أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-5-















المزيد.....

سجن الرّوح-5-


نادية خلوف
الحوار المتمدن-العدد: 5830 - 2018 / 3 / 29 - 12:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن كنت تعيش على سطح هذا الكوكب الأخضر بلا حلم عليك أن تغادره ، فالحياة في جميع الحالات مؤقتة، وعليك أن تعيشها بشكل مقبول، وإذا كانت الأزمة يومية، ومستمرة. أمامك ربما حلّ وحيد. إما أن تكسر الدّائرة، أو تستسلم إلى الإحباط وتعيش الحزن، وكسر الدّائرة ليس عملاً سهلاً.
كدت أصل إلى الثلاثين ولم يستجدّ أي شيء هام على حياتي، وربما أصل السّتين وأغادر. شعرت أن أحد القيود التي تمنعني من الانطلاق هو العمل السياسي، وكان القرار في داخلي يختمر، حيث لا أحترم مجموعات من الذكور المسؤولين في السّياسة ،و الذين لم يتلقوا قسطاً من التعليم في المدارس ولا في البيئة التي يعيشونها. الأحزاب السياسية تعيش الذكورة بشكل مضاعف عن المجتمع، ففي المجتمع الطبيعي كان ربما الأقل من الظلم تجاه المرأة، فالعمل الزراعي في الريف، والعمل في المعامل القليلة المنتشرة في المدينة استنفذ طاقة الرّجل والمرأة. القيادات السياسية من الدرجة العليا أو السّفلى كانت متنمّرة على الزّوجات والأطفال. كانوا ذكوراً من النمط البدائي بحيث يعتبر أن زوجته تحصيل حاصل، وأنّ كل النّساء لذين يعمل معهن ربما زوجاته بالطريقة التي يتعامل بها معهنّ.
كنت أستعرض في ذهني الشّقاء في الرّيف، وفي العمل الزراعي، ومع هذا كنت أتوق إلى مغادرة هذا الزّيف بالقيام بمشروع مزرعة صغيرة، حيث كانت الإمكانية متوفرة بسب وجود الأرض وبئر الماء المملوكة لنا، وبدأت أحلم أن أربي الأحصنة، والكلاب. رغم توفر جميع شروط الحلم لكن ذلك لا يتمّ دون موافقة الشّريك وحماسه، وهذا ما افتقدته لتحقيق حلمي الذي يمكن العمل عليه فقط بمساعدة رجل في المرحلة الأولى على الأقل.
استبدلت الحلم بالعمل على إنجاح مدرسة عائلية مكوّنة مني ومن أولادي، وحسبت أن العلم والمعرفة ليس فيهما أية محسوبية. تفكير ساذج في بلد يسير إلى الدّمار تحت سلطة الاستبداد، وكان أوّل فشل لمدرستي هو عندما أنقصوا لابنتي علامات في الرسم-وهي" رسامة بالنسبة إلى عمرها في الثالثة عشر حينذاك"، والسبب هوكي تأخذ زميلتها في الدراسة الدرجة الأولى وتتفوق عليها، وقد كسرها الأمر وترك ندبة داخلها، والفشل الثاني هو عندما قدّم ابني عرضاً موسيقياً في برنامج مسابقات الطلائع، وفاز في المسابقة لكنّه استبدل يوم الذهاب إلى فرنسا بابن ضابط أمن لا يعرف العزف إطلاقاً، والثالث عندما نالت ابنتي في الجامعة علامة كاملة في مادة قواعد اللغة إضافة إلى الدرجة الثانية على الجامعة، وأرسل دكتور المادة خلفها عينها معيدة لمدة أيام ثم نالت الوظيفة ابنة مسؤول حزبي .

كلّ هذا يعني أن الحلم الآخر سقط، وربما سقط حلم أولادي في الحياة نتيجة لتوجيههم إلى العلم.
قبل هذه الأحداث التي ذكرتها. كان هناك أمر حاسم جعلني أغلق بابي في وجه السّياسيين، والسياسة، وهو أحداث حماه، فقد تحدّث الحزب عن القتل في حماه، وكأنّه يتحدث عن قصّة بوليسية مثيرة، والتزم الصمت على المجازر، ولم أكن معنية بالصّمت، فقد كنت في ذلك الوقت قد وضعت شعاراً في داخلي: " سورية بلد لا يمكن أن أحيا فيه. عليّ أن أغادر"
كانت أحداث حماه حاسمة. تلك المدينة التي كانت تعني لي الكثير في طفولتي، وشبابي الأوّل، وعندما عرفت أن طبيب ابنتي "شكيب الدّلال" قد اقتلعت عيناه، ودون أن أبحث عن صحّة الخبر أدركت أنّه لا أمل، وأن الأحزاب الحالية ليست معنية بالقتل. قرّرت مغادرة السّياسة، وتسبّب ذلك بمشاكل عائلية حيث كنا على وشك أن نفترق أنا وزوجي، فهو محرج "كرجل" كيف لم يمكنه منعي من هكذا قرار، وكان يحاول إقناعي مرّة باللين وأخرى بالقوة. حيث يقول لي: إن تركناهم أين نذهب؟ قضينا عمرنا معهم!
قلت له: لا زال لدينا إمكانية ماديّة دعنا نغادر المكان فالكرة الأرضية ملك لجميع البشر، وبعد نقاش حامي الوطيس حول الوطنية والوطن قال لي: لا يلزمني من وطني أكثر من أربعة حيطان وسقف، أجبته بعصبية: أرغب أن أعيش، أن يعيش أولادي عيشة كريمة، وبصراحة لا يلزمني هكذا وطن.
كان حواراً لا قيمة له طالما لم أقرّر فعلاً المغادرة حتى لو كان إلى الإمارات أو السعودية في ذلك الحين، وليس صحيحاً ما يشاع عن دول الخليج والإمارات خاصة، ففي الإمارات تعرّفت على التنوع البشري، وعلى التنافس المهني ، وعلى العمل المجدي، ولم أذهب إلى الإمارات كي أعالج أمورها الداخلية التي تتعلّق ربما بمليون مواطن فقط بينهم انسجام حول الأفكار من النظام والشّيوخ. كانت الحياة في جميع الأحوال-بالنسبة لي- لا تقارن في الحياة بسورية، لكنّني كنت مثل الملايين الخمسة الوافدة لدي مخاوف عدم الاستقرار بسبب الإقامات المؤقتة والتي ربما لا يجددها صاحب العمل-أغلب أصحاب العمل ليسوا إماراتيين. بل في معظمهم عرب لكن وفق نظام الكفالة في الشركات وأغلبهم من مؤيدي الاستبداد في بلدانهم-
كانت المرحلة الصّعبة في حياتي في الثمانينيات، حيث فقدّت مصادر القوة وهو الحزب، وتمّ حصاري اجتماعياً، وكان التحدّي كبيراً أن أكون أو لا أكون. أغلقت بابي بشكل مؤقت إلا أمام قلّة قليلة من الأصدقاء، وعشت حياة عائلية رائعة داخل البيت لولا تعثّر أولادي خلال علاقاتهم مع معلمي الفتوة، أو الموجهين، وانتقل الحلم من العمل على نفسي إلى تحفيز أولادي على النّجاح والصبر وهنا كان القرار الخطأ. تربية الأطفال على أنّ العمل الجدّي يوصل إلى النتيجة المرجوة تفكير ليس سليماً. هو غيبي كالدّين تماماً. نحن نعدهم بالجنّة في الدنيا نتيجة الصبر على القهر بينما الدين يبشرهم بالجنّة فيما بعد الحياة نتيجة الأعمال الصالحة، والصّبر على القهر. كنت أعرف ضمناً أن ما أتحدثه مع أولادي على أن الصبر ضروري حتى الوصول هو نوع من العبث، ربما أراحني أن لا أقوم بمغامرة، وأنا في منتصف العمر فالتجأت إلى الغيبيات، وقضيت على الجزء المتألّق من شخصيتي وهو عدم الرّضوخ، ودفعنا جميعاً كعائلة ثمن قراري بالرضوخ للأمر الواقع.
في فترة من الحياة, عندما تشعر أنّ الأبواب مغلقة ألا من نافذة صغيرة عليك أن تحاول الخروج من النافذة. لم أكن شجاعة إلى درجة أن أخرج من النافذة مع أنّني كنت أرى الضّوء خارجها.
في تلك الفترة من الحياة كنت متردّدة، خائفة من كلّ شيء. لم أكن أنا. بل كنت أحاول أن أقضي على الخوف بالصمت والكبت. إنّه الاستبداد. ليس استبداد الحاكم فقط. بل استبداد العائلة والمجتمع، وربما الطّبيعة، ولا ينتهي الاستبداد بثورة عفوية كما جرى في سورية، لكنه ينتهي بتغيّر الفكر الاستبدادي في المجتمع والعائلة، وعندها ينتهي دور المستبد. المجتمع السّوري كان يعاني من استبداد السّلطة، لكنه بدوره يمارس الاستبداد، ولا زال السّوري يدفع ثمن هذا الاستبداد. فاستبداد المجموعة الدينيّة ، أو القومية، أو العشيرة لا زال في أوجه، والطريق وعر وربما أطول مما نتوقّع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,060,378,823
- حول فضيحة ترامب مع الممثلة الإباحيّة
- حول الانتخابات المصرية
- سجن الرّوح -5-
- ماريا فرن
- حول وسائل التّواصل
- سجن الرّوح -4-
- حول فضيحة كامبريدج أناليتيكا
- سجن الرّوح-3-
- سجن الرّوح-2-
- سجن الرّوح-1-
- طريق العودة
- بمناسبة عيد المعلم العربي
- هل غيّر الغرب فكر المرأة السّورية؟
- قصة حقيقية عن العبودية
- سيرجي سكريبتال مرة أخرى
- رد على وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون حول حادث تسمم ال ...
- الفقر يخلق الظّلم
- من أمام المقبرة
- تحرّر المرأة مرهون بالسّلام
- يوم الإنسان السّوري بدلاً من يوم المرأة


المزيد.....




- بريطانيا: وقف بيع الأسلحة للسعودية يخفض نفوذنا في إنهاء حرب ...
- ترامب يؤكد أنه لا يحب التفكير كثيرا عند اتخاذ قراراته... مف ...
- شاهد: دوقة ساسيكس ميغان ميركل تطبخ في مركز المنار للتراث الث ...
- السجن مدى الحياة لباحث بريطاني بتهمة التجسس في الإمارات
- شاهد: دوقة ساسيكس ميغان ماركل تطبخ في مركز المنار للتراث الث ...
- المراهقة الهادئة والمنظمة تجنب خطر الموت المبكر
- الفلسطينيون يردون على نتنياهو من الخان الأحمر
- توماس فريدمان: ترامب يبيع القيم الأميركية دون مقابل
- الإرهاب في تونس.. تطرف ديني أم نتيجة للفشل السياسي؟
- بالصور.. أقزام دهوك.. قصص كفاح رغم التحديات


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-5-