أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - لا علْم إلاّ بالكليّاتْ














المزيد.....

لا علْم إلاّ بالكليّاتْ


زكريا كردي

الحوار المتمدن-العدد: 5840 - 2018 / 4 / 9 - 02:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المُعَلم الأول " أرسطو"

في كتابه " نقد مَلَكة الحُكْم " يقول الفيلسوف كانط : " أنّ المعرفة تحدث لدى الانسان عندما ينتقل من مرحلة التعليم إلى مرحلة الحكم ، وهذا الحكم هو الذي يُعيّن ما نسميه واقعاً ، ويرى بأن الفلسفة هي معرفة " صور الحكم " التي نعرف بها الحقيقة الواقعة الموضوعية ".
في الحقيقة هذه العبارات لكانط دعتني لكي أتأمل وأعتقد بأن مقام القبض على تلك الأحوال بالتجريد والبحث عن المعرفة الكلية ، و الإنتقال إلى مرحلة الحكم ، هو أمرٌ صعب للغاية ، خاصة على الأفهام العادية ، لأن الأفهام التي يمكن لها أن تتصدى لهذا المستوى من التفكير ، تكون من ذوات القدرات الخاصة والأذهان الموهوبة فقط ، فالقدرة على التجريد والتعميم وفهم العلائق بين المفاهيم المُجرّدة هي من دأبِ التفكير الفلسفي الدائم و دَيدَنه منذ القِدَم...
عموماً أنا أزعم بأنّ هناك أكثر من سبب وجيه ، يحجب الأفهام الإنسانية عن إدراك بعضاً من الوقائع والأحداث المعقدة من حولها ، أو يمنعها حتى مُجرّد الإقتراب من حياض حقيقتها ..
أولاها : هذا الفيض الهائل و التدفق المُستمر للأحداث الجزئية من حولها ..
وثانيها : عدم توفر لديها الرغبة الأصيلة للمعرفة والصدق في التقصي والبحث العميق للحدث أو واقعه ..
ثالثها : تفشي داء الفضول شبه الغريزي الأعمى ، وتأصله في تلك الأفهام .. رابعها : الغوص اللاهث وراء تفاصيل الواقع المعيش ، والضياع في أحوال تعقيداته الجزئية ، التي لا تقف عند حد ولا تنتهي بزمن .
من كل تلك الأسباب يتأتى الأمر الذي قد يدفع بالمرء بسهولة إلى أن
يُسَلّم ذهنه إلى هشاشة الأحكام الإنفعالية المُسْبَقة أو السائدة ،
و يركن سريعاً إلى الأجوبة المُنْجَزة غير المحققة ،
و يبتعد فوراً عن أيّة ريبة مُزْعجة أو شكٍ مُضْنٍ ، يرى بأنهما قد يوقعاه في براثن الخوف من الوقوع في الخطأ أثناء مُحاولته الفهم ، أو قد يسببا له أي نوع من القلق من مسؤولية المعرفة تلك ، وبالتالي يصل إلى أن يُسلم مقاد عقله و يهرب من حريته في التفكير بتعبير " إريك فروم " . و يلجأ قد المستطاع للإبتعاد عن تحمّل وزْرَ أي قول ، أو إعطاء أيّ حكم عقلي كلّي مهما كان صغيراً ..

والحق أننا لو تأملنا في أساليب التفكير ، و أردنا فهم سبل تحصيل المعرفة وإعطاء الرأي أو إصدار الأحكام ، لوجدنا بأن أكثر الناس دأبوا على النظر الى أجزاء الكل منفصلة ، كل جزءٍ على حدى ، دون أن يربطوا بينها برباط الوحدة الشاملة والمُتضمنة لها جميعا ، بالرغم أن الواقع يشي لهم بوضوح بأن ليس هناك ثمة جزء مستقل بذاته ، على الإطلاق ، بل كل جزء لابدّ وأن يتضمّن في ذاته جزءاً آخر ..
وأعتقد إذا ما غصنا في الجزئيات أو هربنا إلى زوايا المفردات وحسب ، فقدنا طريق المعرفة القويم ، الذي يمكن أن يوصلنا – في رأي - إلى فهم العلاقة الكلية ، ويفيد إدراكنا لتلك الرابطة بين الأجزاء ، و هو ما يستحق - في تقديري - أن يسمى معرفة حقيقية ..
لذلك لابد من القول أنه من الأوجب على الفهم الإنساني ، أنْ يبحث دائماً عن العوامل المُشتركة بين المفردات والأجزاء المركبة ، كعوامل الدّين أو الفنْ أو الفلسفة ..الخ وأن يسعى لأن يُرَكّب في نظرته لتداخلات علاقاتها ويأخذ بكليّتها . و كأنه ينظر إليها من بعيد ..
وألا ينسى بأن تلك العوامل هي - كما يقول هيغل - مهما بدَت و تعدّدت أشكالها ، فإنها - مع ذلك - تبقى خاضعة لقانون "مُوَحْد " هو القانون الديالكتيكي (الجدلي).
نعم ، في النهاية ، نحن كلنا أجزاء من حقيقة واحدة ، ولكن وجودنا في زمان ومكان يظهرنا بمظهر الكائنات المنفصلة ، فالمكان والزمان هما أصل الانفصال الفردي الذي تنقسم به الحياة إلى كائنات متميزة ، تبدو كأنما هي أشتات متفرقة في أمكنة مختلفة وفي فترات من الزمان متباعدة .
لكن في الحقيقة " ليس في الزمان والمكان إلا نقاباً وهمياً يخفي عن أعيننا إتحاد الأشياء ، إذ ليس في واقع الأمر إلا نوعاً واحدا ، أو لنقل : حياة واحدة ، أو إنْ شئت فقل إرادة واحدة على حد تعبير الفيلسوف شوبنهاور" . ( قصة الفلسفة الحديثة : أحمد أمين - زكي نجيب محمود ص 431)
قصارى القول :
ليتنا نبتعد قليلاً بأفهامنا عن الوقائع الجزئية المعاشة والمتناثرة بشدة أمامنا ، لكي تنجلى لنا بعضاً من جوانب الحقائق المُرادة .. إذ لا يجب أنْ ننسى بعد كل هذا الذي يحصل من حولنا ، بأن النظرة الجزئية للأحداث والمشاكل والأمور والأحوال باطلة دائماً ، بل ومضللة .. لأنها توقع الإدراك في خدع التناقضات ، وتمنع الوعي من السمو إلى معراج الحقيقة الأنقى ..والمتضمنة بالضرورة ، في الجزء والكل معاً ..فلابد لنا من إدراك صراع الأضداد واتحادها ، لأن المطلق برمّته ، ما هو إلا هذا الصراع اللانهائي بين الأضداد وانسجامها بالتعبير الهيغلي ...وأظنه هو السبيل الوحيد المُتاح أمام أفهامنا التائهة كي تقارب أية حقيقة أو حل لأية مشكلة نواجهها ..
شئنا ذلك أمْ أبينا .. فلا علم إلا بالكليّات ..
للحديث بقية ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,234,582
- تِجَارَةُ الجَهْل لا تَبورْ ..
- أوهام ديمقراطية .. (2)
- أوهام ديمقراطية .. (1)
- هموم فيسبوكية ..2
- في رِحَابِ الإيمَان ..!
- بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَة الحَسَنَة ..
- هموم فيسبوكية..!
- نحن نعاني من أزمَةُ نصْ لا أزمَةُ شخص .. !
- أَخي المُؤْمِن : لا تَتَفَلْسَفْ ..(3)
- أخي المُؤْمنْ : لا تَتفَلْسَفْ ..! (2)
- أخي المُؤمنْ : لا تَتَفَلْسَفْ ..!
- في غور تلك ال أنا .. ( نص نثري )
- الحل أنْ نفهمَ أولاً ..
- أفكار حول القيم الأخلاقية ..(1)
- تَسَاؤلات مشروعة ..!
- مملكتي ليست في هذا العالم
- منْ سَرْدِ الذّاكِرَة ..!
- الدّْينُ التَسَلُّطي
- هلوسات فكرية ..4
- مَزيّة الفكر النَقدي و رَزيّة الفكر العَقدي


المزيد.....




- الديمقراطيات يترشحن بكثافة على أمل إخراج ترامب من البيت الأب ...
- شاهد: روبوتات لخدمة الزوار بفندق تابع لشركة "علي بابا&q ...
- هل تخوض إسرائيل -حرب استنزاف- في سوريا؟
- شاهد: روبوتات لخدمة الزوار بفندق تابع لشركة "علي بابا&q ...
- وفد أممي رفيع المستوى يدشن خطة الاستجابة الإنسانية لمديريات ...
- أرغمن على ممارسة البغاء.. تهريب 20 ألف نيجيرية إلى مالي
- محمد سلطان يكتب بنيويورك تايمز: كيف لانقلاب أن يدمر أسرة؟ وك ...
- مدينة كوتاباتو.. ما أهميتها لمسلمي الفلبين؟
- من التهديدات بالقتل إلى حقن الإنسولين.. قصة لاجئ عراقي
- أمير قطر يجري مباحثات مع الرئيس السوداني بالدوحة


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - لا علْم إلاّ بالكليّاتْ