أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5















المزيد.....

ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5839 - 2018 / 4 / 8 - 22:57
المحور: الادب والفن
    


في ذلك اليوم من الربيع المتأخر، كانت في بوفيه مسكنها الجامعيّ تنتظرُ صديقتها. الواجهة الزجاجية، المتألقة بأضواء الثريات المتدلية من السقف، انعكس فيها وجوهُ عشرات الرواد بمختلف ألوانهم. كانوا بغالبيتهم من طلبة الدول العربية، وقد جلسوا متقابلين على المناضد العريضة، التي رُصِفَ فوق سطحها الخشبيّ العاري ألوانُ الشراب والطعام. من خلال الواجهة، المطلة على الخارج، رأت أخيراً السيارة ذات اللوحة الدبلوماسية وهيَ تخترقُ شبكة الدروب الداخلية للمسكن الكبير. رواد المكان، لم يكفوا عن الثرثرة مثل عادتهم حينَ كانوا يرقبون " المرسيدس " السوداء اللون، تقتحمُ قلعتهم المهيبة، الفضية البياض، ذات البنائين التوأمين والأدوار الستة عشر.
السائق الخاص، " سعيد "، سرعان ما دلف من السيارة كي يفتحَ الباب لصديقتها. لم يعُد عمله يقتصر الآنَ على قيادة السيارة؛ فإنه مكلّفٌ من الأب الصارم بمرافقة " سارة "، كما لو كان ظلّها. إنه شابٌ ثلاثينيّ بملامح خشنة، فارعُ الطول وممتلئ الجسم.. قاتمُ السمرة ـ كغالبية مواطنيه من قطاع غزة المحتل. كان يذكّر " سوسن "، في كلّ مرةٍ تلقاه، بمعلّمه الغائب في إجازة طويلة.. وفي كلّ مرةٍ، كان داخلها يلتهبُ بشعور جامحٍ من الاضطراب، مُسلّماً إياها للمرارة والقنوط.
ولكن هيَ ذي " سارة " تبتسمُ لها فورَ دخولها صالة البوفيه، المتصاعدة منها ثرثرةُ الرواد كدخان سجائرهم. كانت بأبهى حلّة وزينة، لدرجة أن كثيرين قطعوا كلامهم كي يتفحصوها بنظرات ذكر الغزال.. نظرات، جعلت الظلَّ المرافق يتمايلُ من مركز ثقله. الطلبة الأجانب، رمقوا أيضاً الفتاةَ الحسناء ومرافقها الأسمر من أعينٍ مندهشة، مشوَّشة على الأرجح من فارق العُمر بينهما. لم تكن " سوسن " أقلّ تألقاً وأناقة من صديقتها أو من بقية الزميلات، اللواتي كنّ يتهيأنَ لحفلة رقص بمناسبة " يوم أفريقيا ". صالة الرقص، الفسيحة الفخمة، تقع على نفس الدور الأول، ينفتح بابها مباشرةً على البوفيه. قبل قليل، وبحركة محتاطة، كانت قد أبعدت بلطف شاباً كردياً من زملاء فصلها الدراسيّ. فلما دخلت صديقتها مع مرافقها العتيد، الأشبه بالمصارعين الرومان القدامى، فإنها دعتهما إلى طاولة فارغة تتسع لأربعة أشخاص. سألهما المرافقُ عما يرغبان من البوفيه، ثمّ ما عتَمَ أن غابَ عن أنظارهما بخطواته الرياضية الرشيقة.
" لديّ مفاجأة صغيرة.. هذا كارت بوستال، بعثه لكِ أبي من باريس! "
قالت لها صديقتها، وهيَ تسحبُ البطاقة الملونة من حقيبة يدها الجلدية. بقدَر سعادة " سوسن " وزهوها، إلا أنها اعتدلت في التعبير عن مشاعرها. كانت لها طبيعة، تمنحها هذه القدرة على ضبط النفس والتصرف بغير غلو أو إسراف في مواقف مشابهة. في المقابل، لم تجده أمراً غريباً عن طبيعة " الشيخ سالم "، المتحفظة الحذرة، إرساله البطاقة مفتوحةً ضمن ظرفٍ واحد يتضمنُ خطاباً لابنته. تأملت في الأسطر المقتضبة، فيما كان الغسقُ الربيعيّ يُلون بالأحمر الشفاف ألواحَ الواجهة الزجاجية العملاقة.
استرسلت في القراءة، متخذةً مظهراً متعالياً وهادئاً في آنٍ واحد: " أرسلُ هذه البطاقة من باريس الجميلة، الأقرب إلى قلبي من كل مدن أوروبا ـ بسحرها الخلاب ومناخها المعتدل. احتفل الأصدقاء هنا بعيد ميلادي، وكنتُ أتمنى لو أنك وسارة الحبيبة قد شاركتماني المناسبة. سأعود في بداية شهر آب، بعدما أنهي زيارة خاطفة للكويت. أراكِ بخير ". صديقتها، كانت ما تفتأ تبتسمُ لها، متألقة الثغر عن أسنانٍ بيضاء ناصعة. كانت " سوسن " قد تخلّصت للتوّ من ضغط نظراتها الملية، المرافقة قراءتها للبطاقة البريدية. على أنها كانت نظراتٍ مستأنسة، خالية من علامات الارتياب. من النافل أن نذكرَ هنا أيضاً، مسألة الفارق الشاسع في السنّ بين المُرسِل والمُرسَل إليها. هذا بالرغم من حقيقة، أن " الشيخ سالم " يبدو أصغر من أعوام عمره، المناهزة الأربعين؛ إن كان لجهة شعره الغزير الأسود ( غير المصبوغ ) أو لجهة وجهه، الخالي تقريباً من التجاعيد. بيْدَ أنّ تلك ابنة، قبل كل شيء، لها كلّ الحق لو أظهرت غيرةً أو مرارة: لقد عانت " سوسن " هيَ بنفسها من هكذا مشاعر، آنَ تخلّت الأم عن أبيها بعدما جعلت منه أضحوكة؛ حطامَ رجلٍ ملموماً في كرسيّ على عجلات.
إلى لحظة استلام البطاقة البريدية، دأبت على تجنّب سؤال أعماقها: " أهوَ العشق، هذا الذي تشعر به تجاه الرجل؟ ". بلى، كانت تتهيّبُ حتى من نطق اسمه. فلما آبت إلى حجرتها، وحيدةً، جعلت تدقق النظرَ في ظهر البطاقة وكأنما تراها لأول مرة. كانت صورة لبرج ايفل، رمز باريس الأكثر شهرة. قلبت البطاقة، لتشرع بقراءة كلماتها مجدداً. أعادت التمعّن في بعض الكلمات، التي منحت داخلها الدفءَ والطمأنينة: " الأقرب إلى قلبي.. الجميلة.. سحر خلاب.. الحبيبة.. ". مع نطقها للمفردة الأخيرة، انفجرت دموعها فرحاً. إنها باتت على حدّ اليقين، من أنّ كلّ كلمة من تلك الكلمات كانَ لها معنى آخر؛ معنى، لا يمكن ألا يكون مرتبطاً بها وحدها. بل لقد وضعت أيضاً تحت تدقيق عدسة المَخْبَر، هذه الجملة المختتم بها كلماته: " سأعود في بداية شهر آب، بعدما أنهي زيارة خاطفة للكويت ". كأنه يخشى غيرتها من الزيارة المأمولة، والتي قدّرَ أنها لا بد وستعلم بها عن طريق " سارة ". على ذلك، استخدم صيغة " خاطفة " للتهوين عليها من أيّ شعور نافل. كانت أفكارها تسيل متدفقة فوق كلمات الرسالة القليلة، المقتضبة. غابت الابتسامة عن فمها، حينَ دهمتها فكرة جديدة: " إنني أنتحلُ صفةَ الناقد الأدبيّ، فأبحثُ وأحللُ كيفما اتفق. قد تكون البطاقة، بمجملها، عبارة عن تحيّةٍ مُجامِلة من أبّ لأقرب صديقات ابنته، أو في أحسن الأحوال، بطاقة وديّة يمكن أن يخطها أيّ رجل في أحوال عادية؟ ".
وبينما تترى الأيامُ رتيبةً، شبيهة بالأفكار المربكة ذهنها، كان الصيفُ قد مرّ نصفه. لقد فاتَ الآنَ مجالُ قيامها بسفرة إلى سورية، لتمضية العطلة المدرسية. شعورُ الملل والوحدة ( سارة كانت في الكويت آنذاك )، هوَ مَن قاد خطواتها ذات يومٍ حار إلى حديقة الصداقة. ثمة، إنما فاجأها ذلك المدعو " حبيب "، حينَ أقتحمَ عليها جلستها في المقهى ـ البار. قبلاً، كانت قد أحست بتتبعه أثرها مراتٍ عديدة. غلب عليها الظنّ كلّ مرةٍ بكونه أحد المعجبين، الذين يمنعهم خجلهم العربيّ من مواجهة فتاة وجهاً لوجه. فلما واجهها يومئذٍ، ليقول صراحةً أنه مكلّفٌ من لدُن " الشيخ سالم " بمراقبتها، فإنّ ذلك صدمها ولا غرو. تعافت فوراً من شعور الصدمة، وعليها كانَ أن تعود إلى مسكنها ليبزغ في داخلها سرابُ الأمل مع غروب شمس النهار.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,794,102,437
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2
- الطريق إلى الغوطة
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 1


المزيد.....




- الرباح: نظام فوترة الماء والكهرباء المعمول به لا تنجم عنه أي ...
- بعد فترة صمت: ابن كيران يتحدث من جديد (فيديو)
- الدار البيضاء .. تنصيب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئنا ...
- تبرعات روسية لاقتناء العصا المصرية
- جميلة جميل: كنت -أسمن- من أن أكون ممثلة في هوليوود
- قرار حكومي مصري بشأن الممثلة مديحة يسري (صور)
- شاهد.. فنان فارسي يكرس تحفه الفريده لمونديال روسيا
- ممثلة إيطالية: اغتُصبت في مهرجان كان
- كلينتون ترتدي قبعة روسية وتقول لترامب: -إن لم تتمكن من التغل ...
- الممثل الخاص المشترك باليوناميد يزور قولو ويعرب عن قلقه إزاء ...


المزيد.....

- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني
- الحلقة المفقودة: خواطر فلسفية أدبية / نسيم المصطفى
- لا تأت ِ يا ربيع / منير الكلداني
- أغصان الدم / الطيب طهوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5