أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أمنية حامد - علل نموذج الغرب المتقدم















المزيد.....

علل نموذج الغرب المتقدم


أمنية حامد

الحوار المتمدن-العدد: 5801 - 2018 / 2 / 28 - 22:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


علي الكثير منا إعادة تقييم فهمنا لواقع بلدان الغرب المتقدم. ليس فقط لما تشهده عديد من تلك الدول من مظاهر اضطرابات وخلل، و لكن لما تواجهه مجتمعاتنا من جهود دؤوبة من بعض أفراد نخبنا الحاكمة و المؤسسات الدولية من تسويق “النموذج الغربي” بإعتباره النموذج الأمثل الذي علينا إقتباسه أو الإحتذاء به.

بداية، علينا التأكيد انه لا يوجد نموذج موحد للغرب المتقدم، بل هناك عدة نماذج متنوعة، يتباين فيها المناخ السياسي و طبيعة الإطار المؤسسي ودور الحكومة،إلخ. وعليه فلا توجد وصفة موحدة لتّكون النموذج الأمثل.
ثانيا، إن كان النموذج الأمثل هو عدة مبادىء مجمعة من واقع تباين النماذج الغربية، فعلينا إذاً التسأول عن كيفية إنتقاء تلك المبادئ دون غيرها، خاصة عندما تنحرف الشعارات المساقة و الوعود المصاحبة لأهلية هذا النموذج عن حال تلك البلدان، و أيضاً عندما يغفل مروجي هذا النموذج التطرق لأوجة الخلل. ذلك كما لو أن أوجة الخلل التي نشاهدها في عديد من تلك بلدان أتت مصادفةً أو كأخطاء عشوائية و لم تنجم عما يوصف لنا من مبادئ.

يأرقنا علي وجه الأخص ما تشاهده مجتمعاتنا من ازدواجية التعامل مع الغرب المتقدم في سياقاتنا المحلية. فبينما يحتفي بعض أفراد نخبنا المثقفة بريادة المجتمع الغربي في إعلاء مبادئ الديمقراطية و حقوق الانسان و الحريات، نجد نخبنا الحاكمة تربط بين التقدم الغربي و أطر اقتصادية بعينها. و كأن الوصفة التي تعبأ لنا هي اقتران الديمقراطية وحقوق الانسان اقتراناً مشترطاً و مرهوناً ( بل و تابعاً ) لريادة القطاع الخاص و الشركات عابرة القارات، في سياق تُعلي فيه حرية التجارة و السوق التنافسي و الملكية الخاصة بينما تُقلص فيه الحكومة مسؤليتها تجاه المواطن و الوطن ( و دورها من المجالات الاقتصادية المختلفة، مثل ما يشاهد من موجات الخصخصة وتقليص الانفاق العام).

في رأينا، فان هناك ثلاثة أخطاء هيكلية في تسويق “النموذج” الغربي لنا:
1. خطأ في قراءة تاريخ التغير
2. خطأ في توصيف المشهد الحالي للغرب المتقدم
3. غض النظر عن مظاهر الخلل في النموذج الغربي

***

أولا: قراءة تاريخ التغير
إن الواقع ليس مختبرا يمكن لنا عزل كل المؤثرات الخارجية لتحديد ماهو “المسبب”، وماهو “الناتج”، وعليه فأية قراءة للتاريخ تعتمد علي نوع من الإختزال كما تعتمد علي رؤية كاتبها و زمنه والإطار التاريخي لتلك القراءة.
أية قراءة هي إذاً ليست ناموساً موضوعاً، او حقيقة مثبتة، وتتضخم جسامة الخطأ عندما تُوظف قراءة بعينها كالنموذج الأوحد لتحديد مسار وتوجه منظومة بأكملها مثل مجتمع ما.
فإذا ما تحدثنا عن التاريخ الإقتصادي (الإقتصاد السياسي) لدول العالم الغربي فاننا أمام هيكل يصعب اختزالة في عدد من المبادئ التي إن نُفذت لحققنا نحن نفس التقدم. ليس فقط لعدم قدرتنا عل حسم العلاقات السببية (تحديد الُمؤثر و الأثر، أو المُسبب و النتيجة)، و لكن للقصور في توصيف الظاهرة نفسها و دراستها وذلك لطبيعتها المعقدة.

أورد علي سبيل المثال ما كتبه الأستاذ الأمريكي دوجلاس نورس Douglass North المعِني بالتاريخ الاقتصادي و الحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993 في كتابه Understanding The Process of Economic Change ”إن الهيكل المترابط و المعقد لاقتصادنا السياسي الحديث قد تطور شكله المعاصر مع مرور الوقت، و عادة بدون تخطيط مسبق. نتيجة لذلك فلدينا فهم ناقص جداً للهيكل الاساسي لاداءه”.

***

ثانيا: توصيف المشهد الحالي
هل لنا مساواة طبيعة مجتمع مثل المجتمع الدانماركي أو السويدي بطبيعة المجتمع الأمريكي. بل هل يصح لنا توصيف المشهد الحالي لدولة مثل الولايات المتحدة الامريكية بنظام رأسمالي Capitalism يعتمد علي إعلاء الملكية الخاصة و السوق التنافسي الحر؟

لا يسعنا القول سوي ان ذلك نوع من العبث او الخطأ العمدي و تجاهل لتوصيف الغرب ذاته لواقعة.
فاذا ما تحدثنا عن النظام الرأسمالي، فنعلم انه يُبني علي إعلاء مبدأ الملكية الخاصة و السوق التنافسي و حرية التجارة. إلا ان عماد هذا النظام الفكري هو الرأسمالي الصغير. فلنأخد واقع الولايات المتحدة-لريادتها و تسويقها لشعارات الرأسمالية- لوجدنا الرأسمالي الصغير أوشك علي الاندثار تحت وطئة الشركات العملاقة و الشركات عابرة القارات. بل لقد تحول أغلب فئات المجتمع لحوافل من المأجورين و الموظفيين و المديرين و التنفيذيين لهذة الشركات.

أما المبادىء التنافسية الحرة التي هي قلب و أيقونه الأيدلوجية الرأسمالية فقد بُدلت باحتكارات الشركات العملاقة. المحصلة هي نظام يُوصف برأسمالية الشركات .Corporate Capitalism نظام محتكر و ملبد بكيانات عملاقة تسعي لخدمة مصالحها، كيانات ذات قوة و نفوذ أعظم من مقدرة الحكومات علي إحتوائها وترشيد مسارها.

وعليه فالوصفة التي تعبأ لنا من التنافسية الحرة و تشجيع الرأسمالي الصغير و ما إلي ذلك، هي وصفة تعتمد علي إطروحات فكرية مغايرة للواقع الحالي لتلك البلدان. علي الجانب الآخر، فحتي ان جاز لنا الاقتضاء باطروحات فكرية من ماضي منصرف لتلك البلدان، فعلينا التحوط حيث ان حاضرنا مختلف عن ماضي تلك الشعوب. علي الأخص، بينما قد نتحفز لترك السوق التنافسي حراً لتشجيع الرأسمالي الصغير -والذي هو حي يرزق في شعوبنا- فان اجوائنا تنبض بوقع الخطي المتسارعة للشركات عابرة القارات التي وجدت طريقها إلينا عبر قنوات العولمة. وقع تلك الشركات سيفتك أولا بهذا الرأسمالي الصغير قبل ان يقضي علي مقدرة الحكومات في إدارة الدفة.

***

ثالثا: مظاهر الخلل
أخيرا هل لنا توصييف روشته لعلاج تدني أوضاعنا إعتماداً علي نماذج هي ذاتها تتوجع تحت وطأة عديد من العلل و مظاهر الخلل. أو ليس علينا الاحتياط من تلك العلل، سواء من اضطرابات اجتماعية مثل إزدياد الحركات الاصولية الفاشية و اتجاهات التفرقة العنصرية، او علل اقتصادية مثل اتساع الفجوة في مستويات المعيشة، أو إضعاف لمبادئ الديمقراطية بتزايد نفوذ الشركات العملاقة و ما لها من جماعات ضغط، و بتشوية إدراك المواطن الغربي “أحادي البعد” تحت ثقافة استهلاكية عمدت علي تحييده في كثير من المجالات. وهي علل لم تأتي مصادفةً، بل ان العديد من مفكري الغرب و سياسييه قد حذروا - منذ بدايات القرن الماضي - مما رأوه من بوادر لتلك العلل.


نقطتان للختام: أولاً يتحتم علينا عدم الربط بين مبادئ الحرية و الديمقراطية و احترام الحقوق كعناصر لزيمة و لا تتحقق سوي تحت سقف النموذج الرأسمالي الحالي للغرب المتقدم، خاصة عندما يكون العكس هو الأقرب لتفسير تقدم الغرب: أي ان إحترام التنوع و التباين في إطار ديمقراطي يحمي الحريات يمثل الأرض الخصبة لغرس بذور التقدم.

ثانيا، ان كانت بلداننا - للاسف- لاحقة لإنجازات الغرب فإن نصب أعيننا لا يجب أن يكون الغرب لذاته. بل ان نصب أعيننا لابد و ان يكون نحو تقدم و رفاهية العنصر البشري. و هو المسعي الذي قدم له الغرب إطروحته - إن جاز التعبير- و علينا نحن ايضاً البحث عن إطروحتنا دون اختزال لمسؤليتنا- ليس تجاة ايدلوجية بعينها، رأسمالية كانت او غيرها- بل مسئوليتنا تجاة مجتمعاتنا و مواطن تلك المجتمعات.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,196,181
- ماذا ينقص الإنتفاضات الشعبية
- عبقرية المواطن العاري
- نحن و الغرب.. أكثر من قصة واحدة للخلل
- مسارات متعثرة - معضلة التغيير في بلادنا
- رأس و عديد من الأرجل
- الابتكار الاجتماعي لتفادي العجز المكتسب


المزيد.....




- هكذا نشأ أبناء العاهل السعودي… مشاهد في بيت الملك سلمان (فيد ...
- مشروع مبتكر في اليمن.. تحويل إطارات السيارات لأثاث منزلي
- ترامب يعقد -اجتماعا لطيفا- مع مارك زوكربيرغ في البيت الأبيض ...
- كل ما تريد معرفته عن نظام التشغيل -iOS13- من آبل
- المقاتلات الروسية تعترض 21 مرة طائرات قرب الحدود خلال أسبوع ...
- -تبدو كبحيرة-.. تكساس تتعرض إلى فيضانات مفاجئة
- قوات حفتر تستهدف الكلية الجوية في مصراتة
- مراهقة أمام الكونغرس للدفاع عن المناخ
- السعودية: التهاون مع إيران -يشجعها على ارتكاب أعمال عدائية- ...
- بين تصريحات واشنطن والرياض وطهران.. إلى أين يتجه الخليج بعد ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أمنية حامد - علل نموذج الغرب المتقدم