أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير النفزي - من هم المتوحشون؟















المزيد.....

من هم المتوحشون؟


سمير النفزي
الحوار المتمدن-العدد: 5767 - 2018 / 1 / 24 - 00:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لعلّ ما وصلت إليه المدنيّة اليوم بمفهومها الحضاري الاِيجابي و ما ساهمت فيه كمسار فكري نظري و عملي من النّهوض بالإنسان من الحالة البدائيّة الأوّليّة المرتبطة بالطّبيعة و المنسجمة معها جعلنا كلّ ذلك نسلّم بأنّ هذه المدنيّة ما هي إلّا رفاه و فضيلة و عدل و اِنتصار و تحدّي للجهل و الخوف، غير أنّ المتأمّل في السّيرورة التّاريخيّة من داخل مقاربة فلسفيّة ذات بعد حقوقي لمفهوم المدنيّة و ظروف نشأتها يستجلي معارضة بين الأسس الّتي قامت عليها عند ظهورها تأسيسا لمبدأ التّمايز و التميّز عن الآخر لينتهي به المطاف اليوم في اِقتراب من مفهوم التّماثل مع الآخر.
فعند قيام المدنيّة كمفهوم فلسفي تأسّس لها بناء و حدّد لها مسار و رسم لها أعداء و هم أساسا الغير متمدّنين أو المتوحّشون. لذا فإنّ قيام المدنيّة كمدلول فلسفي يستدعي بالضّرورة مقاومته لأعدائه لكي يسود و أهمّ عدوّ له هو التوحّش و الّذي حدّدت المدنيّة ملامحه، لذا فإنّ البحث الفلسفي في هذا المضمار يتطلّب بالضّرورة تتّبع المعايير الّتي على أساسها وقع التميّيز بين المتوحّش و المتمدّن، يلي ذلك التطرّق إلى إطار التوحّش هل هوّ حالة طبيعيّة؟ أم هوّ إطار اِخترعه الاِنسان ليسجن فيه الآخر المختلف؟ و من رحم هذه التّساؤلات يبرز سؤال جوهريّ هو: من هم المتوحّشون؟
يبدو للوهلة الأولى في طرح هذه الاِشكاليّة أنّ التّمييز بين المتوحّش و غيره ذو بعد اِحيائي مرتبط بالفيزيولوجيّة البشريّة الّتي تفرّق المتوحّش عن الغير متوحّش، غير أنّ المدقّق في المسألة يكتشف نوعا من الزّيف البلاغي المستعمل للنّعوت في توصيف المحيط الخارجي، لأنّ الاِنسان هو الّذي يعطي للأشياء معاني مشحونة بالذّاتيّة لا تتطابق تلك المعاني مع حقيقة الأشياء الّتي تسمّيها غير أنّ الفكرة الّتي تحملها نقوم بتعبئتها في المعاني اللّغويّة الّتي نستعملها، فلفظ المتوحّش حينما نطلقها على الطّبيعة الّتي لم يلمسها الاِنسان هيّ في حقيقة الأمر اِستنقاص من قيمتها طالما لم يتدخّل فيها الاِنسان رغم ما يوجد بها من اِنسجام في ظلّ غيابه و عدم تدخّله، لكن من هو هذا الاِنسان الّذي ينعت بالتوحّش كلّ غريب عنه أو كلّ ما ليس معه؟ و أيّ معايير يستعملها في تأصيل مفهوماته و مدلولاته؟
نستطيع أن نجد ملامح هذا الاِنسان خاصّة مع بداية عصر النّهضة في أروبّا في القرن 15 و 16 و حتّى قبل ذلك زمن هيمنة الكنيسة و التّفسير البطريركي للكون و الحياة، حيث أنّ المسيحي الّذي رفعت كلّ خطاياه و افتداه المسيح بروحه هوّ الأطهر و هو المثال الرّاقي للأنسان كما أراده الربّ، هذا التوجّه و هذه العقيدة رسّخت مفهوم الأفضليّة لدى المسيحيّين و زوّدهم بمشاعر التفوّق على الغير الّذي بالنّسبة لهم هو ضالّ و لا يمتلك الايتيقا المسيحيّة المباركة من الربّ يسوع فهو بذلك لن ينال الملكوت، و هذا الموقف من الآخر الغير مسيحي الّذي رسمه كعدو وجب امّا قتاله وإمّا اِيمانه، كانت الأرضيّة النّفسيّة الخصبة الّتي اِستعملت فيها العقلانيّة الأوروبيّة في القرن الثّامن عشر عند تقلّص نفوذ الكنيسة.
و حلّ محلّ المعايير الدّينيّة و الأخلاقيّة معايير جديدة و هي المعيار الفكري و الثّقافي فحين بلور العقل الأوروبّي مفاهيمه السّياسيّة و الحقوقيّة، اِعتدّ بنفسه في هذا التمشّي و أصّل لمركزيّته في هذا العالم و اعتبر أنّ ما وصل اِليه العقل الأوروبّي و اِنتفع به الاِنسان الأوروبّي يميّزه عن غيره من البشر في ظلّ هذه الظّروف نشأ مفهوم المدنيّة الّذي يرتقي بالأوروبّي إلى مرتبة فوق بشريّة و أصبحت المدنيّة إلاها جديدا يسعى من أجله الجميع بعد أن فقد الدّين ألقه و بريقه القديم و بالتّالي فإنّ الغير أوروبّي أي الغير عقلاني الّذي لا زال لم يغادر الطّبيعة الأولى هو غير متمدّن و هو متوحّش فالمتوحّش لم يطلقها الغير أوروبّي على نفسه بل ألصقها له العقل الأوروبّي الّذي لا يذكر هذا المعنى و لفقّه للمختلف معه رغم أنّ الحقيقة مخالفة لذلك تماما. و بالتّالي صار الغير أوروبّي هوّ بالضّرورة متوحّش اِنسجاما مع الفكرة الاِغريقيّة الأفلاطونيّة أنّ الطّبيعة خلقت أناسا ليكونوا أسيادا و خلقت أناسا ليكونوا عبيدا "و خلق الفكر الأوروبّي مصطلح المتوحّشون لوصف غيرهم بذلك".
و ربّما تتشابك العديد من المعايير الاخرى في تأسيس مفهوم المتوحّش على الغير الأوروبّي منها ما هو حضاري. إذا يعتبر الأوروبّي أنّ الآخر لم يستطع اِنجاز حضارة أو لم يؤسّس ثقافة أو سياسيّا لم ينتظم في الشّكل السّياسي الحديث للدّولة و لم يستطع تنظيم حياة المجموعة و مركزة السّلطة و اِضفاء معاني على الموجودات السّياسيّة من حوله كالسّيادة و المجال لذلك يعتبر الأوروبّي الّذي أسّس مفهوم الدّولة الّذي شرعن بواسطته القوانين، و الّذي لم يعرف بعد أهمّية الوعي و العقل و بالتّالي لم يتحرّر بعد من التّبعيّة للطّبيعة و هو ما يمهّد للذّهاب في الفكر المتطرّف المنغلق على ذاته و المبرّر لسلوكه إلى القول بأحقيّته في الوصاية على المتوحّش لتمدينه و تحريره و هو ما يعدّ تمهيدا لاستعماره و ذلك بمحاولة توسيع اِطار و مفهوم المتوحّش كما اِقترب هذا الغير أوروبّي من كسره، فما هي ملامح اِطار التوحّش؟
تتواصل هنا الهيمنة على المفاهيم و على الدّلالات من طرف العقل المشرّع الأوروبّي، فعالم المتوحّش بالنّسبة لهم هو عالم التوحّش حيث أنّ المختلف عن الأوروبّي غير مكتمل الحقوق و يبرز ذلك جليّا منذ القرن التّاسع عشر حينما وقعت الدّول الأوروبيّة اِتّفاقيّة ماست تريخت جاء في هذه الاِتّفاقيّة أنّه لا يقع اِستعمال القذائف الّتي تنفجر أو هي قابلة للاِنفجار و يتجاوز حجمها نصف رطل لأنّها قد تقتل الكثير من الأوروبّيين الّذين ليس من السّهل تعويضهم تلى ذلك اِتّفاقيّة لاهاي الّتي نصّت على وجوب اِحترام قانون الحرب إذا اِندلعت بين شعوب أوروبّا و الدّول الأطراف في تلك الاِتّفاقيّة غير ملزمة بتلك الاِتّفاقيّة مع شعوب غير أوروبيّة، كذلك ما قاله أحد اللّوردات البريطانيّين في قانون الحرب بأن الحرب عليها أن تكون أشدّ قسوة و أكثر دمارا على الشّعوب الغير أوروبيّة على اِعتبار أنّ تلك المجتمعات لا تمثّل خسارة عند فنائها فهي لم تبقي حضارة.
فالأوروبّي لم يمضي اِتّفاقات مع غير الأوروبّيّين في تنظيم الحرب لأنّه يعتبر غير الأوروبّي متوحّشا و يجب معاملته بقسوة، و مع تطوّر النّظام الرّأسمالي وفي اِطار البحث عن الأسواق الجديدة للبضائع و اِمتزاج وحشيّة رأس المال مع مركزيّة الأوروبّي استباح الأوروبّي غيره المتوحّش حسب تصنيفه لكي يجعل منه إمّا سوقا اِستهلاكيّة أو جزءا من الآلة المنتجة أو مشروعا للتّهذيب و التمدين و تمثّل ذلك واقعا في تبرير الاِحتلال و الوصاية و الاِنتداب و ابتداع أشكال عدّة من الاِستعباد الّذي تارة يلبس الثّوب الثّقافي و طورا آخر الثّوب التّجاري مهما فعلت أنڨلترا عند اِحتلالها للهند تحت مسمّى شركة الهند الشّرقيّة، فالمتوحّش من المنظور الأوروبّي هوّ الّذي لم يستطع أن يبني نظاما سياسيّا و هو أساسا الدّولة لأنّ الدّولة هي من يضمن الملكيّة الفرديّة و دون الدّولة لا معنى للملكيّة و بالتّالي تبرير اِفتكاك الأرض من المتوحّش للمتمدّن وهو الّذي لم يستطع بناء نظام اِقتصادي يقوم على التّجارة و الصّناعة و تداول العملة و بذلك تفتكّ خيرات المتوحّش لصالح المتمدّن و الّذي أيضا لم يستطع اِيجاد طرق للخلاص من الاِثم الأوّل الّذي بسببه أنزل آدم إلى الأرض لأنّه غير مسيحي لذلك فحيّاته لا معنى لها و هو غارق في الخطيئة و لم يكفر عن اِثمه فلا بدّ من جعله مسيحيّا و بالتّالي كلّما سعى هذا المتوحّش للإلتحاق بركب المتمدّن إلّا و ظهر مفهوم أوسع للتوحّش فصار المتوحّشون يتحرّكون في دائرة مفرغة أو يسعون عبثا للتمكّن بل أنّهم أصبحوا بمثابة سيزيف و الحجر.
فمن داخل العقل الأوروبّي المعتدّ بذاته و الزّاعم للتطوّر و التّحديث فهو يطوّر معنى الاِستعباد و اِستعداد الآخر و اليوم يعيش العقل الأوروبّي في ذروة تعاليه عن الآخر و ذلك يفرض المعاهدات و المواثيق و اِقرار العقوبات على مخالفتها مع الأطراف الضّعيفة رغبة منه في جعلها تراوح مكانها طيلة التّاريخ مع الاِحتفاظ بمفهوم أنّهم متوحّشون بالمعنى المعاصر للمفهوم من خلال معاهدات الحرب على الاِرهاب الّتي فيه الشّعوب الغير أوروبيّة هيّ المصدّرة للاِرهاب و الاِرهابيّين المتوحّشين طالما أنّهم من ثقافة و فكر و دين مختلف عن الاوروبّي و طالما أنّ الدّول المتوحّشة السّابقة و الّتي كانت مستعمرات هيّ الّتي تنتج المخدّرات و توفّر قاعدة لاِنطلاق و اِستقرار تجّار الأسلحة و البشر.
المفارقة هنا أنّ المخدّرات و الأسلحة و تجارة البشر هيّ اِبتكار أوروبّي خالص يحمل علامة الجودة الخاصّة بأوروبّا بما فيها اِستعمال الحروب بين الشّعوب و بيع و شراء الرّياضيّين و تقنين الاِبتذال و الرّداءة ليس بالمفهوم الأخلاقوي بل بالمفهوم الاِنساني و تعيده إلى نسق الطّبيعة الأوّل أصبح جزءا من التفوّق الأوروبّي المؤمن بالحريّة و المحارب للتوحّش الّذي يعترض على ذلك. و المفارقة الأخرى أنّ الشّعوب الّتي كانت في الماضي موسومة بالتوحّش و أهمّها العالم الجديد. أصبحت الآن تصف الآخر بالتوحّش و المفارقة الأخيرة هيّ اِعتبار الأوروبّي متفوقا و متمدنا و وصفه للآخر بالمتوحّش و من جهة أخرى يسعى لاِبقاء ذلك المتوحّش متوحّشا أبد الدّهر.
تظلّ المعايير و المفاهيم حكرا على القويّ الّذي يطلقها على الآخر و يملئها بتصوّراته و المعاني الّتي يريدها و ذلك طبعا إمّا لخلق حقّ و اِنتزاعه من الآخر أو للتهرّب من واجب و في نهاية الأمر يظلّ العقل الأداة هو رأس الحربة في تحقير العقل المضادّ له و ينتج منظومة العنف لمواجهة التوحّش.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,936,004,504
- اليات التحرر: الهوة بين الفكر واللغة
- مكيافيل يحكم العالم


المزيد.....




- بعد 14 عاما من قضية الاعتداء الجنسي -أب أمريكا- يحكم بالسجن ...
- أردوغان: مصير القس بيد القضاء.. والسلام مستحيل والأسد بالسلط ...
- ثلاثة بيانات لتبني هجوم واحد في الأهواز... فمن المسؤول؟
- أردوغان: مصير القس بيد القضاء.. والسلام مستحيل والأسد بالسلط ...
- شاهد: "الوحش"... سيارة ترامب الجديدة
- السيسي: الدول العربية أكثر عرضة للتفكك
- السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحق 71 شخصا
- ترامب يجري محادثات مع نتانياهو في نيويورك
- صحيفة: وفاة طفل على متن الخطوط القطرية
- شاهد: "الوحش"... سيارة ترامب الجديدة


المزيد.....

- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني
- كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن ... / عبدالله بنسعد
- آراء وقضايا / بير رستم
- حركة الطلاب المصريين فى السبعينات / رياض حسن محرم
- تقدم الصراع الطبقي في ظل تعمق الأزمة العامة للامبريالية / عبد السلام أديب
- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير النفزي - من هم المتوحشون؟