أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - إلهامي الميرغني - المعاش المبكر والتخبط الحكومي






















المزيد.....

المعاش المبكر والتخبط الحكومي



إلهامي الميرغني
الحوار المتمدن-العدد: 1486 - 2006 / 3 / 11 - 09:28
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


المعاش المبكر والتخبط الحكومي
 فشل النظام بين عمال قطاع الأعمال فقرروا تعميمه على القطاع الحكومي
 وزير التنمية الإدارية يبحث تخفيض سن المعاش إلي 50 سنة ووزير المالية يبحث رفع السن إلي 65 سنة
 باسم الإصلاح تسريح الخبرات والكفاءات وإهدار الثروة البشرية في القطاع الحكومي

يشكل المعاش المبكر أحد المظاهر المرتبطة بتنفيذ توصيات مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وتنفيذ روشتة الصندوق والتي يسمونها برنامج الإصلاح الاقتصادي.وقبل أن ندخل إلي مناقشة هذه القضية علينا التأكيد على بعض الحقائق الهامة وهي:
ـ لم يكن القطاع العام كله تجربة ناجحة بل لقد تم تحميله بترسانة من القوانين التي كبلته وأضرت باقتصاديات تشغيله ،كما كان لتولي أهل الثقة قيادة الكثير من الوحدات وانتشار الفساد الذي افرز ظواهر مثل عبد الغني والحباك وغيرهم من القيادات التي تم كشفها. ولكن لابد من التأكيد على وجود عمالة زائدة حمل بها القطاع العام على مدي سنوات طويلة وأثرت علي اقتصاديات تشغيله رغم الدور الهام الذي تحمله في توفير الاحتياجات الأساسية لمحدودي الدخل بأسعار مناسبة.
ـ يعاني القطاع الحكومي من تضخم وظيفي وبطالة مقنعة ممتدة عبر سنوات طويلة ، ورغم إطلاق يد القطاع الخاص لقيادة التنمية إلا أنه عجز عن توفير وظائف تكفي لاستيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل سنوياً ، ورغم توقف الحكومة عن التعيينات الإجبارية منذ سنوات ، إلا أن توسع الأجهزة الحكومية واستحداث تنظيمات جديدة لإرضاء المحاسيب أدي لاستمرار القطاع الحكومي كأكبر مُوَظف في مصر على مدي السنوات الماضية ، وأصبح الإصلاح الإداري للجهاز الحكومي ضرورة من أجل دعم التنمية ومواجهة الفساد المستشري ولكن ما يتم الآن ليس إصلاح بل استمرار في الفساد وتصفية للخبرات البشرية.
ـ أدي تطبيق سياسات ما يسمي بالإصلاح الاقتصادي واستنزاف الاستثمارات والقروض في مشروعات البنية الأساسية وتآكل الجهاز الإنتاجي المصري وبيعه بأبخس الأسعار وتعثر المشروعات في القطاعين العام والخاص إلي تفشى البطالة التي تقدرها الحكومة بأكثر من 2 مليون عاطل وتصل في بعض التقديرات الأخرى لأكثر من 6.5 مليون عاطل ، مع عجز القطاع الخاص عن توفير استثمارات جديدة تستوعب جزء من فائض سوق العمل.

هذه حقائق لابد أن نعترف بها قبل أن ندخل في مناقشة مشكلة المعاش المبكر والتي ارتبطت منذ سنوات ببيع الأصول المصرية في أحدث عمليات تبديد لثروة الشعب المصري والتي تعرف بسياسة الخصخصة وما يشوبها من فساد ممتد من بيع شركة المراجل البخارية ومروراً ببيع بنك الإسكندرية وأخيرا صفقة بيع عمر أفندي وما يرتبط بذلك من خروج الآلاف من عمال قطاع الأعمال فيما يعرف بالمعاش المبكر ليضافوا إلي طابور العاطلين.

لقد شكلت ظاهرة المعاش المبكر أحد عوامل الضغط على نظام التأمينات الاجتماعية مما أدي لظهور عجز في النظام ، وتبددت آمال مئات العمال الذين فقدوا وظائفهم وانفقوا مكافآتهم ولم يجدوا أعمال بديلة وتقلص دخل عائلاتهم وانضموا لطابور العاطلين ليشكلوا مزيد من المشاكل الاجتماعية.
عمال قطاع الأعمال العام
حددت الحكومة الحد الأدنى لسن العاملين الراغبين بالاستفادة من المعاش المبكر بسن 45 سنة، شرط أن يكون العامل قد سدد اشتراكات تأمينية لمدة 20 سنة في الوظائف التي يعملون بها، على أن يحصلوا على مكافآت نظير ذلك يختلف حجمها، حسب سنوات العمل والعمر، وكذلك حسب طبيعة الوظائف التي يشغلونها. اقتصر الخروج للمعاش المبكر خلال السنوات الماضية على عمال قطاع الأعمال العام ووفقاً لبيانات وزارة التأمينات الاجتماعية فقد خرج أكثر من 307 ألف عامل للمعاش المبكر حتى 2001 .
















































أرتفع عدد الخارجين إلي المعاش المبكر من 112.5 ألف حالة عام 1995/1996 إلى 216.4 ألف حالة 1998/1999 ثم وصل إلى 307.3 ألف حالة عام 2000/2001 .يتراوح عدد الخارجين على المعاش المبكر ما بين 35 ألف عامل و48 ألف عامل سنوياً. وارتفعت قيمة التعويضات المنصرفة من 18.9 مليون جنيه إلى 76.6 مليون جنيه ، وتتراوح قيمة التعويضات السنوية ما بين 9 مليون جنيه و16 مليون جنيه.

يشكل المعاش المبكر احد العوامل الضاغطة على أموال التأمينات الاجتماعية من خلال خروج الآلاف سنوياً وحصولهم على تعويضات تصرف من أرصدة النظام ، ومن خلال توقف الاشتراكات التي كان يسددها هؤلاء المؤمن عليهم وتحولهم من دافعي اشتراكات إلى أصحاب معاشات ، وإذا كانت بعض المصادر تقدر عدد من خرج إلى المعاش المبكر بحوالي 450 ألف عامل مؤمن عليه خرجوا لينضموا إلى طابور العاطلين .

يري الدكتور حمدي عبد العظيم عميد أكاديمية السادات للعلوم الإدارية " انه كانت للخصخصة آثار سلبية علي فرص العمل خاصة مع صعوبة بيع الشركات وبها عمالة زائدة، وبالتالي التخلص من فائض العمالة عن طريق المعاش المبكر والاستغناء عن العمالة المؤقتة أو إعطاء أجازات إجبارية أو الحرمان من الحوافز كوسيلة مضمونة للضغط والتي تؤدي إلي الاستقالة، ومن ثم زيادة معدلات البطالة بصفة عامة، وبين النساء العاملات بصفة خاصة، نظراً لأن أكثر الفئات التي أحيلت علي المعاش المبكر من النساء، ممن تجاوزن سن الأربعين، خاصة مع عدم تفضيل عمل الإناث في الشركات بسبب ظروفهن الاجتماعية كما أدي خفض العلاوات والأجور والحوافز إلي زيادات وهمية في أرباح الشركات التي تطرح للبيع ومن ثم تراجع وضع العمال في ظل الخصخصة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية ومما ساهم في زيادة حدة المعاناة، زيادة الأسعار وتكاليف المعيشة وعدم وجود فرص بديلة في مشروعات خاصة نتيجة لظروف الكساد والركود التي لا يزال يمر بها الاقتصاد المصري، نتيجة الصدمات الخارجية منذ عام 1967 وحتى الآن وبالتالي لم يتم استيعاب العمالة الخارجة من الخصخصة في وظائف جديدة. كما قال الدكتور أسامة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد والمالية بجامعة عين شمس، وعضو المنظمة العربية للعمل: إن فكرة المعاش المبكر والتي طرحت أول مرة عام 1996 كانت بمثابة الشرارة الأولي لأساليب الضغط التي مارستها الحكومة علي العمال، رغم أن بعض الدراسات أثبتت انضمام معظم الخارجين علي المعاش المبكر إلي طابور البطالة، والذين تحولوا إلي جيش من العاطلين من الطراز الأول.( جريدة الوفد ــ 450 ألف عامل في سجن المعاش المبكر ــ 29 أبريل 2004 )

توجد عدة نماذج للضغوط التي تعرض لها العمال وإجبارهم على الخروج للمعاش المبكر مثلما حدث من استغاثة العاملين بمجمعات الأهرام الاستهلاكية بوزير الاستثمار لإنقاذهم من التشرد بعد قرار الوزارة ببيع بعض الأصول التابعة للمجمعات. حيث أكد العاملون أن الشركة القابضة تجبرهم علي المعاش المبكر، بعد أن تم بيع بعض الفروع لمستثمرين دون اشتراط استمرار النشاط والاستعانة بالعمالة الموجودة. وأشاروا إلي أن التصريحات السابقة كانت تؤكد بيع هذه المجمعات بنظام حق الانتفاع والحفاظ علي أوضاع العمالة، إلا أن البيع خالف ذلك!!. (جريدة الوفد ــ ـ 27 يونية 2005 )

كما نشرت " جريدة الأسبوع " : أن الحكومة لن يرتاح لها بال حتى تقوم ببيع جميع شركات قطاع الأعمال وتسريح جميع عماله. ومن أجل تحقيق هذا الغرض طرحت الحكومة مشروعا جديدا للمعاش المبكر يستهدف خروج " 75 " ألف عامل بتكلفة مالية قدرها " 3 " مليارات جنيه. وكتبت أن النتيجة ستكون خروج هذا الكم الهائل من العمال من عملهم ليكونوا من رواد المقاهي، وأهم قواعد تطبيق هذا النظام أن يكون ترك الخدمة اختياريا بناء علي طلب كتابي من العامل في إنهاء خدمته قبل بلوغه سن الستين بالتنسيق مع التنظيم النقابي ويتم التطبيق علي العاملين الذين يقع اختيار إدارة الشركة عليهم وفقا لحاجة العمل الفعلية. ( جريدة الأسبوع ــ 28 يوليو 2005 )

أحكام القضاء والمعاش المبكر
لم تراعي التشريعات القائمة خاصة في مجال التأمينات الاجتماعية خصوصية المعاش المبكر وفرقت في المعاملة بين العاملين حسب أسباب ترك الخدمة مما دفع العمال إلي اللجوء للقضاء الذي أصدر عدة أحكام هامة متعلقة بنظام المعاش المبكر من بينها حكم المحكمة الدستورية العليا الذي يقضي بأحقية صاحب المعاش المبكر في احتساب نسبة ‏25%‏ من قيمة الأجر الأساسي بحد أدني وأقصي‏20‏ و‏35‏ جنيها شهريا دون التقيد بشرط بلوغ سن الخمسين وبحيث يبدأ الصرف فورا بمجرد تقدم صاحب المعاش المبكر لطلب الصرف‏، وأيضا تنفيذ قرار احتساب 80 %‏ من قيمة العلاوات الخاصة التي لم يتم إضافتها إلي الأجر الأساسي في تاريخ استحقاق المعاش المبكر باعتبارها عنصرا من عناصر الأجور المتغيرة وذلك لتوسيع قاعدة المستفيدين بإضافة المعاش المبكر أحد أسباب الاستحقاق بعد أن كانت الأسباب مقصورة علي حالات انتهاء الخدمة ببلوغ السن أو العجز أو الوفاة‏. وصرحت الدكتورة أمينة الجندي وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية وقتها بأن هذا الحكم سوف يتيح تسوية الحالات التي حرمت بنص القانون من هذه الزيادة التي اشترطت أن سن الخمسين ضرورة لحسابها ‏.‏‏( جريدة الأهرام ــ بدء تنفيذ حكم الدستورية العليا‏:‏أحقية صاحب المعاش المبكر في‏ 25 %‏ من أجره دون التقيد بشرط بلوغ سن الخمسين ــ 22 يوليو 2005 )

أسست المحكمة حكمها علي أن النصوص المطعون عليها قد استبعدت فئة من المؤمن عليهم من المزايا التأمينية التي كفلها الدستور. وبذلك قد انطوت علي تمييز بين طائفتين من المؤمن عليهم يصادم الأغراض التي توخاها المشرع من تقرير هذه الزيادة فيصبح هذا التمييز تحكمياً ويخل بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 40 من الدستور. (جريدة الأخبار ــ عدم دستورية حرمان أصحاب المعاش المبكر من زيادة معاشهم عن الأجر المتغير ــ 13 يونيو2005)

هكذا جاءت الأحكام القضائية لتصحيح بعض الأوضاع الجائرة التي عاني منها العمال الخارجين على المعاش المبكر والذين كانوا يحرمون من بعض المزايا الخاصة بالعلاوات الخاصة والأجور المتغيرة.

تأملات في أحوال عمال المعاش المبكر
تم إجراء دراستين ميدانيتين في عام 2004 على عينة ممن خرجوا بنظام المعاش المبكر، الأولى أجرتها الجامعة العمالية وضمت عينة من 1,000 عامل، والثانية أجرتها جمعية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأصحاب المعاش المبكر وشملت 500 عامل. وتتميز الدراستان بأنهما تناولتا مناطق جغرافية متنوعة بين الأقاليم والعاصمة والذكور والإناث والصناعات المختلفة من منسوجات وصناعات غذائية وميكانيكية وغيرها بما يعطي مصداقية للنتائج التي توصلوا إليها.
الدراسة الأولى أشارت إلى مجموعة هامة من الحقائق منها:
ـ أن حالة العمل لأفراد العينة البالغ عددهم 1,000 عامل، يعمل منهم بعد الخروج للمعاش المبكر نحو 336 فردا بنسبة 33.6%، بينما 664 فردا لا يعملون وبنسبة 66.4%، وهذا يدل على أن ظاهرة البطالة صاحبت تطبيق سياسة المعاش المبكر.
ـ بتحليل حالة أفراد العينة الذين صنفوا على أنهم يعملون بعد خروجهم للمعاش المبكر وجد أن نحو 216 فردا ممن يعملون يحصلون على العمل بصفة مؤقتة، وليست دائمة أي حوالي 92 % ممن وجدوا عمل بينما من يعملون بصفة دائمة يصل عددهم إلى 120 فردا، أي بنسبة 8% ممن وجدوا عمل. وهذا يعني أن من خرجوا للمعاش المبكر فرصتهم في سوق العمل ضئيلة، وأن غالبية من يعملون لا يتاح لهم العمل بشكل دائم وإنما بشكل مؤقت.
ـ أن عدد المتزوجين ويعولون كانوا السواد الأعظم بين أفراد العينة حيث بلغ عددهم نحو 908 فرد بنسبة حوالي 91% بينما المتزوجون فقط بلغ عددهم 53 فرد، أي بنسبة 5.3%، بينما العزاب كان عددهم 17 فردا بنسبة 1.7%.
ـ تظهر الأبعاد الاجتماعية أكثر، حينما نعلم أن دخول هؤلاء الأفراد قد انخفضت بمعدلات عالية بعد خروجهم للمعاش المبكر، في حين أن التزاماتهم المادية في تزايد، فنحو 29% يحصلون على دخل شهري 200 جنيه (الدولار = 5.80 جنيهات تقريبا وبحيث يعادل دخلهم حوالي 34 دولار شهريا أو حوالي دولار يومياً وهو ما يعنى أنهم يعيشون في فقر مدقع وفق لتعريف البنك الدولي) ، وتتدرج الدخول فيما بعد بنسب أقل كلما ارتفع الدخل فتصل نسبة من يحصلون على دخل من 600 – 700 جنية إلى نحو 3%.

توصلت الدراسة الثانية حول أصحاب المعاش المبكر إلى مجموعة من الحقائق منها:
ـ أن معظم أفراد العينة على مستوى مناسب من التعليم، حيث يشكل الحاصلون على مؤهلات متوسطة وأقل من المتوسطة 64.2%، بينما يمثل الجامعيون 10.8%، ويعني هذا أن هذه النسبة الغالبة تمثل الفنيين والعمالة الماهرة والمشرفين عليها، وهم عصب الصناعة المصرية.
ـ تشكل المرأة نسبة هامة من أصحاب المعاش المبكر بنسبة 30.4%، وتذهب الدراسة إلى أن التأكيد على أن المرأة العاملة تحتاج إلى مزيد من الرعاية، لكي تتمكن من مواصلة عملها، ولا تبادر إلى تركه، إذا وجدت ما يشجعها على ذلك.
ـ متوسط عدد أفراد الأسرة في شريحة أصحاب المعاش المبكر يدور حول خمسة أفراد بنسبة 67.1%، ومعنى ذلك أننا أمام معدلات إعالة كبيرة لا تكفي المعاشات الشهرية التي يحصل عليها هؤلاء لإعالة أسرهم، وتوفير كل احتياجاتها الضرورية.
( عبد الحافظ الصاوي ـ المعاش المبكر بمصر.. أزمة تنتظر حلا ـ موقع إسلام أون لاين ـ 8/12/2005 )

لقد قذف المعاش المبكر بالخبرات الفنية والإدارية في قطاع الأعمال إلي البطالة التي يعاني منها غالبية الخارجين للمعاش المبكر والذين يحصلون علي معاشات لا تكفي لتلبية احتياجات عائلاتهم وتضعهم تحت خط الفقر وفقاً لتعريف البنك الدولي.
المعاش المبكر في القطاع الحكومي
رغم كل الفشل الذي صاحب سياسة المعاش المبكر في القطاع العام وبدلاً من التوقف والتقييم والبحث عن بدائل تتجه الحكومة لتوسيع نطاق تنفيذه ليشمل القطاع الحكومي . فقد نشرت الأهرام الغراء : خرج قطار المعاش المبكر من محطة القطاع العام لينطلق إلي محطة الوظائف الحكومية‏.‏وفي هذه المحطة ـ محطة الوظائف الحكومية ـ لم يستقر القطار بعد وتساءل ركابه في حيرة،‏ هل نكتفي بهذه المسافة التي قطعناها من أعمارنا ونحصل علي قرشين لتأمين المستقبل؟ أم أن بريق العائد المادي سيغرينا وسرعان ماننفقه‏.‏ ( جريدة الأهرام ـ 7 مارس 2006 )

يقول الدكتور أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الإدارية‏:‏ إن القانون الحالي يحدد سن التقاعد القانونية بستين عاما كنظام عام للخدمة المدنية في مصر‏،‏ ولكن مراعاة للعديد من الظروف الاقتصادية‏،‏ والاجتماعية وحرصا علي تحقيق قدر من المرونة للموظف الراغب في ترك الخدمة قبل بلوغ السن المقررة فقد استثني المشروع الجديد نظام الخروج المبكر للمعاش‏،‏ وتضمن القانون بحكم المادة ‏95 ‏ مكرر نظاما للمعاش المبكر ومعاش التيسير بالنسبة للمعاش المبكر‏.‏وقال الوزير إن هناك ‏4‏ بدائل لتطوير نظام الإحالة إلي المعاش المبكر بما يسمح للعاملين بطلب ترك الخدمة اختياريا وتعتمد البدائل الأربعة على الخروج عند سن الخمسين أو الخمسة وخمسين رغم أن الحساب الاكتواري للمعاشات محسوب علي أساس الخروج عند سن الستين‏.‏

ومن عجائب الفوضى والتخبط الذي تمارسه الحكومة هو أن وزارة التنمية الإدارية تدرس السماح بالمعاش المبكر للعاملين بالحكومة عند سن الخمسين بينما تدرس وزارة المالية رفع سن الاشتراك بالمعاش إلي خمسة وستين ، ألا يجلس هؤلاء الوزراء مع بعض لتنسيق ما يفعلوه؟!!. لقد أدت سياسة المعاش المبكر بين عمال القطاع العام لكوارث رغم أن عمال القطاع العام لم يتجاوز عددهم مليون وثلاثمائة ألف عامل بينما الذين خرجوا للمعاش المبكر لم يتجاوز عددهم النصف مليون وسببوا أزمة كبري لنظام المعاشات . ماذا يحدث إذا طبق النظام على موظفي الحكومة الذين يتجاوز عددهم 5.7 مليون موظف. ومن أين ستمول فروق مدخراتهم ؟!

أن المعاش ينخفض عن الأجر الأساسي بنسب مختلفة حسب سن المؤمن عليه في تاريخ الخروج للمعاش ذلك بخلاف المستحق عن الأجر المتغير ومكافأة نهاية الخدمة . ألا يعكس ذلك مدي التخبط الذى تمارسه هذه الحكومة.هل تضحي الحكومة بالخبرات التي تملكها وترمي خبرائها إلي صفوف العاطلين لتخفيف حدة البطالة المقنعة أو الرغبة في تخفيض عدد موظفي الحكومة؟! هل هذا هو الأسلوب الحديث للإصلاح الإداري؟! .ألا توجد وسائل أخري لتحقيق ذلك ؟! إذا كان الوزراء الحاليين يجهلون ذلك فمصر مليئة بالخبراء القادرين علي وضع خطط حقيقية لإصلاح الإدارة الحكومية بعيداً عن المعاش المبكر وغيره من الأفكار العشوائية التي تمارسها الحكومة صباح مساء.

لقد طالب الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد ـ عميد مركز البحوث والمعلومات بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية ـ أن يكفل هذا النظام أولا التعويض المادي الكافي الذي يسمح للموظف بالمقارنة بين وضعه الوظيفي القائم‏، وما سيكون عليه عند ترك الخدمة بشكل اختياري، وليس إجباريا والتحول نحو عمل آخر‏.‏وافترض لنجاح ذلك النظام أن يكون ضمن منظومة كاملة لإعادة الهيكلة علي مستوي القطاع الحكومي‏،‏ والعمالة في الاقتصاد القومي ككل‏.

إن الإصلاح الإداري لا يعني تسريح العمال والاستغناء عنهم، وخضوعهم لشروط عمل تتنافى مع حقوق أقرتها المواثيق الدولية. إن الخبرات المتراكمة في القطاع الحكومي هي أغلي ثروة تملكها مصر ولا يجب إهدارها من أجل السراب ، نحن نتفق تماماً مع أهمية الإصلاح الحقيقي للإدارة الحكومية وإلغاء الهيئات والمصالح التي لا داعي لوجودها والتي فرضت في فترات متعاقبة لإرضاء المحاسيب والحاشية. كما يمكن دمج بعض الوزارات وإلغاء بعض الوظائف وتخفيض العمالة بناء على دراسات واقعية للأعباء الوظيفية والمطلوب في كل وظيفة ، كما يجب أن يرتبط ذلك بإصلاح نظم الأجور والمرتبات المدخل الرئيسي للفساد ، وإصلاح هيكل إدارة الدولة من القاعدة إلي القمة ،والاهتمام بمعايير الإنتاجية والجودة وإعادة تأهيل وتوزيع العمالة بما يرفع من كفاءة الأداء فليس بالمعاش المبكر وحده ينصلح الجهاز الإداري للدولة.

المشروعات الصغيرة ليست الحل
توجد أكذوبة تروج لها الدولة منذ سنوات وهي المبالغة في دور المشروعات الصغيرة وكأنها بمفردها يمكن أن تعالج المشاكل العضال التي يعاني منها الاقتصاد المصري ، حيث اقترح الدكتور عبد المطلب عبد الحميد أن تكون هناك برامج مكملة للمعاش المبكر‏، مثل الاهتمام بمجموعة من البرامج لتحويل العاملين بعد خروجهم علي المعاش المبكر إلي طاقة نستفيد بها في مشروعات صغيرة يقوم بها الصندوق الاجتماعي‏.‏ونبه إلي أن سيادة فلسفة الاسترخاء مضرة للمجتمع علي المدى الطويل بمعني أنه لو ظل الموظف في حالة انتظار للمعاش دون عمل ستتحول هذه الفئة من المعاش المبكر لطاقة من المشاكل التي لا حدود لها مثل إساءة الاستفادة من المكافأة واستنفادها في أنماط استهلاكية أو سلوكيات اجتماعية قليلة النفع مثل تجهيز أحد الأبناء‏، أو تجديد منزل أو ماشابه‏..‏ وتنتشر في المجتمع ثقافة التعطل واللإنتاجية‏.‏

نفس المعنى يؤكده الدكتور شريف قاسم ـ نائب رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية ـ حيث يري أن تطبيق نظام المعاش المبكر هو محاولة من الحكومة لتقليل أعبائها الحالية‏، والمستقبلية‏، ويري أنه في أغلب الأحيان فان نسبة‏ 99 %‏ من هذه الفئة تصرف مكافآتهم لسد احتياجات استهلاكية، ونسبة ضعيفة تحاول الاستثمار‏، ولكن في مجالات بعيدة عن خبرة الموظف لأن الدخول لسوق العمل يجب أن يكون علي دراية وخبرة بأنشطة السوق‏.‏ويقترح البدء بتنفيذ مشروعات متناهية الصغر واقترح إجراء دراسات للسوق من خلال الصندوق الاجتماعي‏,‏ وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية.

إننا نسأل الأساتذة الذين اقترحوا تحول الخارجين للمعاش المبكر إلي المشروعات الصغيرة ، هل توجد مشروعات صغيرة أو متناهية الصغر في ظل الركود الحالي الذي يخرج عشرات المشروعات الكبيرة والمتوسطة من السوق كل يوم ويسحق المشروعات الصغيرة؟ هل يمكن قيام مشروعات صغيرة دون توافر آليات للتكامل مع المشروعات المتوسطة والكبيرة ودون حل مشاكل التمويل والدعم الفني والتسويق ؟ هل يوجد مستقبل لهذه المشروعات في ظل انهيار النظام التعاوني وحصاره؟ كما أن المشروعات الصغيرة لا تتناسب مع ثقافة الموظف العام التي حصدها علي مدي سنوات والنتيجة هي أهدار خبرات القطاع الحكومي وتحويلهم إلي عاطلين وتبديد مدخراتهم على النزعات الاستهلاكية التي تغذيها المدية الإعلامية كل يوم والتي يتفق عليها كل منظري الحكومة.

لقد أكد الأستاذ صلاح العمروسي أنه ينبغي التأكيد علي محدودية الدور الذي يمكن أن تؤديه الصناعات الصغيرة الاستهلاكية والتقليدية في الظروف المصرية وفي ظل السياسات السائدة علي عفوية السوق. ويحلو للمسئولين وأنصار حملة الصناعات الصغيرة الراهنة، الاستشهاد باليابان وبلدان شرق أسيا التي شهدت توسعا للصناعات الصغيرة، ودورا كبيرا لها في تحقيق نهضتها الصناعية. ومع ذلك فهذا الاستشهاد ليس في محله تماما، فإذا كانت الصناعات الصغيرة قد حققت وزنا مهما في تلك البلدان، إلا أن الصناعات الثقيلة والمتقدمة تكنولوجيا حققت وزنا أكبر وأكثر أهمية بما لا يقاس، فمن خلال الدفعة الكبرى big push التي تلقتها تلك الصناعات أقيمت القاعدة الصناعية القومية لكل بلد من تلك البلدان (كما حدث في اليابان في الخمسينيات وكوريا الجنوبية وتايوان في السبعينيات الخ)، وهي التي فتحت المجال لنمو الصناعات الصغيرة، حيث قامت بدور الصناعات المغذية لعدد من الصناعات الكبيرة. ويعني ذلك أن مروجي الأوهام عن الصناعات الصغيرة يغفلون، عن قصد أو دون قصد، الوجه الأهم للتاريخ الصناعي لتلك البلدان، والذي يتمثل في ذلك الدور القيادي للصناعات الكبيرة عالية التكنولوجيا، وبشكل خاص الصناعات الوسيطة وصناعة الآلات (أي السلع الرأسمالية)، والذي بدونه لم يكن من الممكن أن تلعب الصناعات الصغيرة دورها الهام وأن تحقق شهرتها الخاصة. وفي كل الحالات، سواء تعلق الأمر بالصناعات الكبيرة أو الصغيرة، لم يتحقق التطور الصناعي سوي بتدخل كثيف للدولة ولم يترك الأمر لعفوية السوق. ( صلاح العمروسي ـ استراتيجية الصناعات الصغيرة والبطالة)

لذلك لا يمكن الاعتماد علي المشروعات الصغيرة وحدها كحل لمشكلة تسريح العمالة في ظل الركود الحالي وتآكل الهياكل الإنتاجية وتعثر المشروعات الصغيرة وتفجر حمي الاستهلاك التي تضرب المصريين على اختلاف دخولهم.

صندوق لعلاج المعاش المبكر
لقد شكل الخروج للمعاش المبكر مأزق لنظام التأمينات الاجتماعية في مصر الأمر الذي دفع منظري الحكومة للبحث عن علاج لهذه المشكلة حيث أقترح الأستاذ عبد الفتاح الجبالي ضرورة إعادة النظر في نسب المعاش المبكر للعاملين بشركات قطاع الأعمال بحيث يقتصر ما تتحمله صناديق التأمينات والمعاشات علي ما أسهم به العاملون في هذه الصناديق مع تحميل فروق المعاش المبكر علي صندوق الخصخصة بدلاً من الخزانة العامة ( جريدة الأهرام ـ 16 يناير 2006 )

كذلك اقترح الدكتور عبد المطلب عبد الحميد تخصيص صندوق لتمويل المعاش المبكر تخصص موارده من الموازنة العامة للدولة أو تعبئته من موارد محلية أو خارجية من دول مانحة أو غيرها بحيث يكون تحت مسمي صندوق تمويل المعاش المبكر‏.‏( جريدة الأهرام ـ 7 مارس 2006 )

المشكلة لا يمكن اختصارها في مجرد إنشاء صندوق لتمويل المعاش المبكر فقط ، أو من خلال إجراء دراسات جدوى للمشروعات الصغيرة لكي لا يبدد الموظفين مكافآتهم التي سيحصلون عليها. إننا بحاجة لتقييم شامل لسياسة الخصخصة ونتائجها ووضع محددات للمشروعات التي تباع خلال السنوات القادمة. كما أن إصلاح الإدارة الحكومية هو محور رئيسي للتطوير والتنمية ومواجهة الفساد ، ولكن المعاش المبكر ليس هو الإصلاح ولكنه ابتذال للعلاج. إننا بحاجة إلي تكوين فرق من الخبراء تضع مشاريع التطوير وتطرحها للمناقشة العامة بين كافة الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني قبل أن تقع الواقعة ، فكلنا شركاء في هذا الوطن وعلينا جميعاً أن نرسم صورته القادمة.
إلهامي الميرغني
9/3/2006
eme55@hotmail.com






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,526,220,204
- كل عام والحوار المتمدن بخير كل عام واليسار العربي بخير
- تمزيق وتدمير الوطن ولى وطن آليت ألا أبيعه ولا أرى غيري له ال ...
- تمزيق وتدمير الوطن
- إعادة صياغة الوعي في زمن العولمة المتوحشة
- اللحم الرخيص
- ملاحظات حول ورقة من أجل حزب اشتراكي جديد
- لماذا وأين نتظاهر؟
- تحرير الأسواق كطريق للتنمية
- كلام أبو لبدة
- الإصلاح الاقتصادي في مصر
- الفقر في بر مصر
- ديون القطاع العام وديون القطاع الخاص
- مفاهيم ديمقراطية مغلوطة
- شكراً للرئيس مبارك
- حكاية الأسد العجوز
- تاريخ الحركة الشيوعية الثالثة - ضرورات التوثيق
- النقابات المهنية بين الأزمة الهيكلية والقانون 100
- أبناؤنا في الخارج
- هوامش على دفتر الأزمة
- البطل الأوليمبي كرم جابر ، ولكن للإبداع شروط


المزيد.....


- سورية تستفيض بشعار الإصلاح . . فأين الشعب من الشعار / كاسترو نسيّ
- النقابة العامة لعمال الخدمات العامة و التجارة تعقد مؤتمرها ا ... / ناهض منصور
- النقابات العمالية رافعة قوية في معركة التحرير / ارا خاجادور
- عمال مقالع الرخام يشتغلون في ظروف صعبة / رحال لحسيني
- خطة ويسكونسين - الخدمة الجماهيرية العبودية الجديدة / اسماء اغبارية زحالقة
- صوت يساري - للعمّال حقوقهم / صوت يساري


المزيد.....

- أمام مكاتب طيران العال الصهيوني في مطار اثينا:قوي عمالية تتظ ...
- نقابة «المالية» تطالب الوزير بصرف حوافز تشجيعية للموظفين
- الغارديان: عمال أجانب في قطر لم يتقاضوا أجورا منذ 13 شهرا
- غدًا.. آخر أيام مد ساعات العمل فى المترو للثانية صباحًا
- القوى العاملة والهجرة: جلسة الحوار المجتمعي لمشروع قانون الع ...
- لجنة كأس العالم منزعجة بشدة لعدم دفع رواتب العمال بقطر
- لجنة كأس العالم منزعجة بشدة لعدم دفع رواتب العمال بقطر
- غارديان: قطر تتجاهل دفع رواتب العمال لأكثر من عام
- تهنئة بمناسبة حلول عيد الفطر
- رئيس الجالية المصرية في ليبيا : مقتل 23 عاملا مصريا في سقوط ...


المزيد.....

- ارنست ماندل 1923- 1995 مسيرة مناضل ثوري الطويلة / فرانسوا فيركامن
- المشروعية التاريخية لحق الإضراب / عبد الله لفناتسة
- حول إصلاح منظومة الأجور في مصر / إلهامي الميرغني
- حول اصلاح منظومة الأجور في مصر / إلهامي الميرغني
- دراسة: الطبقة العاملة المصرية .. شريك الثورة المنسي: أوضاع ا ... / مصطفى بسيوني
- النقابات المهنية في مصر / إلهامي الميرغني
- المسألة الزاعية بالمغرب وتمركز الرأسمال في الزراعة / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- النقابات، أدوات لتقسيم الطبقة العاملة وتكسير نضالاتها / عبد السلام أديب
- المغرب: نص مداخلة رابطة العمل الشيوعي، الفرع المغربي للتيار ... / بيان الدفاع عن الماركسية
- كلمات حول: أزمات النظام الرأسمالي وانعكاساتها على الساحة الع ... / فرج عبد الفتاح فرج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - إلهامي الميرغني - المعاش المبكر والتخبط الحكومي