أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير النفزي - اليات التحرر: الهوة بين الفكر واللغة















المزيد.....

اليات التحرر: الهوة بين الفكر واللغة


سمير النفزي
الحوار المتمدن-العدد: 5765 - 2018 / 1 / 22 - 00:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لئن أصبحت اللّغة كمبحث فلسفي ذات أهميّة منذ أواخر القرن التّاسع عشر و بداية القرن العشرين، حيث شهد موضوع الفلسفة تطوّرا من حقبة الوجود إلى حقبة فلسفة الذّات إلى فلسفة اللّغة في الواقع الرّاهن، إلّا أنّه نجد جذور التّعاطي مع اِشكاليّة اللّغة يعود إلى الفلسفة الإغريقيّة القديمة و من ضمنها المحاورات الّتي أجراها سقراط مع كارتير و هيموجين و الّتي يعتبر اهم النصّوص التي وصلتنا من تلك المحاورات الّتي قام بتدوينها أفلاطون و الّتي أوردها ديمونيك في كتابه "أفلاطون. الرّغبة في الفهم" والتي تتمحور حول البحث في مدى اِرتباط اللّغة بما هي أسماء بماهيّة الأشياء الّتي تطلق عليها، لذلك تطرح علينا الإشكاليّة الفلسفيّة التّالية: هل تقول الفلسفة الحقيقيّة؟
و تتراوح المقاربات الفلسفيّة عموما بين اِعتبار اللّغة مجرّد اِصطلاح و بين اِعتبارها تطابقا مع الحقيقة.فكيف يكون مجرّد الاِصطلاح على التّسميات في اللّغة دالّا على حقيقة الأشياء؟
و كيف تكون اللّغة بمجرّد اِصطلاحا في الألفاظ؟ و إلى أيّ مدى يمكن اِعتبار أنّ اللّغة كامنة في الاِصطلاح فقط؟
ينفرد الاِنسان بكونه الكائن الوحيد المنتج للغة بمعناها الفلسفي و بما تحتويه من كلام و كتابة و اِشارات و غيرها للتّعبير عن أفكاره أو عن أهوائه كما يقول روسو الّذي يضفي مسحة رومانسيّة عليها. أمّا المشكل الفلسفي في هذا المستوى هو هل يكفي اللّغة أن تطلق أسماء على الأشياء لكي تكون حقيقة؟ بمعنى أنّ الأسماء دالّة على الأشياء و على حقيقتها.
ينطلق سقراط باعتبار اللّغة انعكاس للحقيقة عند اِطلاق الأسماء على الأشياء الّتي اِتّفقا عليها المتحاوران "الأسماء وقعت على نحو صحيح". إذ مهما كان أصلها أي أصل التّسمية في اللّغة منطلقه طبيعي، أو منطلقه اِصطلاحي فهو يدلّ على حقيقة الشّيء المسمّى، و بذلك تعطي للأشياء تسميات هي بمثابة كيانات لغويّة أو مفاهيم ذاتيّة لها تميّزها عن غيرها في محيطها و نخصّها بصورة خاصّة و نرسم لمستعمل اِسمها صورة وحيدة في خياله عند الحديث عنها. و بالتّالي يقع الاِتّفاق على جملة هذه التّسميّات من حيث الشّكل و الجوهر و الامتداد المادّي لها فيصبح الحديث عنها في ظلّ وجودها أو عدم وجودها مفهوم بين أولئك الّذين اِصطلحوا على التّسمية و يكون حضورها اِعتباريّا على اِعتبار أنّ مجرّد تسميتها تجعل منها حاضرة في الأذهان.
و يعتبر "بروتاغروس" أنّ الطّبيعة و الاِصطلاح يتجذّر كلاهما في الآخر أي أنّ التّسميّات اللّغويّة للأشياء يتجذّر فيها الاِسم بماهيّة المسمّى و المسمّى كذلك. و من هنا ينعدم التطوّر القائل بأنّ الأشياء في تسميتها اللّغويّة هيّ نقل لحقيقتها فلا يمكن أن لا تتطابق المسميّات مع ما أطلقت عليه إذ يستحيل أن نسمّي شيئا بمسميّات عديدة أو نسمّي أشياء عديدة بمسمّى واحد، و لا يقصد في التّسمية الّا الشّيء الّذي وقع اِطلاق الاِسم عليه، فاللّغة وعاء يمكنه أن يحتوي على كلّ الأشياء بحقائقها. لكن هل يكفي هذا القول لاِختزال الأسماء في اللّغة لنقول أنّها حقيقة؟ ألا يعتبر ذلك تعسّفا على الحقيقة في ذاتها خاصّة إذا علمنا أنّ اللّغات المتعدّدة تعطي للأشياء مسميّات مختلفة فتكون بذلك حقيقة الأشياء متغيّرة؟ فكيف تكون اللّغة مجرّد اِصطلاحا لتأدية دور التّواصل؟
تختلف اللّغات عن بعضها البعض اِقترانا باللّهجة و الحروف و الثّقافة و غيرها من العوامل، غير أنّ تطوير عنصر التّواصل بين النّاس و التّعبير عن المشاعر و الأفكار جعل من اللّغة هي الوعاء الّذي توضع فيه الأفكار و المشاعر و التصوّرات و الّتي من خلالها يقع الاِتّفاق و الاِصطلاح على التّسميّات و المفاهيم و المصطلحات الّتي يتعامل بها و اِطلاقها على الأسماء و الأفعال و بالتّالي قد لا تكون التّسمية مخلصة لماهيّة شيء ما غير أنّ المتكلّمين لنفس اللّغة يدركون المقصود و المعني بتلك التّسمية. إذ أنّ سقراط و من منطلق كون اللّغة مجرّد اِصطلاح بين النّاس فهو يحاول أن يلفت اِنتباه هرموجين إلى كون أخاه "كالياس" الّتي ينفق المال على السّفسطائيّين الّذين أوهموه بأنّه عالم على اِعتبار أنّهم يتّسمون بخصال خطابيّة تتحكّم في اللّغة و معانيها و أنّ اِقتناعه بأن "بروتاغروراس" الّذي يجعل فكرة أنّ الأسماء تحمل الحقيقة للأشياء أو هيّ دالّة على حقيقة الأشياء على الأقلّ في معنى الحدوث و الظّهور، ليس على حقّ أو هو مخطئ و يحمّل اللّغة ما لا تحتمله. إذ أنّ وظيفة التّسميّات الاِصطلاحيّة هيّ وظيفة في التّعيين و التّخصيص لشيء دون سواه كما يرى ذلك "هيرودتس" و هي بذلك بعيدة كلّ البعد عن المساس بجوهر الأشياء، فالكلمات تسمّى شكل الأشياء أو صفاتها أو صفة فيها مميّزة لها تجعل الحديث عنها يخصّها و يتمّ ذلك بالاِصطلاح و التّوافق بين النّاس الّذين يسمّيهم "برماتيدس" المنخدعين بتنوّع الصّيرورة، و الجاهلين بوحدة و ثبات الوجود. و يضرب مثلا في ذلك أنّ النّاس يسمّون اللّقاء أو الولادة حياة و الفراق أو العدم موت. فاللّغة بالنّسبة له غير مرتبطة بالواقع أي لا واقع لها اِلّا الذّهن الانساني، ناهيك عن كون المجموعات الاِنسانيّة في مسار حياتها من جملة ما تنتجه تنتج مصطلحات و اِصطلاحات لغويّة تختلف عن غيرها من المجموعات البشريّة الأخرى لكي تستدلّ بها على مفاهيمها و مقاصدها كما ذهب لذلك ديموقرطس، غير أنّ بروتاغروس كما يتبنّى نوعا من الاِصطلاحيّة الّتي لا شيء اِعتباطي فيها.
غير أنّه و في محصلة هذا التحليل نشير إلى كون أصحاب نظريّة أنّ الأسماء تدلّ على الحقيقة و أساسا السّفسطائيّين استطاعوا أن يتقدموا في فرض هذا التوجّه ليصبح "فلكا للالسنية" غير أنّ المتأمّل في هذا الرّأي و الرّأي المخالف يلاحظ أنّ كليهما لم يصل إلى درجة فهم علاقة اللّغة بالمفاهيم و علاقتها بالحقائق و جوهر المسمّيات. فلا يمكن أن يدلّ مسمّى على حقيقة شيء ما طالما أنّ اللّغات تختلف من ناحية فتصبح الحقيقة متغيّرة بتغيّر اللّغة، فتصبح هناك حقائق و ليست حقيقة لشيء واحد. ثمّ أنّ اللّغة تحمل في جوهر ألفاظها الجناس و الطّباق و السّجع بما يعني أنّ الأشياء تسمّى بمسمّيات عديدة من داخل نفس اللّغة فلا يمكن أن تكون كلّ تلك التّسميّات حقائق لشيء واحد، و تاريخيا هناك أشياء تغيّرت تسميتها فلا يمكن أو تتغيّر حقيقتها في كلّ حقبة تارخيّة. كما أنّ هناك أشياء حافظت على تسميتها فلا يعقل أن نكون هناك حقيقة ممتدّة في التّاريخ لا تتغيّر سوى كانت علميّة أو ميتافيزيقيّة.و من ناحية أخرى فإنّ الاِصطلاح على التّسميّات في اللّغة قد يدلّ في بعض الأحيان على الحقيقة مثل تسمية الفراغ و الّذي يدلّ على اِنعدام المادّة في وجودها الصّلب أو السّائل.
تمثّل اِشكاليّة اللّغة من وجهة نظر فلسفيّة مبحثا خلافيّا على اِعتبار مناهج البحث فيها و التّعاطي معها الشّيء الّذي خلق تيّارات متعدّدة من الهيرومونوتيقا الكلاسيكيّة حتّى الألسنيّة الحديثة، و لعلّ اِختزال اللّغة في كونها تقول الحقيقة عند النّطق بالتّسميّات أو اِعتبارها مجرّد اصطلاح اِنساني للمسميّات تجزء من هذا الخلاف مثّله أساسا التيّار الفلسفي الكلاسيكي، فما عسى يكون رأي الألسنيّة في مسألة تمفصلاتها البنيويّة؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,841,146,224
- مكيافيل يحكم العالم


المزيد.....




- زوبعة مائية تهدد زورق صيادين
- المعارضة الموريتانية تدعو لإبعاد جنرالات الجيش عن السياسة
- ترامب يفسر عدم وصفه روسيا بالعدو
- -الحياة بالمقلوب-.. عمل فني في بيلغورود
- رئيس جنوب السودان والمتمردون يتفقون على تقاسم السلطة
- رئيس بوليفيا: ترامب عدو للبشرية
- دعوى قضائية ضد مليادير أمريكي وصف غطاس أنقذ "فتية كهف&q ...
- الحكومة: لا نعمل على إضعاف خصوبة المصريين
- الحوثيون يوافقون على تسليم إدارة ميناء الحديدة بشرط
- دعوى قضائية ضد مليادير أمريكي وصف غطاس أنقذ "فتية كهف&q ...


المزيد.....

- الولايات المتحدة، نظام شمولي لصالح الشركات / كريس هيدجز
- الثورة الصينية بين الآمال والمآل / محمد حسن خليل
- المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي / أحمد فتحي سليمان
- العبد والرعية لمحمد الناجي : من الترضيات إلى التفكير المؤلم / لحسن وزين
- الفرعون والإسكندر والمسيح : مقامتان أدبيتان / ماجد هاشم كيلاني
- الشرق أوسطية إذْ تعود مجددا: المسارات البديلة للعلاقات الاقت ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دلالات ما وراء النص في عوالم الكاتب محمود الوهب / ريبر هبون
- في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة / أحمد جرادات
- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى
- العوامل المؤثرة في الرأي العام / جاسم محمد دايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير النفزي - اليات التحرر: الهوة بين الفكر واللغة