أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - وهم المعرفة















المزيد.....

وهم المعرفة


فارس تركي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 5798 - 2018 / 2 / 25 - 21:15
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


كيف أصبحنا بهذا الخواء الفكري ؟ كيف تم تسطيح عقولنا بهذا الشكل المخيف ؟ وكيف قزِّمت قدرتنا على الفهم ؟ لماذا إقتحمتنا السطحية والهشاشة الفكرية واستحوذت على حياتنا وانتشرت بيننا كانتشار النار في الهشيم ، وتجبرت وطغت حتى دانت لها رقاب البلاد والعباد ؟ وحتى أصبحت السيد المطاع ؟ لماذا ما زلنا نجتر ذات الأفكار البالية والمقولات العتيقة ونتشبث بطريقة التفكير السقيمة ذاتها ؟ لماذا نبدو وكأننا أحافير بشرية ولسنا مجتمعات حية ؟ اسئلة كثيرة تقض مضاجعنا وتدفعنا للبحث عن متهم او مشتبه به نحمله المسؤولية ونلقي عليه باللائمة ، وكلما بحثت وفتشت قادتني خطواتي إلى متهم وحيد وهو عقلنا أو منظومتنا الفكرية ، هذه المنظومة التي أصبحت وكأنها أرض موبوءة ما دخلها شيء إلا فسد . فلماذا أصبحت بهذا الوصف وما الذي ينقص عقلنا ؟ أهو التعليم ؟ أم النضوج الفكري ؟ أم كلاهما معاً أي المعرفة ، فما هي المعرفة وما هو العقل المعرفي ؟
بشكل عام يمكن القول أن المعرفة هي قدرة الإنسان على فهم واستيعاب ما يدور حوله وما يطلع عليه من حقائق ومعلومات ، وهي إدراك وفهم الحياة بكل تفاصيلها من خلال العقل المجرد أو عن طريق اكتساب المعلومة أو من خلال التجربة والتأمل والإطلاع على تجارب الآخرين ومعارفهم . إن هذا هو التعريف الكلاسيكي للمعرفة ويمكننا أن نضيف عليه ونقول أن المعرفة تتكون من شقين أو قسمين يكمل أحدهما الآخر . الشق الأول يتعلق بالحصول على / ومراكمة كم – سواء كان صغيراً أو كبيراً - من المعلومات والمعطيات ، أما الشق الثاني فهو متعلق بالنضوج العقلي أو الفكري المفترض حصوله كإحدى نتائج هذا التراكم المعرفي والمعلوماتي . إذاً فلكي تصبح المعرفة معرفة حقيقية وليست وهماً يجب أن يترابط الشقان ببعضهما وجوداً وعدماً ، بحيث أن الأول يؤدي إلى الثاني . وفي حالة عدم حصول الترابط ولم يترتب على وجود الأول وجود الثاني فنحن أمام وهم المعرفة وليس المعرفة ، علماً أن وهم المعرفة أخطر من الجهل وأشد ضرراً بما لا يقاس .
ومن المفترض أن التعليم أو العملية التعليمية برمتها ابتداءً من الابتدائية وصولاً إلى مرحلة التعليم العالي تستهدف انتاج عقول تتمتع بالمعرفة وليس وهم المعرفة من خلال عدد من المستويات التعليمية تتناسب مع المرحلة العمرية للطالب ، مثل مستوى التلقين والتحفيظ ومستوى الفهم والإدراك ومستوى القدرة على الربط والإستنتاج ومن ثم الإبداع والإتيان بجديد . وبغض النظر عن تعدد المستويات التعليمية إلا أن الهدف النهائي للعملية التعليمية يبقى ثابتاً وهو انتاج عقل ناضج متنور مبدع واعي ومدرك ، عقل رياضي استنتاجي تجريبي يربط الأسباب بالنتائج والمقدمات بالمآلات وما كان بما هو كائن وبما سيكون ، عقل يفكر ولا يحفظ ، يبتكر ولا يكرر ويجتر ، يستطيع أن يقرأ الواقع ومعطياته بشكل صحيح ، عقل خلَّاق بإمكانه انتاج رؤى وأفكار وتصورات جديدة للحياة بكل تفاصيلها وليس عقلاً مجتراً لرؤى ومقولات قديمة وبالية . أو على الأقل عقل بعيد عن السطحية والبدائية وطروحات وطرق تفكير القرون الوسطى .
وبشكلٍ عام يمكن القول أن العقل المعرفي أو العقل الذي يتمتع بالمعرفة يتميز بصفات معينة كقدرته على استيعاب وهضم وممارسة مفهوم السبب والنتيجة بطريقة منطقية عقلانية ، فهذا العقل لا يستطيع أن يتصور ولا يقبل بحدوث شيء أو ظهور حالة خارقة للمنطق والقوانين ، وبدون أن يكون لها سبب علمي واضح وملموس لذلك فهو في حالة تساؤل وبحث دائم وبطريقة علمية عن الأسباب والمسببات وعن البدايات والجذور ، ولا يطمئن ولا يصدق أية مقولات أو تفسيرات ليس لها نصيب من العلم والمنطق . ومن كان هذا حاله ووصفه لا بد أن يكون شكَّاكاً مرتاباً بما هو سائد من أفكار ومقولات ومسلمات تواطأ عليها المجتمع والناس لفترات زمنية طويلة ، لذلك فهو لا يقبلها ولا يسلم بها تسليماً أعمى بل يخضعها للنقد والتمحيص لكي يميز غثها من سمينها . كذلك يتميز العقل المعرفي بالميل إلى بحث الأفكار وتسليط الضوء عليها ، أكثر من ميله إلى تناول الأحداث والأفراد . فعلى سبيل المثال إذا ما أراد هذا العقل الحديث عن قضية الديكتاتورية في الوطن العربي فإنه لن يتكلم عن شخص الديكتاتور وينهال عليه بالشتم والسب واعتباره ظالم مجحف طاغية عميل . . . الخ ، كما إنه لن يتحدث عن الحدث نفسه أي تولي الديكتاتور للسلطة وكيف تم ومن كان يقف وراءه ، ولن يتحدث عن الإنقلاب الذي أتى به ، لكنه سيتحدث عن الفكرة ذاتها أي فكرة الديكتاتورية والطغيان ويعمل على دراستها وتحليلها ومعرفة جذورها وتاريخها ومن أين أتت ولماذا هي متجذرة في المنطقة العربية وما هي الأسباب والعوامل التي تقف وراءها ، وما هي المآلات التي ستقود إليها وغير ذلك من أسئلة علمية منطقية تقودنا في النهاية إلى تكوين رؤية متكاملة وناضجة وعقلانية عن الديكتاتورية ، وقس على ذلك بقية القضايا والأفكار .
كذلك يتميز العقل المعرفي بأنه حيادي إذ يعمد إلى وضع معايير علمية ومنطقية صارمة لا يحيد عنها ويطبقها على كل الحالات والقضايا التي تواجهه أو يتصدى لبحثها ، وهو لا يتأثر بالعواطف والميول والأهواء ، فإذا ما وجد أن الفعل ( س ) ، مثلاً ، فعل إجرامي فسوف يبقى يتعامل معه على أنه فعل إجرامي بغض النظر عن الشخص أو الجهة أو الحضارة التي صدر منها . والعقل المعرفي هو بالضرورة عقل نسبي يعرف أن الحياة مزيج من الألوان المتدرجة وليست اسود وأبيض فقط ، ويعرف أن ما نقوله ونميل اليه ليس الحقيقة المطلقة بل هو الحقيقة من وجهة نظرنا ، لذلك – ووفقاً للعقل المعرفي – فإن القضية التي يعدها مجموعة من الناس حقيقة مطلقة هي ليست كذلك بل هي حقيقة من وجهة نظرهم فحسب ، وربما تكون عكس ذلك بالنسبة لغيرهم . والمنهج التجريبي الإستقرائي هو المنهج المفضل للعقل المعرفي إذ يعده الطريقة المثلى لتقييم الأمور والأحداث والأفكار تقييماً صحيحاً . فضلاً عن أن العقل المعرفي عقل منفتح على الأفكار والثقافات والآراء الأخرى والمختلفة والمتباينة فلا يناصبها العداء ولا يتوجس منها خيفة ولا ينظر إليها نظرة الشك والإرتياب ، وهو يؤمن بتلاقح الأفكار وتكاملها وبأنها تحتاج بعضها بعضاً وتنضِّج بعضها بعضاً ، ولا يعبأ هذا العقل كثيراً بالتقاليد والعادات والموروثات القديمة بل هو مصاب بالفضول والتوق لكل ما هو جديد واستثنائي وغير تقليدي . وغير ذلك من صفات مميزة للعقل المعرفي .
أما العقل المصاب بوهم المعرفة فهو ذلك العقل الذي راكم كم كبير من المعلومات واطلع ودرس الكثير من المعارف والفنون ، وقد يكون هذا العقل حاصل على أعلى الشهادات ، وقد يكون عقلاً متقناً وفذاً في ميدان عمله وتخصصه كالطب والهندسة والفلك والعلوم العسكرية والصيدلة والتعليم والعلوم الصرفة وغيرها ، وقد يكون قد راكم قدر كبير جداً من المعلومات والمعارف والتجارب ، وقد يتفوق في ذلك على العقل المعرفي ، إلا أنه في النهاية عجز أن يصل إلى مرحلة النضوج الفكري وعجز أن يصبح عقلاً معرفياً ، أي إنه لم يتمتع بمزايا ومواصفات العقل المعرفي التي ذكرناها ، بل هو على عكسه تماماً في كل شيء إلا فيما يتعلق بتحصيله كم من المعارف والمعلومات .
فهذا العقل لا يقلق ولا يتساءل ولديه استعداد كبير لتقبل الأفكار الموروثة ، فهو متناغم ومنسجم مع المقولات والمسلمات والأفكار السائدة في مجتمعه ومستسلم لها تماماً ، ولا يمكن أن يساوره شك حيالها ، ولا يمكن له أن يخضعها للعقل والمنطق والأدلة العلمية ، بل تراه يستقتل في الدفاع عنها وفي إثبات صحتها ويهاجم كل من ينتقدها أو يشكك بها حتى لو لم يكن لها أي سند علمي ، بل حتى لو كانت البراهين العلمية تفندها وتظهر بطلانها . فهو يعتقد بصحتها المطلقة لأنها أفكار مجتمعه وأهله وناسه وعشيرته لذلك لا بد أن تكون حقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك ، وكل ما يخالفها ولا يتفق معها هو الباطل والوهم المطلق ، وبالتالي ستصبح أفكار الآخرين المخالفين لمجتمعه وأهله وناسه هي الباطل المطلق . والعقل المصاب بوهم المعرفة نادراً ما يبحث في ميدان الأفكار والمفاهيم بل هو يركز على الأشخاص والأحداث ، والأشخاص بالدرجة الأولى . ففي مثالنا عن الديكتاتورية فإن هذا العقل عندما يخوض في هذا الموضوع سيتكلم – وطبعاً بدون أية رؤية منطقية أو دليل علمي - عن شخص الديكتاتور وعن صفاته السيئة التي جعلت منه ديكتاتوراً وإنه لولا تلك الصفات لما أصبح دكتاتوراً ولما وجدت الديكتاتورية أصلاً ! ، وكيف أنه مدعوم ومرتبط بجهات معادية وشيطانية تتآمر على الأمة والشعب وتريد بهما شراً ، ولذلك فهي تُبقي الديكتاتور العميل في منصبه الديكتاتوري . وسيبقى – هذا العقل - يعيد ويصقل ويكرر ويجتر هذا الكلام ذاته بطرق وأساليب متعددة ومختلفة ، ومهما حاولت أن تدفعه باتجاه طروحات وطرق معالجة أكثر عمقاً ونضوجاً وأقل سطحية ، ومهما بذلت من جهد في هذا السبيل ومهما طرحت من حجج منطقية وأدلة واقعية وعلمية ، فإنك ستفشل في النهاية وتصاب باليأس والإحباط وتعود بخفي حنين . ولا عجب في ذلك فزحزحة الجبال قد تكون أيسر وأكثر سهولة من تغيير عقل مصاب بوهم المعرفة .
وهذا النوع من العقول غير حيادي ولا يلتزم بمعيار ومقياس واحد في الحكم على الأحداث والأفعال ، فالفعل ( س ) جميل او مبرر إذا صدر من مجتمعه أو حضارته ، وقبيحاً وإجرامياً إذا صدر من الآخر المخالف أو المختلف . ومقولات حضارته منطقية ومعقولة ، ومقولات الآخرين أساطير وتخاريف ، حتى إذا كانت هذه المقولات كلها متشابهة وأحياناً متطابقة . وكما قال الإمام الشافعي :
وعين الرضى عن كل عيبٍ كليلةٍ ولكن عين السخط تبدي المساويا
كما إن العقل الخاضع لوهم المعرفة لا يجد حرجاً في طرح الآراء والأقوال المتناقضة والإتيان بأفعال وممارسات متناقضة ، وأفعال تناقض الأقوال وأقوال تناقض الأفعال ، وربما هو لا يحس ولا يعي أصلاً أنه متناقض . لذلك فلا عجب أننا سمعنا وما زلنا نسمع الكثير من القادة ، والسياسيين ، والمعارضين ، والثوريين ، وحتى الناس العاديين وهم يتغنون بأوطانهم وعظمتها ومزاياها ويهاجمون الغرب ودوله الإستعمارية وينعتونه بأقبح وأشنع الأوصاف ، لكنهم في الوقت ذاته لا يجدون للحياة لذة إلا إذا هربوا من أوطانهم وسكنوا في عواصم ومدن تلك الدول ليتنعموا بالإستقرار والأمان والإحترام والكرامة الإنسانية والعدل والمساواة والحياة السعيدة المريحة ، فتراهم يبذلون الغالي والنفيس ويركبون المخاطر لكي يحصلوا على جنسيتها أو حق اللجوء والإقامة فيها ، ويرسلون أبنائهم إليها للحصول على أرقى أنواع التعليم ، وبعد ذلك كله يعودون – هم وأبنائهم الذين تعلموا فيها - للعنها وشتمها والإنتقاص منها ! . ولا عجب أيضاً أننا نزعم ونصرخ ونزعق ليل نهار بأن أخلاقنا وأفكارنا ورؤانا أفضل بما لا يقاس من تلك السائدة في الغرب ، إلا أننا نفر من أوطاننا فرارنا من المجذوم ونحتضن الغرب احتضاننا للحياة . ولا عجب أيضاً أن العرب هم الشعب الوحيد الذي يحلم بالعيش في البلدان التي استعمرته .
ومن صفات هذا العقل أيضاً أنه عقل أحادي الرؤية ، ولا يعترف بالنسبية ، يرى الحياة كلها وبكل ما فيها من أفكار وفلسفات واختلافات بلونين فقط أبيض وأسود ، خير وشر ، نور وظلام ، ملاك وشيطان ، وبالتأكيد هو سيختص بالأبيض والنور والخير والملائكية وسيترك ما تبقى للآخر المختلف عنه ، لأنه يقف - بحسب اعتقاده - على الجانب الصحيح من التاريخ ، بينما الآخرون يقفون على الجانب الخاطئ منه . وبالتأكيد أن عقلاً من هذا النوع استحالة أن ينفتح أو حتى يفكر بالإنفتاح على الحضارات والأفكار والفلسفات المغايرة ، ولا يمكن له أن يتعاون أو يتحالف أو يتكامل معها ، أو يتبنى جزء من طروحاتها ورؤاها ، بل سينظر إليها نظرة كره وحقد واستعلاء وستكون علاقاته معها علاقات متشنجة ومتوترة وعدائية وتصادمية .
إن العقل المصاب بوهم المعرفة هو العقل السائد والطاغي في البلدان العربية ، إذ أن المنظومة التعليمية في هذه البلدان قد فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق الشقين أو الشرطين ألواجب توافرهما لإنتاج العقل المعرفي أي مراكمة المعارف والمعلومات من جهة ، والوصول بالعقول إلى مرحلة النضوج الفكري ، فهي بالكاد حققت نجاحاً بطعم الفشل فيما يتعلق بحشو أدمغة الطلبة ببعض المعارف والمعلومات اللازمة لعبور محنة الإمتحان ، واللازمة لمنح الشهادات من الإبتدائية وحتى الدكتوراه . أما فيما يتعلق بالنضوج والإنضاج الفكري فإن هذه المنظومة التعليمية عجزت عن الوصول إليه أو حتى الإقتراب منه ، لذلك أصبح وهم المعرفة مسيطر على حياتنا من الألف إلى الياء ، وبدل أن يصبح التعليم أحد العوامل المساعدة على الإرتقاء بحياتنا واللحاق بركب العالم المتمدن أصبح جزءً من المشكلة ، وصار ينتج لنا وبإفراط مخلوقات مشوهة فكرياً ومعاقة ذهنياً ، تعتقد أنها وصلت إلى المعرفة لأنها نالت حظاً من التعليم ، مخلوقات أكثر قدرة في الدفاع عن سطحيتها وجهلها والتبشير به لأنها مسلحة بشيء من العلم ولأنها تحمل شهادات علمية . وهكذا وقعنا في مفارقة عجيبة وفخ محكم فأصبحنا نعتبر أن زيادة فرص التعليم والتوسع به وبناء المزيد والمزيد من المدارس والمعاهد والجامعات هو الذي سيساهم في بناء الأوطان وإنتاج الدولة المتمدنة الحديثة ، في حين أن مثل هذا التوسع والزيادة لا يعني سوى المزيد من المصانع المنتجة لعقول مصابة بوهم المعرفة لا تزيدنا إلا جهلاً وسطحية وهشاشة فكرية ، فأمسى حالنا كحال الذي يتناول سماً زعافاً معتقداً أنه الدواء والبلسم الشافي لأمراضه وأسقامه ، لأن البقاء على الأمية وعلى الجهل الفطري أفضل بكثير وأنفع من وهم المعرفة ، فالجاهل يعلم أنه جاهل ويعترف بجهله ومن الممكن تعليمه وإنضاجه فكرياً إذا اتبعت معه الطرق الصحيحة ، بل إن كثير من الأميين تلمس لديهم نضوجاً فكرياً أكثر مما لدى المصابين بوهم المعرفة . إن الجاهل بمثابة وعاء فارغ تملأه بما تشاء ، أما المصاب بوهم المعرفة فهو بمثابة وعاء قد ملأ سلفاً بأفكار خاطئة وفاسدة ولم يعد فيه متسع .
ويمكننا أن نتبين أيهما أكثر ضرراً الجهل أم وهم المعرفة من خلال إجراء مقارنة بسيطة ما بين أحوال الدول العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين من جهة ، وأحوالها خلال النصف الثاني منه وحتى الوقت الحاضر . ففي بداية القرن العشرين كان الجهل المعرفي مسيطر على الشعوب العربية بشكلٍ شبه تام وكانت الغالبية العظمى منهم أميين لا يقرؤون ولا يكتبون ، ومع ذلك تمكنوا – وبمساعدة قوى خارجية – من إنتاج دول أو مشاريع دول ناجحة استطاعت أن تحقق نجاحات وإنجازات كبيرة وعلى مختلف الأصعدة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتعليمية والفكرية والشواهد والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى . وعلى الرغم من ظهور بعض السلبيات والمآخذ التي رافقت تلك الإنجازات إلا أنها – أي السلبيات - كانت تتراجع وتقل بشكل تدريجي لصالح المزيد والمزيد من الإنجازات الإيجابية . كما أن هذه الدول تمكنت من وضع المجتمعات العربية على أول طريق الحداثة والمدنية ، والأهم من هذا كله أنها تمكنت من إنتاج العقل المعرفي المنتج للدولة الحديثة والضامن لبقائها واستمرارها .
إلا أنه وللأسف الشديد فإن هذه التجربة لم تستمر طويلاً ، إذ بدأت – ولأسباب تطرقنا إليها في مقالات سابقة - بالإنهيار مع بداية النصف الثاني ، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة أجهزت وبالتدريج على كل ما تم تحقيقه ، ووهَّنت وأضعفت ثم أنهت كل الأسس المطلوبة لبناء الدولة المدنية الناشئة ، وتسببت بالفشل على كافة المستويات ، والأسوأ من ذلك كله أنها أقصت العقل المعرفي وقضت عليه وانتجت بدلاً عنه عقول مصابة بوهم المعرفة أتت على الأخضر واليابس . فالدول العربية تعج اليوم بالمدارس والجامعات والخريجين ، وهناك عشرات الملايين من حملة الشهادات المختلفة ، وأغلب العرب يقرؤون ويكتبون ، لكن أنظر إلى المنتج النهائي وقارنه بما انتجه أجدادنا ( الجهلة ) في بداية القرن العشرين لتعلم أيهما أفضل الجهل أم وهم المعرفة . والملاحظة الخطيرة في هذا المجال أنه كلما زدنا عدد المدارس والجامعات والطلاب والخريجين وحملة الشهادات والأساتذة ونحن نحسب أننا نحسن صنعا كلما ازدادت أحوالنا تدهوراً وتراجعاً وضعفاً ، وما ذلك إلا لأننا بهذه الزيادة لا ننتج عقولاً معرفية بل المزيد من العقول المصابة بوهم المعرفة .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,252,188
- الكتلة المدنية
- العقل التآمري
- الواعظون
- المجتمع العبيط
- الثورة والتثوير
- ظلال الله على الارض
- التقليد والابداع
- صفات الشعوب واشتراطات الدولة
- الدولة الحديثة منتج اقتصادي
- الانسان البدائي
- اذا كان هذا صحيحا
- التمدن والتخلف بقوة الدفع الذاتي
- غياب العقلية الشمولية
- المنظومة الفكرية العربية والقضية الفلسطينية ، جدلية السبب وا ...


المزيد.....




- فريق طبي يكشف لغز وفاة السعوديتين روتانا وتالا بنيويورك وسبب ...
- مصادر لـCNN: البنتاغون يرسل قوات إضافية لسوريا
- الرئيس الفنزويلي يقطع العلاقات مع الولايات المتحدة ويدعو الج ...
- شاهد: المغربية دعاء الحضري تتفنن في لعبة التزلج وتتحدى التقا ...
- "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة أميركياً توشك عل ...
- ما هي فوائد ممارسة التمارين الرياضية أثناء يوم العمل؟
- أوروبا تعاقب أعوان الاسد وعلى رأسهم سامر فوز
- ممرض -ينجب- طفلا من مريضته -المعتلة ذهنيا-
- الرئيس الفنزويلي يقطع العلاقات مع الولايات المتحدة ويدعو الج ...
- شاهد: المغربية دعاء الحضري تتفنن في لعبة التزلج وتتحدى التقا ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - وهم المعرفة