أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (E1):















المزيد.....



تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (E1):


بشاراه أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5801 - 2018 / 2 / 28 - 12:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إنتهينا في موضوعنا السابق من تفنيد قول الكاتب عن مفهومه لنظام الكون الذي ظنه "عشوائياً" بلا دليل ولا برهان سوى الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً, لعدم توفر المعلومات الكافية وشح العلم لدى الإنسان بصفة عامة ولدى العلماء المختصين بصفة خاصة, فقال إنه: "لا يوجد أى شئ فى الوجود يحمل فى ذاته وكينونته جزيئات إسمها نظام وتصميم ". وقد فندنا هذا القول مرة أخرى رغم أننا قد قتلناه بحثاً وتفنيداً في مواضيعنا السابقة بعد أن بينا له بطلان الإدعاء بأن التصميم والتفكير والشخصنة أمور يستحيل أن يوصف بها بديع السماوات والأرض لأنها (في حقه) تعتبر صفاة نقص لا تليق بجلاله, ولا يعقل أن تكون بديلاً أو نداً أو تضميناً لصفات الكمال التي تعتبر ذاتية فهو خالق مبدع, ثم صانع معجز, ثم مريد فعال لما يريد,, لا ولن يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء, فمن أراد أن يغير هذه الحقائق الدامغة أو يشكك فيها فليأت ببرهانه إن كان من الصادقين. وقد أشرنا في آخر الموضوع السابق إلى التناقض الواضح في فكر الكاتب عن الغائية واللاغائية, وبالتحليل لأفكاره وأقواله إتضح جلياً أن الكاتب – في حقيقة أمره - "غائي" حتى النخاع, ولكنه لا يدري عن حقيقته شيئاً, حتى إن غابت عنه هذه الحقيقة الصارخة, وهكذا يكون الوجود كله لأنه أولاً وأخيراً أوجد لغاية وهدف محدد وله أجل هو بالغه لا محالة وذلك وفقاً لمراد مبدعه بكل جزئية فيه مادية كانت أو غير ذلك, واضحة المعالم ظاهرة الكيان tangible أو غير ذلك intangible, أو خفية أو أخفى منها,,, الخ.

ثم فندنا مفهومه عن ألوعي البشري, وتقييمه له, فقد جعله هو الاساس والمهيمن, مع العلم بأنه – حتى في نظر العامة دون العلماء – تابع, محدود القدرات, يقف متحيراً مشدوها أمام الطواهر الطبيعية التي تهلكه وهو ينظر إليها مشدوها مستسلماً, فيظن أن هناك عشوائية وأخطاء وفوضى ليس وراءها "غاية" تحركها في إتجاه تنفيذ تلك الغاية بقدر معلوم ونتائج محصاة سلفاً فيتوهم أن البراكين والزلازل والكوارث تحدث بلا "محدث" مسيطر قادر قاهر فوق عباده ولمخلوقاته وحتى بعد أن يُعلمه هذا المسيطر - "إخباراً" فريداً متفرداً مشفوعاً بالأدلة والبراهين القاطعة المعجزة - بأنه وراء ذلك لأنه فيه خير عميم للإنسان مع تضمنه نوعاً من أنواع العقوبة المخففة "للظالمين" وإنتصاراً للمظلومين أو إنذار وتحذير لهم. فيعمد هؤلاء الظالمين المتجبرين إلى تفسيرها بغير معناها الحقيقي مرة بالعشوائية وأخرى بالفوضى وثالثة بالأخطاء ورابعة "باللاغائية" أو الفكر الجدلي الحر كما يسمونه.

أما المؤمن – بتفرده بالبعد الإيماني وبالبصيرة المتقدة التي خبى نورها لدى غيره – يعرف أن وراء هذه الظواهر "تنبيهاً" و "تحذيراً", بل ويكون دائما متوقعاً حدوث ذلك لأنه يعلم أن الكون والوجود كله "غائي" بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى, فعندما تقع الكوارث ينظر إلى أقواله وأفعاله وأدائه منتقداً مقيماً,, ويعمل فوراً على إصلاحه وترميمه وصيانته لأنه سلفاً قد آمن بالخالق المريد وآمن بقوله له: (إذا زلزلت الأرض زلزالها, وأخرجت الأرض أثقالها, وقال الإنسان مالها, يومئذ تحدث أخبارها, بأن ربك أوحى لها), ثم لا يلبث أن يمشي بين الناس بالوعظ والنصح بإصلاح ذات بينهم ورد المظالم إلى أهلها, والرأفة بالضعفاء, ثم التحذير من عواقب أكبر متوقعة, أعلاها سقفاً هي "الساعة" التي قد جاء اشراطها وتتالت علاماتها حتى تخطت الصغرى منها بكثير.

فالدنيا بالنسبة للمؤمن لا تمثل غاية في ذاتها, بل هي وسيلة ومعبر لحياة حقيقية قادمة بعد إنقضاء أجل الحياة الدنيا, لذلك يجود العمل فيها ليجتاز مفاتنها ويتجاوز محدوديتها في كل شئ ليبلغ الغاية الكبرى السامية وهي رضاء من أوجده في الأولى والآخرة. ولكن المنكر للإيمان يتبلد ذهنه عن فهم هذه الإشارات الواضحة فيترك "الغاية" ويتجاهلها بل وينفيها, ويحرق مرحلتها, فيغيب عنه السؤال البديهي "لماذا؟؟؟" ثم يقفذ قفذا إلى المرحلة الثانية "المرحلة التفاعلية", ويفسره جيلوجياً وفيزيائياً وكيمائياً كأنما هذه التفاعلات تحدث من تلقاء نفسها "وذلك هو الضلال المبين".

الآن فلنواصل تحليلنا وتفنيدنا لباقي فقرات موضوع الكاتب من حيث وقفنا عند قوله عن الكون: " أى أن تلك التوصيفات للكون والحياة توصيفاتنا وتقييماتنا الخاصة وطالما هى كذلك فهى نسبية تخضع لعوامل وظروف موضوعية شتى ".
فنقول له فيه:
‌أ. إن تصوره أو إعتقاده هذا غير صحيح للأسف, إذ كيف يتسنى لك أو لمخلوق غيرك أن يوصِّف ويُقيِّم ما يستحيل عليه الإحاطة بعلم ظاهره فضلاً عن باطنه, وإدراك متوافقاته ومتناقضاته ومتضاداته,,, ؟؟؟ فمن يفعل ذلك يلق أثاماً. بالطبع لن يستطيع أحد ذلك والذي يجادل في هذا يكون ذلك منه لغواً يقدح في سلامته العقلية ولن يستطيع إقناع أحد عاقل به.

‌ب. ونقول له,, كيف تسنى لك أن تفترض بأن "تلك التوصيفات للكون والحياة توصيفاتكم وتقييماتكم الخاصة,, ثم تُصدِّق ما إفترضته فرضاً هوائياً بلا دليل ولا برهات, بل وتبني عليه كمَّاً مؤكداً بقولك: " وطالما هى كذلك فهى نسبية تخضع لعوامل وظروف موضوعية شتى ",,, أليس المنطق والموضوعية يطالبانك بأن تثبت للقراء صدق فرضيتك تلك وتقيم على ذلك الدليل ثم البرهان قبل أن تفرض إفتراضاتك الخاطئة فرضاً عليهم وفي غفلة منهم؟.

لا يا عزيزي,,, هذه الفرضية غير صحيحة ولا تلتقي عند النظريات العلمية ولا تتفق مع المنطق بأي حال. فمثلك الذي ضربته بما كان يراه الإنسان القديم رائعاً ومدهشاً, مقارنة بما يراه إنسان اليوم عادياً " ومحاولتك إستخدامه كدليل على إمكانية توصيف وتقييم الإنسان للكون والحياة, والقول بأنها تخضع لعوامل وظروف موضوعية,, هذا يؤخذ في إطار أو أحبولة الجدل والمغالطات, ولكنه في مقتضيات الحقيقة والواقع لا منطق فيه أبداً. إذ الفرق ما بين الإنسان القديم والإنسان اليوم هو قلة التجارب والخبرات والممارسات والإحتياجات الحياتية المحركة للبحث والتنقيب والدراسة والتخمين,,, قديماً,,,,

وبالمقابل تراكم مزيد متزايد من التجارب والخبرات وإزدياد العلوم والإكتشافات والتقدم التقني الذي إقتضته حياة الإنسان وسعيه وراء المادة والمال والمفاسد والإكثار من الشهوات والملذات والترف السائد اليوم لدى القلة القليلة من جبابرة ومردة البشر اليوم والتي محركها الأساسي (غائية علم البيان) الذي علمه الخالق المبدع للإنسان ففطره عليه, "فطغى عليه" وتجبر على عباده وعبد غيره في سعيه للتحرر من العبودية فألقى بنفسه وحريته تحت أقدام الشيطان القذرة النجسة بدنسه,,, ولك أن تقابل وعي الإنسان القديم بوعي إنسان اليوم وذلك بالنظر إلى حال طفل رضيع ثم مقارنته بحال أبيه الطبيب الخبير أو المهندس المبدع أو مع جده العالم الفذ, فالبون المعرفي والوعي الفكري بينهم شاسع واسع, مع العلم أنهم جميعاً معاصرون ويتقاسمون التطور العلمي ويعيشون في البيئة الحضارية بنفس القدر ولكن ليس بنفس المقدار.

ثالثا,, ثم واصل الكاتب قوله:
1. "إذن من الخطأ القول أن الطبيعة منظمة أوعشوائية, فقولنا هذا هو إعطاء سلوك شخصى للطبيعة لنقع فى نفس خطأ فكرة الإله".
معنى هذا أن الكاتب له غاية واضحة من رفضه وتخطئته للقول بأن "الطبيعة" منظمة أو عشوائية, وقد برر هذه الغاية (الغائية) التي هو فيها بانه يخشى إن وصفها بذلك أن يكون قد أعطاها سلوكاً شخصياً, وبذلك يكون قد وقع في خطأ فكرة الإله, فما دامت "غايته وغائيته" هي تجنب الخطأ ومحاولته قصارى جهده منع إعطاءها سلوكاً شخصياً حتى إن إستحقته هذه الطبيعة ليحقق غاية أخرى جوهرية يسعى لفرضها على الحقيقة والواقع وهي "تجنبه للوقوع في خطأ فكرة الإله, وبذلك يكون قد حسم الموضوع تماماً لصالح (الغائية) و إعترف ضمنياً انه إن ترك الأمور تسير على طبيعتها فإن النتيجة هي الإعتراف بإله وبأن هذا الكون مخلوق له وفق غاية مسبقة, فينسلخ "تلقائياً" من إلحاده, بعد أن يكون قد فقط المبرر لذلك, وهذا ما لا يتناسب مع هواه و "غائيته" القاهرة.

وعليه نقول له بأسى,, كيف يعقل أن تعلق حقائق الأشياء بالقول وفق الهوى والغاية السالبة المضادة للحقيقة؟,, أليس ذلك تزوير فيها وفق غائية مفتعلة لا مبرر لها سوى الهوى والمغالطات التي أسميتها فكر مع أنها في الواقع "تعطيل وتحييد لهذا الفكر"؟؟؟ ..... لماذا لا تقول عن "المنظم" في الكون "منظماً" وتقول عن "العشوائي" عشوائياً "إضطراراً" لغاية التصنيف فقط وذلك لعدم معرفتنا للكثير عنه, , دون لي عنق الحقائق وتشويهها. ثم ما هو هذا السلوك الشخصي الذي ستناله الطبيعة "بالقول" فيحولها بعصى موسى إلى فكرة الإله؟؟؟

2. وقوله أيضاً: "فالقول أن الطبيعة منظمة أو عشوائية هو تقييمنا نحن لها كون الإنسان هو مصدر كل الأفكار والإنطباعات والأحاسيس ومنها خلقنا الافكار والفلسفات والآلهة , ومن هنا تكون مواجهتنا لتصحيح المفاهيم".
ونحن نقول له بدورنا: هذه الفرضية بالطبع غير صحيحة, إذ أن "الشئ المنظم" له شواهد ومعايير متفق عليها ومثبتة "علمياً" ولكن إن إجتمعت في شئ ما يكون هذا الشئ قد إستحق أن يوصف بأنه "منظم" وذلك وفق المعايير التي وضعها الإنسان للحكم على الشئ بهذه الصفة غير أنه ليس لتقييمنا دور في تغيير هذه المعايير أو إيجادها وإبتكارها, ومن ثم يكون الإنسان ليس هو مصدر هذا التنظيم ولا العشوائية المدعاة.

والبرهان على ذلك أن هذا القول إن صدق حقيقةً لإستطاع هذا الإنسان المدعي أن يغير العشوائية والفوضى إلى نظام, والأخطاء إلى صواب كما يشاء ويشتهي ولإختفت العشوائية والفوضى من الوجود,, إذاً لا دخل للإنسان في النظام الكوني, ولن يصدق في إدعائه إلَّا إذا قام هو بتنظيمه بنفسه وكان قادراً على الإخلال بذلك النظام, فما وجد في الكون منظماً فلا سلطان للإنسان عليه, أما الذي سمي "عشوائي", لظاهره الذي لم يستطع الإنسان وضع قاعدة أو معيار ثابت له - في منظومة الكون كله يعتبر "نظاماً" هو "النظام الغائي" بشحمه ولحمه وكينونته الذي من ضمن حلقاته المكملة له "النظام التفاعلي", وفي كل الحالات والأحوال لا ولن تأخذ الطبيعة فكرة الإله أبداً لأن لها صانع فاطر السماوات والأرض قد فطرها (طبعها) وأشهد الحقيقة العلمية عليها.

3. ليس صحيحاً القول بنظام الطبيعة أو عشوائيتها بأنه تقييم الإنسان لها بل توصيف لها, حتى إن كان الإنسان هو مصدر كل الأفكار والإنطباعات والأحاسيس أو بعضها. أما القول بأن الإنسان خلق الافكار والفلسفات والآلهة منها هذا قول مغلوط في جزئية منه إن لم يكن في أغلبه, لأن الأفكار ليس لها حدود وليس عليها ضابط إن فقدت عنصري البصيرة والإيمان لذا قد تصل بصاحبها للهلاك أو الجنون أو السفه لأن كل من هذه الإنحرافات الفكرية هي في الواقع أفكاراً تسير في إتجاجات غير منطقية ولكن يعرفها أصحابها ويؤمنون بها ويقدسونها, والفلسفات في الكثير من تياراتها تكون نتيجة للإنفلات الفكري والشطحات التي لن يستطيع صاحبها إقامة الدليل والبراهين الترجيحية لفكره وقوله وفعله وفقاً لها, فهي سلاح ذو حدين, كالسيف يكون إيجابياً إن وضع في يد الحكيم الشجاع العادل وهذا يمثل "التدبر", ويكون وبالاً على حامله وعلى غيره إن وضع في يد الجبان أو السفيه وهذا يمثل "السفه والتهور". أما الآلهة الإفك فهذه شهادة على الفكر السالب بالإنكفاء, والغباء الخانق والضلال المهلك بالآنق.

على أية حال, قال الكاتب: "ومن هنا تكون مواجهتنا لتصحيح المفاهيم". فلا أدري كيف سيصحح مفاهيماً صحيحة مبرهنة علمياً ومنطقياً بمفاهيم واهمة إفتراضية جدلية لا سند لها من دليل ولا يمكن تأييدها ببرهان فكيف يمكن لمن سلك طريقاً معاكساً لطريق الغاية أو يبلغها,,, وأنى له ذلك فهو كلما جدَّ في طلبها إبتعد عنها أكثر فأكثر, رغم حتمية فشل محاولته إيقاف الهرم على رأسه. على أية حال فلنتابع مع الكاتب مسيرته عن كثب حتى نهايتها على مضض.

رابعاً,, يقول الكاتب أيضاً: فى هذا المقال سنعتنى بتفنيد فكرة النظام والمصمم من زاوية منطقية عقلانية فلسفية لنفند فكرة الإله المُصمم المُنظم ليأتى تناول ماهية العشوائية والنظام بمنظور علمى مادى فى سلسلة المقالات القادمة.
هذه الفقرة لا جديد فيها, فإن ناقشناها مرة أخرى نكون قد كررنا ما فندناه من قبل بالحرف الواحد, ففكرة النظام قد ناقشناها أكثر من مرة من قبل, والمصمم كصفة منسوبة إلى الله قد بينا عدم علاقها به سبحانه,, لأنه خالق بارئ مصور. وليس مصمماً لأن التصميم صفة "نقص" في حقه وليست صفة كمال, لذا فهي بالنسبة لنا مدحضة في الأساس. ولكن, على أية حال دعونا نرى معاً – عبره - (ماهية العشوائية والنظام بالمنظور العلمى المادى الذي قال إنه سيتناوله فى سلسلة مقالاته القادمة) ولنرى كيف سيفلسف لنا هذا الكاتب فكرة الإله لديه, وكيف سيتناول ماهية العشوائية والنظام وما هو المنظور العلمي الذي سينظر ويتناول به هذه العشوائية وذلك النظام من أقواله ذاتها.

خامساً: الكاتب هنا تحت عنوان "مغالطة لا يجوز تعميم صفات البعض على الكل" نراه قال:
(أ): "الزعم بأن كل نظام يحتاج في وجوده لمُسبب شخصاني لأن بعض النظام قد إحتاج لمثل هذا المُسبب هو زعم فاسد, لأن معاينة مُسببات الكل هنا مُمتنعة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍".

فلنحلل هذه الجزئية بدءاً بالعنوان ونفند إفتراضات الكاتب فيها والتي بنى حجته عليها دون أن يتحقق من صحتها ويقدم برهانه على صدقها "علمياً" ومنطقياً. ولكن بالنظرة العامة الشاملة عليها يتضح لنا أنها متناقضة مع بعضها البعض كما سيتبين فيما يأتي:

1. نعم نحن مع القول بعدم جواز تعميم صفات البعض على الكل,, وهذا المبدأ من أساسيات إيمان المؤمن الذي يجزم بأن لكل ما دقَّ وعظم في الكون صفاته وخواصه المميزة له عن غيره حتى لو تخيلنا أو سلمنا جدلاً بأن بعضها قد يلتقي أو يتطابق مع غيره فيها, ومن ثم, يعزي المؤمن هذا التطابق إلى عدم قدرة الإنسان وقتها على التفريق بينهما لقلة علمه وشح قدراته ومحدوديتها وعدم وجود التقنية المناسبة التي تساعده على ذلك. ومن ثم فهي ليست مغالطة بالنسبة للمؤمن – كما يقول الكاتب - لأنها ثوابت بالنسبة له, مبرهنة ومؤكدة, أما غير المؤمن فليس أمامه آلية تدقيق سوى ما قد توصل إليه غيره من البشر فبدى له ظاهر الأمر حقيقة قاطعة مسلم بها فصدقهم وتولى عن البرهان الذي أمامه لهوى في نفسه. وهذا هو الفرق ما بين الحق المبين والباطل المهين.

2. و قال: "والغريب أن المؤمنين ينصرفون عن تطبيق هذه المُسلمة بنفس الطريقة التى أوجدوا بها فكرة الإله الخالق, فهو النظام أو الشىء الوحيد الذى لم يخلقه نظام حيث يصفون الخالق بالأزلية أي إنه لم يكن حادثاً ككل الموجودات الطبيعية, ولم يأتِ من العدم كما أتى الوجود كما يؤمنون".

نقول له في هذه الجزئية:
­ لا أيها الكاتب,, ليس الغريب هو ما يؤمن به المؤمنون,, ولكن الأغرب في تعمدك نسبة أقوال زائفة مفبركة لهم, لم ولن ولا يعقل أن يقولوا بها, وهذا تزوير مريع للحقائق وإنحراف مشين عن الحقيقة ومسمياتها إذ لا يوجد مؤمن يُوجد إلإله الخالق كفكرة من عنده, هذا قول إفك, يقدح في المصداقية والأمانة العلمية في نقل الحقيقة للقراء حتى يكون للدراسة معنى يوصل للحقيقة, فالذي يجعل إلهه هواه ومجرد فكرة في رأسه ليس له عليها من سبيل ولا برهان انما هم كل من عبد بشراً أو حجراً أو فكرة أو مفهوم.

ولكن الإله الخالق الذي يؤمن به المؤمنون انما هو "ذات" مخالفة للحوادث, وهو ليس بنفس ولا شخص ولا شئ ولا جرم "ليس كمثله شئ وهو المسيع العليم" كما عرف عن نفسه, وليس للمؤمن دخل في ذلك, ولا يعمد إلى البحث في "ذاته", لأن عقله الراجح يدرك تماماً أن فكره محدود للغاية, ولن يبلغ مداه الإحاطة بظواهر هذا الكون ناهيك عن خلق الله الذي لا يعلم به سواه. فالإله الخالق قد عرف عن نفسه وبرهن على ذلك وأشهد كل ذرة في الكون على أنه هو خالقها ومبدعها, ففطن المؤمن وسما فكره وصفى فؤاده فعرفه حق المعرفة "في غيبه" الحاضر في كل ذرة من خلقه, فآمن به وبكل أنبيائه ورسله وملائكته, فأصبح يرى ما لا يراه غيره من العجائب والغرائب والقيومية المطلقة.... الخ.

­ لا تنسى أيها الكاتب انك قد ناديت – في فقرة سابقة من موضوعك هذا - بتصحيح المفاهيم الصحيحة التي تحسبها من وجهة نظرك أنها خاطئة: (فها نحن ذا نقوم بذلك نيابة عنك ونثبت لك خطأك, بل ونصحح لك مفاهيمك عن المؤمن وإلهه الخالق البارئ المصور,, هذا بالطبع إن كنت تقصد "مؤمن الإسلام" بصفة خاصة, لأنه يفرق تماماً ما بين الخالق والمخلوق ولا يشبهه بالحوادث ولا بالبشر, ولا يجعل له أقانيم مركبة أو مجمعة أو مخلوطة,,, أما إن كنت تقصد بذلك "مؤمن النصارى" مثلاً, فهؤلاء يمكن أن ينطبق عليهم قولك هذا لأنهم يرون في يسوع (الإله الخالق الديان), رغم أنه شخص من البشر وهم يعترفون بذلك, ومن ثم يجوز لك أن تتحدث عن "الشخصنة" ولا تجد في ذلك أي حرج أو إعتراض.

­ أما قولك بأن المؤمنين المسلمين يقولون "بعدم جواز تعميم صفات البعض على الكل" الذي إعتبرته مسلمة, وقلت بأنهم ينصرفون عن تطبيق هذه المسلمة مع الإله الخالق,, فالتعبير من بدايته إلى نهايته خاطئ مرفوض تماماً,, المؤمن – أمام الذات الإلهية - لا ينصرف إلى شئ, أو يقترح أو يقول أو يطبق ملسمة أو غيرها,,, فهو يأخذ من الذات الإلهية ما أشارت به إليه بلا مراجعة أو تفكير فيها,, وفي نفس الوقت مطلوب منه التفكير العميق والتدبر المتأني في كل مخلوقاته كبيرها وصغيرها ظاهرها وخفيها,,, إذ كيف لعقل محدود أن يفكر فيما كان خارج نطاقه ومداه وإستطاعته؟؟؟

فالمؤمن منطقي وموضوعي للغاية فهو يعرف حدوده وقدراته تماماً, والمساحة المسموح له الخوض فيها بكامل الحرية ومشجع للتوسع فيها أكثر فأكثر, والمساحات المحظورة عليه دخولها أو تلك المحظور عليه الإقتراب منها بإعتبارها حدود "الإله الخالق المبدع", ولكن مع ذلك لا يأخذ إيمانه بلا تفكير وتدبر وتمحيص وتفكر,,, فهو يعرف عن بدائع وروائع الكون ودقة صنعه وإدارته وتصريف أموره ما يبلغه الحقيقة كاملة وما يغنيه عن التفرك في ذات الخالق الذي لن يبلغ منه ذرة من قطمير. فهو لديه من العلم الراسخ ما لا يستطيع غيره من العلماء الماديين أن يبلغ معشاره, لأنه بإختصار "ممنهج" ومنضبط.

­ يقول الكاتب: "إن المؤمنين يصفون الخالق بالأزلية",,, لا هذا القول غير صحيح ومفبرك للأسف الشديد وفيه إنفلات وإنحراف عن الحق والحقيقة ومنهجيته التضليل,, فالمخلوق لا يستقيم عقلاً أن يملك القدرة والمقومات والصلاحية أو الجرأة أن يصف خالقه, وهذا هو المنطق, لأن هذا الخالق هو الذي خلق له تفكيره, وقد حدد, وقدر له مداه ومجاله الذي لم يجعله قادراً على أن يصل إلى وصفه أو تصوره لذات الله رأفة به,, "إنك لن تراني, ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني". واضح أن الكاتب يغالي كثيراً ويحاول وضع الأمور في صورة إله خالق من فكرة غير منطقية تقول بأنه (ناسوت).
أما الأزلية سنناقشها أمام القراء بعيداً عن الذات الإلهية مكتفين فقط بأبسط مخلوقاته فالذي لم يستطع أن يستوعبها من تلك المخلوقات, لن يبلغ المعرفة أبداً بحال من الأحوال.

إذاً,, ما هي الأزلية والسرمدية والخلود, وطول العمر مع حتمية محدودية "الأجل المحتوم"؟؟؟ ..... هذا ما سنناقشه فيما يلي قبل أن نواصل تحليل وتفنيد مفاهيم الكاتب في ما بقي من فقرات فنقول:
فلنبدأ بآية القمر كجرم صغير نسبياً, مشاهد ومتابع من الجميع,, وسرعة جريانه مضبوطة بالزمن والتاريخ بحيث لا يختلف عليه إثنان ولكن السؤال المنطقي الملح هو:, متى بدأ هذا القمر جريانه ومن الذي صنع له مداره وأين كان قبل أن يوضع على المدار, وكيف كانت بداية إنطلاقه,, وإلى متى سيستمر, وما نوع الوقود والطاقة التي تحركه, ما هو مصدرها, ومن المسؤول عنها....؟ لا شك في أن هذه الأسئلة منطقية ومطروقة, والعجز عن إيجاد جواب لها يكفي شهادة بالعجز الطبيعي المؤصل في الإجابة على نفس الأسئلة عن ما هو أكبر من القمر وأكبر من الشمس ومجموعتها ومجرتها كما ترى.

ولكن قبل الإجابة بتأنِّ يجب أن نستحضر خواص هذا القمر الصغير نسبياً, ومواصفاته "الظاهرة فقط", ولنتذكر بأن الكاتب قد صرح من قبل – حسب مفهومه وفكره – بأنه لا يوجد محرك "شخصاني" له من خارجه على حد تعبيره الخاص,,, على أية حال,, بغض النظر عن هذا الظن الخاطئ الذي أثبتناه من قبل,,, فلنصطحب معنا بعضاً من تقديرات العلماء التقريبية, فيما يلي:
1. قدر العلماء عمر الشمس وباقي المجموعة الشمسية بنحو 400 بليون و 600 مليون سنة, ليس ذلك فحسب, بل ويقولون إن الشمس بمقدورها أن تظل تصدر طاقتها لمدى آخر لا يقل عن خمسة بلايين سنة أخرى, ومنطقياً أن يظل القمر فعالاً ما دامت الشمس كذلك, لأنه – على الأقل لم يصرح أي أحد من العلماء بأن الشمس سبقت القمر في الوجود وأن القمر قد لحق بها في الخلق إطلاقاً.

2. تُرى كم من الأجيال المتعاقبة من جن وإنس ومخلوقات وُجدت وإنقرضت وإندثرت خلال هذه الفترة المقدرة, وكم منها سيوجد وينقرض ويندثر وهذا الجرم الصغير جداً بحجم ذرة الغبار بالنسبة للمجرة التي هو جزء تابعٌ لتابعٍ لها في مجموعة هائلة تلف وتدور بلا إنقطاع ولا فتور؟؟؟

3. لن نحتاج لأن نرفع السقف فننظر إلى المجموعة الشمسية بأقمارها, ولن نرفع السقف أكثر فننظر إلى الشمس نفسها ذلك العملاق الأصفر, ولن ننظر إلى مجرتنا "سكة التبانة",, ولن ننظر إلى بلايين المجرات الأخرى الأكبر وأعظم من مجرتنا,,, بل نقول للكاتب,,, حسبك هذا السد المنيع الرهيب من المجاهيل المعجزة والخارجة عن نطاق ومحور ومدى قدرات الإنسان والجن بصفة عامة, وعقله "المتقلب" الضعيف بصفة خاصة والذي تكفيه نقطة دم بحجم رأس الدبوس تتجمد في منطقة ما بالدماغ فيخرج عن دائرة الأهلية هو وصاحبه, مع أنها مشاهدة ومرصودة.

لا أقول للكاتب إكتفِ فقط بالشمس ومجموعتها, أو بالأرض نفسها,, بل يكفيك زاجراً هذه القمر الصغير البديع المعجز,,, إن استطعت أن تطبق تلك المسلمات التي تتحدث عنها به. فإن فعلت شيئاً من ذلك ولو ظناً,, فلك بعد ذلك أن تتدرج – لا أقول في التطبيق لإستحالة مجرد تصوره – ولكنني أكتف منك بتطبيقه ظناً فقط على الأرض نفسها, فالمجموعة الشمسية, فالشمس, فالمجرة, فالغبار الكوني فباقي المليارات من المجرات,,, فإذا علمت أن كل هذه المجاهيل والسدود الجبارة هي عبارة عن مصابيح لتزين السماء الدنيا التي أبدعها الإله الخلاق العليم, عندها سينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير.

وهناك ستة سماوات طباقاً تجحبها عن المدارك هذه السماء الدنيا التي لن تبلغ الإحاطة بها ومعك كل الإنس والجن ولا تنسى أن مبدعها أحاطها بتحدٍ مفتوح للناظر إليها بكل الوسائل (أن يرى فيها من فطور),,, وهذه كلها جزء من إبداع الخلاق العليم الذي يعتبر خلق ظاهر للعيان, فما بالك بما هو خفي في علم الغيب وأخفى عن السر؟ وذلك لا يعلمه إلَّا الذي تريد أن تشخصنه وتطبق عليه مسلماتك العاجزة!!!.

4. إذاً,, أنَّى لعاقل أن يشطح فكره إلى ما هو فوق كل هذا. لم يكن بديع السماوات والأرض وهذا الكون المنظم فكرة من مخلوق مؤمن كان أو كافر به, بل هو "ذات الكمال المطلق",, قد أخبر عن نفسه وإدعى الكون كله وما دونه وما فوقه لنفسه فشهد له جملةً وتفصيلاً,, وتحدى الخلق كله بإنسه وجنه بأن يدعي أحد منهم شئ منه أو يدعي مشاركته فيه ولا يزال وسيظل ويبقى التحدي قائماً إلى أن ينتهي أجل هذا الكون فيبدله الله بغيره بعد أن يزيله تماماً. قال تعالى: (ذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 1,, وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ 2,, وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ 3,, وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ4,, وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 5,, وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ 6 ...).

5. إذا كانت مخلوقات هذا الإله الحق لها هذه السرمدية المعجزة التي تجدها أيضاً في ذرات العناصر ومستويات الطاقة حول نواة كل ذرة والتي قال العلماء إنها تشبه تماماً – في نظامها وترتيبها وهندستها - المجموعة الشمسية,, فهل تتغير تلك المستويات بإلكتروناتها وبروتوناتها إلى شئ أو نظام آخر مختلف عن فطرتها التي فطرت عليها؟,,, وهل من المحتمل أن نجدها قد تهاوت على نواتها فأصبحت جسماً واحداً أو تتباعد عنها وتهرب من سلطانها عليها ورابطها بها, وهل يتوقع عاقل أن يجد جزئ الماء قد تحول كيمائياً إلى أي شئ آخر غير 2H2O؟؟؟

6. دعك من كل هذا,,, فلنلجأ للمنطق مرة أخرى,,, لو كان هناك خالق غيره أو معه, إذاً لقام إما بتغيير خواص العناصر بأخرى أو لبدَّل هذ الكون بآخر غيره على الأقل لا توجد فيه "عشوائية" ولا "فوضى" ولا "أخطاء",, كما يدعي الفكر المادي الجدلي بغير سلطان من علم أو حلم أو غيرهما, خاصة وقد تحدى إله المؤمنين خالق الخلق كله بقوله لهم (يا معشر الجن والإنس,, إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فأنفذوا, لا تنفذون إلَّا بسلطان), إذاً أين العلماء من هذا التحدي المباشر لهم, وأين هو ذلك السلطان "المستحيل" في حق المخلوقات كلها؟, ولماذا يقفون مشدوهين ببلاهة وإنكسار,, عاجزين "ناكثي رؤسهم تسليماً وإزعانا" عن محاولة قبول التحدي؟ وقد تحداهم أيضاً بقوله لهم (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر, ولا الليل سابق النهار, وكلٌ في فلك يسبحون).

7. ودعك من هذا وذاك وتلك,, فالمنطق والعقل السليم يقولان بأنه لا بد من وجود خالق لم يخلقه غيره,,, نضرب مثلاً لتقريب الفكرة (ولله المثل الأعلى) من عدد لا نهائي من الأمثال فنقول, لو أخذنا أول شجرة (تفاح) مثمرة ظهرت في الكون,,, هل كانت في البدء بذرة فنبتت منها تلك الشجرة أم كانت شجرة أثمرت ثم من ثمرها توفرت البذور لزراعة غيرها؟ فما دام أن الشجرة من البذرة فلا بد من أن تكون هناك (شجرة تفاح وُجدت بدون بذرة) أو تكون هناك (بذرة تفاح لتنتج أول شجرة من نوعها),,, وفي كل الحالات لا بد من أن يكون لهذه الشجرة أو لتلك البذرة موجد خالق قد أوجدها وأبدعها, ولا بد أن تكون له غاية من ذلك,, وكذلك الحال مع كل موجود في هذا الكون, بل والكون نفسه, إذاً كل ما يمكن أن يطلق عليه "شئ object" لا بد من أن يكون له موجد مبدع ليس من جنسه وهو فوقه قاهر علي, فإذا كان هذا الناتج الفكري يمثل الموضوعية في أبين صورها,, فالمنطق يقول بأن الذي أوجد الوجود لا يستقيم عقلاً لعاقل أو مجنون أن يتصور أن يكون له خالق موجد إطلاقاً, فمن خَبُل وسفه فقال بغير ذلك فلا أقل من أن يأتي ببرهانه "شاخصاً" إن كان من الصادقين!!!.

(ب): فلننظر هنا إلى تبرير الكاتب لرفضه إستيعاب إيمان المؤمنين الراسخ المبرهن بأنهم في إيمانهم بتفرد الذات الإلهية لا يقبلون نسبة أي صفة للمخلوقات له من قريب أو بعيد, بقوله في ذلك: " دون أن يوضحوا لنا لماذا, ومن أين أتوا بهذه الفرضية, وما معنى اللابداية التى وجد عليها هذا الخالق التى تعنى أن أفعاله أيضا لا بداية لها."!

على الرغم من أن هذا القول يجسد اللجاجة والمماحكة والمغالاة الساذجة والجري وراء سراب بقيعة, فإن هذه المفاهيم لا نستغربها أو نستبعدها لغياب البعد الإيماني العميق الذي من مقوماته ومقتضياته "الفطنة" و "الحكمة", "والبصيرة", و "التدبر" و "التفكر الموضوعي" .... وهذه أبعاد للمدارك لن تبلغها الحواس "المادية" الخمس. على أية حال لقد ضربنا مثلاً مبسطاً في فقرة سابقة أعلاه ليس للذين طمست حتى مداركهم المادية, ولكن للذين يريدون بلوغ الحقيقة ويقفون عندها.

فقول الكاتب إنه يحق دائما السؤال عن الإله الخالق " ماذا كان قبل هذا الشيء أو ذاك, وهذا الشيء بدوره ما الشيء الذي كان يسبقه من ظواهر الكون وهكذا ", هذه تساؤلات لن يستطيع الإجابة عليها بالنسبة للغالبية العظمى من المخلوقات لتواضع قدراته في كل شئ, وحتى الحيوانات والحشرات والهوام تفوقه كثيراً في أغلب مداركه,, فهو أقل هذه المخلوقات "سمعاً", و "بصراً وإبصاراً", و "ذوقاً", و "حيلة ومكر", و "سرعة وخطىً", و "قوة بدنية", و "طاقة", و "صبر", و "دقة تصويب",,, وحتى نفسه التي بين جنبيه يجهلها تماماً حتى من الناحية المادية المنظورة.

ولكن يكفينا إفحاماً وإعجازاً بالعلم والحقائق والمنطق فنقول للكاتب,,, ما دام أن خالق الكون كله هو الذي وضع "البدايات" بذاته,, وهو الذي يضع "النهايات" بذاته, وقد جعل لكل أجل كتاب,,, أليس المنطق والموضوعية يقول إنه قبل البدايات (هو الأول) الذي ليس قبله شئ, وسيكون هو الباقي بعد "النهايات" لذا (فهو الآخر) الذي ليس بعده شئ (كل من عليها فانِ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام), وهو بلا شك ظاهراً قبل ظهور شئ من خلقه (فهو الظاهر) الذي ليس فوقه شئ, وكذلك هو الذي علم بالسر قبل أن يكون سراً وما هو أخفى من السر إذاً" (فهو الباطن) الذا ما دونه شئ. هكذا يسموا فكر المؤمن ليستوعب هذه المعادلة الصعبة والمستحيل تصورها لدى غيره من الغوغائيين الجدليين, وهم الذي إتسع وجدانهم لتسكن فيه هذه القيم العالية السامقة الكريمة,,, لذا فهو معد ليتصور ما بعد الحياة الدنيا التي يراها معبراً ويراها غيره غاية مع علمه بأنها زائلة عنه أو هو زائل عنها لا محالة.

فهو لا يملك آليات لمعرفة وتقدير وتحسين ومتابعة الكثير من - إن لم يكن كل - مكونات جرمه وبدنه المميزة له كإنسان - من مشاعر وأحاسيس وقيم إنسانية ووجدانية وحسية,, من (حب, وكراهية, وإستلطاف, وبغض, وحسد, و غبطة, وحقد, وأمل, و قنوط, وخوف, وأنانية, وعشق, وهوى, وخيانة, وإخلاص,,, الخ), - فكيف بمن يجهل نفسه وقيمها تماماً ولا يستطيع أن يعايرها بمقاييس محددة, وهو بهذا الهزال والضعف الفكري والمعرفي والعلمي يريد أن يتخطى السماوات السبع ليتساءل عن مكوناتها,,, ثم بسذاجة الأطفال يريد أن يسأل عن المبدع لهذا الخلق المعجز ليس ذلك من أجل معرفة حقيقة هذا الإبداع ولكن فقط لإنكار وجود مبدعها بذاتة,, فقط ليرضي هواه لا أكثر حتى لو كانت النتيجة المفجعة مخالفة ومعاندة الفطرة السليمة والعقل والمنطق..

فحتى تعبيرات الكاتب تدل – بسفور صارخ – على سلطان هذا الهوى الغريب عليه, فهو يجهد نفسه في إفتراضات ساذجة – عبر عشرات المواضيع المتناقضة والمتكررة والمتخالفة – يريد عبرها أن يحيط بالكون علماً وسلطاناً ليس ذلك فحسب, بل أن يعرف صفاة وعمل الخالق لهذا الكون, ليس ليعرف قدره وتفرده وعظمته فيخبت قلبه وتخشع أعضاؤه, ولكن لإنكار خلقه عليه ولإنكار وجوده إبتداءاً. ثم بعد ذلك يريد أن يقنع السذج والبسطاء أن يصدقوه هذا الوهم الذي جعل صاحبه (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه, وما هو ببالغه), أو على الأقل ليشككهم فيه إن كان موجوداً أم لا, وحتى إن إعترف بوجوده, يريد أن يعرف أهو الذي خلق الكون أم الكون هو الذي خلقه أم هو جزء من الكون مخلوقاً مثله أو لا يوجد خالق للكون وهذه ذروة سنام مقاصده,,, ولكن لماذا؟؟؟.
كل ذلك يريد أن يحققه عبر عقل وتفكير الإنسان, الذي هو المخلوق الوحيد الموصوم بالجهل والضلال والإضلال والجحود غير المبرر, والموعود بالميزان, فإما الفلاح, وإما الخيبة والشقاء والعذاب,,, هذا الإنسان الذي يجلس بالساعات أمام الشط ويستعين بأدوات مختلفة لتساعده في صيد سمكة لا يستطيع أن يحددها لذاتها حجماً ولا نوعاً ولا وقت,,, تحديداً بقدر معلوم, وفي نفس الوقت يرى الصقر من فوق السحاب يحدد هدفه بدقة وإقتدار, والسمكة التي يريدها قبل أن تظهر على سطح الماء, فينقضَّ عليها بثقة وتأكد فيقبضها خطفاً دون أن يتبلغ ريشه وبدون أي أخطاء محتملة أو فشل متكرر. فأين عقل الإنسان من عقل هذا الطائر الصغير نسبياً, ودقة تدبيره وتخطيطه وتنفيذه لغايته؟؟؟

فليقارن هذا الإنسان عقله الذي "ألَّهه" وبالغ في وصفه وتمجيده رغم محدوديته وضألته قياساً بغيره من المخلوقات,, فلو نظر إلى قطة صغيرة مثلاً وهي تتحايل وتخطط, وتقيس الأبعاد وتتحين الفرص المؤاتية والمناسبة للإنقضاض على فأر وهو في داخل جحره, فما أن تقفذ منقضة عليه قفذة واحدة حتى يكون بين براثنها, وليتدرج العاقل في متابعة الكثير من أنواع هذه المخلوقات مهما صغرت حتى تبلغ الباعوضة أو الجرثومة, أو كبرت حتى بلغ الحيوانات المفترسة العاتية كالنمر والأسد والضبع والذئب,,, الخ
ثم يأتي هذا الإنسان الضعيف الهزيل الذي لا يستطيع أن يهرب من عقرب إن قصدته فصداً فتبلغ غايتها منه متى قررت ذلك وحيث إختارت منه,,, وكل ما يملكه من حجة هو أنه "لا يعرف شيئاً عمَّا ينكره ويحاجج فيه",, ليتفكر "بغباء وسذاجة" في من "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار",, بل وفي من "ليس كمثله شئ وهو السميع العليم",, وفي من دونه السماوات العلا, وهو "رب العرش الكريم".

ولا يزال للموضوع من بقية باقية,

تحية كريمة للقراء والقارءات الكريمان,

بشاراه أحمد عرمان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,767,280
- تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (1D):
- تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (C):
- تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (B):
- تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (A):
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! وقفة تأمل إضطرارية لازمة لمناقشة حالة:
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- التّحَدِّيْ!! بِمَحْقِ وسَحْقِ مائَةِ فِرْيَةٍ مُفْلِسَةٍ (a ...
- المُنَاظَرَةُ - الَّتِيْ قَصَمَتْ ظَهْرَ البَعِيْر (D):
- المُنَاظَرَةُ - الَّتِيْ قَصَمَتْ ظَهْرَ البَعِيْر (C):


المزيد.....




- متحدث الانتقالي الجنوبي: نائب الرئيس اليمني يرعى الإرهابيين ...
- خبير سوري: روسيا والصين وإيران لن تسمح بإقامة أي إمارة إسلام ...
- التمرد على المؤسسة الدينية والإلحاد!
- معاداة الإسلام في بريطانيا: الحزب الحاكم -يعلق- عضوية عدد من ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يطمئن على صحة الإمام الأكبر شي ...
- بمناسبة اليوم الوطني الـ 89..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تس ...
- الأمير السعودي مالك -شيفيلد- يشعر -بالإهانة- لدى الحديث عن ع ...
- الأمير السعودي مالك -شيفيلد- يشعر -بالإهانة- لدى الحديث عن ع ...
- القروي من زنزانته: ستكون معركة حامية ضد الإسلاميين
- روبرت أوبراين المسيحي المحافظ الذي يعتبر إيران أكبر راعية لل ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - تفنيد آفة الوثنية ووهم التنوير في الفكر الإلحادي (E1):