإستثناء ما يتّصل بالإستعارات الجسديّة – و بين النظريّة الإقتصاديّة الليبراليّة الجديدة المستشرية ( المستشرية جدّا ) و تاريخها في الشمال ( هارفى 2005 ) . تصرّح النسويّات المرحات ، إلى جانب الليبراليين الجدد ، بأنّ " مهمّة تعويض الرأسماليّة كمهمّة ثوريّة " " فات أوانها " الآن و الوسيلة الوحيدة لتغييرها هي التنظير للرأسماليّة " على أنّها مجزّأة " و ليست كلاّ يتمتّع بالوحدة و الفرديّة ( جبسون – غراهام 2006- أ: 263) . في إعتقادهنّ ، السياسة النسويّة هي في ألساس " لغة سياسيّة " ( جبسون –غراهام 2006- ب : 54-59) . و النسويّة المرحة حليفة للمثاليّة القديمة المعتمدة على أوهام " الإنتصار على الماديّة " ( جبدار 1989 : 371-383 ) و النظريّات الجديدة للإدارة الشعبيّة المستخلصة منه ( بتارس 1992 ). و كلّ حججهم قائمة على رفض الكلّية لصالح فوضى متفرّقة مرتبطة بشبكة إستعارات ( جبدار 1989 : 370-381) تهدف إلى فكر روحي جديد تكون فيه الرأسماليّة ذاتها ليست واقعا يتمّ الإقرار به بل " سيولة " " راحلة " جبسون غراهام 2006-ب : 135 ) . و النسويّة الحمراء ، ضمن أشياء أخرى ، حجّة على أنّ الرأسماليّة ليست في حاجة إلى إضطهاد النساء و الجنسيّة المثاليّة أو العنصريّة لأجل أن تظلّ على قيد الحياة . إنّها تحتاج العمل – العمل البخس . و هكذا بالنسبة للنسويّة كي تكون قوّة جدّية في النضال ضد الراسماليّة المعولمة ، تحتاج إلى أن تؤسّس نفسها على نظريّة قيمة العمل ، على الطبقة كعلاقات ملكيّة كونيّة ، بدلا من على " المحلّي " و المجموعة الصغيرة . ( المصدر السابق : 79-99 ) . و بطيبعة الحال ، ليست جبسون – غراهام وحيدة في الإهتمام بشنّ " حرب على الكلّية " و " تنشيط الإختلافات " أكثر من النضال ضد الإستغلال و من أجل الإشتراكية ( ليوتارد 1984 : 84 ) .
و تمثّل الإشتراكيّة مأزقا بالنسبة للنسويّة المرحة ذلك ا،ّها تجد أنّه ليس بوسها لا نبذها و لا القبول بها . و في ردّ عن سؤال محاور لها أثناء حوار صحفي قال إنّه لم يعد يعرف " ما يعنيه أن نقول ... إنّ فلان إشتراكي " ، و أنّه مع ذلك " لن يغتبط بقول إنّه ليس إشتراكيّا " ، صرّحت غاياترى شكرانورتى – سبفاك بأنّها ليست منحازة كثيرا إلى الإشتراكيّة وهي ليست ضدّها : " مثلك ، لا أريد أن أنعت نفسي بأنّى مناهضة للإشتراكيّة " ( سبفاك و بلوتكا 1994 : 18 ) . و مع ذلك يتّفق الإثنان على أنّ الإشتراكيّة ، في بعض مظاهرها الأكثر جوهريّة ، " غير مقبولة " – بسبب ما يعتبرانه هما و الليبراليّون الجدد " توجّها دولتيّا " و " تركيزا إقتصاديّا ضيّقا " ، ضمن أسباب أخرى . و هذا النقد إلى درجة كبيرة دفاع عن الفرديّة المرحة ( المصدر السابق : 17 ) .
و قد مضت جبسون–غراهام و سبفاك و نسويّات مرحات أخريات بعيدا جدّا عن النضال من أجل وضع نهاية للرأسماليّة . و بالفعل ، بلغت النسويّة الحديثة طريقا مسدودا فيه كما يشير بوضوح كتاب جبسون–غراهام " سياسة ما بعد رأسماليّة " أنذه من غير الممكن التفكير في مستقبل الإنسانيّة خارج الرأسماليّة . و تعتبر حرّية النساء الآن غير ممكنة إلاّ بمعانقة الرأسماليّة – بالقبول و العمل داخل النظام بدلا من تغييره . هذا مظهر من المظاهر المعبّرة أكثر للحوار الصحفي لغاياترى سبفاك حول المقاومة العابرة للقوميّات . لا يبدو فقط أ،ّها مستعدّة لقبول " رأسماليّة بتطوّر " " صغير " ( سبفاك و بلوتكا 1994 : 5 ) – أي رأسماليّة محلّية ذات نموّ منخفض في مسرح الجنوب ، نسخة من " أفق الإكتفاء الذاتي " ( ميس و شيفا 1993 ؛ بنهولدت- ثومسان و ميس 2000) – لكنّها تقترح بصفة متكرّرة شكلا من العطاء ط التطوّعي المستنير " من جانب بلدان الشمال الرأسماليّة . و بكلمات أخرى ، الحجّة النسويّة ما بعد الإشتراكية تتداعى في النهاية لتصبح قوالبا من الأخلاق البرجوازيّة " شدّ لامتناهى للحبل " بين " الأخذ و العطاء " " المرتبط بالأخلاق " ( سبفاك و بلوتكا 1994 : 14 ) . و تصبح الفلنتروبيا أي حبّ الإنسان المقدّمة على أنّها أخلاق ، السياسة الإجتماعيّة للنسويّة العابرة للقوميّات ليس بالنسبة لسبفاك فحسب بل أيضا بالنسبة إلى عديد المنظّمات غير الحكوميّة .
و شائع حتّى أكثر هو تجسيد السوق الاقتصادي الذى يغدو فيه الإستهلاك المجال الأساسي للتغيير. فهناك شيء من التقسيم شمال- جنوب و إن كان يخصّ " سياسة الإستهلاك ". و تستخدم النسويّة الحديثة و اليسار بصورة أوسع الإستهلاك كوسيلة لتحويل موقع الإنتاج و الطبقة . و مع ذلك ، تحدّد الظروف الطبقيّة الإستهلاك . و هذا واضح تماما في الطرق المختلفة لفهم الإستهلاك في الشمال و في الجنوب . ففي الشمال حيث الحرّية و ليس الفقر هي القضيّة الأولى ، يرتبط الإستهلاك بالرغبة بينما في الجنوب ، التحرّر من الإستهلاك و ببساطة طوعيّة تقدّمان على أنّهما الإجابة الإستعجاليّة للفقر . توجد الدعوة إلى التحرّر من الإستهلاك ، وهو شعار أكثر بقليل من شعار لاتاريخي و أخلاقي ، في موقع القلب من سياسات ميس و شيفا على النطاق الضيّق . و مثلما تحاجج ميس " البديل الوحيد " ل " النموّ و الربح الذين لا ينتهيان " ل " نظام السوق العالمي " هو " تغيير متعمّد و دراماتيكي لنمط الحياة و التقليص من الإستهلاك و تغيير راديكالي في أنماط الإستهلاك في الشمال " ( ميس و شيفا 1993 : 62 ) . و مع ذلك ، تلوذ المؤلّفتان بالصمت بشان الطبقة و الإنتاج . و ما تقولانه هو ، في آخر المطاف ، التدخّل الراديكالي في هياكل الإستغلال الرأسماليّة . و بالمعنى الأكثر تواضعا فقط يحدث التغيير الاجتماعي من خلال الإستهلاك . فالتغيير الاجتماعي الجوهري دائما تغيير في الإنتاج و في العلاقات الطبقيّة .
وتحاول الراسماليّة المعاصرة أن تضمن علاقات ربحها الجوهريّة بإنشاء مجتمع مدني عالمي يخرج على أنّه منظّمات غير حكوميّة . و توظّف هذه المنظّمات بعدّة طرق لضمان مصالح الرأسماليّة العالميّة بتعديل موقع الطبقة و تهميش ممارسات الإنتاج عبر علاقات مقاولة و سوق حرّة . و قد يكون ضروريّا هنا توضيح فرق بين العولمة العابرة للقوميّات و الأمميّة . ( أبارت 2009) . بالتشديد على العولمة العابرة للقوميّات ، تضع النسويّة المرحة طابع الشرعيّة على النظام العابر للقوميّات إستنادا إلى الثقافة ، و في مركزها الإستهلاك . و تتميّز هذه العولمة بعبور القوميّات مثلا بملاحظة أنّ رجل دين في هنكونغ يستمع إلى ذات الموسيقى و يتمتّع بذات الجينز و " اللباس المفتوح " كأستاذ في رومانيا أو مراهق في لندن . و هذا المجتمع المدنى الجديد قائم على الإستهلاك و الروابط التي ينشئها روابط ضمن أشياء مرغوب فيها .إنّه مجتمع مدني للتسليع . و على الضد من هذا ، الأمميّة قائمة على تضامن تاريخي – عالمي أبعد من الحدود القوميّة و الإستهلاك وهي مؤسّسة على الطبقة و الإنتاج من أجل التحرّر من الضرورة و وضع حدّ للإستغلال .

و تحاجج النسويّة الحمراء ضد النظر إلى العولمة كنظام سوق و نظام إستهلاك و من أجل الأمميّة : تضامن جميع عمّال العالم أبعد من الحدود القوميّة .
و " تخوض " النسويّة المرحة " حربا " ليس إلى درجة كبيرة ضد إستغلال الرأسماليّة للناس بقدر ما هي ضد قمع الإختلاف . و بذلك ، تنوى بوضوح كما تشير إلى ذلك سبفاك إلى تشكيل تحالفات مه " الرأسماليّة ذات تطوّر ب" ت " " صغيرة " ( سبفاك و بلوتاك 1994 : 5).
ما نحتاجه ليس نسويّة إستهلاكيّة " عالميّة طاحنة " جديدة ، و إنّما نسويّة حمراء بدلا من التحالفات القائمة على الأخلاق و التي هي تجسيد للفرديّة و الرغبة الفرديّة ، جماعيّة ماديّة أمميّة لتحرير النساء و كلّ المضطهَدين من الحاجة و إستغلال عملهم يحتاج لأن يعاد تركيبه .
النسويّة الحمراء
لقد عزل المنعرج الثقافي و نزعاته اللغويّة في النسويّة مواضيع الجندر و الجنسانيّة عن ظروفها الماديّة . النسويّة الحمراء حجّة على أنّ الجندر و الجنسانيّة لا يمكنهما أن يكونا تماما مفهومين خارج العلاقات الطبقيّة . و مع ذلك ، حجبت النسويّة المرحة الطبقة و علاقتها بالجندر و الجنسانيّة بمعالجة " التاريخ " و " الوكالة " و " الحداثة " و " ما بعد الحداثة " و " الجوهريّة " و " النظريّة " و " العمل " و " الملموس " كتأثيرات ثقافيّة و كمواقع مستقلّة أو شبه مستقلّة للمقاومة كجزء من إدّعائها أنّها ممارسة تغييريّة . إلاّ أنّ الثقافة ليست أبدا مستقلّة عن علاقات الإنتاج الإجتماعيّة و ثقافة المقاومة بذاته و في حدّ ذاتها ، ليست قادرة على تغيير هذه العلاقات . و الطريقة الأكثر فعاليّة لإنجاز مثل هذا التغيير هي الصراع الطبقي الذى يحقّق " جذور " التغييرات عبر إعادة تنظيم علاقات العمل ورأس المال و الذى يضع نهاية للمجتمع الطبقي . كافة الإختلافات الإجتماعيّة كالجندر تأثيرا طبقة – اللامساواة في العمل . النسويّة الحمراء تعيد الطبقة إلى النسويّة . غير أنّ القيام بذلك يتطلّب إعادة ماديّة ما جعلته النسويّة المرحة ثقافيّا . و ننطلق مع النظريّة .
النظريّة
صار تقليدا لدى النسويّة المرحة أن تفصل نفسها عن " النظريّة " التي تعدّها موضوعا مجرّدا فائدته محدودة نسبة لنشاطات الجندر و الجنسانيّة . في خطابات مرحة ، النظريّة فئويّة ( ذكوريّة ) و طوباويّة . و بالأخصّ ، تنظر إلى النظريّة كعمليّة " كلّية " ترادف في الأوساط المرحة " الكليانيّة " / " الشموليّة " .
و تنأى جوديث بتلار بنفسها عن النظريّة بتبنّى الموقف المعتاد ل " الجهل " . فقد أضحت " عدم المعرفة " ميزة " المعرفة " الحقيقيّة لدى النسويّة المرحة سائرة على خطى لاكان و تزيزاك و آخرين .. و تعرب بدلار عن " أنّى لا أفهم مفهوم " النظريّة " و أنا بالكاد مهتمّة بأن أصوّر على أنّي من المدافعين عنها ..." ( بتلار 1991 : 14 ). و تمضى جين غالوب أبعد من ذلك و تخصّص كتابا كاملا لتعيد صياغة النظريّة في قصّة قصيرة و تحوّل المفاهيم ( المجرّدة ) إلى مجازات ( الملموس ). ( غالوب 2002 ).
و هذه الحركات المرحة من إيجاد مسافة بعيدا عن النظريّة ليست نظريّة فقط بل هي كذلك تبعات نظريّة النظريّة . إنّها تضع موضع السؤال فكرة النظريّة لنقد تفسيري للكلّية الإجتماعيّة و عوضا عنها تفضّل النظريّة كمسرحيّة و قراءات مرحيّة لمسرحيّة الإختلافات في الجنسانيّة و الجندر و نصوص الثقافة . و النظريّة – كمسرحيّة تنأى ببؤرة تركيز التحليل عن علاقات الإنتاج الإجتماعيّة الماديّة و تحوّلها إلى تصورّات ثقافيّة . و في حركة معقّدة ـ تؤكّد تماما علاقات الإنتاج الإجتماعيّة القائمة عبر قراءات تراجعيّة متقنة و عالية الدقّة في درجات الإختلاف و تضع القواعد الثقافيّة موضع السؤال. و تظلّ العلاقات الماديّة كما هي دون مساس بينما يتمّ وضع التصوّرات الثقافيّة في نصوص و يتبين أنّ حقيقتها المؤسسة تأثير لغة يُعلن كتأثير موضوعي ).
و تركّز النظريّة – كمسرحيّة ليس على العلاقات الجندريّة لعلاقات إجتماعيّة ماديّة بل على نقد تصوّراتها . إنّها تجلى كيف ، مثلا ، يُنظر إليها كجندر و جنسانيّة طبيعيين أدائيين داخل / ل اللغة ، و تميّز عدم تماسك ما يبدو متماسكا مضايقة فعل مجازات في هذه التصوّرات ( بتلار 2000، 2004 ).
مقاربة النسويّة الحمراء للنظريّة مقاربة نقد تفسيري . إنّها مختلفة جوهريّا عن النظريّة – كمسرحيّة في كون النظريّة – كمسرحيّة تقريبا حصريّا نقد للتصوّرات و بالتالى ، تفهم التغيير كتغيير للتصوّرات عبر ، مثلا ، إعادة صياغة المضمون ( مثلما لدى بتلار ، و إعادة صياغة الإستعارة ( مثلما لدى كورنال ) و كإعادة صياغة وصف ( مثلما لدى رورترى ) . و في تعارض مع النظريّة – المسرحيّة ، تحاجج النظريّة كتفسير أنّ التصوّر دائما و في آخر المطاف محدّد بعلاقات العمل و رأس المال . و التغيير الاجتماعي الذى يمكن أن يبدّل العلاقات الجندريّة مسألة تغيير للعلاقات الجندريّة إلى علاقات طبقيّة . و بالنسبة إلى النظريّة – كمسرحيّة ، الثقافة سلسلة لغويّة – منظّمة لدلالات متنازعة. والنسويّة الحمراء ، على الضد من ذلك ، تنظر إلى الثقافة على أنّها متّصلة على الدوام بعلاقات الإنتاج الإجتماعيّة . و هكذا الثقافة هي الموقع الذى يصبح فيه الناس واعين بمصالحهم الطبقيّة الموضوعيّة و يقاتلون من أجلها . و الثقافة كما يضعها أ. ب. ثمبسون ، هي " طريقة صراع " و ليست سلسلة دلالات ( 1961 : 33) . و المعنى الذى هو بؤرة تركيز النسويّة المرحة ليس مسار علامات راحلة بل هو علاقة إجتماعيّة .
لماذا النظريّة مهمّة
تنتج الثقافة السياسيّة الرأسماليّة وعيا يوميّا " عفويّا " ينظر إلى العالم الإجتماعي كمجموعة من المممارسات المنفصلة المستقلّة أو شبه المستقلّة ، و لكلّ منها " منطقه الثقافي " الفريد و المختلف الخاص . و هذه هي النظرة التي تفضّلها النظريّة المرحة باسم تشريف " الإختلاف " . و تبيّن النسويّة الحمراء أنّ تجزأة ما هو إجتماعي إفراز للإغتراب في العمل ( ماركس 1975). و تطبيع ذلك في النظريّة المرحة ( مثلا ، ك " الجسد دون أعضاء " ) تلبية لحاجة رأس المال إلى إيقاف أي فهم للكلّية الإجتماعيّة يظهر إلى السطح التناقضالت الأساسية للنظام الرأسمالي – تحديدا تصوير التبادل – الذى هو أساس جميع المؤسسات الرأسماليّة ، من الحبّ إلى التعليم و صحّة و الإمبريالية و السلطة – يتمّ التعمية عنه بالإختلاف الثقافي الذى يثمّن في النسويّة المرحة . إنّ النظريّة الحمراء ضروريّة لتغيير العلاقات الجندريّة . فهي توفّر معرفة كلّية المجتمع التي يمكن بفضلها إستيعاب الجندر كطبقة و النسويّة ذاتها يعاد ربطها كنظريّة ماديّة : " لا حركة ثوريّة بدون نظريّة ثوريّة . إنّنا لا نبالغ مهما شدّدنا على هذه الفكرة في مرحلة يسير فيها التبشير الشائع بالإنتهازيّة جنبا إلى جنب مع الميل إلى أشكال النشاط العملي الضيّقة جدّا . " ( لينين 1961 : 369 ؛ بالعربيّة " ما العمل ؟ " فقرة " د- إنجلز و أهمّية النضال النظري " ) و الإنتقائيّة المرحة – مثلا ، غفى كتاب ريتا فالسكي " الأدب بعد النسويّة " (2003 ) – شكل منتشر شعبيّا لهذه الإنتهازيّة العمليّة اليوم .
الوكالة ( أجنسى )
تتطلّب أيّة تعبأة وكالة مضادة للهيمنة أوّلا أن ينظّر المرء للوكالة ذاتها . و هناك نزعة في النسويّة المرحة للتنظير للوكالة في إطار براغماتي / نفعي و محلّي كامن في خصوصيّة النشاطات الوضعيّة . بكلمات أخرى ، تحاجج النسويّة المرحة أنّ لكافة النشاطات الفعليّة بُعدٌ محلّي قويّ – و أحيانا تزعم حتّى أنّ هذه المحلّية شكل من النسبيّة . و مع ذلك ، بينما تموقع الموضوع ، تنظّر له بطريقة لاتاريخيّة مثاليّة . فهي تتبنّى نوعا ما أنّ الموضوع قوّة محض تجربته العفوية ، يمكن أن ينهض بالنشاط التغييري . و فعلا ، قاعدة التحالف السياسي للنسوسّة المرحة هي هذا الموضوع المثالي على أنّه محلّي : موضوع يمكن أن يدخل في تفاوض مع مواضيع أخرى و بشكل تعاوني يحدث التغيير . و التغيير هنا دائما كلمة سرّ للشكل الإنتهازي . و هذا الفهم للوكالة – المحلّى و البراغماتي و الإصلاحي و التحالفي – يهيمن على النسويّة اليساريّة المرحة .
لنعبّر عن ذلك بطريقة أخرى : تتجنّب النسويّة المرحة المسألة الطبقيّة التي هي الموقع الوحيد للوكالة التاريخيّة . و تقوم بذلك أوّلا بتصوير الطبقة كرؤية مسجّلة تاريخيّا ثمّ تقترح تحيين الموقف فتضع موضوع التحالف في سياسة الهويّة . إنّها تعدّد الموضوع و ترى هذا على أنّه عمل تحريري : موضوع نسوي ، موضوع أفروأمريكي ، موضوع لاتيني و موضوع الشواذ و ما إلى ذلك . و هذه المواضيع المعزولة عن بعضها البعض تُحجب جميعا كمواضيع وكالة . و تحاجج النسويّة الحمراء أنّ مفهوما منتجا للوكالة يجب أن يكون نقديّا إلى درجة عالية لمثل هذه النظريّات للوكالة التي هي في آخر التحليل ممارسات تعويضيّة لنمط حياة طبقة ثمّ الإقرار بنمط حياة هذه الطبقة على أنّه محور الممارسة الإنسانيّة .
و هذا لا يعنى أنّ الاجنسانيّة و الجندر أو العرق ليسوا مواضيع صراع بل بالأحرى أنّهم ليسوا مجالات مستقلّة . و لا تغدو الجنسانيّة علامة على الإختلافات الإجتماعيّة إلاّ في مجتمع طبقي . و العرق موقع تاريخي للعنصريّة في ظلّ الرأسماليّة حيث العمل البخس للعبيد و المستعمَرين و المهاجرين المختلفين عرقيّا مصدر ربح . و بكلمات أخرى ، بالرغم من أنّ العرق و الجندر و الجنسانيّة هم بالفعل مجالات الوكالة و مواقع تاريخيّة للصراع الاجتماعي ، تصبح كذلك بسبب تقسيم العمل و علاقات الملكية ( الطبقيّة ) . و بالتالى ، في عالم يغزوه رأس المال الوكيل التاريخي الوحيد هو الرأسمال الآخر : العامل المأجور . و أيّة وكالة مضادة للهيمنة أو الممتارسة الإنسانيّة لا تركّز نفسها في هذا التناقض و هذا التناقض الطبقي العدائي ستنتج وكالة يمكن أن تجعل الكاتب المرح يشعر بالقوّة و القدرة لكنّه سيترك الممارسات الإجتماعيّة القائمة دون مساس . و كي نكون واضحين للغاية ، الطريق إلى التغيير الاجتماعي لا تمرّ عبر التحالف – و إنّما تتركّز بصلابة في الثورة .
سياسة الهويّة
تتقدّم سياسة الهويّة بالهويّة دون طبقات ـ هويّة تتشكّل بمعانى رحّالة للرغبة و التجربة . إنّها ذاتيّة لا تضع ضغطا على و لا تهدّد علاقات العمل الإجتماعيّة القائمة . و حين حين لا يكون ممكنا تجنّب العمل – مثلا ، في نقاشات نضالات النسويّة و مناهضة العنصريّة ـ يمسى العمل في غالبيّته مسألة مواطن شغل و تشغيل ، أي ، مسألة دخل ( أي " أجر متساوى " ). لكن الدخل بذاته و في حدّ ذاته ، لا يحدّد علاقة موضوع العمل بالهياكل الصداميّة للعمل . الدخل ، لنكون أدقّ ، قد يتأتّى من الربح أو من الأجر .
حينما تعالج النسويّة المرحة أو مناهضة العنصريّة مسألة العمل ، في الجزء الأكبر ، يقع تقليصها إلى كيفيّة تنمية دخل الموضوع – و حتّى مسألة العمل المنزلي فُهمت بشكل واسع في إطار " العمل المدفوع الأجر " و دخل الشؤون المنزليّة –الدخل مسألة إستهلاك ؛ و الطبقة مسألة إنتاج . و نادرا ما ناضلت النسويّة أو مناهضة العنصريّة ضد علاقات العمل القائمة المعتمدة على هيمنة رأس المال . و الإستثناءات القليلة كانت إستثناءات النسويّات و مناهضى العنصريّة الماديين الجدليين الذين إشتبكوا مع التركيبات الطبقيّة للجندر و العرق و الجنسانيّة . لكن هذا العمل ، خاصة في سبعينات القرن العشرين و ثمانيناته ، قد سحبت البساط من تحته إلى درجة كبيرة النسويّة المرحة و السياسات اليساريّة للهوّية .
تمنح النظريّة المرحة الإستقلاليّة أو على الأقلّ شبه الإستقلاليّة للعرق و الجندر و الجنسانيّة و تنظر إلى كلّ منها في إطار منطقها الخاص الملازم لها و الذى لا يمكن ترجمته إلى أي منطق آخر . و عندئذ ، تصبح المسألة كيف يسير الجندر و كيف يسير العرق و كيف يعمل فعلا المنطق الثقافي . و المنطق المادي لهذه العلاقات ـ مسألة لماذا يعمل الجندر كما يعمل ـ يقع تهميشها .
لا وجود لمنطق ملازم للعرق و الجندر و الجنسانيّة . ما يوجد هو فقط منطق فريد ، شامل للإنتاج الذى يهيكل الكلّ . و أسرعت معظم النسويات المنظّرات و المناهضات للعنصريّة و الشذوذ ، في إستبعاد مثل هذه النظريّة الماديّة بقول إنّ منطق سير العمل لا يمكن أن يشرح الرغبة في الجنسانيّة و الإضطهاد في العنصريّة و اللامساواة في العلاقات الجندريّة . و مع ذلك ، الجندر و الجنسانيّة و العرق يغدون إختلافات إجتماعية فحسب عندما يصبحون جزءا من التقسيم الاجتماعي للعمل .
ليست العنصريّة ، على الضد من نظريّة فوكو ، مجرّد مسألة لاتماثل في علاقات السلطة ، و ليست مجرّد إضطهاد – ممارسة السلطة من قبل متباينى الجنس ضد المثليين . و تقريع المثليين تعبير عن العنف أي السلطة غير أنّ هذه الأخيرة لا يمكن أن تُفهم في إطارها الخاص دون بحث في سلسلة نسبها في علاقة بالملكيّة . و على النقيض من النظريّة المرحة ، ليست السلطة تأثيرا للخطاب ، و لا هي مجرّد شرط ملازم لكافة العلاقات . السلطة تمظهر إجتماعي و سياسي لملكيّة وسائل الإنتاج . و بكلمات أخرى ، تنبع السلطة دائما عند نقطة الإنتاج و تبعاتها ينبغي أن يتمّ تفحّصها أيضا في صلة لعلاقات الإنتاج . و العنصرية ليست مجرّد إضطهاد ( ممارسة سلطة البيض ضد السود ) ؛ و التمييز الجنسي ليس مجرّد إضطهاد ( ممارسة سلطة معظم الرجال ضد النساء ) . صحيح أنّ العنصريّة و التمييز الجنسي و الجنسيّة المثليّة يعيشها الموضوع ( أي الأفروأمريكي و المرأة و المثليّة ) كتأثير إضطهاد سلطة . و لئن حدّدنا بحثنا في هذا المستوى التجريبي ، سننتهى ببساطة لسلطة الأثنوغرافيا الوصفيّة ما سيكون محدود الفائدة جدّا . و إن تجاوزنا النظر إلى العنصريّة و التمييز الجنسي و الجنسيّة المثليّة كمجرّد مفاعيل سلطة لفهم لماذا تنحدر من ملكيّة وسائل الإنتاج ، بالتالى ن سنقدر على التنظير للعلاقات الطبقيّة و الجندريّة و العرقيّة و الجنسانيّة بطريقة أكثر تاريخيّة و تغييريّة .
فكر الحداثة / ما بعد الحداثة
ترفرف مفاهيم فكر الحداثة / ما بعد الحداثةة ، أو الحداثة / ما بعد الحداثة فوق كافة فضاءات التناقض : هي مفاهيم إستخدمت للتعاطى مع التاريخ و المنعرجات في ثقافات الرأسماليّة . و المعاصرة هي مجموعة الإستراتيجيّات المفاهيميّة ـ من العلم إلى الرسم إلى الموسيقى إلى علم الاجتماع إلى التحليل النفسي ـ التي يستعملها الموضوع الحداثي ليحّدد نفسه في التناقضات بين العمل المأجور و رأس المال . لا وجود لأساليب ( " حداثيّة " ) بمعزل عن التطوّر التاريخي للعمل المأجور و رأس المال ، عن رأسماليّة دعه يعمل دعه يمرّ التي تطوّرت إلى رأسماليّة إحتكاريّة .
إنّ فصل فكر الحداثةعن ما بعد الحداثة أو بالمناسبة الحداثة عن ما بعد الحداثة ، قد يوهم بالوضوح المفاهيمي و التموقع التاريخي بيد أنّه في النهاية ، نوع ممّا وصفه ماركس و إنجلز في " الإيديولوجيا الألمانية " ب " قتال جمل هذا العلم فقط " ـ أي سياسة جمل ( ماركس و إنجلز 1976 : 30) . الأشكال المتنوّعة لما بعد الحداثة ـ لدى جامسون (1991 ) و لدى ليونارد ( 1984 ) ، و لدى بتلار و آخرون (2000) – هي جميعا مواصلة لمسعى فهمالرأسمالية دون طبقات . جميعهم يعتمدون ، مثلما أوضحنا ، على الإستهلاك الذى غيّرته الرأسماليّة ـ أنّ هناك تغيّر هيكلى أساسي ، " قطيعة " في الرأسماليّة تتطلّب مجموعة جديدة من الأصناف المفاهيميّة لفهم تأثير الرأسماليّة على الثقافة و المجتمع . مسألة الحداثة ، ما بعد الحداثة ، مع ذلك ، ليست مسألة أسلوب و لا هي مسألة ثقافة ذلك أنّ كلّ من الأسلوب و الثقافة في نهاية المطاف إفراز للتناقضات الأوّليّة للرأسماليّة . و تتخطّى النسويّة الحمراء الأصناف المبتذلة من الحداثة / ما بعد الحداثة ، و فكر الحداثة / ما بعد الحداثة ، و إعادتها لدى هابرماس و غيفلنت و جيمسن و بتلر بالعودة إلى المسألة الأساسيّة . و المسألة الأساسيّة هي نمط الإنتاج . عوض إعتبار أ،ّ الرأسماليّة قد تغيّرت ، من الضروري العودة إلى الموضوع الأساسي : بأيّة طريقة تغيّرت الرأسماليّة ؟ هل تغيّرت فعلا رأسماليّة الحداثة إلى رأسماليّة أخرى ( ما بعد الحداثة ) ـ ما يسمّيه جيمسن ، مستعيرا جملة أرنست مندال " الرأسماليّة في المدّة الأخيرة " ؟ أم هل أنّ الرأسماليّة ظلّت نفس النظام الإستغلالي ـ فيه يستخرج الرأسماليّون فائض قيمة العمل من الأجراء . ما تغيّر ، مثلما حاججنا سالفا ،ليس العامل الأساسي لعلاقات الملكيّة و إنّما طريقة التعبير عن هذا الإستغلال. و تظلّ أنتولوجيا / علم وجود الرأسماليّة نفسها ، فقط ظواهرها قد تبدّلت. لم يتغيّر افستغلال ـ و هذا هو المؤشّر الوحيد لتغيّر الهيكلة ـ بالأحرى ما تغيّر هو شكل الإستغلال . و إذا جرى الإعتراف بهذا " الوقاع " البسيط ، يتحوّل عندئذ كامل النقاش حول فكر الحداثة / ما بعد الحداثة ببساطة إلى سياسة جُمل .
عند التعاطى مع مسألة التاريخ و موقع البشر في التاريخ ، العامل المحدّد ينبغي أن لا يكون الحداثة / ما بعد الحداثة و مكانة البشر في التاريخ الكثيف المستويات و المعقّد . علاقات البشر و التاريخ علاقات عمل .
المرجعيّة [ رفرنسيلتى ]
مثلما حججنا ، لا تقطع النظريّة المرحة مع المرجع بل تعوّضه بأنماط و أشكال جديدة من المرجعيّة و المرجعيّة بتلك المفاهيم عن المرجع التي فقدت صلوحيّتها التاريخيّة بالنسبة للرأسمالية . و كيما نكون أوضح ، كانت النظريّات التقليديّة للعلاقة بين اللغة و الواقع ( التي كانت جوهر المفاهيم المشتركة للمرجع و المرجعيّة تقوم على ما يمكن تسميته بالعلاقة " الفورديّة " للتناسب بين الدال و المدلول . و هذا الصنف من المرجعيّة كان مناسبا أكثر للرأسماليّة الصناعيّة في بداياتها الأولى ، و أهمّ مظاهره كانت التيلوريّة في الإدارة و خطّ التركيب في الإنتاج . و مع ذلك ، مع ظهور التكنولوجيا الألكترونيّة ـ التي جلبت معها تقنيات الإدارة كالتنظيم الجمعي و فريق الإدارة ؛ و أحلّت أماكن العمل المرنة ما بعد التيلوريّة محلّ الإدارة التيلوريّة القديمة ، و فتحت قوّة العمل للنساء و ألفروأمريكيين و اللاتينيين و مجموعات مهمّشة أخرى ـ لم يعد نمط التصوير المعتمد على تناسب الدال و المدلول صالحا تاريخيّا. و من مظاهر التكنولوجيا الألكترونيّة هو التناص أو تعدّديّة العلامة . و العلامة ـ في الصناعة الفورديّة إشتغلت إلى درجة كبيرة على تقريبا مستوى واحد ـ قد صارت موضوعا لأشكال متنوّعة من المضاعفة و المرجعيّة الذاتيّة و ـاثيرها هو ما يسمّيه بودريار " المحاكاة " و " التظاهر " (1994 ).
واقع أنّ العلامات قد غدت متعدّدة و أنذ العلاقات بين الدال و المدلول غدت علاقات تناوب داخل التناوب لا يعنى أنّ المرجع قد ضاع . المرجع ، إستجابة للعلاقات الإجتماعيّة ، صار متعدّدا . و هناك حاجة إلى نظريّة مرجعيّة حمراء جديدة . في إعادة الحصول على المرجع أكثر فعاليّة إجتماعيّا بالنسبة للغة ، نعتقد أنّ بوسع المرجع أن يُعاد التنظير له من خلال كتاب " رأس المال " ، و بوجه خاص الفصل 10 من المجلّد الأوّل ، الذى يشرح فيه ماركس العمل في يوم العمل . بإختصار ، يوفّر نقاش يوم العمل إطارا فعّالا جدّا لإرساء نظريّة مرجعيّة توضع فيها اللغة مرّة أخرى في علاقة نسبيّة مع التاريخ في شكل عمل . و النظريّة الجديدة للمرجعيّة ينبغي هكذا أن تكون مستندة إلى نظريّة عمل اللغة ، التي تبيّن كيف أنّ المعنى علاقة إجتماعيّة .
" نهاية الإيديولوجيا "
في النظريّة المرحة لليسار ، لا سيما في عمل أرنستو لاكلاو و شنتال موف ، يُنظر إلى الإيديولوجيا على أنّها تشهد " تحلّلا " . في كتاباتهما ، لاكلاو و موف ، معتمدين كثيرا على لاكان و ألتوسر ، محتا النظريّة الماديّة للإيديولوجيا المعبّر عنها في كتاب ماركس و إنجلز " الإيديولوجيا الألمانيّة " و بأكثر تشديد مكرّرة في كتاب ماركس " رأس المال ". و من أجل تهويل تحلّلها ، قلّصاتا النظريّة الماركسية الكلاسيكيّة للإيديولوجيا إلى مجرّد " وعي زائف " و صوّرتا نظرات ألتوسرو ما بعد ألتوسر على أنّها خطوات مفاهيميّة لاائدة . و الإيديولوجيا بعد هذا " التحلّل " أمست تصويرا عاما ليس بوسع أحد الإفلات و فيه محكوم على الجميع عيش حياتهم ( الإجتماعيّة ) . و من إنعكاسات مثل هذا المفهوم للإيديولوجيا ، طبعا ، كان محوه للوضوح الصارم للتناقضات الطبقيّة .
للإيديولوجيا معنى معيّن جدّا أو مادي لدي النسويّة الحمراء . و في عدّة فصول من المجلّد الوّل من " رأس المال " ، يشرح ماركس السيورة التي من خلالها يتبادل العامل قوّة عمله / تتبادل العاملة قوّة عملها ، مقابل أجر . في الفصل العاشر ، يشرح الآليّة الدقيقة ليوم العمل الذى ينتج أثناءه العامل ما يساوى أجره و كذلك فائضا من العمل . و في الفصل السادس ، ينظّر للإختلاف بين العمل و قوّة العمل و يستنتج أنّ قوّة العمل هي بوجه خاص " سلعة تملك قيمتها الإستعماليّة الميزة الخاصة لكونها مصدرا للقيمة و إستهلاكها الفعلي هو ذاته بالتالى تشييء للعمل و من ثمّة خلق القيمة " ( ماركس 1976 : 270 ) . و يستخلص أنّ التبادل بين الرأسمالي و العامل تبادل لقوّة عمل مقابل أجر و هذا التبادل يصوّر في النظريّة البرجوازيّة على أنّه كلّ شيء ما عدا تبادل متساوى : إنّه يترك العامل ، يشير ماركس ، " كشخص أتى بمتاعه الخاص إلى السوق و الآن ليس له ما يتوقّعه غير دباغة " ( المصدر السابق : 280).
يبحث المفهوم النسوي الأحمر عن تفسير تصوّرات هذا التبادل على أنّه تبادل متساوى و عادل . هذا هو جوهر النظريّة الحمراء للإيديولوجيا : كيف تصوّر العلاقة بين العمل المأجور و رأس المال على أنّها حرّة و متساوية بينما ليست شيئا آخر سوى ( " دباغة " ). الوعي الزائف مفهوم يميّز به فهم مادي الوعي الذى ينظر إلى هذا التبادل على أنّه تبادل بين متساويين يجرى بحرّية . إ،ّه وعي زائف لأنّه يفسّر المادي بالثقافي ( الخطاب القانوني ) . و هكذا ينظر إلى التبادل على أنّه غير معرقل و غير قسري بينما في الواقع ، مثلما يحاجج ماركس نفسه ، يحصل هذا التبادل في ظلّ " العلاقات الإقتصاديّة القسريّة الصامتة " – القسر يعيّن ختم هيمنة رأس المال على العمل " ( المصدر السابق : 899) . الوعي الزائف هو وعي يقبل تبادل الأجور و قوّة العمل على أنّه تبادل عادل .
الجوهريّة [ أسنسيالزم ]
تضع النسويّة المرحة الجوهريّة و مناهضة الجوهريّة في مركز النظريّة الجندريّة الحديثة . و تترجم هذه الحركة الصراع الاجتماعي و فهمه المادي إلى أبستيمولوجيا . و لترجمة الصراع الاجتماعي الذى هو دائما حول فائض العمل – إلى أبستيمولوجيا هو تكرار لحركة هيغليّة ، و في الجوهر منها تفسير التاريخ بالأفكار بدلا من العمل . و بالتالى ، أيّة نظريّة ماديّة تؤكّد على أولويّة العمل نسبة للأفكار ، أولويّة المادة نسبة للطيفيّة ، ينحو نحو رؤيته من طرف النظريّة المرحة على أنّه جوهري . كلّ النظريّة الثقافيّة تفسّر طريقة توسّط الممارسات عبر سلسلة ثقافيّة متعدّدة . و مع ذلك ، كلّ نظريّة تفهم الممارسات و سلسلتها الثقافيّة على أنّها في نهاية المطاف متجذّرة في العمل الإنساني تصوّر على انّها " جوهريّة " . هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى ، التأكيد على أنّ مثل هذا التفسير يجب أن يكون دائما بعدُ مناهضا للجوهريّة – أي ، التعاطى دائما فقط مع الممارسات الوضعيّة الخاصة – هو تجسيد السياسات على النطاق الضيّق و قطع العلاقة بين السياسات على النطاق الضيّق و منطق إنتاجها العالمي و الكامن . و لوضع الأمر بطريقة أخرى ، النقاش النسوي المرح حول الجوهريّة / مناهضة الجوهريّة نقاش يهدف في النهاية إلى تمزيق العلاقة بين المحلّى و العالمي بتقديم العالمي على أنّه جوهريّ و تجريد شمولي . و القيام بهذا يفسخ الخطوط الطبقيّة و يضع مكان الطبقة ذاتها سلسلة من الهويّات المجزّأة و التي تبدو مستقلّة ( العرق و الجندر و الجنسانيّة ) – و يهمّش التضامن الإنساني الذى هو أساس ممارسات العمل الجماعيّة .
المثقّف / المثقّفة
سلالة المثقّف الجديد تبدا مع موقف فوكو في حواره الصحفي " الحقيقة و السلطة " حيث يصارع ضد مفهوم المثقّف العالميّة بفكرة المثقّف الخاص . والمثقّف الخاص الضيّق و ينتج معارفا خاصة . هو لا يعانى من وهم أيّة روايات كبرى ، على غرار تحرير الإنسانيّة . بالنسبة إلى فوكو ، من غير الأخلاقي القيام بمثل هذه الحركات الكبرى بينما يستطيع المرء الإنكباب على مواضيع خاصة في سياقات خاصة . وفي نقاشه مع جيل دلوز ، يشرح فوكو فكرته عن المثقّف و الممارسة الثقافيّة بتأكيد أنّ وظيفة مثل هذأ المثقّف هو أساسا تمكين المضطهَدين من إيجاد أصواتهم و القدرة على الحديث عن أنفسهم . ( فوكو 1977 – ب : 205-217 ).
و قد عرف مفهوم المثقّف الخاص عددا من إعادات التحديد في النظريّة الحديثة – و من أشكاله الأكثر إنتشارا ذلك المعروف بفكرة " مثقّف الجماهير " الجديد . و هذا الأخير هو شخص قادر على تخطّى البون بين المعرفة الأكاديميّة للموضوع و الشؤون العموميّة الأوسع . كلّ من فوكو و المنظّرون الحداثيّون الذين في ردّ عليه قد ركّزوا على المثقّف العمومي ، متأثّرون بالطبع بغرامشي و مفهومه لدور المثقّف . و مسألة ما الذى يشكّل مثقّفا ليست مسألة بسيطة لتعيين هويّة أو صياغة وصفة جملة من المهام ( مثلما يفعل ذلك فوكو و كافة المنظّرون الحداثيّون ) و يتميّز دور المثقّف أكثر ما يتميّز بوضوح بالتقليد الماركسي الذى فيه المثقّف شخص عمله يهدف إلى إنتاج الوعي النظري . و الوعي النظري بالنسبة للنسويّة الحمراء يشيّد على حجّة لينين و إعادة تأكيدها من قبل لوكاتش . و يرى لينين هذا الدور – إنتاج الوعي النظري – على أنّه مهمّ جدّا إلى درجة أنّه كتب : " لا حركة ثوريّة بدون نظريّة ثوريّة . إنّنا لا نبالغ مهما شدّدنا على هذه الفكرة في مرحلة يسير فيها التبشير الشائع بالإنتهازيّة جنبا إلى جنب مع الميل إلى أشكال النشاط العملي الضيّقة جدّا. " ( لينين 1961 : 369 ؛ بالعربيّة " ما العمل ؟ " فقرة " د- إنجلز و أهمّية النضال النظري " ) . و يلغى لينين الإختلاف المصطنع بين العامل و المنظّر . و يحاجج أنّ العامل منظّر . و بطبيعة الحال ، نجد صدى لينين عند غرامشى عندما يتحدّث عن دور الحسّ العام و الفلاسفة . ومن المفيد أن نقتطف وإن مطوّلا نوعا ما موقف لينين في " ما العمل ؟ " لأنّه يوضّح علاقة المنظّر بالمجتمع و المثقّف بالبروليتاريا ؛ ويسلّط كذلك الضوء أكثر على مسألة النظريّة ذاتها : كتب لينين : " و لا يعنى ذلك طبعا انّ العمّال لا يشتركون في وضعها . و لكنّهم لا يشتركون في ذلك بوصفهم عمّالا ، بل بوصفهم من علماء الإشتراكية النظريين ، بوصفهم برودون و فيتلينغ و أمثالهما ، أي بعبارة أخرى لا يسهمون في ذلك بمقدار ما يتمكّنون من إستيعاب معارف عصرهم و من دفعها إلى الأمام . و لكيما يتيسّر للعمّال ذلك فى نطاق أوسع ، ينبغي بذل أقصى الجهود لرفع مستوى وعي العمّال بوجه عام ، ينبغي ألاّ يحصر العمّال أنفسهم في " مطبوعات للعمّال " يضيق إطارها بصورة مصطنعة ، بل أن يتعلّموا إستيعاب المطبوعات للعموم أحسن فأحسن . و من الأصحّ أن نقول ، بدلا من " ألاّ يحصر العمّال أنفسهم " – ألاّ يحصروا لأنّ العمّال أنفسهم يقرؤون و يريدون أن يقرؤوا كلّ ما يكتب حتّى للمثقّفين ، و لا يعتبر أحد غير بعض المثقّفين ( أردياء ) أنّه يكفى " من أجل العمّال " الحديث عن الأنظمة السائدة في المصانع و إجترار ما هو معروف منذ أمد بعيد . " ( لينين ، المصدر السابق : 384 ؛ بالعربيّة ، " ما العمل ؟ " هامش بفقرة ب- " تقديس العفويّة . رابوتشايا ميسل " ).
إنّ الإحالة على مفهوم لينين للمنظّر – اللمثقّف هنا يمكن أن تبدو غير مجدية تماما نظرا لمنتهى عداوة النسويّة المرحة للينين . و هكذا من الضروري بالنسبة للنوسيّات البرجوازيّات ، لينين رمز للإضطهاد البطرياركي . و مردّ هذه الإستهانة المعادية للينين و الشائعة الشيطنة الواسعة الإنتشار لينين في الإيديولوجيا البرجوازيّة ، و سوء قراءة أساسى جدّا و رائد جدّا للينين من طرف نسويّات – و البرز قراءة لرسالتين بعثهما إلى إيناسا أرماند ( لينين 1974 ) : و من الشائع أن تعتبر هذتين الرسالتين دليلا على عدم إهتمام لينين الإضطهادي و البطرياركي و المتزمّت إزاء شؤون النساء و الجنسانيّة و بوجه خاص " الحبّ الحرّ " و نقده للعمل الفكري النسويّ – الكرّاس الذى إقترحه أرماند للنساء البرولياتريّات حول الحبّ و الزواج و العائلة . لكن مثل هذه القراءة للينين لاتاريخيّة تماما - هي تتجاهل الوضع التاريخي الفعلي لعمل أرماند و كتبة لينين – و تتعامى عن محو جوهري للطبقة و الإنحياز البرجوازي في النسويّة ذاتها . و هنا يثير لينين المسألة الأساسية للغاية ، المسألة الطبقيّة التي محتها النسويّات و محاها المنظّرون للجنس ، تقريبا بكلّ أصنافهم ، محوا كبيرا – ما يسمّيه لينين " المنطق الموضوعي للعلاقات الطبقيّة في شؤون الحبّ " ( المصدر السابق : 39 ) في تعارض مع الفهم " الذاتي " لل" حبّ " و الجنسانيّة مثلما تقترح ذلك أرماند و معظم النسويّات . و ينقد لينين مفهوم " الحبّ الحرّ " بتعداد سلسلة من الفهم المادي للمفهوم ضد المفاهيم البرجوازيّة السائدة ضمن " الطبقات البارزة في القمّة " ( المصدر السابق : 38-39)، ثمّ يحاجج بأنّ الإيديولوجيا البرجوازيّة المهيمنة هي التي ستتغلّب نتيجة سوء تأويل حجّة أرماند . بإختصار ، لينين ليس بصدد محو مشروع أرماند بل هو يقدّم له مساندة نقديّة و من خلال بيداغوجيا صبورة ، يسعى إلى مساعدة أرماند في صيانة مشروعها منواقع التشويهات البرجوازيّة التي س " تجتثّ منه جملا ... لتسيئ فهمك " – أي ، لتسيئ فهم الإختلافات الطبقيّة و الواقع الطبقي الموضوعي لظروف الجنسانيّة و كذلك سوء تأويل الحاجيات الماديّة لنساء البروليتاريا للجنسانيّة المتحرّرة من الضغوط الماديّة في تعارض مع المطالب البرجوازيّة بممارسة الرغبة الحرّة من الضغوط الأخلاقيّة . هذا تمييز لا زال غائبا لدى المنظّرات للنسويّة و الجنسانيّة اليوم ، و العداء المستمرّ تجاه بيداغوجيا لينين الصبورة لكن النقديّة يعبّر بصفة معتبر أكثر عن القدرة الخاصة للمثقّفات النسويّات على التفاعل مع النقد و الحدود الطبقيّة لفهمهنّ الخاص أكثر ممّا يعبّر عن أشياء بخصوص لينين .
الكُلِّية
في النظريّة المرحة ، الكُلّية إمّا منبوذة باسم البراغماتيّة ( التي هي أحيانا مسمّاة " ممارسة " ) أو تساوى بالكُلّية . المفهوم العملي للحقيقة حسب البرغاماتيّة – " الحقيقة إسم كلّ ما يثبت أنّه جيّد في طريقة الإعتقاد ، و جيّد كذلك لأسباب محدّدة محتملة – تجعل من العسير المحاججة من أجل مجتمع ما بعد راسمالي سيكون شاملا في التمكّن الإقتصادي و حرّياته السياسيّة و الثقافيّة . بكلمات أخرى ، ستعيدنا مقاربة براغماتيّة للحقيقة إلى عدم الإعتراف بعلاقة العمل و رأس المال . ( جمسن 1974 : 59 ) و ستعبّر المقاربة البراغماتية عن أنّ مثل هذه العلاقة مقبولة و صادقة لأنّها على المستوى العملي ناجعة . يبدو لنا أنّ أي تنظير للكلّية يجب أن يكون ناقدا بشدّة لمثل هذه البراغماتيّة و شتّى نسخها في النظريّة المرحة . و نسخة البراغماتيّة التي عرضنا للتوّ نسخة مطوّرة بالشكل الأبرز على يد رتشارد رورتى ( 1989) . لكن ليوتارد يتقدّم أيضا بنسخته من النظريّة الاجتماعية البراغماتيّة في كتابه " مجرّد اللعب و الإختلاف " . و تتّخذ نظريّته الإجتماعيّة منطلقا لها موقفه الذى ختم به " الوضع ما بعد الحداثة " : " لنخض حربا على الكلّية، لنكن شهودا على شيء غير لائق". ( ليوتارد 1984 : 82 ) . و في النهاية ، تؤدّى النظريّة الإجتماعيّة لليوتارد المناهضة للكلّية إلى فهم حكم غير محدّد – أي ، حكم ليس معتمدا على أيّ أساس من الحقيقة . و تصبح هذه النظريّة الليوتارديّة مبدأ لدى فلسفة التشريع المرحة التي تفضّل العدالة عن الحقيقة لأّن الحقيقة في حدّ ذاتها كلّية ،و العدالة يجب أن تنحو نحو " الإختلاف " ، نحو ما هو " غير لائق " و غير ممكن الترجمة .
و على خلاف براغماتيّة رورتريان المناهضة للكلّية و " إختلاف " ليوتارد ( حمك دون حقيقة ) ، هناك طريقة أكثر فعاليّة للتعاطى مع الكلّية نلفيها في كتابات لوكاتش . ( و يحتاج المرء إلى أن يكون منتبها جدّا ، مع ذلك ، بشأن مثاليّة لوكاتش الهيغليّة ) . يحاجج لوكاتش ، في كتاب " التاريخ و الوعي الطبقي " بانّ الفكر البرجوازي بمكوّناته الخاصة قد نزع ، هو نازع للكلّية : إنّه نمط تجزئيئ للمعرفة . و هذا الوعي المجزّأ هو الذى يسمّيه " الوعي الزائف " . و وجهة نظرنا هنا ليست نقد تنظير لوكاتش للوعي الزائف . بل هي التركيز على ما يقترحه على أنّه الفكر البرجوازي الآخر : " العلاقة بالمجتمع ككلّ " ( لوكاتش 1983 : 51 ) . الكلّية بعيدة عن أن تكون تجريدا ينسى الإختلافات الخصوصيّة – إنّها إعتراف ملموس بالعلاقات المتباينة التي تنتج ما هو إجتماعي . و مع ذلك ، يؤكّد لوكاتش و بالطبع ، كما أشار ماركس نفسه في مقدّمة " الغرندريسى " " ليس الجانب الملموس للكلّية مماثلا لما هو تجريبي و فردي ؛ الملموس " هو تلركيز لعديد التحديدات و من هنا وحدة التنوّع " ( ماركس 1973 : 101 ) . بالنسبة إلى لوكاتش ، فقط ببلوغ معرفة المجتمع ككلّ " يصبح ممكنا إستنتاج أفكار و مشاعر ستكون لدى الرجال في وضع خاص إن كانوا قادرين على تقييم كلاهما ، هو و المصالح الناجمة عنه في تأثيرها على الحركة المباشرة و على الهيكلة الكلّية للمجتمع " ( لوكاتش 1983 : 51 ).
عند التنظير للكلّية الإجتماعيّة ، تبيّن النسويّة الحمراء كيف أنّ خصوصيّات الجندر و الجنسانيّة مميّزات علاقات طبقيّة – شأنها في ذلك شأن الإختلافات في النسويّة . ثنائية النسويّة المرحة و النسويّة الحمراء إعادة تعبير عن ثنائيّة الطبقة التي هي بذاتها نتاج علاقات الإنتاج الاجتماعية .
--------------------------------

المراجع بالأنجليزيّة :





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,682,902
- الأمّة و القوميّة و النسويّة - أمير حسنبور
- أفريل 1968 : تمرّد السود الذى زلزل أمريكا و العالم
- الديمقراطية و النضال النسوي - الفصل الثالث من كتاب - الماركس ...
- الثورة و النضال من أجل المساواة بين الجنسين - مريم جزايري
- لندعم نضالات النساء في إيران ضد الإرتداء الإجباري للحجاب !
- – الماركسية و النسويّة - الفصل الأوّل من الكتاب 30 – لشهرزاد ...
- حول - الإمبراطوريّة - : الشيوعية الثوريّة أم - الشيوعية - دو ...
- لا يزال - بيان الحزب الشيوعي - صحيحا و خطيرا و أمل الذين لا ...
- مقدّمة الكتاب 29 - دفاعا عن الشيوعية الثوريّة و تطويرها - ضد ...
- رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟ – مقتطف من - الديمقراطية : أ ...
- النموذج الإنتخابيّ البرجوازيّ مقابل قيادة الجماهير لإعادة صي ...
- المركزيّة الديمقراطيّة و صراع الخطّين و الحفاظ على الطليعة ع ...
- إن لم تكن الطليعة هي التى تقود فمن سيقود ؟– مقتطف من - الديم ...
- أيّ نوع من الحزب ، أيّ نوع من الثورة ؟ – مقتطف من - الديمقرا ...
- تصفية التحليل الطبقيّ بإسم معارضة - الإختزاليّة الطبقيّة -– ...
- المركزيّة و اللامركزيّة و إضمحلال الدولة : – مقتطف من - الدي ...
- الصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و أشكال الحكم الجماهيريّ – ...
- مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتر ...
- أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تع ...
- ممارسة السلطة فى المجتمع الإشتراكيّ : القيادة و الجماهير و د ...


المزيد.....




- قيس سعيّد وصدام وجمال عبد الناصر.. هوس العرب بتسمية أطفالهم ...
- -الاشتراكي-مع بقاء الحكومة اللبنانية بشروط... والمتظاهرون غي ...
- مئات آلاف المحتجين في بيروت... إصرار شعبي على استقالة الحكوم ...
- الحزب الشيوعي السوداني يدعو للاحتشاد بالعاصمة الخرطوم للمطال ...
- بعد استقالة وزرائه.. جعجع يرد على نصرالله ويوجه رسائل للحرير ...
- أمين عام الاشتراكي يعزي خالد بحاح في وفاة والدته
- عبد الحفيظ حساني// تضامنا مع المعتقلين السياسيين :
- عز الدين أبا سيدي// سائقو التاكسي الصغيرة بصفرو تحت نير عبو ...
- لبنان.. بيان نسب للمتظاهرين يطالب بإسقاط -حكومة العهد-
- إصابة 3 مدنيين في انفجار لغم زرعه حزب العمال الكردستاني بتل ...


المزيد.....

- أولرايك ماينهوف المناضلة الثائرة و القائدة المنظرة و الشهيدة ... / 8 مارس الثورية
- الخطاب الافتتاحي للحزب الشيوعي التركي في اللقاء الأممي ال21 ... / الحزب الشيوعي التركي
- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - الجندر بعد الطبقة - خاتمة كتاب : - الماركسيّة و النسويّة - ، تجميع و نشر شهرزاد موجاب ، كتب زاد ، لندن 2015