أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بۆتان لطيف عبدالقادر - الاغتراب ولذة الوجود في رواية (صياد الملائكة) لهدرا جرجس











المزيد.....

الاغتراب ولذة الوجود في رواية (صياد الملائكة) لهدرا جرجس


بۆتان لطيف عبدالقادر

الحوار المتمدن-العدد: 5807 - 2018 / 3 / 6 - 17:07
المحور: الادب والفن
    


المقدمة:
إن الرواية عالم خيالي جدلي وواقعي؛ إذ إن كاتبها يعبر عن خياله الخصب، ويقوم بنسج الواقع عن طريق الكلمة؛ لأن الإنسان كائن غريب في وجوده، ومغترب في كيانه. فالعلاقة الجدلية الثائرة بين الإنسان ومحيطه الوجودي، في كثير من الأحيان يدفع الإنسان إلى الشعور بالاغتراب، والولوج إلى عالم غامق وغامض مشحون بغوايا السرد، سواء أكان هذا السرد تعبيرا عن تجربة المبدع (الكاتب) أم كان معبرا عن اللذة والإغتراب.
ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الحياة بمجملها تجارب، ففي صفحتها الأولى إن لم يتعلم الإنسان شيئا، ولم يذق لذة، فهو يستحقها في صفحتها الثانية.وما الرواية إلا تدوين تجربة شمولية، بعدسة خيالية خارقة.تجربة تحمل في طياتها جملة من التجارب، يتعلم منها الإنسان كيفية التعايش ومحاولة البقاء متمسكا بهذه الخارطة الوجودية التي ربما تدفع الفرد إلى الشعور بالذة أو الإغتراب في لحظاته المتعاقبة.
إذا فالوجود لا يتوفر إلا للإنسان الذي يحس هذا الوجود ويعيه ويمارسه من خلال إرادة الاختيار الحر في عالم كذاب مزور؛فعليك أن تمارس الإختيار وتختار موقفك وطريقك رغم أن لا منارة تهديك، ولا يد تمتد لمساعدتك؛وحتى إنه لا يمكنك الهروب من إختيارك، ولا من نتائجه.ومن ثم يتحتم على الإنسان أن يختار وأن يكون حرا في اختياره بينما مسئولية العالم كله ملقاة على عاتقه، مما يجعله يرتجف حتى العظم في قلق وجودي مصيري...ولهذا كانت الحرية هي قدره الذي لا يستطيع أن يهرب منه؛ وهي الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يكون الإنسان حرا في رفضه أو التهروب منه( ).
إن رواية صياد الملائكة؛ للروائي المصري هدرا جرجس، تطرح قضية العلاقة بين الأديان، من خلال تركيزها على العلاقة بين المسيحية والإسلام, بين المسيحيين والمسلمين، بين الدولة والكنيسة في كيفية التعامل مع المشكلات المختصة بالمسيحيين. أراد (هدرا) في روايته أن يجعل من الإغتراب لذة، من خلال هذا الصرخ الجدلي المتصادم المتكسر في دائرة الوجود عامة؛ ومن خلال الكيان الوجودي لمدينة (أسوان) خاصة.. ولهذه الصراعات؛ بعد تاريخي بعيد، يعود إلى ماض عابر.
الجانب الفني في الرواية:
كانت الرواية في حجمها خفيفة، وفي معانيها ومضمونها ثقيلة، والشخصية الرئيسة التي تدور الأحداث وحركاتها من خلاله هو ( حنّا )، الذي هو بطل الرواية أيضا. ومن خلال هذه الرواية الفلسفية يدخل الروائي (هدرا) إلى داخل الذات أو باطن الإنسان. وربما يتشبه بالروائي الروسي (دوستيوفيسكي) الذي اهتم بقضايا فلسفية مثيرة، وشائكة؛ من حيث سؤال الإنسان عن معرفة وجوده ومعناه؛ في اغترابه الشديد لتناقضات الحياة وإدراك لذة الوجود.
إن السارد في الرواية هو الضمير الغائب، وربما يكون الكاتب هو السارد المتخيل، إذ إن الرواية هي سرد الصراع الديني والطائفي، وكذلك هي سرد الجدل الدرامي حول كيان الذات والوجود بأسره؛ من خلال شخصياتها. وإن إيقاع الرواية إيقاع دقيق من حيث البنية الروائية، ولكن على الرغم من ذلك فإنها تفتقر إلى الحوار الساخن بين شخصياتها، ويعود ذلك إلى قلة عدد الشخصيات، بالإضافة إلى حبكتها الفنية المتماسكة بالرغم من بساطتها في اللفظ والمعنى. ويمكن القول: إنها موزعة في حقول تشبه مجموعة مقالات قصصية في غلاف واحد.
وأحداث الرواية كانت تتحرك على خط مستقل ومستقيم، على خط أفقي بسيط نتيجة لقلة عدد الأشخاص، وذلك أثرت في مدار التحرك الدرامي للأحداث في كيان الرواية. وبعبارة أخرى كانت الأحداث سطحية من خلال وقوعها، وأما المدرك الفلسفي والذهني لدى (هدرا) فكان عميقا كل العمق، بشكل أثار تساؤولات كثيرة حول الوجود وإدراكه للوجود. وبعد هذا الإدراك يمكن أن يشعر بلذة الوجود، ونرى ذلك من خلال طرح الأسئلة الوجودية الشائكة، وربما المتكررة حول معنى الوجود ومعرفته ومعرفة كيان الذات الإنساني.
مضمونها:
أراد الروائي أن يكتب التجربة المتراكمة من كمية هذه الصراعات الدائرة الثابتة بين الفئات المختلفة من بني آدم، من حيث الفكرة والعقيدة والمذاهب والأحزاب والقوم والقبيلة وما إلى ذلك.
توزيع حقول رواية (صياد الملائكة):
قام الروائي (هدرا) بتوزيع حقوله الروائية على النحو الآتي:
نبدأ من العنوان وهو (صياد الملائكة)، وهو عنوان جذاب يثير انتباه المتلقي، ويجلبه إلى قراءة الرواية من أولها إلى آخرها. وكان للعنوان في النصوص الأدبية عامة، لاسيما النصوص الروائية، أهمية كبيرة، وهو يعد عتبة للدخول إلى النص. وهذا العنوان مركب من كلمتين، كلمة (صياد) على وزن (فعّال) وهي الصيغة المبالغة، بمعنى كثير الصيد، أي الشخص الذي يقوم بصيد الحيوانات أو ما يريده. وكلمة الملائكة، وهي إشارة إلى الكائنات البريئة. نفهم من هذا العنوان حسن نية (هدرا)، وهو يريد أن يدعو إلى حياة فاضلة جميلة. وربما كان إشارة إلى سلطة طاغية قاهرة، لا تفوت الفرصة في صيد شعبه ولقمة عيشه، و الناس الأبرياء. سواء أكانت هذه السلطة سلطة حكومة، أم كانت سلطة دين، أم كانت سلطة عشيرة، أم كانت سلطة طائفية، أم كانت سلطة أسرية، وما إلى ذلك.. إشارة إلى الصراعات الطائفية والدينية والسلطوية؛ في مصر. كثيرا ما نرى - في هذا النوع من الصراعات - أن الناس الأبرياء يدفعون الثمن ويضحون بأنفسهم، بل ويجبرون على التضحية بأنفسهم؛ من أجل بقاء السلطة. إذن، يمكن القون بأن كلمة الصياد تدل على السلطة الطاغية المستبدة والظالمة والقاتلة. وكلمة (الملائكة) تدل على الأبرياء من الناس، والشعب. وهم يدفعون ثمن ميول رؤساء السلطة وأهوائهم. وربما هذه الملائكة هي عصافير السماء في مدينته (أسوان)، ويمكن القول : إن هذه العصافير في السماء رمز للناس الأبرياء، الذين يموتون بسبب هذه الصراعات الطائفية النتنة. كما سجل الروائي هذا المشهد على لسان (حنّا) في حواره مع أحد أفراد مدينته: (وربط أحدهم يديه من الخلف، وهو يعاتبه مستنكرا: - البلد مولعة... وأنت عامل مجنون!..
فأخبرهم حنَّا بلهجة غاضبة، أن سماء تلك المدينة الملعونة، ستهطل على رؤوسهم مطرا من العصافير الميتة، وأنهم سيموتون جميعا تحت رائحتها النتنة) ( ).إذن إنه يدعو إلى (طرد الأرواح الشريرة من المدينة، التي لا يصح أن تأتي الملائكة في حضرتها) ( ).
ومن ثم تبدأ الرواية في مستهلها بسرد حكاية صدفة لقاء شخصيتين، وهما (منصور)وهو صديق (حنّا) صاحب المحل (الدكان)، و (بنت) تدخل إليه فجأة، وكان (حنّا) جالس عنده: (هو ومنصور ، فجأةً... دخلت البنت.وجدها تقف قدَّامه بالنقاب والإسدال الأسود الفضفاض، وهذا لا يعني له شيئا، وإذا كانت عند دخولها قد شغلت حيز تفكيره للحظة، لحظة صغيرة وخاطفة، فهذا من دواعي الفضول والمفاجئة) ( ).وبعد هذا الاستهلال، يستمر الروائي في سرد أحداثه في محاور أخرى؛ ولكل منها العنوان المختص بها، وعلى الشكل الآتي:
1- ملائكة الشرفة.. وشياطين السطوح.
2- المدينة في يوم الغبار.
3- الأسد وحكاية الثعبان الأليف.
4- الآكل والمأكول.
5- الجلجثة.
ربما هذه محطات تجربته الموضوعية والذاتية، وهذه العناوين الفرعية، تعطي الرواية بعدا جميلا وصورة درامية؛ إذ إنها كحقيبة بداخلها باكيجات(ملفات) عديدة، وبعبارة أحرى صندوق مغلق وتحته صنادق أخرى. وربما هذه إشارة إلى عمارات السكن؛ من عمارة لأخرى، وفي كل عمارة(عقار) شقة فوقها شقة، شقة بجانبها شقة، شقة تحتها شقة، وما إلى ذلك.. وهذه الصناديق رمز لتجارب مختلفة ومتراكمة، ومتكاملة بعضها مع بعض، بشكل تشكل هذه التجارب خبرات دقيقة لدى بيئة الكاتب ورؤيته الإبداعية. وتمثل هذه الخبرات في مسيرة حياة بطل الرواية "الشخصية الرئيسة" (حنّا)، حيث إن (حنّا) تخيل أن غرفته كصندوق مغلق، وهذا من مدركاته الفلسفية والعميقة للحياة في المدينة، إذ إن الناس كل وراء عملهم وغاياتهم ويجتهدون لتحقيق رغباتهم الفردية وإشباع إرادتهم الذاتية، إنها حياة معقدة فيها ناس متنوعة لا تعرف بعضها بعضا، وكما أن هذا النوع المؤسساتي من بيئة الحياة، إدراك للحضارة والتقدم، من حيث التصوير الموضوعي، وتراجع في المباديء الإنسانية بمعناها الوجداني والشعبي، من أن روح التعاون والعلاقات الإجتماعية لم تبق، هذه إشارة إلى الجيل الجديد الذي لا يبالي ولا يريد أن يعيش على نمط حياة أجداده. هو وعمله، منفصلا عن يمينه وشماله، وعن فوقه وتحته من جواره. كما نرى ذلك في هذا المشهد الروائي المسرود من قبل الكاتب، وربما يكون هو الراوي العليم، وهو يعلم ويعرف تفاصيل حياة (حنّا) : (وبينما هو يدخن، وتخيَّل غرفته كصندوق مغلق، أرضه سقف لصندوق آخر، يرقد تحته صاحبه القديم حسين علي كرسيه المتحرك، وسقفه أرض لصندوق ثالث، يتضاجع فوقه مدرس ومدرسة حديثا الزواج، وأضلاعه حيطان مشتركة لصناديق أخرى، منفصلة ومتراصَّة تحت وفوق وجنب بعضها، بصورة لانهائية، بداخلها حيوات متنوعة ومعقدة، وناس لا تعرف بعضها بعضا)( )، وهذا المشهد في الرواية مشهد جميل ورائع، وكان بؤرة للرواية، وقد كتب هذا المقطع على ظهر الغلاف الأخير للرواية. وكان هذا دليلا على المدرك الفلسفي لهدرا تجاه الوجود وعبثيته بين الشعور بالإغتراب والخطوة نحو تذوق لذة الوجود في بيئة نتنة بالصراعات الضريرة، التي تعود الإنسان بها إلى نقطة بداية من التخلف وعدم الوعي بالوجود وبوجوده وإدراكه وفهمه للمعاني الإنسانية السامية؛ لأن هذه الأشكال من الصراعات غير أليفة ومضرة بروح الإنسان وجسده.
يرى هيدجر ( ) أن الموجود الإنساني هو الوحيد القادر على السؤال عن وجوده.ومن هذا المنطلق تناول هيدجر الفينومينولوجيا(علم الظاهراتية)باعتبارها أداة تمكنه من الوصول لهدف ما، وهو الوجود.وحدد هيدجر الظاهرة باعتبارها ما يظهر نفسه بذاته، وهكذا فإن الظواهر ليست مظاهر أو أوهاما بالمعنى المبتذل للكلمة؛كما رفض الكوجيتو الدكارتي الذي يضع التفكير بوصفه مقدمة أساسية للوصول إلى الوجود.ومن هذا المنطق أصبح للفينومينولوجيا عند هيدجر دور هيرمنيوطيقي(فهم النص أو التأويل)، من حيث أن البحث عن الوجود يقتضي بالضرورة عملية التأويل.كما أكد هيدجر على أن سؤال الوجود لا ينفصل عن سؤال الحقيقة بالمفهوم اليوناني، وهي (الأليثيا) التي تعني التكشف أو اللا تحجب.وقد حدد هيدجر مهمته في كتاب (الوجود والزمان) بالتحطيم الفينومينولوجي لتاريخ الأنطولوجيا(علم الوجود)، لنسيانها سؤال الوجود، وإعادة تأويل تاريخ الفكر الغربي من حيث إنه تاريخ لتجلي الوجود، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن تحولت الفينومينولوجيا لدى هيدجر من منهج لكشف سر الوجود الإنساني، الى منهج لكشف سر الوجود بأسره، فلم يولِّ هيدجر إهتماما يُذكر لعالم الأشياء ولا حتى بماهياتها، وإنما ما كان يهتم به بشكل كبير هو معنى الوجود، ومن هذا المنطلق أخذ هيدجر على عاتقه مهمة إعادة قراءة تاريخ الفلسفة الغربية من جديد في ضوء سؤال الوجود الذي طرحه ( ). فإن الصراع يدفع الإنسان إلى محاولة البقاء والديمومة في حياته، كي يتمرد على العادات والتقاليد والقوانين والأنظمة وما إلى ذلك من حين لآخر.
وفي مشهد آخر نجد (حنّا) يشعر بالغربة داخل وطنه، وهو في إحساسه الشديد بالاغتراب فقد لذة وجوده داخل مدينته (أسوان)، بل وعلى ظهر الأرض، ولكن ربما كان هذا اغترابا إيجابيا، يفتح آفاق توقعاته نحو مستقبل أفضل وأجمل، وهكذا يسأل والده سؤالا عن وجوده، هل كان والده قد مات وتركه وحيدا؟.. أم كان والده ميتا فعلا؟!.. ويدخل إلى عالم المفاجئات. وقال (حنّا) لوالده: ( - أبي أبي .. لماذا تركتني؟... ولا مجيب.. وفجأة، خطر له خاطر، أن والده مات فعلاً، وهو يؤمن أن ابنه قد رأى الملائكة، وربما كان يظن أنها ستحفظه، تحيطه بأجنحتها، فلا يصطدم بحجر رجله، وأن يوما سيأتي لتحمله بعيدا بعيدا، إلى جنة ليست من صنع الأرض، كجنة آدم، بل إلى جنة لن يطرد منها أبدا، بابها ضيق، وأنهارها دموع، فمكانه ليس ها هنا، لقد عرف ليلة أمس أنه كان حيًّا بين أموات) ( ). وهذه مفارقة جميلة ولدت من رحم الاغتراب لديه، إذ إنه لا يريد أن يذهب إلى جنة آدم، خشية أن يخطيء ويُطرد منها.
هنا ندرك هروبه وتمرده؛ من بيئته، وهو يرفض البيئة المتلوثة بدم الأبرياء، والصراعات الدائرية الدائرة والثابتة التي ليست لها قيمة. وهكذا يريد أن يغير ويُعيد لذته من خلال تمرده على هذه البيئة النتنة بريح مولوتوف حرق الكنائس، وقتل الأبرياء. ولكن (حنّا) يشعر بالدهشة، بل وحتى يمكن القول أن الروائي كان في دهشة بالغة، أمام هذا الصرخ الوجودي..هذا الكيان المتحير، وهذه اللاجدوى.. ولا خلاص منها ولا مفر منها إلّا أن الموت هو البرزخ الوجودي الساكن المريح، الذي يغسل وجوده، ويقدمه إلى محطة أخرى ربما أحسن وأفضل، وإلى أبد الآبدين. وكان (حنّا) رمزا للمسيحيين. ويمثل طبيعة حياتهم وقلقهم في البلد.
إذ إن الروائي (هدرا) قام بتسجيل حياة المسيحين اليومية، وعدم استقرارهم، وفقدان لذة حياتهم اليومية بسبب عدم الاطمئنان بداخلهم. حيث إنهم يدركون أن كل لحظة من وجودهم مهددة، كما أن حياتهم في خطر مستمر؛ من قبل المتطرفين من الإسلاميين؛ لذلك يشعرون باغتراب شديد، اغترب على وَتَرَيْن؛ إيجابي وسلبي. وهذه المخاوف لديهم درامية ومستمرة، لأنهم يشعرون بالكمية القليلة. وهكذا يصور بمدركاته المتحيرة مواقف أسقف مدينته: ( في يومنا الأغبر هذا، استيقظ الأسقف على حلم مزعج، إذ رأى –في منامه- أن الكنيسة تحترق، حلم مزعج، صحيح، إلا إنه - أبدا – لم يغير من سلامه الداخلي، فمن واجبه، كرجل دين، أن يتمسك بتلك الطمأنينة، التي تعد واحدة من مقومات وظيفته الخطيرة، بالإضافة إلى أنه كان يكره أن يضفي على أحلامه صبغة النبوءة، ولذلك، لم ينتبه إلى فأل الشؤم الذي لاح في الأفق مع ثورة الغبار، فضلا عن أنه كان يعرف أسباب تلك الأحلام المفزعة، والكوابيس... أسقف مدينتنا، الذي بلغ الخمسين منذ عدة أشهُر، بدأ يفكر في أمور جديدة، لم تكن ضمن قائمة حياته التي لا تتغير، أمور كان يزداد مقدار وطأتها على روحه شيئا فشيئا، لدرجة جعلتها تتسرب إلى منامه أخيرا، جاءته تلك الحالة، التي يسمح طابعها الفجائي أن نصفها بهذا الوصف، مابين منتصف ليلة وضحاها، كان قد غلبه النوم، وقتئذٍ، وهو يقرأ في كتاب "البستان" الجامع لأحوال الرهبان، ساعتها، ، لم يتمكن من إمساك دموعه وهو يقرأ...
- أين أنا من هؤلاء الآن؟...
سأل نفسه معاتبا، إذ شعر – فجأة – أنه أضاع حياته، ليس لأنه ترهب، منذ عشرين عاما، بل لأنه، بحسب رهبانية كتاب "البستان" ، لم يكن قد ترهب من الأصل، الأمر لايبدو لغزا، إذا ما استعرضنا حياة الأسقف، منذ قبل ترهبه في منتصف الثمانينات، وقد كان وقتها على مشارف الثلاثين من عمره، إلى أن صار الآن أسقفا، لكننا لن نفعل، بل سنتركه – هو – يستعرضها كيفما يشاء، حياته، تلك التي بدت كأنها لأحد غيره، في مرورها أمامه، الليلة، قبل أن يغفو فوق الكتاب، ويحلم) ( ). هذا هو أسقف المدينة، وربما فقد الطمأنينة والاستقرار الطبيعي اليومي، بل وحتى في نومه. وهو من خلال خمس وعشرين سنة من عمره، كان في قلق وخوف كبير، ويشعر أن الكنيسة مهددة، على وشك الاحتراق بين لحظة وأخرى.
إذن هكذا سجل الروائي (هدرا) حياة مدينته المليئة بالصراعات الطائفية والقبلية، قام بتسجيل المواقف والحالة النفسية للمسيحيين، تسجيلا دقيقة في وجودهم، الا وهي لحظة الاغتراب مع لذة الوجود في وطنهم، وحياتهم اليومية والدينية. هذه من جهة، ومن جهة أخرى، هذه الرواية هي محاولة للتعايش ومواجهة الصراعات الطائفية والدينية، ورفض العنف والفوضى، في حوار وطني وإنساني شامل، من خلاله يدرك الجميع لذة الحياة في لذة وجودية قابلة لمعرفة السعادة والرخاء لدى أفراد المجتمع في كيان إجتماعي مشترك، المتمثل في بيئة الحياة والوطن.
ويرى الكثير أن الفرد يقع في حالة الاغتراب عندما يكون هناك نوع من التصادم بين تعريف الشخص لذاته من جهة وذلك التعريف الذي يمنحه إياه المجتمع من جهة أخرى، فيصبحُ الاغتراب أسلوباً ذاتيَاً تعصف من خلاله أشكالَ الكبت المُخْتَلفةَ بدواخل ضحاياه (التمييز العنصري، والجنس، والشيخوخة... الخ). ونتيجة لذلك، خلافاً لرؤية المفهومَ الثوريَ الأقدم للاغتراب بوصفه ضرورة لمواجهة الطبيعة الغريزية العنيفة للبشر في "المسار العام للحياة“، فان "نظريات ما بعد الحداثة “ترى الآن ولمرةأخرى بأنه (الاغتراب) مقياساً لدرجة الاستثناء من الاتجاه العام. أما على المستوى الاجتماعي فيقال ان تصور عصر ما بعد الحداثة لمفهوم الاغتراب قد تشكل نتيجةً لتخمة أكثر من مما هو رد فعل لنقص الحريات؛ وهي الفكرة التي يبدو من شبه المستحيل هضمها من قبل تلك التي برزت في أواخر القرن التاسع عشر حينما جرى تحليل المفاهيم الحديثة للاغتراب ( ).




قائمة المصادر والمراجع:

1. جدلية العلاقة بين الفلسفة والأدب، الدكتور أحمد محمد عليان، دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر، ط1، 2000م-1421هـ ، بيروت-لبنان.
2. رواية صياد الملائكة، هدرا جرجيس، دار الربيع العربي للطباعة والنشر والدعاية والإعلان، ط 2 ، القاهرة/مصر 2014.
3. فلسفة الفن الجميل، مجاهد عبدالمنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع-القاهرة.
4. الفنومنولوجيا الوجودية في فلسفة سارتر، جورج قديس، مجلة الإبداع، العدد(24)، خريف 2012، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
5. مفهوم الاغتراب في الأعمال الأدبية، دافيد غريبر، ت: نبيل راشد، الموقع الألكتروني:
http://www.arabicstory.net/forum/index.php?showtopic=7580.

بۆتان لطيف عبدالقادر
8-5-2014 مصر






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,490,487
- جورج أوريل بين التشاؤم والتفاؤل/ قراءة لرواية (1984)


المزيد.....




- شبح استقالة العماري يطارد دورة أكتوبر لمجلس جهة طنجة
- بن مسعود يبرز عدالة القضية الوطنية في بلغراد
- بعد ثلاثين عاما.. الجزء الثاني من -الساطع- في صالات السينما ...
- سترة مزودة بأجهزة استشعار تغير حياة الصمّ
- سترة مزودة بأجهزة استشعار تغير حياة الصمّ
- فنانة لبنانية -ترتدي- الليرة اللبنانية وتواجه الدولار
- تويزي يستعرض ببلغراد جهود المغرب لإيجاد تسوية دائمة لقضية ال ...
- الرميد بعد العفو الملكي على هاجر : -التفاتة إنسانية متميزة ق ...
- باستضافتها الفائزين القدامى.. كتارا ترعى جيلا من الأدباء عبر ...
- عمر هلال: الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والأوحد لقضية الصحراء ...


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بۆتان لطيف عبدالقادر - الاغتراب ولذة الوجود في رواية (صياد الملائكة) لهدرا جرجس