أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - لو كانت -شيرين- إماراتية!














المزيد.....

لو كانت -شيرين- إماراتية!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5807 - 2018 / 3 / 6 - 17:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




تعالوا، من فضلكم، نشحَذُ أجنحةَ خيالنا، ونطيرُ... ونحطُّ فوق أشجار الأقدار البديلة، ثم نُحلِّقُ في فضاء الافتراضات. هيّا نفترضُ عدّة افتراضات خيالية. أولا نفترض أن المطربة "شيرين عبد الوهاب" مواطنةٌ إماراتية، أو وافدةٌ تعيشُ على أرض الإمارات. ثم نفترض أن في دولة الإمارات نهرًا جميلا اسمه "النيل". ونفترضُ أيضًا أن النهر العظيم الذي يقطع دولة الاتحاد الإماراتي من الجنوب إلى الشمال ويُغذّي شرقَها وغربَها ويروي زرعها ويسقي طيرَها، كان حزينًا لأن بعض "غير الشرفاء" يلقون فيه نفاياتهم وصرفهم الصحي، وأن بعض المصانع المجرمة تلقي مخلّفاتها السامّة في جوف مائه الطاهر. ثم نفترض أن شيرين كانت تُغنّي أمام جمهور حاشد من كل الجنسيات، ولسبب ما، في لحظةٍ ما، ذات طيشٍ، أطلقتْ ِمزحةً سخيفة وأهانت "نهر النيل الإماراتيّ" قائلةً إنه ملوّثٌ ويصيبُ بالأمراض مَن يشرب منه. بالطبع غضب الإماراتيون من قولها، وتقدّم محامٍ "نحريرٌ" ببلاغ للنائب العام الإماراتي ضد المطربة الإماراتية شيرين لإهانتها رمزًا إماراتيًّا عزيزًا على الشعب، وهو نهر النيل. وقُدّمت المتهمة للمحاكمة. انتهت الفرضيات. وقبل تخيُّل بقية الحكاية، سأحكي لكم واقعةً حقيقية حتى ننسج بخيوطِها وعلى نولِها، بقية حكايتنا الخيالية.
قبل عام قام مجموعة من العابثين بإلقاء "قطة" حيّة، أمام قطيع من الكلاب الجائعة في مدينة دبي، ثم وقفوا يستمتعون بصراخها والأنياب الحادّة تنهشُ أشلاءها. لم ينتظر حاكمُ دبي، الشيخ محمد بن راشد، حكم المحكمة، وحكمعليهم حكمًا مثقفًا "من خارج الصندوق". أمر بأن يقوم أولئك الغلاظ بتنظيف حديقة الحيوان في دبي ثلاثة شهور، بواقع أربع ساعاتٍ يوميًّا. تأملوا معي عبقرية العقاب. ماذا يحدثُ حين يدفعُ إنسانٌ 360 ساعة من عمره (4 ساعات x 3 شهور) في تنظيف أماكن عيش الحيوانات التي احتقرها وعذّبها وأهلك روحَها دون مبرر؟ تلك الساعاتُ سوف تُقارب بين المجرم وبين عالم الحيوانات حين يرقبها في لحظات صحوها ونومها ولعبها وسكونها وصخبها وأمومتها ووداعتها وشراستها، فيتأمل عظمةَ الله وعبقرية خلقه، ما يُزيد من حبّه للحيوان واحترامه لذلك العالم السحري الآسر: عالم الحيوان. ثم تأملوا عبقرية الرقم (360). الرقم الدائري المُلغز الذي يفهمه أربابُ الرياضيات. وكأنما أراد الحاكمُ المثقف أن يقول للمخطئ إن الكونَ دائرةٌ، وأن للحيوان ما للإنسان من حقوق، وأن تعذيب حيوان أعجم، لا يمرُّ مرور الكرام، وعلى المذنب تدور "الدائرة”. هنا تتمُّ عملية إعادة إعمار روح المذنب، بتحويله إلى مواطنٍ إيجابيٍّ فعّال يمنحُ الخيرَ والفرحَ لمن حوله، بعدما كان مواطنًا سلبيًا غير فاضل سارق الفرح والأمان من قلوب الناس.
نعودُ إلى قصّتنا الخيالية الآن. أغلبُ الظنَّ أن حاكم الإمارات سوف يقضي بأن تطلبَ المطربةُ شيرين من جمهورها من الشباب والشابّات بأن يساعدوها في تنظيف نهر النيل الإماراتي لمدة ثلاثة شهور، فيقدمون نموذجًا محترمًا أمام العالم في "تحويل المشكلة إلى حلّ”. فكما صنع الحاكمُ علاقةً "حبّ" بين معذّبي الحيوان، والحيوان في القصة الواقعية، سوف يخلق علاقة "حبٍّ" بين مزدري النيل، وبين النيل، في الحكاية الخيالية. هنا ينجحُ الحاكمُ في تحويل "مخطئ" خارج عن مظلّة التحضّر، إلى شخصٍ فاضلٍ كريمٍ له أيادٍ بيضاء على الناس والمجتمع. ما جدوى حبس مخطئ وخسارة جهده، في مقابل الجدوى من عمله في تنظيف ما يجب تنظيفه في الوطن؟ إنها فلسفة تحويل الرذيلة إلى فضيلة، وتحويل الإيذاء إلى خدمة مجتمعية رفيعة.
لا أُبرئ المطربةَ شيرين مما قالت عن النيل. فأنا أكثر من جُرِح من قولها، لأن للنيل قداسةً في قلبي يعرفُها قرائي. ولا أُعلق على أحكام القضاء المصري المحترم الذي حكم بحبسها شهورًا ستّة في المحكمة الابتدائية. ولكن إن أردتم سَجنَها فلا تنسوا أن تسجنوا معها ملايين المصريين الذين يُهينون النيل ويستخدموه كحوض نفايات ممتد من جنوب مصر إلى شمالها. إن أردتم أن تسجنوا "القائل"، فلا تنسوا أن تسجنوا معه "الفاعل". نحتاج إلى بناء سجون بطول مصر وعرضها لو شرّعتم قانونا يعاقب (المُلوِّث) عوضا عن القوانين التي تسجن (المتكلم).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,823,179
- وشوشات فبراير 18
- فاروق حسني … الفنانُ الذي يعرفه العالم
- حين عانقتُ (جميلة بوحَيرد)…أخبرتني الرصاصةُ
- عصا -راجح داوود- … في موريتانيا
- أبونا سمعان … العدلُ معقودٌ بناصية بلادي وجيشه
- الشمعةُ التي في قلوبكم
- بهيج إسماعيل … الروايةُ بنكهة الشِّعر والجنون
- صَهٍ … الجيشُ المصريُّ يتكلم!
- سأقولُ يومًا لأطفالي إنني زُرتُ العراق
- كتابي الفِضيّ: (نهم يصنعون الحياة)
- لماذا يُحاكَم الشيخ محمد عبد الله نصر؟
- صالون فاطمة ناعوت الشهري السبت القادم 27 يناير
- عن الإمارات سألوني .... فقلتُ (إنهم يصنعون الحياة)
- -البدلةُ الزرقاءُ وسامٌ- … قالتِ الجميلةُ
- قلقاسٌ على مائدة قبطية
- لأننا نستحقُّ الموسيقارة الجميلة!
- غدًا أُغرِّد مع عصافير شُرفتي
- معجزةُ إبراهيم أصلان
- الجيشُ العراقيُّ يُكملُ النوتةَ الموسيقية
- رسالةُ زهرة اللوتس ل كاتدرائية ميلاد المسيح


المزيد.....




- في خطوة تاريخية.. الحاخامية الإسرائيلية تعترف بـ -يهودية- جم ...
- فرنسا: انتخاب محمد الموسوي رئيسا لمجلس الديانة الإسلامية
- انتخاب الفرنسي من أصول مغربية محمد الموسوي رئيسا للمجلس الفر ...
- انتخاب الفرنسي من أصول مغربية محمد الموسوي رئيسا للمجلس الفر ...
- بالفيديو.. ساحات الاعتصام بالعراق تعكس التآخي وتنبذ الطائفية ...
- المسلمون والمحرقة.. زيارة مرتقبة لشخصية مسلمة معروفة لأوشفيت ...
- السلطات الإسرائيلية تبعد خطيب الأقصى عن المسجد
- المسلمون والمحرقة.. زيارة مرتقبة لشخصية مسلمة مرموقة لأوشفيت ...
- سلطات الاحتلال تبعد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس عن ...
- توفير 500 وظيفة دينية على بند العقود لسد العجز في المساجد


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - لو كانت -شيرين- إماراتية!