أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جلبير الأشقر - الصعود العالمي لليمين الشعبوي وشرط انهائه















المزيد.....

الصعود العالمي لليمين الشعبوي وشرط انهائه


جلبير الأشقر
الحوار المتمدن-العدد: 5809 - 2018 / 3 / 8 - 19:38
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



عندما حصل «حزب الحرية النمساوي»، الذي ينتمي إلى أقصى اليمين، على 27 بالمئة من الأصوات في الانتخابات النيابية التي شهدتها النمسا في خريف سنة 1999، ثم اتفق مع «حزب الشعب النمساوي» المحافظ على تشكيل حكومة ائتلافية في أوائل العام التالي، قامت الدنيا ولم تقعد. وقد قرّر الاتحاد الأوروبي، الذي كان يضم آنذاك خمس عشرة دولة، فرض عقوبات على النمسا ترافقت مع شبه مقاطعة لحكومتها. أما أجهزة الإعلام الديمقراطية والليبرالية في شتى البلدان الغربية، فندّدت بالمحافظين النمساويين الذين آثروا أن يتحالفوا مع أقصى اليمين على تجديد ائتلافهم الحكومي مع الاشتراكيين الديمقراطيين.
في انتخابات عام 1999 كان محافظو «حزب الشعب» قد حصلوا على نسبة مماثلة لنسبة «حزب الحرية»، أما «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» فقد جاء في المرتبة الأولى حاصلاً على ما يناهز ثلث الأصوات. وقد رأى المحافظون أن ائتلافهم السابق مع الاشتراكيين أدّى إلى فقدانهم قسماً من قاعدتهم الانتخابية لصالح أقصى اليمين، فرأوا أن يستعيدوا ما خسروه بعقد ائتلاف مع هذا الأخير. كانت رياح أوروبا في ذلك الحين تنفخ في أشرعة الاشتراكيين الديمقراطيين على حساب المحافظين. فقد كان الاشتراكيون يحكمون أهم الدول الأوروبية: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وغيرها من الدول الأصغر.
هذا وقد عرف الاتحاد الأوروبي صدمة سياسية أولى في إيطاليا سنة 1994 مع وصول الشعبوي اليميني سيلفيو برلسكوني المتحالف مع أقصى اليمين إلى الحكم في شهر أيار/مايو، غير أنه دام على رأس الحكومة أقل من سنة. وقد جاءت معاملة النمسا الصغيرة بقساوة محاولةً لدرء خطر انتشار الوباء وتحوّل مشاركة أقصى اليمين في الحكم إلى أمر عادي. والحقيقة أن مناورة المحافظين النمساويين أفلحت، إذ أنهم تمكّنوا من سحب البساط من تحت أرجل «حزب الحرية» وإضعافه لمدة، وذلك لأنهم دخلوا في مزايدة يمينية معه فاسترجعوا ذلك القسم من الناخبين الذي كان قد هجرهم. لكن ذلك تمّ على حساب «وسطيتهم» المحافظة التقليدية. وقد تكررت الدورة ذاتها في النمسا في نهاية العام الماضي: ائتلاف المحافظين مع الاشتراكيين فسح مجالاً أمام «حزب الحرية» لينمو من جديد، الأمر الذي حثّ المحافظين على تشديد خطابهم اليميني من جديد وإعادة عقد ائتلاف حكومي مع أقصى اليمين، وسط صمت الاتحاد الأوروبي هذه المرة.
وفي قصة النمسا سرّ التحوّلات الكبرى التي تشهدها منذ سنوات الحياة السياسية في الديمقراطيات الليبرالية الغربية. فقد بدأ الأمر بانزلاق المشهد السياسي الغربي برمّته نحو اليمين مع استكمال حلول النهج النيوليبرالي محل نهج الإصلاح الاجتماعي الذي ساد في الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. حصل ذلك المسار بتلازم مع صعود الاتحاد السوفييتي بعد الحرب ومن ثم أفوله التدريحي بدءًا من السبعينيات وحتى انهياره ومنظومته في بداية التسعينيات. ثم ركبت الاشتراكية الديمقراطية الموجة النيوليبرالية، بالرغم من أنها أتت إلى السلطة في تلك المرحلة بفضل اختيارها من قبل ناخبين أرادوا سدّ الطريق أمام تلك الموجة دفاعاً عن المكاسب الاجتماعية التي تحقّقت في العقود السابقة. ولمّا تبيّن أن الاشتراكيين الديمقراطيين قد اعتنقوا الوصفات النيوليبرالية التي كان اليمين المحافظ بطلَها، إلى حدّ عقدهم في أكثر من بلد، ولاسيما ألمانيا، ائتلافاً مع المحافظين، حاد عنهم الكثير من ناخبيهم. وقد فضّل بعضهم الأصل على النسخة عنه بينما بحث آخرون عن معارضة جذرية للأوضاع السائدة بالتصويت لأقصى اليمين.
هكذا، بدأ أفول الاشتراكية الديمقراطية الطويل الذي أوصلها إلى الحضيض الذي بلغته حالياً في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، متلازماً مع صعود أقصى اليمين. أما اليمين المحافظ التقليدي فيشهد بدوره أفولاً بسبب انتقاله التدريجي إلى مواقع أقصى اليمين، بما حدا قسماً متعاظماً من ناخبيه إلى تفضيل التصويت للأصل. ولا تختلف الصورة في الولايات المتحدة مع احتلال الحزب الديمقراطي فيها موقعاً مشابهاً لذلك الذي يحتله الاشتراكيون الديمقراطيون في أوروبا. وكان الحزب الديمقراطي قد عاد إلى الحكم برئاسة بيل كلينتون في عام 1993 بعد إثنتي عشرة سنة أمضاها في المعارضة إزاء الهجمة اليمينية النيوليبرالية التي دشّنها رونالد ريغن. إلا أنه ما لبث أن تبيّن أن كلينتون تكيّف مع تلك الهجمة واستكملها بدل دحرها وإعادة ربط ما فكّته، تماماً مثلما استكمل توني بلير على رأس «حزب العمّال» البريطاني الهجمة النيوليبرالية التي دشّنتها مارغريت ثاتشر واستكمل غرهارد شرودر على رأس الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان التغييرات النيوليبرالية عينها في بلاده.
وقد حاد قسم كبير من الناخبين الأمريكيين عن الديمقراطيين وجرى انتخاب الجمهوري اليميني، جورج دبليو بوش، بعد كلينتون. عندها برز نجم باراك أوباما وقد عقد عليه الكثيرون آمالاً كبرى لسمعته التقدّمية التي عزّزها كونه ينتمي إلى الأقلية السوداء المضطهَدة. وقد تكرّرت الحكاية ذاتها: خيّب أوباما آمال قسم كبير من الذين صوّتوا له، فلم يصوّتوا لمرشحة الحزب الديمقراطي بعده، هيلاري كلينتون، لاسيما أن تجربة زوجها زادت من الحذر تجاهها. في هذه الأثناء كان الحزب الجمهوري يستكمل انزلاقه نحو اليمين المتشدّد بفعل تنافس أعضائه الفاعلين على كسب الأصوات التي تتأثّر بالشعبويين اليمينيين. فوصل دونالد ترامب إلى الحكم، وهو أكثر الرؤساء يمينية في تاريخ الولايات المتحدة بما يُعدّ هزيمة للجناح التقليدي «الوسطي» من حزب الجمهوريين.
وثمة برهان آخر عن القاعدة المذكورة، تشكّله الحالتان اللتان رأينا فيهما اليسار التقليدي يستعيد دوره كيسار فعلي، بل يجذّر هذا الدور بحيث يستعيد الموقع السياسي الذي احتلّه في المرحلة الأكثر جذرية من تاريخه: حالتا جيريمي كوربين في حزب العمال البريطاني وبيرني ساندرز في الحزب الديمقراطي الأمريكي. فتحت قيادة الأول، استعاد حزب العمّال حتى الآن قسماً كبيراً من المساحة الانتخابية التي كان قد فقدها، إلى حدّ أن استطلاعات الرأي تتنبأ بفوزه على حزب المحافظين لو أُجريت انتخابات برلمانية اليوم. وكانت الاستطلاعات في عام 2016 تتنبّأ بفوز ساندرز على ترامب بشوط بعيد لو تواجها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
والعبرة واضحة تماماً: إن انزلاق المجتمعات الغربية نحو أقصى اليمين الذي يروّج للعنصرية ويحوّل المهاجرين واللاجئين إلى أكباش محرقة للأزمة الاجتماعية، ذلك الانزلاق لن ينتهي سوى بظهور وصعود قوى يسارية تنادي بوضع حد للهجمة النيوليبرالية ولسياسات التقشّف الملازمة لها، وتدعو إلى إعادة احياء برنامج الاصلاحات الاجتماعية التقدمية التي كان اليسار بطلَها عندما كان وفياً لمبادئه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,109,170,687
- قيصر روسيا وسوريا وسياسة المكايد
- صفعة ترامب وصفعة عهد التميمي
- معضلة «التطرّف والاعتدال» في علاقة إسرائيل بمحيطها ا ...
- في تغليب العداء للكُرد على العداء لنظام آل الأسد وحم ...
- تحية إعجاب لموسى مصطفى موسى…
- مصيبة الشعب الكردي
- دفاعاً عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره
- استفتاء الاستقلال الكردي الوهمي: انتهت السكرة وبدأت ...
- البارزاني وتقرير المصير: كلمة حق أريد بها باطل!
- العالم العربي:”طور مضاد للثورة ليس هو ذاته غير مرحلة في السي ...
- ما دامت القوى التقدّمية عاجزة عن تشكيل بدائل قوية وحقيقية سن ...
- لا للقصف الجوّي الهمجي في سوريا واليمن!
- عن تدخل الدولة التركية في سوريا
- هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟
- االربيع العربي وانتكاسته و اليسار -الزائف-
- نحو يسار تحرري وتقدمي في الشرق الأوسط
- ماذا حلّ بالربيع العربيّ؟
- فرنسا تعود إلى حالة الطوارئ
- حول العمليات العسكرية الروسية في سوريا
- المركزية الديمقراطية والمركزية البيروقراطية


المزيد.....




- «السبسي» يحظى بالأولوية في حزب نداء تونس للترشح إلى ولاية رئ ...
- عبدالله الحريف: مهمة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين ...
- الشيوعي: يحيي المشاركين في التظاهرة الشعبية، ويؤكد على تصعيد ...
- رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – ...
- رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – ...
- زعيم حزب العمال يدعو لتصويت بسحب الثقة من رئيسة الوزراء البر ...
- إضراب عمال الشركة الشرقية للدخان يتواصل لليوم الثالث احتجاجً ...
- مداخلة مستشاري حزب التقدم والاشتراكية في مناقشة مشروع ميزاني ...
- تدخل مستشاري حزب التقدم والاشتراكية في مناقشة مشروع الميزان ...
- فيلق القدس.. والزعيم الراحل جمال عبد الناصر!


المزيد.....

- الماديّة التاريخيّة أم التصوّر الماديّ للتّاريخ؟ / سلامة كيلة
- بصدد الوعي الديني، و الإسلام، و الإسلام السياسي في عصر الإمب ... / يونس أثري
- قضايا الخلاف وسط الحركة الماركسية ــ اللينينية المغربية وداخ ... / موقع 30 عشت
- بصدد كتاب لينين: -المادية والمذهب التجريبي النقدي- / الشرارة
- مساهمة في إعادة قراءة ماركس / رضا الظاهر
- الماركسية: فلسفة للتغيير أم للتبرير ؟ / فاخر جاسم
- مراسلات سلامة كيلة مع رفيق / أنس الشامي
- ماو تسى تونغ و بناء الإشتراكية (نقد لكتاب ستالين / شادي الشماوي
- الرأسمالية المعولمة وانهيار التجربة الاشتراكية / لطفي حاتم
- راهنية ماركس – الوجه الكامل والمتكامل لثورية الفيلسوف الفذّ / خليل اندراوس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جلبير الأشقر - الصعود العالمي لليمين الشعبوي وشرط انهائه