أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد باليزيد - الخرافة والبرهان















المزيد.....

الخرافة والبرهان


محمد باليزيد

الحوار المتمدن-العدد: 5806 - 2018 / 3 / 5 - 12:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أعتذر مسبقا لكل السوريين واليمنيين والليبيين..... الذين يموتون تحت قنابل الأنظمة وقنص العصابات الإجرامية وأنا أتلهى بكتابة هذه "الثقافة النتنة" من أجل "الأجيال القادمة". وما باليد حيلة.
من الواضح في عصرنا هذا أنه في الجواب على السؤال: هل الدين أمر شخصي أم أمر عام؟ يتفرق الناس مذهبين: الأول يضم غالبية الناس، متدينين بشتى الديانات وغير متدينين، هذه الأغلبية تقر بأن الدين أمر شخصي وأن دين الواحد لا يهم، أو هكذا يجب أن تكون الحال، لا يهم الآخر، جاره أو مواطنه، في شيء. والمذهب الثاني مذهب أقلية قليلة ترى أن لا تعتبر جارا ولا مواطنا من نفس الوطن سوى من تجمعها وإياه نفس الطقوس الدينية ونفس الإيمان. وأحيانا حتى نفس الجزئيات(1) من دينها. قد يكون "تطرف" الأكثرية، من ضمن هذه الفئة الثانية، نتيجة اختلاط الدين بالسياسة وبالمصالح الدنيوية سواء كان ذلك الخلط عن وعي وقصد [لدى نخبتهم ومنظريهم] أو عن غير وعي[لدى التوابع]. ومقالنا هذا لن يناقش ولن يتطرق للمذهب الثاني.
إن نسبية الأمور تفرض على أصحاب المذهب الأول، مع الاعتقاد بأن رأيهم هو الصواب وهو المناسب للعصر، النسبية تفرض عليهم أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: إلى أي حد تبقى نظرتهم تلك صحيحة ومسايرة لمصلحة المجتمع.
هل يجب أن نظل نعتقد بأنه حتى انتشار كراهية الأخر، مثلا، في دين جماعة ما من وطن لا تعني الجماعات الأخرى؟
هل يجب أن نظل نعتقد بأن طغيان الخرافة على دين مجموعة ما يجب أن يظل شأن تلك الجماعة لا غير؟
من مثل هذه الزوايا يجب أن نعتبر الدين شأنا جماعيا بقدر ما هو شأن فردي وعلى الجماعة أن تهتم بدين كل فرد منها. فانتشار كراهية الآخر بين أفرادها أمر يهمها كما يهمها كذلك انتشار الفكر الخرافي المضاد للفكر العلمي وللفكر الديمقراطي، ركيزتي كل تقدم وازدهار.
في خطبة جمعة (2018)، تطرق خطيب إلى مسألة التوبة. ولأن الدين "نقل وعقل" وليس نقلا فقط، شرع في البرهنة على أن "باب التوبة" مفتوح دائما. من أجل هذه البرهنة شرع في حكي "قصة" اعتقد هو، كما اعتقد جل الفقهاء حكاتها والمسلمين المحكاة لهم، اعتقدوا أنها الدليل الذي لا دليل بعده على أن المسلم، كيفما كانت أفعاله وإيمانه، مقبولة توبته متى تاب.
القصة:
"كان رجل .... وصل عدد الأرواح التي أزهقت يده 99. فندم على ما اقترفه في حياته وأراد التوبة لكنه شك في أن يقبل الله توبته هو الذي أزهق 99 روحا. [المضمر هنا أنه لن يتوب(سيستمر في سيرته) إذا لم يتأكد أن الله سيقبل توبته]. فذهب عند فقيه فحكى له قصته وأخبره بأنه يريد أن يتوب وسأله إن كانت توبته ستقبل أم لا؟ أجابه الفقيه متأسفا: يا سيدي، إن الله سبحانه وتعالى يتوعد من قتل نفسا واحدة بجهنم، فكيف بمن قتل 99؟ لا أظن سيدي بأنه سبحانه وتعالى سوف يغفر لك. غضب صاحبنا من رأي الفقيه ولم يتحكم في نفسه إلى درجة أنه استل سيفه على الفور وأسقط الروح ال100. ثم تابع طريقه عند فقيه آخر. حكى له قصة حياته وآخرها ما وقع له مع الفقيه السابق وسأله نفس السؤال. أجابه الفقيه: سيدي، ذنوبك كثيرة فعلا وكبيرة. لكن رحمة الله أكبر منها وأوسع. ولا شك أنه سبحانه قادر على أن يغفر لك."
تكملة القصة التي لم يحك الفقيه على ذلك المنبر اختصارا: "قال له الفقيه عليك أن ترحل من البلاد التي أنت فيها إلى بلاد أحسن. وهو في طريقه إلى البلاد التي يقصد، مات. نزلت جماعتان من الملائكة عليه. الأولى تريد أن ترحب به كشخص غفر الله له والثانية تريد أن تستقبله كمجرم قتل 99 روحا بالإضافة إلى روح فقيه أكمل بها ال100. تنازعت الجماعتان في الأمر فنزل ملك آخر حكما وقال: قسوا المسافات. فإذا كان قد قطع أكثر من نصف المسافة بين القريتين فهو من أهل الجنة. وإن كانت المسافة أقل من النصف فهو من أهل النار. فعلوا ذلك ووجدوا المسافة أكثر من النصف بقليل جدا ففازت جماعة الرحمة والمغفرة والجنة."
انتهت القصة وتم البرهان على أنه سبحانه وتعالى يقبل توبة عبده مهما فعل ومتى تاب.
أول سؤال يمكن أن يتبادر إلى الذهن هو: هل المؤمن محتاج إلى نسج مثل هذه القصة من طرف الفقهاء كي يقتنع بأن "باب التوبة" مفتوح دائما؟ أليس الإيمان ب"قدرة الله" و"وسع رحمته" يكفيان المؤمن لحل هذا المشكل؟
وإذا كان مستوى عقل ومنطق مؤمني القرن الأول والثاني من الإسلام في حاجة إلى مثل هذه القصة كي يقتنع بأن باب التوبة مفتوح، وإذا كان هذا المستوى يقبل مثل هذه القصص ولا يستطيع أن يجد فيها أي تناقض من شأنه أن ينقص من قيمة الدين نفسه الذي يريد الفقهاء إثبات ثوابته، هل سيبقى الأمر كذلك بعد عشرة أو إثني عشر قرنا؟
لنترك جواب هذا السؤال للقارئ ونناقش المنطق الذي نسجت به قصة التوبة.
أيمكن لشخص ندم على قتل 99 روحا أن يقتل الأخرى[فقيها] مهما كان السبب؟ هذا الشخص لم يكن يبحث عن مغفرة الله بقدر ما جاء قاصدا "الكهنوت" بسيفه ليرغمه على أن يقبل "ملف توبته" وإلا استمر بسيفه، ليس في وجه الناس العاديين، وإنما في وجه الكهنوت منذ تلك اللحظة. هذا الشخص، إن كان له وجود حقيقي، وربما مخترعو القصة يستضمرون في لاوعيهم بأن الفقهاء (الكهنوت) قادرون على جلب مغفرة الله لمن يشاءون وصب غضبه على غيرهم. إن قتل هذا الشخص للفقيه فحواه، المستضمر، أن الفقيه (كوسيط) رفض قبول ملف التوبة وبهذا يكون هو المسؤول، في الآخرة، عن مصير هذا الشخص. ألا يستحق القتل إذن؟ هذا الشخص لم يأتي الله طالبا التوبة ولم يقصده بقلب نادم وإنما قصده بسيف حاسم. هل يُشَرف الإسلامَ أن يقدم هذا الشخص كنموذج ل"العودة إلى الله" ؟!؟؟!؟
جواب الفقيه الثاني له بأن "الله قادر على أن يغفر له"، هل هو جواب عن قناعة فعلا أم هو جواب اتقاء من أن تكون روحه ال1ـة بعد ال100؟
اقتراح الفقيه الثاني على "التائب" الابتعاد عن الوسط الذي كان معروفا فيه بأفعاله اقتراح جيد إذا كان الهدف منه هو مساعدته على تغيير سلوكه. لكن يبدو من القصة أن الهدف منه هو أن يموت "التائب" في الخلاء. فكما أن كاتب رواية يكون عارفا بنفسية بطله أكثر من معرفة نفسيته هو، كذلك مخترعو هذه القصة لم يكونوا واثقين من أن هذا "الشخص" قادر على أن يعيش يوما واحدا بين البشر دون إزهاق روح أخرى أو لنقل كانوا متأكدين من عكس ذلك. ولأن التوبة يجب أن تتم، الحل هو أن يموت في الطريق وأن يكون قد قطع أكثر من نصف الطريق.
هل الله سبحانه محتاج إلى أن تكون المسافة المقطوعة أكثر من النصف كي يغفر لعبده؟ قد يقول قائل إن الطريق هنا ونصفها شيء رمزي لا غير. لكن القصة لا رمز فيها. والملائكة؟ هل هم جنود دولتين متجاورتين كي يتنازعوا على الحدود؟ ما نعلمه هو أن الملائكة يتحركون لينفذوا أوامر ربهم بحمل هذا الشخص إلى الجنة وذاك إلى النار.... وليس الأمر كما يتصوره مؤلفو القصة: يتحرك الملائكة، بإذن ربهم طبعا، في حين أن مسألة "هل غفر للراغب في التوبة" لم تحسم بعد. وحتى مع افتراض أن مغفرة الله تحتاج لأن تكون المسافة أكثر من النصف، فقد كان سبحانه قد علم بأن الأمر كذلك وسيرسل فقط ملائكة الرحمة لاستقبال التائب وليس فريقين ليتصارعا وتخضع مشيئته بعد ذلك لنتيجة صراعهما.
كان العنوان الأول الذي اخترت للمقال هو: "الخرافة، وسيلة أم هدف؟" إنه السؤال الذي أرى أن أعطي فيه رأيي مع تركه مفتوحا للقراء حسب اجتهادهم. أرى أنه إذا كان فقهاء اليوم في مستوى الإيمان بواقعية هذه القصة فالخرافة هنا (على الأقل بالنسبة لهؤلاء) مجرد وسيلة يحاولون أن يقنعوا بها المريدين. أما إذا اعتبرنا أن فقهاء اليوم هم شخصيا في مستوى عقلي وثقافي بعيد عن أن يؤمن بواقعية هذه القصة فستكف الخرافة عن كونها وسيلة لتصير هدفا. هدف نشر الفكر الخرافي في مجتمع ما تماشيا مع مصالح سياسية لم يكن أمرا غريبا عن الإنسانية. وهنا بالضبط يصير الدين شأنا لكل فئات المجتمع وعلى الفئات التي تصبو إلى تقدم أي مجتمع أن تنظر في مدى استغلال الفئات الأخرى للدين من أجل الإبقاء على مستوى معين من الفكر والوعي.
1) وبهذا المنطق، وخلف هذه المصلحة، تكفر فئةٌ فئةً أخرى من نفس الدين.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,324,525,847
- شعب الملائكة
- المغاربة والأبوة الزائفة
- فخ البيتكوين، هل من مخرج؟
- لا وهم بعد اليوم
- الإتحاد الأوروبي ومحاربة الفساد الضريبي
- الطب التقليدي، خيار أم واقع للتكريس؟
- فساد الفساد
- فتوى دارت من أجل البنوك الإسلامية.
- وماذا بعد
- من أزمات الأحزاب المغربية
- كي لا نهلوس مع هلوسة ترامب
- استقالة محققة (سوريا)
- سوء التدبير
- ماذا تمول قطر؟
- الدم الزفت
- لعبة الكبار
- معارضة الأغلبية
- بلادة أم فتنة ؟
- أزمة الريف تفقدنا البوصلة، أفق الدولة المغربية
- خط أحمر


المزيد.....




- أبرز الهجمات ضد المسيحيين
- أبرز ما نعرف عن المسيحيين في سريلانكا
- في زيارة النبي شعيب عليه السلام نرفض استقبال سياسيين صوتوا م ...
- غارات وانفجارات بالعاصمة الليبية طرابلس.. وبابا الفاتيكان يد ...
- رئيسة الوزراء البريطانية تدين الهجمات “المروعة” ضد الكنائس و ...
- بالتزامن مع الأعياد اليهودية... مستوطنون يقتحمون المسجد الأق ...
- بابا الفاتيكان يدين هجوم سريلانكا الإرهابي ويحث على عودة الل ...
- السياح يتوافدون إلى القدس مع تزامن عيد الفصح اليهودي والمسيح ...
- شاهد.. اللحظات الأولى بعد تفجير استهدف إحدى الكنائس في سريلا ...
- صحف بريطانية تتناول الثورة السودانية و-معاناة- المسيحيين بال ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد باليزيد - الخرافة والبرهان