أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الأول 2















المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الأول 2


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5850 - 2018 / 4 / 19 - 20:09
المحور: الادب والفن
    


ساعات الصباح الباكرة، اعتادت فيها على صيد كناري ذكرياتها، بغيَة حبسه في قفصٍ من الأوراق البيضاء، يقتاتُ على قنّبٍ أسود من الأحرف والنقاط. لعلها الساعات الوحيدة، المُجدية في نظر " سوسن خانم ". بفضلها اكتسبت دِرْبةً، جعلت من الكتابة كأنها حرفةٌ موازية لأعمالها التجارية. إحساسها مؤخراً بالسأم من دوران النهار بها في المكتب ( جاموسة معصوبة العينين مسخّرة لجر المياه! )، دفعها إلى التخلي شيئاً فشيئاً عن شؤونه لكل من " آلان " وشقيقته. علاقاتها الاجتماعية، باتت أيضاً محدودة للغاية مع اختفاء أكثر الأصدقاء لهذا السبب أو ذاك. وإذ تنغلقُ رويداً على داخلها، باتت مراكش بعيدةً عن متناول يدها بُعد الذكريات عن موطنها الأول ومدينة دراستها سواءً بسواء.
" الشيخ سالم "، كان نادراً ما يستشيرها في أمور حياته المهنية.. اللهم إلا لو تعلق الأمرُ بإحياء حفلات الاستقبال والولائم، الخاصّة بموظفي القنصلية وعائلاتهم. على ذلك، استغربت ذات يوم حينَ فاتحها بموضوع انتقاله من موسكو: " عملي هنا كان عبئاً ثقيلاً، بسبب التزامنا دعم تسليح العراق في حربه مع إيران. الآن انتهت الحرب تقريباً، وبتُّ أمامَ خيار العمل القنصليّ في القاهرة أو الرباط. لو أنني أتبعتُ قلبي، لفضلتُ مصرَ. أما هدوء البال والاسترخاء، فإنهما متوفران بشكل أفضل في المغرب "، قال لها بصوته الخشن. في لمحةٍ واحدة، تشكّلت قدّام عينيها أجزاءُ صورة " فاطي "ـ كما كان أمرُها ذات ليلةٍ بعيدة، آنَ جمّعت مِزَقَ القصاصات الورقية لتستهل لعبة تحضير الأرواح. ما لم يكن يخطر في بال امرأة القنصل، أنها ستلتقي في موطن تلك العَرّافة بإحدى مواطناتها هيَ، السوريّات؛ فتاة كردية دمشقية، تقمّصت أيضاً صفة العِرافة أو ألصقت بها على لسان الآخرين. ولكن اللقاء لم يكن ليتمّ لولا صلة وصل بينهما، تمثّلت في امرأة أخرى تنتمي لزميلة الدراسة دماً وروحاً: ثمة في مراكش، اهتدت إليهما كلتاهما ( شيرين والشريفة )، وكانتا حينئذٍ على علاقة خفية، غامضة، لم يتحقق فيها بعدُ دافعها المُحرّم.
الرباط؛ شوارعُ حديثة، تُشَق كل آونةٍ ما انفكت السيارات في ازديادٍ مضطرد، حال أعداد الشحاذين المتناثرين على أرصفتها. عَرَصاتُ خضراء، تتخللها ألوانُ الورود والأزهار، كأنها حدائق بلا أسوار. شبانٌ عاطلون، يسندون ثقلَ الأسوار المتداعية بجبروت أحلام اليقظة. بغايا، يراودنَ المارة وهنّ واقفات عند زوايا الطرقات الضيقة، أملاً في فرصة هربٍ من دوريات الأمن الوطني. مقاهٍ شعبية، تلفظ روادها حتى أطراف الساحات العامة، فيختلطون ببساطة مع مرتادي أكشاك الطعام الذين قدِمَ أغلبهم من النواحي والأقاليم سعياً وراء علاجٍ أو بضاعة. فنادقُ فخمة، مزدحمة بالسيّاح العرب، الواجدين ذوقهم في فتنةٍ غريبة عما ألفته العينُ المثقلة بالنعاس غبّ سهرةٍ لا تُرام. هنالك في أحد تلك الفنادق، حلّت بشكلٍ مؤقت مع رجلها بعد أيام من وصولهما إلى العاصمة المغربية. الفندق، يقع مقابل محطة قطارات المدينة، غير بعيدٍ عن الشارع الملكيّ المؤدي إلى حيّ السفارات. لم يشأ " الشيخ سالم " الإقامة في مسكن سلفه، الملحق بمجمع القنصلية. لقد جُزعَ من رائحة السجائر والأركيلة ( الشيشة )، المعششة في الفيللا، فأمر بتغيير ورق الجدران علاوة على تجديد الأثاث.
حياتهما المشتركة، كان الأوْلى بها أن تتغير وتتجدد. الطقس، سيكون على رأس تلك الأولوية ولا غرو؛ نتيجة الانتقال من مناخٍ متطرفٍ في برودته إلى آخر متطرف في سخونته. حلول الزوجين في مدينة الرباط، جدَّ في نهاية الصيف بحَسَب التقويم المعتاد. وكان على شعور الجَزع أن ينتقل إلى " سوسن خانم " بسبب ما عاينته من شدة الحرارة والرطوبة، المبالغ بهما حتى قياساً لمسقط رأسها، المطل على البحر المتوسط. فلم تتحمل التجوال ساعة واحدة عند الكورنيش، في ظهيرة اليوم الثاني من حلولها بالمدينة، بعدما تشبثت بتلابيبها مخالبُ الرطوبة. فآبت إلى جناحها في الفندق، كي ترمي ملابسها المشبعة بالعَرق وتضع جسدها تحت وابل الدوش. أمرٌ آخر، عليه كان أن يضايقها أشدّ الضيق: الفضول، الأشبه بجوعٍ مزمن، المتأصل في أحداق الخلق وهيَ تبحلق طوال الوقت في هيئة الأجانب. هنالك على طرف الكورنيش، أينَ تناولت غداءها مع السائق الخاص، بقيَ أحدهم يحدق فيها طويلاً لدرجة سهوه عما بين يده من شواء المخلوقات البحرية. فيما بعد، أرجعت الخانم هذا المسلك إلى المواد المخدرة، التي يُكثر العامّة من تعاطيها حدّ أنها كانت إلى فترة قريبة تباع في الأسواق.
لم تدم إذاً سوى سويعاتٍ قليلة، سعادتُها بالانتقال إلى الرباط وإطلاقها العنان لعينيها في تتبع مناظرها الطبيعية المونقة، فضلاً عن عمارتها التقليدية الرائعة. الحرية، وهيَ أثمن ما كانت تحرصُ عليه في حياتها، أخذت تتقلّص مساحتها يوماً بعد يوم. رأت نفسها مقيدة في إطارٍ من الروتين الممل، شأنُ امرأة من خطوط وألوان باهتة في لوحةٍ مجلوبة تواً من مزاد. الحنين إلى موسكو، دأبَ منذئذٍ يلسعُ جلدها بقسوة. هناك، في العاصمة السوفييتية، كانت تتعزى عن فقدان الحبّ بممارسة نوعٍ من الإخبات الخبيث، المحبب؛ ونعني زياراتها السرية شبه اليومية إلى مسكنها الجامعيّ، المغطاة من قبل السائق الأمين. كانت تتنقل سعيدةً بين حجرتها والبوفيه، يحيطها أصدقاءٌ لا يقلون وفاءً وإخلاصاً. بل إنها أحياناً كانت تُفاجئ " سارة "، وهيَ في معهدها الطبيّ، أثناء استراحة الغداء. كانتا إذاك تتبادلان الشكوى من حياتهما الرتيبة مع زوجين باردين، أنانيين، منهمكين في شؤونهما الخاصة والمهنية.
في المقابل، كانت زيارات " سوسن خانم " نادرة لمقر عمل قرينها في القنصلية الكويتية خلال الإثني عشر شهراً من مكوثه في المغرب. المقر، كان يقوم في حيّ السفارات، على جانب شارعٍ رئيس يمر بالقرب من منتزه " شلا "، الفريد بمشاهده الخلابة. لقد تمشت ذات نهار مشمس من مقر القنصلية باتجاه المنتزه، المشرف على وادي " بورقراق " الساحر، الذي يفصل الرباط عن مدينة سلا. ستمر تلك الأشهر سريعاً، مثلما مرت خطى الشقيقين الدمشقيين على الدرب ذاته، المفضي للمنتزه: سيكونان عائدين من مقر وزارة الخارجية، يتقدمهما ابن عم " خدّوج "ـ المرافق في القصر الملكيّ ـ فاتحاً أمامهما الأبوابَ العصية بضربات قدمه اليمنى.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,840,437,104
- إلكِتْرا: الفصل الأول 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2


المزيد.....




- أثرياء يقفون وراء صعود الهند وازدهار اقتصادها
- فنانون من تايلاند يبدعون لوحة ضخمة مكرسة لـ-صبية الكهف-
- أصدر الشاعر السوري، صالح دياب، كتاباً بعنوان «الشعر السوري ا ...
- صدر حديثًا كتاب بعنوان -ابن رشد بين الشريعة والحكمة-، للدكتو ...
- جورج كلوني يحقق دخلا قياسيا خلال العام الماضي
- نص”كلاكيت تانى مرة”أهداء الى روح العامل” يوسف رشوان”بقلم الش ...
- اتحاد الأدباء يحتفل بالذكرى الـ 60 لثورة 14 تموز
- سينما فاتن حمامة.. إلى زوال
- عمل سينمائي مصري يتحول إلى -ماتريوشكا-
- الثقافة والانفجار السكاني


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الأول 2