أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - الزوجة الصغيرة: قصة قصيرة















المزيد.....


الزوجة الصغيرة: قصة قصيرة


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 5807 - 2018 / 3 / 6 - 01:57
المحور: الادب والفن
    


اختار جو هينكلي مقعده في الجانب الظليل من القطار، وما إن استوى في جلسته حتى أخفى بعناية حقيبة سفره والصندوق الاسود الثقيل الذي يحفظ بداخلة الكتالوجات اللازمة لعمله كبائع جوال. كان الجو حارا على غير العادة في مثل هذا الوقت من أوائل حزيران فكانت الحرارة خارج القطار تنبعث مثل موجات تتلألأ وتتراقص فوق الحجارة الملتهبة المرصوفة بين قضبان السكة الحديدية وفوق النهر الموحل حيث تتحرك المياه جانب المحطة التي ترتاح بين ضفتيه الحمراوين. تأمل جو كل هذا من مكانه حيث يجلس وهو يقول لنفسه"ما عساه أن يكون الجو في آب؟ لا شك سيكون جحيما لا يطاق إن كان هذا هو الحال في حزيران ". قال هذا ثم نظر إلى ساعته التي كانت تشير إلى الثانية وثمان وعشرين دقيقة، لقد تأخر القطار خمس دقائق عن موعد انطلاقه. وبطبيعة الحال لم يكن يتوقع ذلك، فلو كان يعلم أنه سيتأخر كل هذا الوقت لاستطاع حزم عينات المواد التي يبيعها وأحضرها معه. ولكن بعد استلامه البرقية من السيدة تومكنز قرر المغادرة على عجل فلم يكن لديه متسع من الوقت لحزم كل حقائبه ، وبالكاد تمكن من توضيب حقيبة ثيابه ومغادرة الفندق حتى لا يفوته القطار العائد به للديار.
أرخى حزامه قليلا ومسح رقبته بمنديله اللين. وتمتم قائلا " لا يهم لو تركت تلك الحقيبة في الفندق.. يمكن لأحد الصبية العاملين هناك أن يرسلها لي لاحقا، أو ربما سآخذها بنفسي حالما أعود ثانية إلى هنا". في تلك الأثناء لفت اتباهه بروز أحد نهايات الصندوق الأسود الثقيل، فدفعه بعيدا بقدمه تحت المقعد ... إنها "هي "ما كان يشغل باله طوال الطريق. لم تكن طبيعة عمله تتيح له في أحيان كثيرة أن يكون في بيته في عطلة نهاية كل أسبوع، بل في مرات عدة لم يكن من الممكن له أن يعود لمنزله حتى في نهاية الأسبوع ,وإذ لم يكن بمقدوره أن يخيب ظن "بيسي" فكثيرا ما كان يتدبر أمره بطريقة أو بأخرى، بغض النظر عما يمكن أن يحدث له بسبب ذلك. لقد كانت حياتهما الزوجية -التي لم تتجاوز بعد عامها الأول-من أسعد سنين حياته التي عاشها. ليس هو فقط، بل بيسي كانت سعيدة أيضا. وفجأة تراءت له بوجهها الأبيض الشاحب مستلقية على سرير غرفة نومهما، فتملكه الفزع وتسارعت ضربات قلبه، فهمس لنفسه مطمئنا " ستكون بخير ,فهؤلاء الأطباء لا يفقهون شيئا، سوف تكون بخير، كل ما في الأمر أن السيدة تومكنز منفعلة قليلا وخائفة بعض الشيء ,لكن كل شيء سيكون على ما يرام". في تلك الأثناء فتح رجل أشيب يجلس أمامه في العربة حقيبته ليخرج منها قبعته طاقيته، وكان الرجل كما لاحظ جو، يجد صعوبة في إقفال الحقيبة في الوقت عينه الذي يحمل القبعة القش في يده، فما كان من زوجته التي تجلس قربه إلا أن تناولت منه الحقيبة وأقفلتها في الحال. ثم أخذت قبعته وشدتها إلى حجرها، كل ذلك وهي تقرأ في المجلة التي بيدها، حتى أنها لما أقفلت الحقيبة لم ترفع عينيها عن المجلة.
لاح من بعيد في ممر القطار خادم زنجي يحمل بيده برقية بيده ولما وصل إلى المنتصف توقف ثم صاح "برقية للسيد جي.جي. هينكلي! سمعه جو ينطق باسمه لكنه تركه يكرر الاسم ثلاث مرات قبل أن يقول له أن البرقية له. ناوله الخادم البرقية وهو يشرح بأنها وصلت للقطار عن طريق بريد الفندق في اللحظة التي كان فيها القطار على وشك الانطلاق. أخذ جو البرقية وناول الخادم بقشيشا وعاد إلى مقعده، رمقته المرأة القروية للحظة ثم حولت نظرها بعيدا، بجانبها كان ثمة فتاتين، نظرتا نحو جو بشيء من الوقاحة والجرأة وكانت تضحكان وتتهامسان, أما الرجل الأشيب فتناول سيجارا ومضى نحو غرفة المدخنين، بعد أن ثبت القبعة بقوة على رأسه.
شعر جو بضيق في صدره و بدت له يداه كأنهما ترتجفان،و شعر برغبة في أن يضع رأسه على حافة النافذة، لكنه خشي أن يعتقد الركاب أنه مريض فيحاولون التحدث إليه ,وهو لايرغب في ذلك .وضع جو البرقية دون أن يفتحها بجانبه على المقعد و جعل يحدق فيها لفترة طويلة, ثم أعاد قراءة البرقية الأولى ببطء شديد وبدأ بالقول لنفسه " حسن ,لابد أنها من السيدة تومكنز" .."ألم تقل أنها سترسل برقية جديدة مرة أخرى إذا ما" ... ثم تابع يقول لنفسه " ربما هي من شخص آخر ,ربما ليست من السيدة تومكنز, بل لعلها من شركة بويكين و روزين بخصوص إلغاء الموعد .نعم هو كذلك , إنها من الشركة, هم من أرسلوا البرقية ,لا ,ليست من السيدة تومكنز على الإطلاق". رفع بصره للأعلى بسرعة فرأى أن الفتاتين الفتتا لجهته وكانتا تنظران نحوه ، ويظهرن بين الحين والآخر إشارات مضحكة لبعضهما البعض من وراء أيديهما .
نهض من مقعده بشعور طافح ما بين الضعف وبعض الغثيان، ومازالت البرقية غير المفتوحة في يده. مر خلال سيره بعدد من العربات حتى وصل أخيرا إلى نهاية القطار وخرج نحو الردهة الخلفية. تملكته، على نحو مفاجئ رغبة في القفز من مكانه والركض نحو الغابة، ولكن وجود عامل حيث كان هناك كبح رغبته تلك فمثل هذا التصرف سوف يبدو غريبا جدا لمح العامل وجه جو الذي بدا مريضا فوضع ما بيده أرضا وسأله: "هل أنت بخير يا سيدي؟" فقال جو: "نعم، أنا بخير ولكن، كما ترى الجو حار قليلا “. فتركه العامل وغادر، الأمر الذي منح جو شعورا بالسعادة لأنه أراد أن يكون وحيدا. لم يكن يرغب بوجود أي شخص من حوله.
كانت قضبان السكة الحديدية تقرقع بإيقاع منتظم تحت وطأة ثقل وسرعة العربات، فكان يلمح المرور السريع لمنظر الريف الذاوي من شدة الحر، ثمة، هناك فتاة زنجية صغيرة ... ترتدي ثوبا ورديا مرقعا . . . كانت الفتاة تركض نحو السكة الحديدية وتلوح بيدها، وغير بعيد,ثمة رجل عجوز أعرج.. يحدق في القطار العابر . . . كان العجوز يحرث حقله الصغير ويدفع أمامه بغله الأجرب ... ومازالت القضبان تواصل صخبها وقرقعتها وبدا القطار كما لو أنه يحلق فوق الحجارة المرصوفة الملتهبة مثل صهارة بين قضبان السكة الحديدية . على وقع هذا المنظر خطر ببال جو القول “لا داعي للمضي بسرعة كبيرة،",و أحس ببعض الضيق فردد لنفسه قائلا “لدينا كل الوقت المتاح في هذا العالم." وعلى صفيح العربة الساخن المصقول لاح شكل وجهه المشوه أمامه فبدى أبيضا ومرعبا، مما جعله يشعر بالقلق، فقال في سره "لا عجب أن سألني العامل كيف أشعر." ثم تابع: "هل أبدو على هذه الدرجة من السوء بحيث يلاحظها الآخرين؟ كل ما كان يريده هو أن لا يلاحظ عليه الآخرون أي شيء أو حتى يتكلوا معه فليس ثمة ما يمكن أن يقال من أي شخص. واستمر في تقليب البرقية في يده وتابع يقول لنفسه "علي أن افتحها الآن" علي فتحها و قراءتها"، ثم قال أخيرا بصوت عال" لا. هذا ليس صحيحا لا أظن ذلك، لا أظن أنه علي فتحها و قراءتها ",وعاود تكرار هذه الكلمات عدة مرات، ثم ختم بالقول " إنها من الشركة حول إلغاء الموعد -ليست من السيدة تومكنز على الإطلاق."
" كرر كلماته الأخيرة عدة مرات، ثم تابع "إنها حول هذا الإلغاء - وليست من السيدة تومكنز على الإطلاق." مزق جو البرقية غير المفتوحة إلى قطع صغيرة وألقى بها من القطار فرفرفت القطع بفعل الريح وبدت قبل أن تستقر على حجارة مسار القضبان الملتهبة مثل سرب فراشات صفراء ترقص لتستقر على المسار “. وسرعان ما شعر بتحسن فدفع كتفيه للخلف وعب ملء رئتيه من هواء الريف وزفر قائلا " كل شيء على ما يرام. ها أنا ماض في طريقي لرؤية زوجتي الصغيرة وكل شيء بخير.” ضحك بسعادة وأحس كما لو أنه نجى لتوه من كارثة رهيبة، ولما لم يعد قادرا على رؤية قصاصات الورق تلك على المسار انفتل عائدا إلى مقعده يدندن لحنا ويداخله شعور بالراحة والابتهاج ,فوصل إلى مقعده في وقت وصول المفتش فأومأ له بسرور وناوله تذكرته. وهو يقول مازحا " انتبه أن يخدعك أحدهم ويعتبرها رحلة مجانية" فأجابه المفتش، أنووو ؟؟و لايمكن يا حضرة الشاويش ". ضحك جو من أعماق قلبه ونظر له المفتش باستغراب. ثم ضحك بدوره وقال. “أراك تتمتع بحس الفكاهة رغم حرارة الجو “فرد جو متسائلا " ولم لا أكون كذلك"؟" فأنا عائد للديار لرؤية زوجتي الصغيرة" ثم همس كما لو أنه يفشي سرا عظيما "إنه صبي". فوضع المفتش التذاكر على المقعد ومد يده نحو جو وهز يد جو مصافحا وهو يردد “هذا رائع، إنه رائع حقا “ما جعل جو يشعر بقليل من الارتباك فضحك من جديد. وحالما تحرك المفتش دفع جو دفعة خفيفة على صدره مداعبا وهو يقول“بلغ تحياتي للسيدة" فرد جو بسعادة"سأفعل لاريب " .
تأسف جو لعدم بقاء المفتش طويلا، فقد كان يشعر برغبة ملحة تدفعه للتحدث إلى شخص ما, رغبة تدفعه لأن يتحدث عن بيسي لشخص ما. تلفت حوله لعله يرى إن كان هناك ثمة من يعرفه في القطار. ابتسمت الفتاتين له، وهنا فهم جو الموقف، فهما ليستا سوى طفلتين تمضيان في رحلة، فلو كانت فتاة واحدة فقط لوحدها، فهي بكل تأكيد لن تفكر في الابتسام لشخص غريب قط ، لكن وجودهما معا يجعل الأمور تجري بطريقة معاكسة، أدرك جو ذلك تماما، إن وجود هاتين الفتاتين يجعل الأمور تبدو كما لو أنها مغامرة مثيرة؛ شيء ما سيضحك هو و أصدقائه عليه عندما يحدثهم به . قرر جو أن يمضي أكثر ويتحدث معهما فمشى نحوهما بلامبالاة ورمى نفسه على المقعد وقال "حسن. إلى أين تذهب الشابتين؟" فردت عليه إحداهما، تلك التي تمتلك عينين سوداوين “ألا تعتقد أن لديك قدرا كبيرا من الشجاعة والجرأة؟ ". فقال جو بمرح ظاهر " بكل تأكيد أنا كذلك، وإلا لن أكون أفضل بائع جوال". فضحكت الفتاتان مما جعل جو يعتقد أن كل شيء يمضي على ما يرام، ولم يفته أن الفتاة الأخرى ذات العينين الزرقاوين كانت أجمل من صديقتها , لكن الثانية كانت أكثر إدهاشا .. "سوف ننزل في فلوماتون" قالت ذات العينين الزرقاوين ...وأردفت صديقتها "لقد كنا في مونتجمري , في المدرسة"و صارتا تتناوبان الحديث :-نحن في طرقنا إلى الديار لتمضية عطلة الصيف .....-"ونحن نريد من العالم الوقح عديم الإحساس أن يعلم أننا سعيدتين بذاك .نظر جو نحوهما بجدية وقال "لا ترتكبا الخطأ أيتها الشابتين. تعلما قدر المستطاع و إلا ستشعران بالندم لاحقا "فانفجرتا في نوبة ضحك وضعتا ذراعيهما حول يعضهما البعض و استمرتا في الضحك حتى سالت دموعهما , ضحك جو بدوره وهو يتساءل بينه و بين نفسه أين النكتة في ما قاله كي يضحكان بهذه الطريقة , توقفت الفتاتان عن الضحك بعد لحظات , غير أن ضحكة مفاجئة أطلقتها ذات العينين الزرقاوين جعلتهما تنفجران بالضحك ثانية, أكثر من ذي قبل ." أووه هذا في منتهي السخف", قالت ذات العينين السوداوين. فأيدتها صديقتها هي تلهث "أرجوك لا تظن أننا وقحتين" فتساءل جو "أين النكتة فيما قلت؟" ثم انفجر ضاحكا مثلهما. حاولت ذات العينين الزرقاوين أن توضح له :"تبدو كما لو أنك... كما لو أنك ... " فأنقذتها ذات العينين السوداوين بالقول "-كم أنت حنون و أبوي". ومضى الجميع في زوبعة أخرى من المرح، وكانت الفتاتان تضحكان وتتعانقان حتى أن السيدة العجوز وضعت مجلتها جانبا وبدأت الضحك بشدة، ولكن المرأة ذات الغدة الدرقية المتضخمة قبضت أكثر على باقة الآس العطري وبدأت بالتحديق خارجا عبر النافذة.
انتظر جو حتى أنهكت الفتاتان فقمن بمسح عيونهن و فتحتا علب التجميل للنظر إلى أنفسهن في المرآة و تجميل وجهيهما. قال جو: "حسن، أعتقد أنني يجب أن أبدو حنونا و أبويا، إذ وصلتني برقية للتو تقول أني سأصبح أبا، لأول مرة في حياتي سأصير أبا . فبدى الاهتمام على وجه الفتاتين، وانهالت عليه أسئلتهما، ورغبن في معرفة كل شيء، شعر جو بسعادة تغمره، وعندما بدأ الحديث لاحظ أن السيدة العجوز كانت تستمع وقد بدلت مقعدها لتسمع بشكل أفضل. شعر جو بمودة تجاه الجميع "و تساءل " ألا تنضموا إلينا", فقالت العجوز "نعم ,, بكل تأكيد" وهنا تحرك جو قليلا ليفسح لها مكانا للجلوس . وما إن اقتربت العجوز حتى طلبت قالت له "لابد أنك سعيد جدا بذلك" فأجاب جو" أنا متأكد أني سعيد بهذا " , ثم أضاف: "ليس هناك الكثير مما يمكن أن أقوله باستثناء استلامي لبرقية السيدة تومكنز-السيدة تومكنز هي حماتي-تقول فيها أن بيسي ولدت طفلا جميلا و هي و الطفل بخير : حتى أن طبيب التوليد قال أنه لم ير من قبل أي شخص قام بذلك على تلك الصورة الجيدة مثل بيسي ، ولكن بالطبع زوجتي أرادتني أن أكون معها، لذلك أوقفت كل شيء و ها أنا هنا في طريقي إليها. وكما تعلمون بيسي وأنا متزوجان منذ عام فقط. لقد كنا سعداء جدا. الشيء الوحيد السيئ هو أنني لا أتمكن من العودة للبيت في كثير من الأحيان، لكن لا يمكن أن يكون كل شيء مثالي في هذا العالم، أليس كذلك؟ هي بالتأكيد أرقى زوجة صغيرة قد يتمناها رجل. فهي لا تشكو على الإطلاق من كوني بعيدا عنها بهذه الطريقة، ولكن في يوم من الأيام نأمل أن تكون الأمور مختلفة ". فقالت الفتاة ذات العينين الزرقاوين"لا يوجد أي شيء أجمل من الأطفال". ثم سألت السيدة العجوز "أي اسم ستطلقه عليه "؟,فرد جو " في الواقع تريد بيسي أن تسميه "جو" على اسمي , لكني لا أرى منطقا في هذا, فلا اعتقد أن اسمي شائع بما فيه الكفاية, أليس كذلك؟ .عموما سأترك الموضوع برمته بيد بيسي .فيمكنها أن تطلق عليه أي اسم تشاء ,فهي زوجتي الصغيرة الجميلة بكل تأكيد "و بدأ جو يتحدث بسرعة , ذاكرا تفاصيل لقاؤهما .لقد كان ذلك في منزل جاك بارنز, أحد الأصدقاء , وكان جو قد دعي لتناول العشاء و تمضية الوقت بلعب البوكر , لم تكن السيدة بارنز و لا بيسي يلعبن البوكر , كانت بيسي تقطن في نفس الشارع و كانت قد دعتها السيدة بارنز لتبقى معها في الوقت الذي يكون فيه الرجال منشغلون بالبوكر ,أحب جو بيسي على الفور فانتبه أصدقاؤه له فبدأوا يهزؤون منه بأنه فقد تركيزه في اللعب .لم يسبق له أن أخبر أحدا بذلك من قبل، ولكن عندما بدأ رفاقه يتغامزون عليه، قرر أن لا ينظر نحوها مرة أخرى , لأنه لا يرغب أن تظنه غير ناضج, لكنه لم يستطع منع نفسه و في كل مرة تلتقي عيناهما كانت تبتسم له بطريقة ودية ,وأخيرا لاحظ الجميع ذلك ,و بدأوا بالمزاح معه و مع بيسي أيضا ,لكنها لم تعر ذلك أدنى انتباه . لا يهم ما خسره تلك الليلة في اللعب لأنه كان قد التقى بها. لا يمكن القول إن بيسي جميلة تماما، لكنها كانت عذبة ولطيفة وهي من النوع الذي يرغب أي رجل الارتباط بها. تحدث عن مغازلتهم. واقتبس فقرات كاملة من الرسائل التي كانت قد كتبتها له ليؤكد على نقطة معينة أثارها. لم تحبه بيسي بشكل خاص، ليس منذ البداية على أي حال. وفي الواقع أحبته أولا كصديق لكن ليس بجدية. كان هناك صديقين أو ثلاثة من المقربين لها أيضا. كانت بيسي ملفتة للنظر بدرجة كبيرة، وكان بمقدورها أن تخرج كل ليلة مع رجل مختلف لو أرادت. وكونه يمضي معظم عمله متنقلا فإن هذا له عيوب كثيرة، إذ لم يكن لديه الفرصة لرؤيتها في كثير من الأحيان، غير أن ذلك لعله أيضا كان ميزة -فقد جعله على أي حال يكتب لها يوميا. وأخيرا أصبحا مخطوبين. لم تسمح له بأن يقبلها حتى ذلك الحين. كان يعرف منذ البداية أنها ستكون زوجة صغيرة رائعة، لكنه كان لايزال حائرا لماذا فتاة على تلك الدرجة من التفوق مثل بيسي تريد الزواج به.
تحدث وتحدث، بسرعة وبطريقة محمومة. وقال كيف كان قد قرر في وقت سابق عدم الزواج على الإطلاق، ولكن هذا كان قبل أن يلتقي بها. لقد غيرت كل ذلك. مرت ساعتين دون أن يشعر، وبدأ مستمعيه يشعرون بالملل، ولكن جو لم يدرك ذلك. وأخيرا، عاد الرجل العجوز ذو القبعة من غرفة التدخين ما أدخل السرور على قلب زوجته واغتنمتها فرصة للابتعاد، واعتذرت بأنها عليها أن تجلس قرب زوجها. ابتسم جو وأومأ برأسه، لكن هذا لم يأخذ منه وقتا طويلا ولم يوقفه لحظة واحدة عن متابعة قصته. فقد وصل إلى لحظة الوصف الطويل للسيدة تومكنز. لم تكن السيدة تومكنز على الإطلاق مثل كل الحموات اللواتي نحتفظ بصور هزلية عنهن. بل على العكس تماما. لم يكن ليتصور كيف يمكن له ولبيسي أن يمضيا حياتهما بدونها، ولأبين لكم أي نوع من النساء كانت، فقد كانت دائما تقف إلى جانبه في أي نزاع بينه وبين بيسي - وهذا لا يعني أنه كان و بيسي يتشاجران على الدوام. أوه، لا! ولكن في بعض الأحيان كان لديهم القليل من المناقشات الودية مثل جميع الأزواج وكانت السيدة تومكنز دائما تقف إلى جانب رأيه. كان هذا غير عادي، أليس كذلك؟ تحدث جو وتحدث وتحدث، غير مدرك تمام للوقت.
وصل القطار أخيرا إلى فلوماتون وجاء الحمال لمساعدة الفتيات في حمل حقائبهن. كانتا سعيدتين جدا لوصولهما و لتخلصهما من جو . فقد بدتا عصبيتين قليلا. كان ثمة شيء ما لم يتمكنا من فهمه بخصوصه، فقد اعتقدتا أولا أنه مرح و خفيف الظل ، ولكن مع مرور بعض الوقت توصلتا إلى قناعة أنه إما مخمور أو مخبول وخلال الساعة الماضية كانتا تشيران لبعضهما البعض بشكل ملحوظ. ساعدهما جو في الخروج من القطار إلى رصيف المحطة. و في اللحظة التي بدأ فيها القطار في التحرك لوحت الفتاة ذات العينين السوداوين بيدها و قالت له " بلغ محبتي لبيسي و لولي العهد ", وقالت الفتاة الزرقاء العينين: " لا تنس أن تقبل الطفل نيابة عني" , فقل جو" سأفعل بكل تأكيد". وبعد أن تحرك القطار نظرت الفتاتان لبعضهما البعض للحظة، ثم بدأتا في الضحك. وقالت الفتاة ات العينين السوداوين "على بيسي أن تربطه وتشد وثاقه جيدا". فأردفت الأخرى: "هل سبق لك أن رأيت في حياتك شيء مثل هذا؟".
عاد جو للعربة مرة أخرى وهو يردد في سره "إنهما مجرد طفلتين لطيفيتين “. نظر الى ساعته فكانت 5.25. ، فأصيب بالذهول , كيف مر الوقت بمثل هذه السرعة ,تقدم نحو مقعده وهو يقول "لن يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أصل إلى الديار ". ولكن هذا لم يساعده في أن يبقى هادئا ، فقرر أن يدخن سيجارة، مضى إلى غرفة المدخنين فوجد هناك ثلاثة رجال. أحدهم رجلا مسنا ذو خصلة من شعيرات رمادية كان وجهه أفرا غائرا وتنفر العروق الدموية الزرقاء من يديه . كان يمضغ التبغ بشراهة ويبصق في حوض المضمضة. أما الثاني فكان ضخما ومترهلا وعندما يضحك كانت تغور عينيه وتختفيان تماما وتهتز بطنه المتكرشة. كانت أظافر أصابعه منتفخة وشفته السفلى مدلة للأسفل يخالطها لعابه . أما الرجل الثالث كان أسودا و بمظهر عصبي وكان يضع في إصبع يده الصغير خاتما كبيرا جدا من الماس .كان الرجال الثلاثة يضحكون ويطلقون النكات لما دخل جو عليهم. أراد جو التحدث معهم عن بيسي، لكنه لاحظ أنه لا يمكنه استحضار اسمها في مثل هذا الجو. ثم فجأة تذكر : "كنت أضحك وأقول القصص الساخرة مع ذلك الزبون في مونتجومري وطوال الوقت كانت البرقية هناك." امتقع وجهه ألما وحاول طرد الفكرة من ذهنه. وسرعان ما ألقى سيجارته وعاد إلى مقعده. وجاء نادل مشرق الوجه يعلن عن النداء الأول لوجبة العشاء. في البداية خمن جو أنه سوف يتناول عشاءه في القطار لأن ذلك من شأنه كسر رتابة الرحلة والمساعدة في تمضية الوقت، ولكن على الفور تذكر أن السيدة تومكنز لابد أن تكون قد حضرت له العشاء في المنزل - عشاء أعد خصيصا من جميع الأشياء التي يحبها ." سأنتظر حتى أصل إلى المنزل،" قال ذلك جو لنفسه و أردف . "لن أخيب ظن السيدة تومكنز وزوجتي الصغيرة من أجل هذا العالم الذي يثير كل تلك المتاعب لي."
مرة أخرى، شعر برغبة غريبة وحاجة قهرية للحديث عن بيسي مع شخص ما. كان لديه شعور أنه طالما تحدث عنها فسوف تبقى بخير. رأى السيدة العجوز وزوجها في مقعدهما يتناولان وجبة غداء كانا قد جلباها فقرر المضي قدما والتحدث معهم. "هل يمكنني المجيء والتحدث إليكم؟ سأل جو. "بالتأكيد، يا سيدي، قال الرجل العجوز ذو القبعة. و اضاف من باب المجاملة : "أخبرتني زوجتي بأنك عائد للديار لرؤية ابنك الجديد. "قال جو "هذا صحيح ...نعم هذا صحيح ". ثم انطلق يتحدث بسرعة، بالكاد كان يتوقف ليلتقط أنفاسه. نظرت السيدة العجوز إلى زوجها كأنها توبخه ,وكأنها تقول له " عجبك؟ ها نحن الآن في ما ابتدأته أنت ".
تحدث جو عن زواجه. لقد كان هادئا جدا. كانت بيسي من ذلك النوع من الفتيات اللواتي لا يرغبن كثيرا بالاستعراض . ولم يكن هناك سوى عدد قليل من أفراد الأسرة وواحد أو اثنين من الأصدقاء المقربين . جورج أوركوت أحد أفضل الأصدقاء له. كانت بيسي تخشى أن يقوم أحد بالعبث معهما بمزحة من قبيل ربط علب الصفيح إلى السيارات التي كانت ستقلهم للمحطة أو تلوين حقائبهم بالطباشير . ولكن كل شيء انقضى بسلاسة. وكان آل بارنيز في حفل الزفاف، بطبيعة الحال: فقد كان قد التقى بيسي في منزلهم و بوصفهم جيران مقربين لايمكن تجاهل دعوتهم ، ولكن تقريبا لم يكن أي شخص آخر خارج الأسرة .
ثم تحدث عن شهر العسل الذي أمضياه في نيو أورليانز؛ وتطرق لجميع الأماكن التي زاروها هناك، مثلما كانت بيسي تقول عنها و تفكر فيها .واستمر في التحدث و التحدث .فتحدث عن الأسابيع الأولى من زواجهما , و كيف كانا سعيدين , تحدث عن بيسي ومهارتها في الطبخ , وكيف هي ربة منزل ممتازة ورائعة , وكم أحبت المنزل الذي اشتراه لها و عن فرحتها لما علمت أنها ستلد طفلا .كان الرجل العجوز يحدق في جو وهو في حيرة من أمره, و كان يتساءل فيما إذا كان لابد له من استدعاء المفتش لاعتقاده أن جو تناول جرعة من الكوكائين ,وكانت السيدة العجوز طوت ذراعيها مثل الشهداء .و استمرت في النظر نحو زوجها كأنها تود أن تقول له " ألم أقل لك ذلك"!
فقد جو كل الإحساس بالزمن , كان يتحدث و يتحدث بلا انقطاع و بلا توقف .حتى أنه حالما وصل إلى ما كانت تخطط له بيسي لتعليم الطفل , لمسه الحمال من ذراعه و أخبره أنهم على وشك الوصول لمحطته .فاستفاق و نظر لساعته التي كانت تشير إلى السابعة و خمس و ثلاثين دقيقة , لم يصدق بأن ساعتين مرتا بهذه السرعة فقال لهما "لقد كان من دواعي سروري التحدث معكم " .فبادره الرجل "أوه لا عليك" ثم ناول جو الحمال بقشيشا و خرج من القطار بحماس. وعندما استدار لتناول حقيبته لاحظ أن المرأة المصابة بتضخم الغدة الدرقية كانت تحدق في وجهه. فمشى نحو النافذة التي شكلت إطارا لوجهها المثير للضحك و قال لها "وداعا سيدتي أتمنى لك رحلة لطيفة. " أجابت المرأة: "قال الأطباء أنه لا أحتاج لعمل جراحي ,لقد انتظرت طويلا" . فقال جو "حسن هذا جيد ! – بل أكثر من جيد " , ثم ضحك ببهجة ولوح يده.التقط حقيبته و صندوقه الأسود الثقيل وتبع سيل المغادرين نحو بوابة المحطة . ظلت المرأة ذات الغدة تحدق به حتى توارت عن الأنظار, وعلى الجانب الآخر من السياج الحديدي رأى السيدة تومكنز التي كانت ترتدي ثيابا سوداء وتضع حجابا أسودا ,فمضى نحوها بخفة ,ولما وصل وضعت السيدة تومكنز ذراعيها حوله وقبلته مرتين وقالت "يا لجو المسكين ". ثم نظرت إلى وجهه المبتسم والحماسي. لاحظ جو أن عينيها كانت متورمتين وحمراوين , ثم سألته "ألم تصلك برقيتي ؟" .تغضن جبين جو في محاولة للتذكر وقل أخيرا: "أوه، بلى,بالتأكيد استلمتها في الفندق فتابعت السيدة تومكنز "هل استملت برقيتي الثانية؟" في تلك اللحظة كانت تنظر نحو عينيه بثبات وهي ترى الهلع الذي اجتاحه ,فقد كان يعلم أنه لم يعد بمقدوره الكذب على نفسه. لم يعد بمقدوره الحفاظ على بيسي حية من خلال الحديث عنها.امتقع وجهه فجأة و بدأ فكه يرتجف مثل طفل .مال بجسمه على السياج الحديدي كي لا يسقط , فأخذت السيدة تومكنز بيده و قالت : "لا يمكنك أن تستسلم . عليك أن تكون رجلا.لا يمكنك أن تستسلم هكذا ,يا جو!.".فنطق أخيرا " لم أقرأ البرقية.. لم أكن أريد أن أعرف أنها كانت ميتة, أردت أن أبقيها حية لفترة أطول". وجلس على شاحنة الأمتعة الفارغة وأخفى وجهه بين يديه . جلس هناك لفترة طويلة بينما وقفت السيدة تومكنز مثل حارس عليه، وحجابها الأسود منسدلا على كتفيه . ثم قالت بتعاطف و حنان "جو " وفي تلك اللحظة اقترب رجل يرتدي ثياب عمال متسخة و قال , عفوا يا سيدي ,و لكن ينبغي لك التحرك من هنا لأننا سنستخدم الشاحنة التي تجلس عليها" التقط جو حقيبته و صندوقه و تبع السيدة تومكنز خارج المحطة.
.........................
العنوان الأصلي : THE LITTLE WIFE: WILLIAM MARCH
الناشر : From the Little Wife by William March. Harrison Smith and Robert Haas, 1935.
Copyright, 1935, by William March.
المترجم: محمود الصباغ





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,696,788
- إسرائيل: رؤية ما بعد صهيونية
- النموذج الصهيوني لعلم الآثار
- فصائل السلام و الثورة العربية في فلسطين 1936-1939, نموذج لتع ...
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟
- التعاون البريطاني اليهودي والفرق الليلية الخاصة في فلسطين خل ...
- استعمار الصهيونية لفلسطين :الاستيطان و التهويد
- التخوم و الحدود : ملاحظات حول الجغرافيا السياسية في القدس
- الوجه الآخر لاستيطان القدس : تسييس العمران و احتكار السردية ...
- علم الآثار الكتابي القديمالجديد وتاريخ فلسطين
- من شارون إلى شارون: التخطيط المكاني ونظام الفصل في إسرائيل / ...
- من شارون إلى شارون: التخطيط المكاني ونظام الفصل في إسرائيل / ...
- قدس جديدة : أرض أكثر .. عرب أقل
- علم الآثار في فلسطين: حياة و موت ألبرت غلوك
- (تسمية المشهد المكاني: تشكيل الخارطة العبرية لإسرائيل 1949-1 ...
- تسمية المشهد المكاني: تشكيل الخارطة العبرية لإسرائيل 1949-19 ...


المزيد.....




- -درس القرآن- لعثمان حمدي بك تُباع في لندن بأكثر من 4.5 مليون ...
- فنانون لبنانيون يخاطبون الجيش
- رئيس الحكومة يبحث مع وزير الفلاحة الروسي تطوير العلاقات بين ...
- تحفة معمارية فريدة لأمر ما لم تعجب القيصرة يكاتيرينا الثانية ...
- وفاة الفنان الشعبي محمد اللوز أحد مؤسسي فرقة -تاكادة-
- العثماني بمجلس النواب لمناقشة مناخ الاستثمار وولوحات السياسة ...
- لافروف: حلمت بتعلم اللغة العربية
- الموت يفجع الفنان ادريس الروخ
- مظاهرات لبنان تعيد الحياة للـ -التياترو الكبير- الذي غنت أم ...
- تحفظ عليها سقراط وأربكت كانت وهيغل.. هل خدر الفلاسفة الثورات ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - الزوجة الصغيرة: قصة قصيرة