أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5















المزيد.....

ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5833 - 2018 / 4 / 2 - 06:57
المحور: الادب والفن
    


النورماندي؛ سهوبٌ خضراء، مزركشة بعشرات المدن والبلدات والقرى والمزارع، ممتدة من شمال غرب العاصمة حتى ضفاف بحر المانش، المشرفة على مشهد الجزيرة البريطانية، الغامض، الغارق في الضباب. نهرُ السين؛ عمودٌ فقريّ لهذه المنطقة الأكثر خصوبة صيفاً، وربما الأبرد شتاءً. إنه نهرٌ، يشق لنفسه طريقاً رمزياً بين عقليتين، إحداهما مدنية مزدهرة والأخرى قروية مضمحلة، قبل أن يندفع للانتحار غرقاً في لجّة البحر. طريقٌ آخر، ينتمي واقعياً لإسفلتٍ ما يني ساخناً من أثر شمس النهار الغاربة، يُحدد للحافلة الكبيرة مسارها بين فقرات العمود الأخضر. وبينما عادت الحافلة، في ذلك اليوم الحار، لتسير على وقع الموسيقى الهادئة، المنبعثة من راديو السائق، كان أحد الأصدقاء الثلاثة يُفكر مُبلبلاً بالنبأ المذاع للتوّ في نشرة الأخبار.
" أيمكن أن يكون هذا آخر عهدٍ لي بتلك البلاد، بعدما كنتُ قد اقتربتُ من قطف ثمرة جهودي. يا للطالع النحس! "، كذلك خاطبه داخله يومئذٍ. أخته الوحيدة، هيَ من كانت قد تعهّدت توديعه قبل عقدٍ من السنين في محطة القطارات الباريسية نفسها، التي شهدت عودته مذ بعض الوقت. " آناستاسيا "، استمرت بمراسلته لعامين متتاليين على عنوانه في المغرب لحين رحيلها المفجع. بقيَ على يقينٍ منذئذٍ، بأنّ الانتحارَ لو كان حالة نادرة، فإنما ذلك عائدٌ لكون ضحاياه كائناتٍ نادرة، أشبه ما تكون بالنورانية. وما أثّر فيه بشدة، أن خطاباً موجهاً إليه لم يَجد طريقاً إلى البريد، بل وُجدَ على منضدة السرير؛ أينَ ثوى جثمانها البارد في صمتٍ مقدس. وإنه متلهفٌ الآنَ على قراءة خطابها الأخير، الذي احتفظت به الأمّ ولم ترضَ إرساله على الرغم مما أبداه من إلحاح. الأختُ أحبته، كما لو أنه ابنها الوحيد الغالي. إذ كانت امرأتا المنزل صديقتين، أكثر منهما أماً وابنة.
في إحدى رسائل الوالدة ( وكان مضى على موت ابنتها بضعة أشهر )، كتبت له كلمات مفعمة باللوعة على الماضي. بدت مثل من يتحدى حزنه وكبرياءه، مثل من يؤدي طقسَ الاعتراف بحضرة القس: " كنتُ في سنّ الخامسة عشر، آنَ أنجبتُ أختكَ من علاقة غير شرعية. ليسَ بوسعي التخمين، ما إذا كانت هذه المعلومة بمثابة صدمة لك أو أنها تناهت لسمعك ذات مرة على لسان ‘ آنا ‘، المسكينة. ولكنني، في المقابل، أعلمُ أنك لطالما تبادلت النظرات معها حينَ كنتُ أتكلم عن والدها بوصفه جندياً دافع عن الوطن وقتل دفاعاً عنه! على أيّ حال، شهدتُ معه آخر سنة من الحرب العظمى. آنذاك، كانت فيرنون بلدة صغيرة ما تفتأ تضمّدُ جراحَها من الحرب، المؤذنة على الختام. الرقيب الشاب، الذي زرعَ بذرته في رحم الفتاة الغرّة، سرعانَ ما تمّ نقله إلى مكان بعيد ولم يعُد أبداً. بقيتُ أعاني عقداً من السنين، معللةً الآمال برجوع الحبيب والد ابنتي.. إن كان حياً بعدُ. خالك، وكان مذاك الوقت يعيشُ أعزبَ وعالة في مزرعة عائلتنا، هوَ من عرّفني في آخر الأمر بصديقه ‘ غوستاف ـ كلود ‘؛ والدك الراحل وسميّك. كان رجلاً يكبرني بأعوام، معتداً بنفسه، صادقاً لا تشوب نزاهته شائبة. كذلك، كانت له في السابق مغامرات عاطفية عديدة! أنتَ ورثتَ عنه بعضَ صفاته، ولا غرو. لقد تفهمتُ دائماً غرورَ الشعراء، طيشهم وميلهم للمغامرة. أما خالك، المتشبث بخيوط الحياة كعنكبوت، فأيّ كائنٍ هوَ لو غضضنا الطرفَ عن إلحاده ونزواته ومقامرته؟ ". نعم، ولقد ظلت الأم أيضاً تعزو إلى خاله الأخرق كلّ دم فاسدٍ في عرْق العائلة.
الماضي، خلّفه وراء ظهره عاماً عاماً، بينما الحافلة تتمايل على الطريق المار بالقرب من مزرعة عائلته. مذ لحظة سماعها نشرة الأخبار، كانت " الأميرة " تتقلب في مقعدها على جمر الغضا. لقد نفشَ الذعرُ شَعرها، لدرجة أنها لن تتعرف على نفسها في مرآة. سمعها تردد لصديقها، همساً: " سيضيع المغرب، لو هلك الملك. إنه ليسَ مجردَ حاكمٍ عند الشعب، بل هوَ عندهم بمنزلة حكيم القبيلة. سنضيع كلنا، يا عزيزي..! ". نظرةٌ مُشعّة بالتهكّم، كانت بدَورها تتقلب في عينيّ " لويس ". ربما فكّرَ حينئذٍ، بكونه على حق لما عيّرها بالتمثيل على الآخرين. وعلى الأرجح، أنه كان سيتهمها بخداعه ما لو علم بسعيها في ساعة مبكرة صباحاً إلى الفندق، كي تطلب من صديقه إقناعه بصرف النظر عن فكرة الزواج: إذ كيفَ لها الآنَ أن تأسى للوضع المستجد في موطنها، مع معرفتها الأكيدة بأنه سيمنحها حرية الاقتران بمن تحب؟
لم يكد ينتبه لوصول الحافلة للمحطة المطلوبة، لولا انهماك زوجين قرويين عجوزين بلملمة متاعهما. عند نزوله من الحافلة، لاحظ أنّ علامات الرعب ما تنفك تشوّه وجه " الأميرة "، المقدود من البرونز. شعرَ ناحيتها بالتعاطف، الممزوج بالرثاء والشفقة. إقامته في بلادها، لنحو عشرة أعوام، تعلم منها أن يتريث قبل إدانة أيّ شخصٍ كائناً من كان. في سبيل صرفها عن همّها، أشارَ بيده إلى كوكبة من الأكواخ المتناثرة بين المروج: " تلكم كانت بيوت أسلافنا في زمنهم، وقد تحوّل أكثرها اليومَ إلى حظائر للماشية ومستودعات للغلال "، قالها مع ابتسامة متكلفة. الشمس، استردت آخر أشعتها، مخليةً المكانَ للغسق كي يغرقه بالظلال والأشباح. آثار طرية لسماد الأبقار، تشي بأن قطيعاً منها قد قطع الطريقَ منذ وهلةًٍ، مُساقاً إلى حظيرته. ساروا ثلاثتهم، يتقدمهم قليلاً، فوق دربٍ خطته أقدام المارة على العشب.. درب، يختفي تارةً عن أبصارهم خلف أجمة أو أيكة، ليعود تارةً أخرى ليظهر مجدداً ـ كذكرى تتأرجحُ في النسيان.
الأم، كانت في استقبالهم عند مدخل المنزل، شبحاً من أشباح غيضة الحَور، المحيطة بالمزرعة. المنزل ربضَ فوق ربوة صخرية، تشرف على نهر السين، فغدا أشبه بأحد الحصون الألمانية المنتشرة في النورماندي من زمن الحرب العالمية الثانية. في طفولته، سألها مرةً عن هسيسٍ يطرق سمعه ليلاً قبيل النوم، فأجابته أنّ ذلك صدى قرقعة الخوذ الحديدية في حنينها إلى جماجم الجنود القتلى. وهيَ ذي تفتحُ له ذراعيها على وسعهما، مثلما أعتادت أن تفعله آن كانت تحتضنه طفلاً ذاهباً أو عائداً من المدرسة. فلما غدا صبياً يافعاً، أوكلت أمرَ دلاله ورعايته لابنتها بهدف التفرغ لشؤون أبيه المتطلّب. تنبهَ لمظهر الاستياء على ملامحها، وكيلا يحصل سوء فهم لدى صديقيه قال لها: " إنني آسف، كوني جعلتكِ تنتظرينني عدة أيام ". ثم قدمهما لها، فيما كانت هيَ تغالب دمعاً مُغيظاً. لم يكن قلقاً لناحية ترحيبها بالضيفين، وإنما لما شاعَ عليها من علامات الشيخوخة؛ هيَ المتهيئة لحلقة السبعين. بعد العشاء، أصطحبَ ضيفيه إلى محترف أخته ليعاينا ما فيه من لوحات ومنحوتات ومخطوطات وكتب. في ساعة متأخرة من الليل، وعلى أثر إخلاد صديقيه للنوم في حجرة بالدور الثاني، صدرَ صوتُ الأم في ظلام غرفته: " أعلم أنّ الرقاد سيجفوك، بسبب تلك الرسالة ". أشعل ضوء المصباح الصغير، فيما كانت هيَ تواصل كلامها: " كنتُ أودّ حقاً إسعادك اليومَ، بإعطائك إياها كي تقرأها. إلا أن الرسالة.. كيف سأقولها..؟ إنها فقدت من المنزل فجأة، قبيل مجيئك بأيام قلائل. ذاكرتي ليست على ما يرام، ولعلني تركتها في زاويةٍ ما ثم نسيتُ مكانها. الرسالة، كانت في ظرف كبير، مصمّغ، ولم أفضّها بحال من الأحوال. كم أنا حزينة، يا بني، وغاضبة من نفسي ". حانَ دَوره ليمنع دموعه من الانهمار أمام أمه، التي أضحت حطامَ امرأة.
وإنها قد صارت الآنَ مجرد ذكرى، محفوظة في دفتر يومياته، يفتقدها على الدوام حال تلك الرسالة المفقودة.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,920,395,389
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2
- الطريق إلى الغوطة
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الخامس 1


المزيد.....




- مدير مهرجان الجونة: 75% من الأفلام المشاركة في المهرجان دولي ...
- هل يحق للفنان التعبير عن رأيه؟
- بالصور: تغيير حياة مرضى الخرف
- هل قاطع حقاً المخرجون من المملكة المغربية مهرجان حيفا السينم ...
- نجمات السينما العربية -يتلألأن- على السجادة الحمراء في الجون ...
- بلوحة ضخمة على العشب.. فنان فرنسي يبتدع -رسالة أمل- للاجئين ...
- هل قاطع حقاً المخرجون من المملكة المغربية مهرجان حيفا السينم ...
- الصين تساعد سوريا في ترميم آثارها الحضارية المدمرة
- قبلات تسلط الأضواء على الزعيم في مهرجان الجونة (فيديو)
- لشكر: الحكومة السابقة أخرت تنزيل الجهوية المتقدمة وحان الوقت ...


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5