أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فواد الكنجي - الجزء الثامن/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة















المزيد.....


الجزء الثامن/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة


فواد الكنجي
الحوار المتمدن-العدد: 5770 - 2018 / 1 / 28 - 08:33
المحور: الادب والفن
    


-111-
لعلك تتساءل لماذا استمر معك
بعدما كذبت وخنتني وغدرت بي حتى الإذلال؟
حياتي معك هي عقابي لك
لقد عاقبتك مرة بدفعك إلى هجرها
وأعاقبك كل يوم
بذلك القتل البطيء لك في ملكوت فتوري وابدية لا مبالاتي
وقبلاتي يوضاس كذبي
أليس الحب كذبة لطيفة متبادلة؟
البوم قليل الثرثرة لكنه يصيب هدفه كسهم في ذاكره

-112-
هل الأصداف دفاتر مذكراتي الغرقى
ولذا ينبت اللؤلؤ في بعضها ؟


-113-

ساروي لك قصة حياتي باختصار شديد
خوفا عليك من الضجر
لقد اقترفت أخطاء كثيرة في حياتي
هي التي أنقذت حياتي !

-114-
في مدينة الموتى تصير الوجوه أقنعة
والأصوات أشرطة تسجيل
للميكروفونات المعتمدة المقبولة المدموغة بالرضى
في أعياد التأبين يتم تطويب التافهين عباقرة
والأوغاد نماذج لوفاء الزوجي والوطني
بدعم من الجمعيات المنتفعين من بيع الجثة بالمزاد
في التابين يصيير القط نمرا والعنكبوت فراشة
لم يأت احد إلى حفل تابين جدي سنمار
الذي عاقبه صاحب القصر بالقبر
حدها بومة لا مبالية بكتبه وانتحبت
رافضة فرمان الصمت
ومن يومها سفكوا دم البوم ودللوا الببغاء!

حينما تلجئ (غادة السمان) إلى القصدية في طرح السؤال والإجابة عليه من قبل السائل نفسه، إنما هناك مقاصد بلاغية يراد منها إيصال رسالتها والإشارة بعلمها و بوعيها وإدراكها بكل جرم يرتكبه الأخر بحق العشرة والحب، فسؤالها تطرحه على نحو الأتي :
((لعلك تتساءل لماذا استمر معك
بعدما كذبت وخنتني وغدرت بي حتى الإذلال..؟))، فأتى رد فعلها بشكل ذكي وغير متوقع بجوابها بالقول :
((حياتي معك هي عقابي لك
لقد عاقبتك مرة بدفعك إلى هجرها
وأعاقبك كل يوم
بذلك القتل البطيء لك في ملكوت فتوري وابدية لا مبالاتي ))، في هذه اللغة التي اسميها لغة المغالب، تفصح (غادة السمان) عن سرها في البقاء مع من كذب وخان وغدر ليكون ذلك غير عقاب لمن خان ليبقى الأخر في عتبة الانتظار والترقب مصلوبا ينتظر رد فعلها ولكن كما تقول: (( البوم قليل الثرثرة لكنه يصيب هدفه كسهم في ذاكره))، وهذه هي حكمتها، توظفها توظيفا دراماتيكيا في الصراع، فنرى كيف (غادة) تبني الحوار في القصيدة بهذه السلاسة في بناء الحدث ورسم دراما القصيدة وإبعاد الشخصية وذلك بتلوين الإيقاع بالأحاسيس المكبوتة، فعبر دفاتر ذكرياتها هناك الكثير ولكن في بعضها ما لا يمكن نسيانها لأنها تلمع في حياتها كلؤلؤ ((هل الأصداف دفاتر مذكراتي الغرقى
ولذا ينبت اللؤلؤ في بعضها ؟))، ومن خلال ذلك تقول:
((ساروي لك قصة حياتي باختصار شديد
خوفا عليك من الضجر
لقد اقترفت أخطاء كثيرة في حياتي
هي التي أنقذت حياتي ..))، لنستشف من الأمر عن حجم الشبكة الواسعة من العلاقات التي كانت بالنسبة لها تماثلية متفاعلة في حياتها التي أنقذت حياتها من كبت والضمي والضغوطات التي يضمر في وجدانها، وهذا ما يجعلنا إن نبحت عن ما وراء السطور لان لبحث عن أصالة المحتوى يكمن في الدلالات الرمزية في داخل بنية القصيدة ، ولهذا فان تلك الإلغاز هي من تدعونا إلى التحليل والبحث، لان الحقيقة لا تظهر في (الشكل) لكتابات (عادة السمان ) بل في (جوهرها)، رغم إن كلا الأمرين في بناء القصيدة عند (غادة السمان) يتماثلان إلى أقصى درجات التماثل (الهارمونيك)، وهو ما يقودنا إلى تلك التفاصيل التي تظلل فوق وتحت الكلمات التي نستشف منها تجليات الكاتبة، لأنه من خلال مد القصيدة نسمع في ظلالها أصوات التي تئن وتبكي بصمت وسكوت حيث هناك تكمن حقيقة الروح في عالم وحدتها وغربتها، ولكن علينا إن نتيقن من إن الذي ينوح بهذا الشكل لا يعني انه قد انتهى في مضجعه في عالم الحزن، لان النواح الصامت البعيد قد يكون أمره كالهدوء الذي يسبق العاصفة، او كما تقول (غادة السمان) : ((الأسماك خرساء لا تعوي، لكنها تعض))،وهي تعرف متى تعض ...! نعم إن حوار الهامس في أعماق (غادة السمان) منكسر بالآلام الروح وكلماتها تأتي وهي محض الآلام والحزن والاكتئاب والوحدة رغم إن كل ذلك يأتي مع نسقها الشعري رقيقا ومرهقا إلا انه محض العناد والتحدي القاسي والشرس يقاوم ويخرج من رحم عقلها مبطنا بالانتصار، لأن عقلها حامل بالحرية وأنه يضع مولوده الفكري وستربيه (غادة) لغاية هي بناء قيم في الحداثة والمعاصرة، لان دمها الحار يسري في عروقها وهي متيقنة كل اليقين حجم الزيف والتزييف الذي يساد وراء الستار الحريرية الناعمة وما وراء الأقنعة التي لا روح فيها فقول: (( في مدينة الموتى تصير الوجوه أقنعة ))، نعم تصبح الوجوه أقنعة مزيفه غير آبه بما تفعل وبما تقترف من الأخطاء بحق الأخريين، فكما تقول: (( والأوغاد نماذج لوفاء الزوجي والوطني
بدعم من الجمعيات المنتفعين من بيع الجثة بالمزاد
في التأبين يصير القط نمرا والعنكبوت فراشة...))، وهكذا تضيع القيم ويضيع الإنسان بهذا التزييف .


-115-

لقد كنت دائما زورقا من ورق
طواه طفل عابث مشاكس
ورمى به في البحر إلى ليل التيه والإسرار والرحيل
من يومها وأنا ابحث عنه
ذلك الطفل الذي رسم أقداري العابثة لا شكره على ذلك !

-116-

أحببتك رغم غرابة أطوارك
تكتب لنفسك الحب وقصائد المديح
على أنغام أنشودة " أمجاد يا عرب أمجاد"
يعدها يحلو لك إن تنام
توهم نائم منذ قرون لكنه حلمك المفضل
يا حبيبي النرجسي
حبي لك وحده هو الشي المشترك بيننا فكلانا نحبك وأنت وإنا
تقول لي: حدثيني عن عظمتي
ما من موضوع أخر يهمني!
أقول لك: احبك أيها الخرافي الرائع
تقول لي : اتفق معك في الرأي فانا أيضا احبني!!

فالنص كما نراه في كل نصوص (غادة السمان) هو الضمير المتكلم عبر الضغط النفسي الشديد والانفعال الداخلي ليكون أداة لتوازن النفسي يثري بلغة تعبيرية تنتقل مفرداتها بين الرمز والإيحاء، وهو ما يقودنا للبحث عن هذه الحقيقة في الذات المتألمة وما تم فيها من تهشيم وتكسير، لان التعبير الذي تنطلق منه (غادة ) يأتي كمغامرة واعية لتعويض وتصحيح مسار الخيبة والخسارة والفقدان ما كان عزيزا، فحين نمعن في النص الأتي سنرى ما هو مخفي خلف الدلالات التي تشير إليها بشكل ناعم ولكن في جوهرة يكمن قسوة المعنى والمشهد، فتقول :
(( تكتب لنفسك الحب وقصائد المديح
على أنغام أنشودة " أمجاد يا عرب أمجاد"
يعدها يحلو لك إن تنام
توهم نائم منذ قرون لكنه حلمك المفضل
يا حبيبي النرجسي
حبي لك وحده هو الشي المشترك بيننا فكلانا نحبك وأنت وإنا))، فالتعويض يأتي بالكتابة الإبداعية المتفوقة في التعبير بلغة المخالب، وهي متمرده تزحف بجراحاتها فوق الانفعال الداخلي، ففي وقت الذي كانت الجيوش العربية تلاقي هزائمها في نكسة حزيران عام 1967 كانت الإذاعات العربية تصدع ليل نهار وتملئ الأثير بنشيد (أمجاد يا عرب أمجاد) وهذا التناقض تشبهه بتناقض حبيبها وتصرفاته فتقول: ((أحببتك رغم غرابة أطوارك
تكتب لنفسك الحب وقصائد المديح
على أنغام أنشودة " أمجاد يا عرب أمجاد" ...))، ومن هنا نلاحظ حجم تكاثف المجازات في الوصف ودلالات في تصوير المشهد بإبعاد متخيله يكون بمثابة الهدف المشار إليه في الزمان و المكان، ورغبتها المتمردة في التمرد عليه، فالصور المرسومة في النص الشعري عند (غادة السمان) هي صور متحركة لتسليط الضوء عن هذه ألصورة بتلك، لاستذكار واستحداث بالدلالات الفكرية بين الصورتين ليبقى المشهد في الذاكرة في حالة البحث والاستفسار الدائم لا يعرف السكون ولا استقرار رغم ما يستبد بها من حالة القهر والحزن الذي هو حافل في تاريخ الشرق، وغادة تضع هذا التاريخ متأرجحا فوق أرجوحة تتطاير في الليل مأواها في أفاق العالم تشهق حريتها وهي على أوج يقظتها تتعسس كل ما هو حولها وهنا يتكامل النص بما هو في ذاتها ويندمج بينهما اندماجا صوفيا وهو ما يجعل ذاتها اشراقية المطلاع في كل لحظات يقظتها كرغبة لا تتراجع عنها بغية لتأسيس عالم قائم بالحب الصادق والحياة الكريمة والحرية المشرفة بعد طول المعانات وبؤس الحياة .

-117-

الصندوق الأسود في طائرتي محطمة
الميكروفون العوائي بمنطق العصور الوسطى في لقرن الواحد والعشرين
مكيفات الهواء المعطلة في البورصة
الكهرباء المقطوعة في بيوت تفور بالصراصير والسوس والجرذان العملاقة والتماسيح
وما من فراشات في كوكبنا إلا العثة
الأكياس الواقية من الايدز الملونة المعطرة كقناع ذهبي على وجه الموت
الغرامات الليلية الوهمية البائسة في فنادق الشوارع مكشوفة المجارير
الحب المزعوم الكئيب كما العشاء وحيدا في "دراج ستور" نيويوركي نصف معتم
في الجادة الحادية والثلاثون من منهاتن
يمنع التدخين ويفوز الدخان من مقلاته ومرحاضه ومخدراته
البيوت المزيفة ببقايا قذائف لم تدمرها كلها
حراس الليل الذين يرقون نهار الناس
المخافر المحشوة بأجساد تسيل عرقا ودما
واعترافات كاذبة أمليت عليها
المشانق السرية والمقابر الجماعية
والقتل المدعو انتحارا او نوبات قلبية
المذابح والحروب والمجاعات
المصحات العقلية المزدحمة بالأصحاء
"عقلة الإصبع" في مجسمات ضمة في شوارع في ملصقات الساحات والمطارات تتغزل بفحولته
تعبت من ذلك كله
فهل في جزيرتك يا روبنسن كروزو
متسع لبومة مثلي هاربة من هذيان الإنسانية
بومة شديدة التشاؤم من البشر؟

-118-

كانت العجوز تحتضر على فراشها
جاء القسيس لصلاتها الأخيرة
قالت وهي تلفظ أنفاسها:
سترى كيف ساشفي مع الوقت !

-119-
يا صديقي الفنان ارفضهم كالريح
لا تدعهم " يؤستذون" عليك
فهم كلما اجتروا عتيقهم ووعدوا خواءهم واهتراءهم
طعنوك باللؤم وسألوك عن عطائك الجديد بإلحاح اكبر!

-120-

بأغنية ليلية من نسائم الارز أناديك
وحين استقل معك تلفريك الحب
ينزلنا دائما في قمة بركان الإحزان
في وطن كل ما فيه ينعق باستثنائي أنا البومة!
-121-

انه مخلص للقضية منفتح على العالم
بربطة عنق باريسية وسيجار كوبي وعشيقة روسية
انه مخلص للرفاق الذين ماتوا من اجل القضية
وفي حديقة قصره سيعمر مقبرة بروليتارية لهم جميعا
ومزارا مدفوع الاجر للزيارة
مع "بسطة " لبيع الكوكا كولا والهامبرغر
لا لن ينساهم!!

تقودنا (غادة السمان) هنا إلى سر عذابها وشقائها وآلامها، فتكشف عما تم تسجيله في الصندوق الأسود في طائرتها المحطمة حيث فيه الكثير من تفاصيل الحوار مع الذات الخائبة، المنكسرة، المرهقة، المثقلة بمعانات التي فجعت بها حياتنا بمنغصات الحروب، والدمار، والإبادة الجماعية، والمشانق، والبؤس، والتشرد، والضياع، (( الكهرباء المقطوعة في بيوت تفور بالصراصير والسوس والجرذان العملاقة والتماسيح
وما من فراشات في كوكبنا إلا العثة
الأكياس الواقية من الايدز الملونة المعطرة كقناع ذهبي على وجه الموت
الغرامات الليلية الوهمية البائسة في فنادق الشوارع مكشوفة المجارير
الحب المزعوم الكئيب كما العشاء وحيدا في "دراج ستور" نيويوركي نصف معتم
في الجادة الحادية والثلاثون من منهاتن
يمنع التدخين ويفوز الدخان من مقلاته ومرحاضه ومخدراته
البيوت المزيفة ببقايا قذائف لم تدمرها كلها
حراس الليل الذين يرقون نهار الناس
المخافر المحشوة بأجساد تسيل عرقا ودما
واعترافات كاذبة أمليت عليها
المشانق السرية والمقابر الجماعية
والقتل المدعو انتحارا او نوبات قلبية
المذابح والحروب والمجاعات
المصحات العقلية المزدحمة بالأصحاء
"عقلة الإصبع" في مجسمات ضمة في شوارع في ملصقات الساحات والمطارات تتغزل بفحولته ..))، فمن خيبة إلى خيبة اكبر، ومن حزن إلى حزن أشرس، ومن مرارة إلى مرارا ألذع، تخر الدود أجسادنا ونحن إحياء فنهرب ونغترب ولا ندري أين نهرب من هذا الجحيم فتقول: ((..تعبت من ذلك كله
فهل في جزيرتك يا روبنسن كروزو متسع لبومة مثلي هاربة من هذيان الإنسانية
بومة شديدة التشاؤم من البشر؟))، نعم لحجم ما بات البشر يقترف من جرائم.. بتنا نتشاءم منه.. لأننا بغياب الوعي، بتنا ضائعين، حائرين من الواقع المحزن الذي نعيشه، لترتفع كلمات (غادة) هنا بصوت ((عجوز)) فتقول وهي تحضر: ((كانت العجوز تحتضر على فراشها
جاء القسيس لصلاتها الأخيرة
قالت وهي تلفظ أنفاسها: سترى كيف سأشفي مع الوقت ! ))، أي حينما تبتعد عن عالم البشر ستشفى جراحاتها، بمعنى أخر لا يمكن الخلاص من معاناتنا إلا بالموت ، فهنا (غادة) تخاطب النفس و الروح لتأشر إلى واقعنا اليومي الذي نعيشه بهذا السواد القاتم في الفجائع، كل يوم نصبح على فاجعة، وهذا ما يقود (غادة) إلى التمرد لتواصل ثورتها في وسط إشكالية (الحياة) و(الوطن) لمن يقوده وهو تائه مع مباهج وكما تقول: ((انه مخلص للقضية منفتح على العالم
بربطة عنق باريسية وسيجار كوبي وعشيقة روسية
انه مخلص للرفاق الذين ماتوا من اجل القضية
وفي حديقة قصره سيعمر مقبرة بروليتارية لهم جميعا
ومزارا مدفوع الأجر للزيارة
مع "بسطة " لبيع الكوكا كولا والهامبرغر
لا لن ينساهم!!))،
ليكون مغزى كلامها للإنسان: أين انتم من كل هذا يا إنسان الوطن...؟ والناس في طوابير تشتهي خبز المغلف بنظراتهم وهم جياعا لا تستطيع الوصول إليه.....! انه واقع الحزن الذي تهرب منه (غادة) وأهلها في الشرق تحت فاقة العوز والحرمان والفاقة .


-122-

كلما ضممتني إليك
عدت عذراء من جديد
وشعرت أنها ليلة عرس..!

-123-

لن اكون سبحة بين أصابعك
تلهو بها وأنت تغزل أخرى

-124-
اتقيت اليوم بالطفلة
التي تشاطرني جسدي من زمان وتجهل كيف تكبر
طفلة تعيش حياة مزدوجة بين "ديزني لاند" وديزني لادن"
تلك الطفلة ذهبت من "حزن لاند"
حيث ولدت وستدفن حيث تقيم
الى"ديزني لاند" حيث تلعب في ضاحية باريس
ركبت الطفلة في علة مدينة الملاهي المسحورة وأنا معها
ضحت مع بقية الأطفال للمهرج وأنا معها
حين شاهدها أصدقائي أخفيت وجهي خجلا منها
لكنها مدت لهم لسانها ساخرة
الطفلة التي تشاطرني جسدي
تنابت لي باني سأموت في "فرح لاند"
فجأة على دولاب مدينة الملاهي وأنا أقهقه
من دون إن ادري إنني أموت
أنها كالشعراء تتوهم أمنياتها نبوءات!

هواجس (غادة السمان) من أفكار وأمور الحياة وهموم لا يطفئها إلا همسات وصراخ الشعر، فكل ما يدور في خلد من هذه الهواجس لا يطفئها إلا الكتابة فهي تروى وتنشد خلجات نفسها والتي تشبهها بحالة (الاحتضان) التي وحدها توقد المشاعر بالإحساس النشوة وكما تقول :(( كلما ضممتني إليك
عدت عذراء من جديد
وشعرت أنها ليلة عرس))، التي وحدها في ضل هذه المشاعر تظل ظامئة لا يروى ظمأها سوى لحظ احتضنها من تحب، فهنا تستخدم التشبيه لان إطلاق العنان لهواجسها فيه راحة نفسية لها ، معللة كل ما يدور في خلدها من الهموم والإحزان وكل ما عصف حياتها، وإنها لو تناستها فسرعان ما تجد نفسها في خضم إحداثها، فهي كتلك (الطفلة) التي وصفتها بأنها ((تعيش حياة مزدوجة بين "ديزني لاند" وديزني لادن")) فان طريقها يسير بها نحو ذلك الحنين والذي يعصف جوانحها. فبعد طول الانكسارات تبقى البراءة والأمل في أعماق (غادة) يتجه نحو ألأمام والى المستقبل المجهول، ولكن منابعها للحرية يجرها نحو الأمام دون يأس ودون تراجع وتتحدى وتواجه، تواجه بالحب لان أعماقها قد احتلها الحب والحرية وأصبح أمل حياتها في الحب، وبين إن تحب أو تحب، وهذا هو قمة الحب والإصرار والتمسك بأعماقه دون هروب ودون نفيه، رغم يقينها بان الحب بات بإصباغ و مزوق كلام فتقول: ((كلما ضممتني إليك.. عدت عذراء من جديد وشعرت أنها ليلة عرس..!)) لتعود في خضم هذه النشوة بأنها يقظة بفعل رغباتها وهي في أوج انفعالاتها وهيامها بأنها (( لن أكون سبحة بين أصابعك تلهو بها وأنت تغزل أخرى))، وفي هذا السياق فان المعنى بتأويل المتوصل إليه يضع الدلالة عند مستوى الفهم المجازي بمعنى إن النص يمثل الواقع الذي تنطلق منه (غادة).


-125-

استجوبت القبيلة طويلا القتية
بن ميتة وأخرى من ميتاتها
وجنازة وأخرى من جنازاتها السرية والعلنية
وحكمتها بالموت مررا بتهمة الصدق
ووأدتها مرات عقابا
ولم تنجح في الخلاص من تلك التي تحبها وتكرهها في إن كانت البومة دوما تعود
والقتيلة لا تغادر القبيلة إلا لترجع
فالحب مد وجزر
وفي الجزر تعربد القواقع الهلامية والأصداف الصغيرة وثعابين الماء وسرطاناته
ومدعو النبوة وتجار السفن الغارقة وقراصنة بيع الأطفال حتى الذين لم يودوا بعد
أنا بومة الإسرار التي دوما تعود
ولم يعد احد يعرف أهي امرأة من لحم ودم
أم انه شبح من لهبة شمعة لا يزيدها النفخ لإطفائها إلا اضطراما؟

-126-

لا تشدني إلى حلبة الرقص الباريسية
لا ترش فوق شعري الأوراق الملونة
لا تنفخ في إذني صفارات العيد زماميره انتصارا على سنة اخرى مرت ولم نمت فيها
لا تجرني الى شوارع بالمهرجان بين الشانزليزيه وساحة الكونكورد
لا تسلط الأكذوبة العتيقة التي تتحد عن سنة جديدة
لا تسلط على الأضواء البسيكاديليك إذا راقصتك
فالبوم لا يرى إلا في الظلام
حدق جيدا في الظلام كما يحدق البوم
سترى إن ولادة بنت المستكفي ما تزال تعمل ساقية
في حانة أبي عبد الله الصغير
الذي يتسول بطاقة "الإقامة" في اسبانيا بعد طرده من ملكوت "الغريد غاد" في أمريكا
عبد الرحمن الداخل ما زال يبيع التذكرات للسياح
على أبواب منارات العز الغابر في غرناطة و قرطبة واشبيلية
زياد بن ابيه شيد قصرا في ريف "غربستان"
وصار يحضر سباق"الاسكوت" بالقبعة البريطانية
خالد بن وليد أزال بعملية تجميله اثأر الطعنات وجارح السيوف عن بشرته
وها هي المدلكة الهوليودية تعيد بالضاحية اللندنية
سيف الدولة في رحلة سياحة جنسية إلى الشرق الأقصى
يعاقر النسيان في كؤوس الروم
" ولكن خل عينيك تدمعا"

-127-
اذا مات صديقي القديم اياه!
لم احزن ولم اذرف دمعة
فقد سبق له إن مات في قلبي من زمان
وبكيته وبومت طويلا ونسيته
غريب أخر عابر في سنة أخرى عابرة لا أكثر ..

هنا ( غادة السمان) ترفع بهذا المجاز اللغوي إلى مجازات أكثر اتساعا ولكن النص بمحتواه لا يتراجع عن هذا الايطار الموضوعي الذي لا تحيد عنه (غادة) لكي تمهد إليه الطريق لبث الأفكار أكثر عمقا في القيم الإنسانية العالية بالوفاء والأمانة والصدق والإخلاص والتضحية لكي يتم تفاعل المتلقي بالنص فتصل رسالة الكاتبة بكل شفافية بكون صورة الحياة التي التمستها من خلال الوعي والتجربة ألمعاشه بأنها لم تكن قط جزء منها وان عاشت تجاربها، فان تكرار كلمة (لا) كما ورد في النص الأتي :
(( لا تشدني إلى حلبة الرقص الباريسية
لا ترش فوق شعري الأوراق الملونة
لا تنفخ في إذني صفارات العيد زماميره انتصارا على سنة اخرى مرت ولم نمت فيها
لا تجرني الى شوارع بالمهرجان بين الشانزليزيه وساحة الكونكورد
لا تسلط الأكذوبة العتيقة التي تتحد عن سنة جديدة
لا تسلط على الأضواء البسيكاديليك إذا راقصتك ....))، إنما تعطي دلالات واضحة للرفض، بمعنى إن (غادة) تهرب من الحياة اليومية الرتيبة المملة لتعيش في الحلم فتحتضن الليل لأنه يشعرها بوجودها في غياب الأخريين الذين يسعون إلى تدمير ذاتها وحريتها فهي تركض نحو الظلام لترتدي لباسه ولهذا في تقول:
(( فالبوم لا يرى إلا في الظلام
حدق جيدا في الظلام كما يحدق البوم ..))، و ((سترى))....! سترى كل ما هو مخفي خلف الكواليس...!، لان النظر من خلال هذه الزاوية يغني بصور كثيرة، لتكون بصيرتها بالأشياء نافذة لإمكانية قراءة كل شيء والتي هي معرفتها التي تغور في أعماقها لفهم كل شيء وسترى إن (( ولادة بنت المستكفي ما تزال تعمل ساقية
في حانة أبي عبد الله الصغير
الذي يتسول بطاقة "الإقامة" في اسبانيا بعد طرده من ملكوت "الغريد غاد" في أمريكا
عبد الرحمن الداخل ما زال يبيع التذكرات للسياح
على أبواب منارات العز الغابر في غرناطة و قرطبة واشبيلية
زياد بن ابيه شيد قصرا في ريف "غربستان"
وصار يحضر سباق"الاسكوت" بالقبعة البريطانية
خالد بن وليد أزال بعملية تجميله اثأر الطعنات وجارح السيوف عن بشرته
وها هي المدلكة الهوليودية تعيد بالضاحية اللندنية
سيف الدولة في رحلة سياحة جنسية إلى الشرق الأقصى
يعاقر النسيان في كؤوس الروم))، وبعد كل ما ستلاحظه عبر هذه المشاهد، وهي مشاهد فيها أكثر من دلالات وإشارات ورموز يتطلب منا الغور في أعماقها لكشف ما هي الدلالات وما هي الإيحاءات التي توحي بها (غادة) عبر ذكر هذه الصور ومشاهد....!
لنستشف بان كل ما يتم تزويقه هنا وهناك ... هو تملق وكذب ونفاق يدحض عبر هذه الصور التي هي مشاهد من الواقع نشاهدها في مدن الغرب وكيف آلت إليه صور من كنا نعرفهم أو كنا نسمع عن أمجادهم، وهي مشاهد للأسف مؤثرة مؤسفة على ما آل إليه مشهدنا العربي، وكما تقولها بلغة عامية " ولكن خل عينيك تدمعا" مع كل ما يؤل إليه المشهد، ومع ذلك فإن (غادة السمان) لن تذرف دموعها على من مات.. ولن تبكي، فتقول:
((اذا مات صديقي القديم اياه!
لم احزن ولم اذرف دمعة
فقد سبق له إن مات في قلبي من زمان
وبكيته وبومت طويلا ونسيته ..))، فـ(غادة السمان) لن تخالط نفسها ولا تصطنع التمثيل لأي مشهد وهي على علم بجوهر موضوعه وبتفاصيله لأن رؤيتها كرؤية (البوم) قادرة على قراءة الليل قراءة جيدة وتتعسس بكل شاردة وواردة.
يتبع في الجزء التاسع ......





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,820,889,962
- الجزء السابع/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء السادس/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء الخامس/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء الرابع/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء الثالث/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء الثاني، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداث ...
- الجزء الأول، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة ...
- عام يمضي.. وآخر يأتي.. وفي خلدنا أمنيات و أسئلة......!
- حرقة الأحزان .. أنستني متى ضحكتُ في هذا العمر....!
- كلما أتي إلى هنا .. كلما أمر من هنا .......!
- سأمضي .. لأنني أريد أن أمضي ......!
- جلال الطالباني كان محور اللقاء بين العراقيين
- هل سيكون مطلب الكرد في الاستقلال كمصير مطلب الأشوريين في الا ...
- لا أطيق ......!
- الإبداع الأدبي والفني والتحليل النفسي
- جماليات الشعر المعاصر وحداثته
- اللغة الأشورية .. الهوية .. والانتماء .. ودورها في نهضة الأم ...
- يوم الشهيد الأشوري، استذكار .. وتذكير
- انا .. موج البحر، فلا تقتربي شواطئي ....!
- هو ذا .. العراق .. هو ذا .. نصر العراق


المزيد.....




- المونديال يؤثر على شباك تذاكر السينما في روسيا
- انطلاق مهرجان -موازين- الموسيقي في المغرب وسط دعوات لمقاطعته ...
- سعد لمجرد مهدد بالسجن 20 عاما
- مصر بعد الخسارة.. التواصل الاجتماعي والفنانون يتبادلون الاته ...
- عبد الله الرويشد يطمئن جمهوره بعد خروجه من المستشفى
- بالفيديو: فنان سوري خاطر بحياته من أجل الباليه
- بالفيديو: فنان سوري خاطر بحياته من أجل الباليه
- بنعبد القادر يبحث مع وزراء أفارقة وعرب بمراكش
- كفرمندا : تحتفل بتتويج مشروعي القارئ الصغير والكتابة ...
- القحطاني: قطر أقحمت السياسة بالرياضة وأخاطب نظامها باللغة ال ...


المزيد.....

- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فواد الكنجي - الجزء الثامن/ غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة