أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - خلق الإنسان من تراب














المزيد.....

خلق الإنسان من تراب


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 5838 - 2018 / 4 / 7 - 20:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قصة خلق الإنسان من طين ذكرت في معظم الحضارات والديانات

في السومرية واليونانية والمصرية القديمة، وفي كل الديانات الإبراهيمية الأخرى "المسيحية واليهودية" بل عند الأفارقة والهنود الحمر، وعند الفراعنة اعتقد المصريون أن الإله "خنوم" هو الذي خلق البشر من طين..

أي أن الاستدلال بتشابه عناصر الإنسان مع التراب لإثبات إعجاز القرآن..هو غير صحيح ويدخل في باب (الخلط والتدليس) فمعظم حضارات الإنسان ما قبل الإسلام قالت به..

ولكن

التراب (مركب) وليس (عنصر) أي أنه مزيج من عدة مواد وعناصر يختلف في طبيعته باختلاف التربة والمناخ وعوامل مساعدة كالماء والكوارث الطبيعية ، وبالتالي تربة البراكين مختلفة عن تربة الجليد مختلفة عن تربة الصحاري والأراضي الزراعية، والتربة الثابتة مختلفة عن المتحركة في الزلازل، هذا يعني أن القول بخلق الناس من تراب يطرح سؤال فوري: ما هو التراب المقصود؟..هل تراب أيسلندا الجليدي أم المصري الأسود أم العربي الأصفر والياباني الأحمر؟..وإذا كان التراب ليس عنصرا بل مزيج من عدة عناصر فلماذا لم تذكر الأديان تلك العناصر كأصل بديل عن التراب؟

هذا خلق معضلة دينية كبيرة

أعتقد ذكر خلق الإنسان من طين له عدة تفاسير ودوافع ليست كلها واحدة، منهم من كان يربط بين لون الناس والتراب ظاهريا، فالأوربي أبيض لأن ترابه أبيض..والهندي أحمر لأن ترابه أحمر، والمصري أسمر لأن ترابه أسمر..وهكذا..، أما الثاني لملاحظتهم أن الإنسان يتحول لتراب بعد تحلله..وبالتالي مادة النهاية هي نفسها مادة البداية ، والتفسير الثالث إشارة لحقارة الدنيا ووضاعتها بخلق الإنسان من أرخص وأحقر ما فيها.

التفسيران الثاني والثالث أعتقدهم مقصد الإسلام بدليل ذكره خلق الناس بعد آدم من الطين، رغم أنهم ولدوا بلحم ودم..وهذه مركبات مختلفة عن مركب التراب، إضافة لتطابق مادتي النهاية والبداية:

قال تعالى.." إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب".. [آل عمران : 59]

" قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون [المؤمنون : 82]

"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى".. [طه : 55]

" قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا". [الكهف : 37]

هنا التراب قبل النطفة، والقائل أصله نطفة ليس ترابا، بالتالي المقصود أنك مخلوق رخيص عديم القيمة لا يجوز لك التكبر، وكما بدأت ستنتهي، وهذا المعنى ذكر في آية الحج

" يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ".. [الحج : 5]..والآية ذكرت في سياق البرهان على الله والبعث، فإذا كان الناس لم يروا خلقهم الأول ترابا فما حُجية البرهان إذن؟

الجواب: أن العالم عرف الخلق والنهاية بقانون أبدي " كما جئت من العدم ستذهب إلى العدم"..هنا التراب إشارة للعدم وليس ترابا كمادة مركبة نعرفها، وأي محاولة تطويع النص بمعناه الظاهري سيتورط الفقيه كما تورط فقهاء المسلمون الذين اجتهدوا في الربط بين العلم والدين من هذه الناحية..كما فعل عمرو خالد مثلا بحصره التشابه بين عناصر الإنسان والتراب..فهو من ناحية لم يقل أن هذا التشابه موجود حتى في الماء والشجر باعتبارهم من مكونات الطبيعة مكتسبين بعض عناصر الحياة..ومن ناحية أخرى لم يفصل المرحلة التي سبقت النطفة، يعني كيف تحول التراب إلى نطفة؟..هذا السؤال مُعجِز

وللتأكيد عليه فالله لم يذكر أن الإنسان خلق من ترابا فقط، بل خلق أيضا من (ماء)..قال تعالى.." وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا".. [الفرقان : 54]...هنا الماء مركب مختلف عن التراب، وبعض السلفية قالوا أن الخلق من (تراب وطين) والماء هو اتحاد التراب مع الطين، والجواب: أصبح الخلق من تراب لا معنى له لأن التراب من غير ماء لن يكون طين، وبالتالي دلالة الخلق من الطين انتفت قرآنيا..!

الحل لكل هذه المعضلات والتخاريف هو تفسير التراب بالعدم والرُخص..وهو نفس مدلول الماء المدهش في آية الفرقان، واعتبار ذلك مقصد الحياه والعظة والبرهان على البعث، وبحسبة تدبر بسيطة ستلاحظ أن مادة خلق الإنسان سبقت أشياء عظيمة، فالماء لحقه النسب والصهر لتبيان الفارق العقلي بين (العدم والكثرة) وكذلك تسوية الناس رجالا بعد خلقهم من تراب..مفارقة أيضا بين (العدم والقوة)..قس على ذلك كل آيات الخلق الأخرى ستجدها تقارن بين العدم وشئ آخر عظيم..

والغريب أن الله ذكر ذلك المقصد في آخر سورة النبأ.." إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا .. [النبأ : 40]..فهل يقصد الكافر أنه سيعود لمادته الأولى أم يعود إلى العدم والرخص والفناء كي لا يرى العذاب؟





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,322,868,372
- رسائل من انتخابات الرئاسة المصرية
- نشأة العباسيين..نظرية تاريخية جديدة
- بين الفيلسوف والكاهن شعرة
- د.مراد وهبة: المثقفون خانوا السيسي والرئيس يروض الرأسمالية
- مشاكل زينون مع طغاة العرب
- عن حبس الإعلامي خيري رمضان
- كيف تكون واقعيا؟
- الأرض مسطحة..اكتشاف جديد..!
- العرب ومخاطر ترجمة القرآن
- عن حروب الجيل الرابع
- تضامنا مع الشيخ نشأت زارع
- نظرات في الاقتصاد الإسلامي
- حتى يفوز سامي عنان بالرئاسة
- انهيار القومية العربية
- مكة بين التاريخ والقدسية
- رأي آخر في الشهود الأربعة
- فرص الإصلاح في إيران
- الوضع الميداني في إيران على ضوء المظاهرات
- جواز السرقة في الفقه السني..!
- نقض أكذوبة عدم تحلل أجسام الأنبياء علميا


المزيد.....




- الرموز الدينية المصرية تدلي بأصواتها في استفتاء التعديلات ال ...
- ملك المغرب يحيي انتخابات ممثلي اليهود
- كاتدرائية نوتردام: خلايا النحل تنجو من الحريق المدمر
- شيخ الأزهر يدلي بصوته في الاستفتاء على التعديلات الدستورية
- كيف تم إنقاذ الكنوز التي لا تقدر بثمن بكاتدرائية نوتردام؟
- رئيس الطائفة الإنجيلية يُدلي بصوته في الاستفتاء على الدستور ...
- عشرات القتلى من القوات النظامية والموالين لها في هجمات لتنظي ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...
- كنيسة? ?في? ?سوريا? ?شكّلت? ?مصدر? ?إلهام? ?لكاتدرائية? ?نوت ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - خلق الإنسان من تراب