أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عبدالله أخصاصي - العولمة ورهان التعايش المشترك















المزيد.....

العولمة ورهان التعايش المشترك


عبدالله أخصاصي

الحوار المتمدن-العدد: 5807 - 2018 / 3 / 6 - 13:03
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


هل هناك سبيل إلى تأسيس مجتمع عالمي يرتكن في أسسه وعقله الجمعي على ثقافة الحوار الجاد والتواصل والتعددية وقبول الآخر ؟ وهل يمكن أن نعد العولمة مدخل حقيقي لتأسيس هذا المجتمع ؟
أحببت أن أبدأ بهذا السؤال ويكون بوصلة لي لإفراغ مجموعة من الإفكار التي تخالجني وتعد هما يؤرقني كذات تشارك عملية تنفس الأوكسجين مع سبعة ملايير من الأفراد ولربما هم أكثر الآن وهم يعيشون في كنف مجتمعات مختلفة من ناحية نظرتهم الى الوجود وطرق التعبير عن حميمتهم إزاء الحياة ، وبطبيعة الحال حميمية تحمل كل آهاتهم النابعة من تجارب احتكاكهم مع الواقع المعيش .
لعل سؤالنا الذي طرحناه سيجعل القارئ يضحك ويتمتم في قرارة نفسه قائلا " ما هذه السخافة ، تاريخ البشرية قادته الحروب ومزدان كفاية بالعنف ، ولدرء الملل عن الإنسان وضمان استمرار عجلات التاريخ لابد من العنف وصناعة الأسلحة ولابد أن تسجل قائمات للموتى بين الفينة والأخرى بسبب الحروب أو سياسة التجويع في بقعة من بقاع العالم " ، في الواقع كادت هذه النظرة أن تجرفني في مستهل الأمر وتأخذني مع التيار إلى أقصى حدوده الممكنة ، ولكن ظل ايماني شديد بقناعة مؤادها أن الناس أتوا إلى الوجود دون ثقافة مسبقة وبالتالي فالسلوكات البشرية إنما مؤطرة بثقافة نسجت في ظروف معينة تحكمت فيها مجموعة من الشروط الموضوعية ، فلا ضير إذا أن نحاول صياغة ثقافة نابعة من صميم تجاربنا وتكون لنا سندا ومرجعية في فاعليتنا ، وعلى هذا الأساس بنيت جميع أطروحتي حول التعايش المشترك .
هل العنف خاصية متأصلة في الذات الإنسانية باعتبار التاريخ البشري يحتوي على قصص تقطع الطريق أمام كل من يقول عكس ذلك ؟ الإجابة عن السؤال تقتضي البحث في جنيالوجيا العنف ، أي محاولة الإلمام بظاهرة العنف من شتى الجوانب (النفسية ، الإجتماعية ، الإقتصادية ...) ، فالظاهرة بما أنها تسلتزم خاصية التركيب فذلك يعني ضرورة حضور مجموعة من المقاربات التي بإمكانها أن تعطينا تفسيرا من خلاله نفهم العنف أسسه ومنطلقاته ، وكذلك لكون الفعل الإنساني يستوجب استحضار هذه المقاربات لأن هذا الفعل نتيجة لدوافع عدة ومختلفة ، وقد أشرت في مقالات سابقة إلى بعض التفسيرات التي أراها ملائمة لفهم هذه الظاهرة ، وهي بطبيعة الحال تفسيرات نسبية تحتمل الخطأ ، فأشرت في مستهل الأمر إلى أن التاريخ البشري تسيره رغبات مختلفة مما يجعل التصادم والتناحر بينها ممكنا ، رغبات التسيد والهيمنة من جهة ورغبات التحرر وإبراز الذات وفرض أحقيتها في ذلك - أي في البروز- من جهة أخرى ، ربما هذه ثنائية قد تكون متجاوزة وعفا عنها الدهر ولكن الواقع الذي نعيشه اليوم ومنذ ظهور الملكية الخاصة يؤكد أنها تحمل شيئا من الصواب ، وقد ينطلق أحدهم من هذا القول فيقول " على هذه الحالة فالتاريخ هو صراع بين الأسياد والعبيد ، أو بين الأقوياء والضعفاء " ، يمكن أن يكون ذلك صحيحا .
والتفسير الثاني الذي قدمته وهو في الحقيقة مرتبط أيما ارتباط بالأول بشكل أو بآخر ، هو تفسير يخص الإختلاف القائم في الدلالات ، وبعبارة أوضح الإختلاف الثقافي ، الثقافة التي تشكل وعاء الإنسان ومنها يتشرب معنى لوجوده وتمده بالقوة والأمل في تحمل العيش والإستمرار وأن يطيق عذابه ومعاناته إلى أن يوارى الثرى ، فالإختلاف في الثقافة بين المجتمعات البشرية يعني أن إمكانية التصادم بينها ممكن وهذا ما يثبته التاريخ ، فالمجتمعات العربية في صحراء آسيا انطلقت الى خارج حدودها لنشر ثقافتها (الإسلام) وكذلك حصل مع المسيحية ، تطورت هذه النزعة في نشر نظرة الذات للوجود واختلفت أشكالها عبر التاريخ ، وإلى حدود اليوم يمكن أن نلاحظ كيف تحاول الشعوب المستأسدة فرض قيمها وثقافتها التي تحتوي على منظورها للوجود ، هذا واضح جدا حتى للأغبياء الذي لا يفقهون سوى في قراءة كتب الطبخ وتفسير الأحلام .
العنف إذا طاهرة إنسانية ، وبما أنها كذلك فيمكن معالجتها تماما كما يمكن معالجة ظاهرة البطالة أو التسول ، ومقصد القول ها هنا هو أن الحتمية التي يستظل بها الكثيرون تعد بالنسبة لي مسألة يمكن للإنسان تخطيها ، تلك الحتمية التي تؤمن بالميتافزيقا والأخرى التي تقول باللاجدوى من أي شيء . لقد كان أفضل ما أنتجته لنا الحداثة هو نزع القداسة عن العالم التي قال بها " ماكس فيبر " ، ودارس علم الإجتماع والأنثربولوجيا متفطن للأمر أكثر من غيره ويعي جيدا بعيدا عن اللسعات المندفعة بالعاطفة التي تنتجها الثقافة وتتحدث من خلالها بغض النظر عن صحتها أو لا ، أن هذا الإنجاز الذي حققته الحداثة قضى على دعاوي الغيبيين ، وجعلهم يتراجعون للوراء ولربما يمكننا أن نلاحظ ذلك مع الأحداث التي بدأ بها القرن الواحد والعشرون ، وكذلك في كتابات الكثيرين ممن تعنتوا من الإستفادة من الإفرازات التي تنتجها الحركية المجتمعية وقانون التغير الذي يفرض نفسه على جميع النظم ، ونسبية هذا القانون فيها أخذ ورد سيقودنا إلى متاهة أخرى تتعلق بكون هذا التغير يمس الأشكال فقط أما الجوهر يبقى هو نفسه المرتبط دائما بصناعة المثل والقيم العليا ، وحدود نقاشي لا يتجاوز أنماط الوجود الإنساني من الناحية الثقافية ، فليس مبتغاي الوقوف عند الهياكل لهذه الأنماط التي يناقشها فلاسفة عظام ، بل غرضي من هذا هو محاولة إعطاء أو المساهمة في بناء وإعداد نظرة جديدة تهم التعايش بين المجتمعات البشرية .
التفسير الثالث الذي اقترحته هو غياب للتواصل والحوار ، وهذا المقترح له أنصار كثر ويمكن معاينة ذلك بعدد النقاشات الدائرة تحت يافطة حوار الحضارات ، ولكن تفسيري هذا ينطلق من التفسيرين السابقين ويجد شرعيته فيهما ، فاختلاف الرغبات أولا واختلاف الدلالات ثانيا ينتج لنا تناحرا وتقاطبات مما يعني ضرورة الحوار والتواصل بدل العنف ، انعدام هذا التواصل يعني حضور العنف كآلية أخرى أو كسبيل آخر للحديث وفض النزاعات وحسمها ولكن ألا يمكننا أن نسميها آلية تواصلية بدائية لا ترقى لمستوى التراكمات التي حققناها الآن ؟ سيعترضني أحدهم ويقول " مالذي حققناه يستدعي التخلي عن العنف ، هل انجازات العقل تعد تركمات مهمة ، إنها ليست كذلك لكونها لم تحد من العنف بل ساعدت على تأزيم الوضعية وجعلها أخطر بكثير ، حيث أن العنف في السابق كان يتم بوسائل غير مدمرة على الشاكلة التي ظهرت بها الآن وسائل أخرى يمكن أن تجعل من كوكب الأرض يبابا " ، وهذا ادعاء صحيح بالنسبة لي وأؤيده إلى حد بعيد . وهذا ما سيقودني إلى التفسير الأخير الذي ابتدعته .
التفسير الأخير يرتبط بالجهل ، فالعنف إذا نتيجة أولا للرغبات المختلفة وثانيا بتعدد الدلالات وهما التفسيرين اللذين يقوداننا إلى أزمة غياب الحوار الجاد والتواصل الفعال وغياب هذا الحوار يقودنا مباشرة إلى معضلة الجهل ، ولكن يجب أن نبين أي جهل أتحدث عنه ، فليس الجهل هو عدم تعلم الكتابة أو الغوص في شبكة العنكبوت وليس هو عدم الإلمام بكمية السعرات التي يجب استهلاكها بالنسبة للجسد البشري ، وليس كذلك عدم اتباع موضة الألبسة وطرق اللباس وما جاور ذلك ، بل يعني عدم القدرة على السيطرة على نوزاعنا الأنانية واستكناه المعنى الحقيقي لوجودنا في هذه البسيطة ، فهل يكون المغزى هو الإقتتال واستعباد بعضنا البعض والتلذذ بعذاب الآخرين ؟ طيلة هذه القرون التي خلت اكتسبنا فهما جديدا حول ما يجري في الطبيعة وغزونا الذات الإنسانية بالوقوف عند أهم المكونات النفسية والإجتماعية والثقافية التي منها تستخلص مرامي سلوكاتنا وأسبابها ، لكن هل حاولنا أن نتخلص من ذلك الجهل الذي يجعلنا نتلذذ بعذاب الآخرين ونترفه على ظهورهم ، لقد كان سقراط يقول أن الجهل أصل الشرور ومعنى ذلك أن كل ما يصيبنا ويسبب لنا الأذى إنما هو نتيجة لجهلنا لأمور معينة ، فهل يكون هذا الجهل هو عدم وصولنا الى المغزى أو فهم هذه الملابسات أو " بالقدر " الذي جمعنا في هذا الكوكب ؟ هذا الجهل الذي ينتج لنا الشر المتجسد في الحروب (العنف) . لا أقصد بهذا أن هناك مغزى مخبأ كما زعم أفلاطون بقوله أن هناك عالما آخر لا يدركه الجميع وهو عالم المثل وهو العالم الحقيقي الذي لن يدركه من يرى ظلال الأشخاص المعكوسة من خلال ضوء الشمس في قعر الكهف ، بل أنطلق في رؤيتي هاته من الشرط الأنثربولوجي الذي يقتضي التنوع والإختلاف في النظر إلى العالم ، فإذا كانت هناك ثقافات متعددة ومختلفة وقد يصل هذا الإختلاف إلى حده فذلك يستوجب بشكل أتوماتيكي تأسيس ثقافة التعايش المشترك وإلا فإن تصريف هذا التعدد والإختلاف سيستمر بهذا الشكل الذي نعاينه منذ أن قال أحدهم " هذا ملكي ، وهذه ثقافتي ويجب أن تسود وتمتد إلى أقصى ما تراه الأعين " .
لست أدعو إلى اليوتوبيا ، وأنبه إلى أن اللغة تمارس التضليل وتحتكر لنفسها ما يمكن أن يكون كائنا ، فلو أنني أدعو إلى اليوتوبيا فماذا يمكننا أن نسمي أحلام أسلافنا السابقين الذين ربما لم يخطر في مخيلتهم أن نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم ( فهم الطبيعة ، التطور في الطب ، المواصلات ، ...) ، فاليوتوبيا ربما ليست سوى تجسيدا لحالة من الإنهزام أو هي حكم قيمة أجوف لا أسس له ، إنها إنتاج لغوي تضليلي يراد به خلق انسجام لغوي( الثنائيات اللغوية ) زائف وليس له حيز في الواقع .
هكذا أكون قد عرجت على رؤيتي بشكل عام دون محاولة مني التدقيق في بعض التفاصيل ، وذلك كتمهيد للإجابة عن سؤالنا الرئيسي الذي طرحته في البداية ولا بأس أن نعيد طرحه من جديد " هل هناك سبيل إلى تأسيس مجتمع عالمي يرتكن في أسسه وعقله الجمعي على ثقافة الحوار الجاد والتواصل والتعددية وقبول الآخر ؟ وهل يمكن أن نعد العولمة مدخل حقيقي لتأسيس هذا المجتمع ؟ "
ماهي العولمة أولا ؟ لقد أسال مفهوم العولمة مداد العديد من المفكرين باختلاف مرجعياتهم ودرجاتهم العلمية ، وهذا مايجعل مهمة تعريف هذا المفهوم أمرا عسيرا نوعا ما علاوة عن الأخطاء التي يمكن أن تنتج عن ترجمة المفهوم الأصلي الذي أنتجته ثقافة ليس نفسها ثقافتنا ، فهل نقصد العولمة الإقتصادية أو العولمة السياسية أو الثقافية ؟ سأختصر الطرق ودون إثقال القارئ بحشو من الكلمات المنمقة التي تنتهج التشدد " المعرفوي " .
شكلت التجارة الخطوة الأولى لبروز ما يسمى بالعولمة ، فالدول التي تنتج تبحث عن الأسواق لترويج بضاعتها للربح خصوصا بعد الإكتفاء الذاتي وغرق الأسواق المحلية بما يكفي من المنتوجات ، ونعلم جميعا كيف كانت القوافل تنطلق من مركز أوربا إلى هوامشه وبعدها من أوروبا إلى افريقيا وآسيا ، وهناك قوافل تجارية قبل ذلك تنطلق من أماكن عدة من العالم ، منها من يتخطى الحدود وهو أمر نادر وهناك من يبقى حبيس الحدود والأفق الذي يتبدى أمام أعينه ، التجارة بعد الإبتكارات التي أنتجها العقل في أوربا ونذكر على سبيل المثال الموصلات ( التطور الحاصل في الملاحة البحرية ، القطار ... ) وكذلك التطور الحاصل في الإنتاج والقطاع الزراعي ، كل هذه الأمور عجلت بظهور العولمة ، ويمكننا أن نستند إلى التقليد الماركسي لفهم المسألة أكثر ، بحيث يمكن أن نعد بروز النمط الرأسمالي بمثابة البداية الحقيقية لنشوء العولمة ، هذا النمط الذي يؤمن بالربح وبغزارة الإنتاج التي تجعل المستثمرين يبحثون بشكل دائم عن أسواق جديدة لغزوها ، عملية البحث هذه بعد تطور وسائل المواصلات لن تبقى حبيسة الحدود بل ستقتحم ما وارء هذه الحدود وربما هذا ما أنتج لنا الحركة الإستعمارية التي تهدف إلى البحث عن مستهلكين جدد أي أسواق جديدة وأيضا عن المواد الخام والمعادن النفيسة والتوراث التي من خلالها يمكن تحقيق مزيد من الربح .
بعد ابتكار وسائل التواصل من من هواتف ذكية وأنترنيت ستزداد سرعة العولمة وتتخذ لنفسها شكلا جديدا وأهداف جديدة لن تحتكر في الربح فقط بل وحتى في اشاعة ثقافة المجتمع أو الشعب الذي يتمتع باقتصاد قوي ويغزو الأسواق في جميع بقاع العالم ، ربما سيصل القارئ إلى هذه السطور ويتوقف عن القراءة ويقول " كيف أمكن أن تكون العولمة مدخلا لتشييد مجتمع عالمي يستند إلى ثقافة التعايش المشترك وهي التي نشأت في أحضان نظام اقتصادي يفرض تراتبية وتفاوتات اجتماعية صارخة على الصعيد المحلي والعالمي " ، الحق أن هذا أمر صائب ولا يمكن التهرب منه ولكن ما يهمني من العولمة هو أنها استطاعت أن تجعل مصير المجتمعات البشرية مصيرا واحدا وجعلتها كذلك تدخل في علاقات يصعب فكها في الوقت الحالي وإن حدث ذلك فالمتوقع سيكون سيئا جدا ،هذا ما أكده الريش بيك السوسيولوجي الألماني من خلال كتابه الموسوم ب " الحب عن بعد : أنماط حياتية في عصر العولمة " ، فصرح بكون المجتمعات في العالم نسجت علاقات على ضوء ما يسميه هو بالكوسموبولتية ، والتي يقصد بها ذلك الترابط بين الأمم والمجموعات والأفراد لا فقط اقتصاديا وسياسيا بل وحتى أخلاقيا ، ترابطا يعلو على كل الفوارق القومية والأخلاقية والدينية والسياسية بين الشعوب والذي يؤسس لمجتمع واحد مترابط بعضه مع بعض مصيريا ، ويقترح هنا إلريش بيك مثالا لفهم هذا الترابط الذي يوحد المصير بالتسآل حول ما علاقة طب زرع الأعضاء بالكسموبولتية ؟ فيقول أن التفاوتات القائمة بين الدول الغنية والفقيرة جعلت الأغنياء يشترون من سوق الأعضاء المعولمة ما يحتاجونه لضمان استمرار حياتهم ، فيشترون مثلا الكلية أو أي عضو يبيعه الفقير ويخصمه من جسده كرأسماله الوحيد الذي يملكه ، وهكذا ارتبطت حاجة الغني بهذا الفقير والعكس صحيح باعتبار أن بيع عضو من الأعضاء يدر أموالا طائلة على صاحبه ، وقد يكون هذا المثال الذي يقترحه الريش يوضح شكلا من اللامساواة واللاعدالة التي يتسم بها هذا المجتمع المعولم ، ويستمر في تحليله ويقول على أنه في خضم سوق الأعضاء المعولم هذا انتفت الإختلافات الدينية والسياسية وغيرها بين الأفراد ، إذ نجد رجل دين كاثوليكي أو بروتستانتي في جسمه كلية عاهرة من أحياء مهمشة بمدينة بالبرازيل ، ويقدم مثالا كذلك من خلال الأسرة المعولمة التي يمكن أن تحتوي على أكثر من ثقافة بحيث تتكون هذه الأسرة من أب وأم ثنائيين الثقافة بمعنى لا ينتميان لنفس البلد ولهما أبناء يحملون ثقافة بلد المهجر ،والمتناقضات التي تنتج عن هذا التنوع والإختلاف تؤدي إلى انتاج ثقافة جامعة ، وكذلك يضرب مثالا بالأزمة البيئية التي نعيشها اليوم ، إذ أن مواطنا في الأورغواي يستعمل مصنعا ينتج غازات سامة يهدد مصير مواطن في اليابان يستعمل دراجة هوائية ايمانا منه باحترام المكون البيئي ، ولكن المثالان القويان اللذان يقترحمها لإثبات هذا الترابط بين المجتمعات في العالم وتوحد المصير يتعلق الأول منهما بطب الإنجاب والثاني باستجلاب العمالة ، الأول يوضح من خلاله التطور الذي حققه طب الإنجاب والذي يدخل ضمن السياحة الإنجابية ، أي بحث الأسر عن الأبناء خارج البلد الأصلي لعدم اتاحته العمليات التي تسمح " بالأم البديل " أو استئجار الرحم ، فالسياحة الإنجابية تمكن الأسر المكونة من المثليين ( ذكر ذكر أو أنثى أنثى ) ومن الأسر المكونة من أم فقط أو من ثنائيين غير مصرح بعقد قرانهما وغيرها من الأنواع التي تعرفها المجتمعات الغربية ، بالحصول على ابن من خلال عملية استئجار الرحم التي توفرها المصحات المختصة ، والهند هي الرائدة في هذا المجال ، وتعني هذه العملية دفع مقابل لإمرأة أجنبية لتلد ولدا من خلال التخصيب ، حينما تتم الولادة تأخذ الأسرة ولدها الذي دفعت لأجله مبلغا ماليا للأم البديل . ونلاحظ هنا أيضا نوع من اللاعدالة ولكن المهم بالنسبة لنا هو هذه الروابط التي تربط المجتمعات ومصيرها المشترك ، المثال الثاني كما قلت آنفا يرتبط بجلب اليد العاملة ، ويوضح في هذا الصدد الريش بيك كيف أن جلب خادمات البيوت اللواتي يقمن بعمل رعاية الأطفال والشيوخ في الدول الغنية يشكل أمرا مهما جدا لإستقرار الأسر في هذه الدول المتقدمة وعدم ظهور حركات احتجاجية بها .
بطبيعة الحال هذه الأمثلة التي يقترحها الريش بيك تنضوي على أشكال الإضطهاد الممارسة على الدول الفقيرة ، وهو أمر مرفوض تماما ، لكن الأهم هو تبيان هذه الوشائج التي تربط المجتمعات العالم بغض النظر عن طبيعتها ، فوجود هذه العلاقات بين مجموعة من المجتمعات المختلفة يعني أن هناك مصالح متبادلة وقاعدة يمكن البناء عليها لتأسيس ثقافة مغايرة تدعو إلى التعايش المشترك ، فتأكيدي على هذه الآواصر أحاول من خلاله أن أقول على أنه لن يكون لهدفنا في محاولة تأسيس هذه الثقافة (ثقافة العيش المشترك) أي معنى دون وجود هذه الآواصر ، فماذا لو كان كل مجتمع منغلق على نفسه ومكتف بحدوده هل يمكن حينئذ الحديث عن ثقافة التعايش المشترك ؟ بالطبع لا ، فوجود هذه العلاقات يؤكد لنا تواجد مجتمع عالمي تربط أفراده مجموعة من المصالح ، ولكن ماهي الثقافة التي يرتكن إليها هذا المجتمع العالمي ؟ انطلاقا من هذه الروابط فالإجابة تبدو جلية بحكم أن الثقافة توجه سلوكات الأفراد وتطهر ماهيتها انطلاقا من العلاقات التي تآصر بينهم .
اختفاء الحدود وتواجد الثغرات في التشريعات القانونية بين مختلف دول العالم والتواصل العابر الحدود وانتفاء المسافات وارتباط مجتمعات العالم ببعضها البعض من خلال أزمة البيئة مثلا التي تهدد الكوكب بأكمله ، ومن خلال أيضا مصالح اقتصادية وسياسية كل ذلك إنما هو مظهر من مظاهر اندحار القوميات وزوال السياسات الحدودية ، مما يعني تشكل مجتمع عالمي ، مجتمع يعيش تناقضات وأزمات مختلفة تستوجب التفكير في ثقافة مشتركة تخول للجميع العيش والإستفادة من ثروات الأرض . وهذا لن يتأتي إلا مع ثقافة الإعتراف بالآخر والحوار الجاد معه من منطلق الخط الواحد وليس من منطلق القوي والضعيف والسيد والتابع . وإلا فإننا سنسير جيمعا نحو أزمات أكثر خطورة وستهدد بشكل أكبر حياتنا باستمرار العنف .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,793,865
- إلى أين يتجه العالم ؟
- إطلالة على المشهد السياسي المغربي
- في حاجتنا إلى الفلسفة .


المزيد.....




- استقالة رئيس وزراء مالي وحكومته بسبب تصاعد العنف في البلاد
- جزائريون ينخرطون في مبادرة -السترات البرتقالية- لحماية الاحت ...
- اهتمام مصري بتطور الأوضاع في السودان
- الشرطة الفرنسية تكشف سبب حريق نوتردام
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- جمهورية دونيتسك مستعدة لمد سوريا بالفحم
- بالصورة... عماد مغنية على أنقاض السفارة الأمريكية في بيروت


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عبدالله أخصاصي - العولمة ورهان التعايش المشترك