أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد علي عبد التواب - مدخل إلي الفلسفة















المزيد.....



مدخل إلي الفلسفة


محمد علي عبد التواب
الحوار المتمدن-العدد: 5760 - 2018 / 1 / 17 - 08:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الشرق
وضعت مركزية الحكم في الممالك الشرقية الحكم في يد فرعون يتحكم بالثروات تسانده طبقة دينية تعطي حكمه شرعية وهذه المركزية بسبب الرخاء والاستقرار الاقتصادي إذ كانت تقوم على الزراعة، وكان من الطبيعي تلحق هذه المركزية السياسية والإقتصادية عقيدة رسمية على الدولة لايسهل نبذها، فالفئة الممارسة للعلم النظري (الكهنة) أعتبرته سرا تتوارثه لتحتفظ بالقوة والقدسية أمام العامة.
لذلك لا نعرف كثيرا عن العلم الشرقي بالإضافة لتدمير الحروب والكوارث الطبيعية إنجازاتهم، عكس اليونان التي تميزت بالديمقراطية والمعرفة العامة، والمصادر عن العلم النظري الشرقي غير مباشرة متمثلة في التطبيقات العملية لهذا سادت مقولة: العلم النظري أصله يوناني (وهذه المسألة لم تحسم بعد).
اليونان
ظهرت الفلسفة اليونانية لتحول المجتمع من مجتمع قبلي زراعي لنظام دولة المدينة (بسبب التقدم الفني الذي غير شكل المجتمع القديم وتبعيته للأرض إلي الصناعة فأزدهرت طبقة الحرفيين والتجار وكان ممثل هذه الطبقة (سولون) الذي دعي لتجديد اليونان الممزقة لصراع مالك الأرض والفلاحيين وأعطي شرف للحرف بإصدار قانون أن الأبن لايلتزم برعاية أبوه في الكبر إذ لم يعلمه حرفة) الذى لا تصبح فيه كل بلاد اليونان كيانا سياسيا واحدا وكل منطقة منه كيانا مستقلا له كل أبعاد الدولة ويكون محوره – عادة – مدينة حولها أراضي فيها ضواحى أو قرى وقد توجد فيها ميناء صغير أو أكثر إذا كانت تطل على البحر وهو ما شجع التجارة.
والظروف الجغرافية التى جزأت اليونان لمناطق منعزلة أو شبه منعزلة أدت لظهور هذا التكوين، وبالإضافة للسلام من الأخطار الخارجية وتخلصهم من الفرس والصراعات الداخلية التي أضعفت إمكانية الحكم الفردي أو توطيد حكم فئة ما، أدي ما سبق للتطور من نظام الحكم الفردى لنظام الحكم الشعبى، وكان موقع اليونان القريب من الشرق سببا لكونها بوابة لنقل الحضارة الشرقية لأوروبا، فالفلسفة أنتقلت لليونان من مستوطنة أيونيا التي أقامها اليونانيون على ساحل اسيا الصغرة (أقرب أرض ناطقة باليونانية للحضارات الشرقية).
وكانت دولة المدينة أولا تجمعات قبلية تخضع لكبار ملاك الأراضى وكان صاحب أكبر مساحة من الأرض يرأس التجمع القبلى. وكان يوجد بجانبه مجلسان أحدهما الأرستقراطيين من رؤساء القبائل ومجلس آخر للعامة. ولعب هؤلاء الملوك دور الموحد لهذه التجمعات القبلية المتجاورة فى شكل دولة المدينة لاحقا.
ولكن منذ أوائل القرن الثامن قبل الميلاد بدأت الطبقة الأرستقراطية (التي لم يكن لها الحق الإلهي في الحكم لذا كانت ملزمة بتأسيس سلطتها السياسة وضبط علائقها علي أساس قانوني، ونجد هنا أحد دواعي التفكير) تزحف على سلطات الملوك حتى القرن السابع قبل الميلاد انهارت الحكومات الملكية فظهرت حكومات جماعية أساسها الطبقة الأرستقراطية حتى القرن السادس قبل الميلاد حين بدأ اليونان موجة جديدة من موجات الهجرة المنظمة لشواطئ البحر المتوسط وأخذوا ينشغلوا – بجانب الفينيقيين – بتجارته فظهرت فى اليونان طبقة إجتماعية جديدة (التجار).
وشجع ذلك استخدام الحديد في صناعة العملات مما سهل التجارة وكان طبيعيا أن تسعى هذه الطبقة لتأمين مصالحها بالسعي للسلطة وهكذا شهد القرن السادس قبل الميلاد نوعًا جديدًا من الحكومات أساسها الطبقات التجارية و الأرستقراطية وهو ما يعرف بنظام حكم الأقلية، ولكن هذا الوضع أدى لتطور الطبقات الشعبية التى اعتمدت عليها الحركة التجارية بحيث أوجد ازدهار التجارة أمامها فرصا ومجالا للحركة لم يوجد قبلا.
وهكذا بدأت الكتلة الشعبية تشعر بكيانها وتثور على تحكم الحكومات الأوليجركية بمصائرها. ولكن حدث فى هذه اللحظات من التاريخ تسلل لقيادة الحركات الشعبية أشخاص من خارجها أطاحوا بالحكومات الأوليجركية لكنهم إنتكسوا بالمدن اليونانية للحكم الفردى مرة أخرى. لكن الحركة الشعبية إستأنفت مسيرتها الطبيعية مرة أخرى أدت أواخر القرن السادس قبل الميلاد لثورات أنهت الحكم الفردي فبدأ الحكم الشعبى (الديموقراطى).
الفيزوقراطيون والفلاسفة
مقدمة 1
أرايت إليهم وقد أطلوا على السر من عليانه؛ وعلى جباههم مسحة من البساطة المقدسة وفي عيونهم بريق الدهشة الساذج، ومن نظراتهم إشعاع الطفولة الأبدية! هاهم أولاء يتفرسون كلمة اللغز ويستمعون للهاتف من أعماق الوجود، فإذا برائدهم طاليس يصيح أنه الوحدة التي يرد لها كل تعدد. أجل أيها الرفيق هكذا يجيب أنكسمندريس، ولكنه الوحدة اللامحدودة أو اللانهائي الواحد، لكن اللانهائي خليط هائل فأين النظام؟ فيرد فيثاعورث: لابد أن يكون خاضعا للعد وقانونه حتي يكون ثم إنسجام. لكن إيجاد الإنسجام شأن العقل، فليكن ثمة عقل (لوغوس) يكون الناموس الأعلى الذي يجري بواسطته التغير في الوجود، التغير دائم لأن الوجود دائم السيلان، هكذا يرد هيراقليطس.
في العرض الجدلي السابق تتلخص أفكار الفئة الأولي من الفلاسفة وفي هذا المقال سنحاول عرض فلسفتهم.
مقدمة 2
إذا تأملنا نجد الإيمان بدأ ضمن مجموعة من البشر معزولة نسبيا، تهتم بعالم ديني محلي للغاية. في هذه الثقافة المتجانسة والموجهة محليا، لا يختلف الدين والعلم ويتوافقان كليا في الحد الادني _ في مرحلة اليونان القديمة المبكرة مثلا. حيث يبدو أن جميع الناس يعتنقون الإيمان نفسه، يكون الشك هادئا: وحين يشرع الفلاسفة بمسألة التقاليد الدينية، فإنهم يقومون بذلك ضمن الدين لتبريره. تساعد أفضل العقول الدينية على استجواب الخصائص دون معاداة التقاليد. وبمرور الوقت قد تتلاشي من حيز الاهتمام التفاصيل الحيوية للعبادة من دون تصدعات كثيرة.
بات ينظر إلي ما كان يعتبر تاريخا وعلما على أنه حكاية رمزية، وحين تتاكل ثقافة الإيمان الراسخ لدرجة اختفائها من المشهد فإنها تحافظ على تماسك المكان لفترة، فتتماسك شخصيات المواطنين من خلال ثقافة مستقرة، وينزع الشكاك المتطورين حينها للإنشغال بما يكتسبونه لا لما فقدوه فلا يتوهوا في لجة الليل، بل تخرج إلي العراء لتقيس النجوم تتأمل المنطق الحاكم العالم: لأنه مثار دهشتها، ويدهشها سعيها لاكتشافه.
فيستبدل الايمان بالاعجاب بالية عمل العالم، ورغم أن الفليسوف قادر على البرهنة على وجود إله، لكن لن يكون كالإله الديني فهو إله معاد تعريفه بعقلانية دون إهتمام بالبشرية، وعلى أثر هذه المقدمة تنتفي عرضية نظريات الفلاسفة الطبيعيون وتظهر في تتابع منطقي خطي ونستطيع فهم فلسفة تاليس وحضور الأفكار الدينية فيها بقوة وإن كانت بصبغة الحجة ومن ثم أفكار أنكيمندريس وهرقليطس وغيرهم وإستبدال الرب الديني(الناتج من 1- تجسيد الإنسان للصفات البشرية في صورة إله وينكر على نفسه الإشباع الحقيقي وينغمس بدلا من ذلك في إشباع خيالي. ذلك أن العقائد الجامدة هي أمان قلبية تحققت، 2- ميل الإنسان لمقارنة الكائن الغير كامل بالفكرة العامة للكمال الإنساني. ومن هنا فالراهب الذي يمتنع عن الجنس يجد بديله في عالم مثالي) بالفلسفي.
ولعل أول ما أسترعي إنتباه الإنسان التغير الدائب للأشياء ، فها هو ذا كل شئ يكون بعد أن لم يكن ويطول ويقصر وينحل، فأني جاء وأين يذهب؟ إنه لم يخلق من العدم ولم ينحدر للعدم، بل تكون من مادة موجودة فعلا، ثم استحال لمادة موجودة كذلك، فهذه الأشياء التي تراها جزء من المادة التي ترتد إليها الأشياء جميعها، فما هي هذه المادة؟ هذا سؤال عرضته الطائفة الأولي من الفلاسفة … إذن فقد فكر الإنسان أولا في المادة ولم يفرق بين المحسوس والمعقول من ثم أنتهت لواحدية الوجود وهذا معقول ليس عرضي، فالعقل الطفولي يفهم العالم المادي حوله فقط لايستطيع التفكير في المسائل المجردة فهي تظهر في وقت متقدم من تاريخ البشرية المتطور خطيا كما سنعرض في المثالية الألمانية.
تاليس :
الماء أصل الأشياء، مصدر التغيرات في الطبيعة، ونشأة الكون تعود لهذا الكلّ: الماء، ليس بوصفه شيئاً محسوساً، وإنما بوصفه مبدأً عقلياً طبيعياً مجرداً موحداً به الكثرة في العالم، بردها لأصل طبيعي واحد جمع من خلاله بين الطبيعة والروح الإنسانية ـ كجزء من الطبيعة ـ والله، فطاليس يقول بوجود إله هو الطبيعة عينها، وقبل تاليس، شرح الإغريق أصل وطبيعة العالم بواسطة أساطير الآلهة ، وكانت ظواهر كالبرق أو الزلازل تعزى للالهة. على النقيض من ذلك، حاول تاليس العثور على تفسيرات طبيعية للعالم، بالرجوع للحجة بدلاً من الخوارق، وفسر الزلازل بأن الأرض تطفو على الماء، وأن الزلازل تحدث لإرتطام الأرض بالأمواج ، وقال أن الأشياء جميعها مليئة بالالهة وأن هناك روح للمغناطيس لأنه يجذب الحديد وأن روحا تنتشر في الكون برمته، قاصدا بذلك أن القوي التي تمثلها الالهة تشبه قوة المغناطيس.
أنكسمانس :
المبدأ الأول للكون مادي (الهَواء)، وهو يمتَدّ دونَ حدود عبر المكَان وسبب الحياة والفِكر. ولعلّ ما دفعه لاعتبَار الهوَاء مبدأ هو كونُ الهواء سَهل الحركة وبالتالي سهْل التغير، وإمّا أن الهواء قادر علَى الإكتفَاء بذاته فلا يحمله عنصر اخر أو أنه أراد تفسير العالم كَكائنٍ حي يموت، يحيا ويتنفس، فقَد كتَب ثالثُ فلاسفَة المدرسَة الملطية رسالة لَم يبقَى منْها سوى شذرَة تقول: “لمّا كَان نفس الإنسَان هو الهوَاء فإنها مبدَأ الوحدَة في كل منّا، وكذلك فإن النّفس أو الهَواء يحوي العالم كله في مَجموع، ويجعلُ منه وحدَة بالتالي”. وأهَمّ المفَاهيم التي جَاء بها أنكسِمانس : التّكاثُف والتخلخُل، وهما يكملَان نظريَة المبدَأ المَادّي، ويقدّما تفسيرًا لتغيّر الأشياء وتكونها. التكاثُف كالبرودَة المتناميَة، والتخلخُل كالحَرارة المتنَامية. فالهواء عندما يتكاثَف يصبح ماءً، ثم تراباً، فيتكاثفُ الترَاب ليصبِح صخوراً وهكذا .. وعندما يتخلخَل الهَواء يصبح نارًا والنارُ المتَولدَة للأعلَى على الهَواء تصبحُ نجوماً .
أنكيمندريس :
يحتل البشر في تصوره مركز كون مترابط بشدة ويواصل دورانه دون تدخل إلهي، إنها وثبة هائلة نحو العقلانية ، لكن حركة الكون ودقة دورانه جعلته يفترض أن العالم موجه بطريقة ما . وقال بتعرض الحياة لتغير ثابت من ليل لنهار من حياة لممات ..إلخ ، لكنه رأي (إنتظاما إلهي) خلف كل هذه الجريان، وقال أن العلة الأولي غير محدودة كيفيا؛فالعنصر الواحد لايكفي لتفسير كل هذا التغير فلابد إذا من تصور مادة غير محدودة كيفيا ينشأ منها هذا التغير الغير محدود في الوجود . ولاحظ أربع كيفيات متناقضة أولية الحار والبارد والرطب والجاف ومسار العالم الدائري فحرارة الشمس تجفف الماء والماء تطفئ النار، وعلي صعيد العالم لاحظ علي مدار الفصول (رغم سيطرة هذا العنصر أو ذاك) فإنها تستعيد التوازن الدائم بينها، ومما سبق مسألة التناقض جعلته يرفض أن الجوهر الرئيسي هو الماء إذ أن الظلم سيتغلب نهأئيا وتكون الغلبة للبارد والرطب علي اليابس والحار، إذا لايمكن للجوهر أن يكون أحد الحدين بل ينبغي أن يكون أعمق تنشأ منه الأضداد وتتلاشي عنه، هكذا أطاحت الفلسفة بالالهة دفعة واحدة. وتحدثت أيضا عن رب واحد دفعة واحدة، رب بصبغة مفهومية يتعلق بالطبيعة بقدر ما يتعلق بما وراء الطبيعة.
فيثاغورس :
بينما طاليس وغيره يظنون الأصل في المادة، كان فيثاغورس يظن أنه في الشكل لأنه مستحيل أن يتشارك المبدأ الأول مع الأشياء في صفة ما، وبعد أن كشف ما في الموسيقى من علاقات ونتائج متتالية عددية منتظمة، وبعد أن افترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية في الكواكب نفسها، قفز قفزة الفلاسفة نحو الوحدة، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية والنسب المنتظمة توجد في كل مكان وهي تعطي إنسجاما للوجود وللأضداد، وأن العامل الجوهري الأساسي في كل شيء هو العدد. وكما أن اسبنوزا قد قال فيما بعد إن ثمة عالمين – أحدهما عالـَم الأشياء أو عالـَم الناس والآخر عالم الفلسفة (عالم القوانين والثوابت) – وإن الثاني هو الحقيقي الدائم، كذلك شعر فيثاغورس أن النواحي الأساسية الخالدة لأي شيء هي ما بين أجزائه من علاقة عددية ، ولعله كان يرى أيضاً أن الصحة نفسها علاقة رياضية أو نسبة صالحة بين أجزاء الجسم أو عناصره؛ والنفس هي الأخرى عددا بالتالي خالدة، فالأعداد عنده نماذج تحاكيها الموجودات وهي لاتفارق صورها إلا في العقل، فقال : النفس بما هي عدد ونموذج تحاكيه الموجودات تنقسم لثلاثة: الشعور واللقانة والعقل؛ فالشعور مركزه القلب، واللقانة والعقل مركزهما المخ؛ وإن الشعور واللقانة من صفات الحيوان والإنسان على السواء ، أما العقل فيختص به الإنسان وحده، وهو خالد وتمر النفس بعد الموت بتطهير في الجحيم، ثم تعود للأرض ،لجسم جديد، ثم آخر وهكذا للأبد، إلا إذا كان صاحبها قد حَيي حياة فاضلة . وقال بطبيعة الوجود الثنائية وأن التغير في الكون يتم وفقا للتضداد بين الكائنات بحسب عشرة أضداد أساسية قام بذكرها . والعلة هي الوحدة والمادة الاساسية لها زوج من المادة غير المتناهية ومن الوحدة وزوج المادة غير المتناهية تنشأ الأعداد ومنها تكون النقط ومنها تكون الخطوط وثم الأشكال الملساء ثم المصمتة فالمحسوسة، وهي نفس العناصر الأربعة وهي تتغير ويرجع أحدها للأخر.
هراقليطس :
الكون وما فيه جزء من نظام عالم موحد (ألوهية موحدة) والله قوة وهذه القوة هي النار ونظام العالم لم يخلقه أحد من الالهة أو البشر بل كان أبدا وهو كائن وسيكون: نارا حية تضطرم بمقدار وتخبو بمقدار . والمادة والحياة قوة واحدة تتجلي بطرق متعددة_ وهذا ما يكونه الله، ذلك وصفه الكلي “الله نهار وليل، صيف وشتاء، حرب وسلم، شبع وجوع .يتخذ صورا مختلفة كما النار” وأستخدم فكرة التكاثف والتخلخل لإستنتاج الموجودات من النار، وأستنتج أيضا بطريقة عكسية النار من الموجودات. وقال أن صراع الأضداد يسبب ظهور الأشياء للوجود، والتغير يحدث عندما يكون الشئ إلي ضده، والاضداد متحدة مع بعضها ، والتغير والصراع يحدثان وفقا لقانون يسيطر علي الوجود (اللوجوس) وهو وحده الثبات ويمكن إدراكه بالعقل لا الحواس المدركة للتغير، وسبب ذلك التغير أن كل موجود جزئي فهو كذا وليس كذا في ان واحد أو هو نقطة تتلاقي عندها الأضداد وتتنازعها فيمتنع وصفه بخصائص دائمة بالتالي يمتنع العلم به بالعقل . وهو أول من أستبدل المنطق الصوري بمنطق حركي جدلي مطابق للواقع، فالمنطق الصوري (عكس الجدلي) يؤكد عدم التناقض فالشئ إما س أو لا س، وعلي ذلك يري أنصار المنطق الجدلي أن المنطق الصوري غير مطابق للواقع لأنه يأخذ لحظة معينة ويجعلها مطلقة .
أكسانوفان :
فكرة الالهة غبية، لأنها يونانية لأبعد الحدود، أبدعتها مخيلة اليونانيين، ولو استطاعت الثيران الرسم لرسمت الالهة علي هيئتها، ولاحظ أن الأحباش يصورون الالهة سودا فطس الأنوف، ويصورهم أهل تراقية زرق العيون حمر الشعور، كما أستبدل الالهة اليونانية بمفهوم توحيدي أكثر إقناعاً كما أنكسيمندريس، وأضاف أن الله يؤدي مهامه بواسطة عقل وأن العقل يوجه الكون. هذا الله “كله بصر، فكر، سمع وبدون حركة يتحرك حيث يشاء وأرفع الموجودات وثابت في المكان مادام أنه لا يليق به العدو من مكان لأخر ولاينتمي لجنس أو رغبات” .. وبهذا وضع أكسانوفان أول علم إلهي_تفكيرا عقلانيا حول ماهية الله وصعد من مجمع الالهة المشابهة للبشر للتنزيه .
ديموقريطس :
أنشأ المذهب الذري القائل أن الأشياء تتركب من ذرات وذلك ما توصل له بالعقل الخالص لا بالتجربة، فقال أننا نستطيع قياسا للزمان و المكان رؤية الأشياء تنمو وتضمحل وذلك يدل علي شئ ما يزيد و ينقص، إذا لابد لكل شئ أن يكون مصنوعا من شئ صغير يتلاقي مع أمثاله لتكوين جسم ثم أخر . وتتماشي ذرات ديموقريطس مع نموذج نظري منتظم بمحض الصدفة لكنه يوضح أنه حالما يتأسس النموذج فلن يكون المضي قدما إعتباطيا بالكامل، وهذا النموذج يؤدي للتنبؤ بالطريقة التي ستسلكها الأشياء وتتفاعل بها، إذا لم يستطع ديموقريطس خلع الغموض والخوف من الكون الذي أدي لشخصنته، بل أثبت أن إنتظام الكون لم يخلقه أو يحفظه إرشاد عقل إله، وعالج أيضا المظهر الشعوري_الإختباري للإيمان بالالهي وهذا ما توجزه إيجابته علي هذا السؤال : إن لم تكن الالهة موجودة فلماذا يمتلك الناس خبرات دينية ؟ فجاوب بأن إيحاءات الالهة في المنام والرؤي تحدث لأن الكون يحتوي علي ضرب من الأشباح الناتجة من سلوك ذري ما (أي محض طبيعي) فهناك ما يشبه الالهة لكنها ليست الهة حقا (لأصلها الطبيعي) .
أناكساغوراس :
المواد كانت موجودة أصلا كذرات تجتمع في كل جسم بمقادير متفاوتة ويتعين لكل جسم نوعه بالطبيعة الغالبة فيه وهذه الذرات، لا نهائية العدد، لامتناهية في الصغر، ذات تنوع كيفي (ولذلك رفض أنكساغوراس فلسفة ديمقريطس الذرية، فالكائنات عنده مجموعة من الصفات الكيفية، بعضها ظاهر، وبعضها الآخر خفي كامن. ولكنها جميعاً تستطيع النماء والظهور، ولاسيَّما إذا انضافت إليها ذرات مشابهة لها بعددٍ كاف)ٍ، والنظام كان أول خروج له من هذه الفوضى من خلال تأثير العقل الأبدي (نيوس) ، وتسأل : “كيف يخرج الشعر من اللاشعر؟ واللحم من اللالحم (أي من شيء غير اللحم مثل العناصر الأربعة)؟” فلابد أن كل هذا وغيره موجود أصلا. لذلك يرى أن جميع الأنواع المختلفة للمادة نهائية وقصوى، بمعنى أن أشياء من قبيل الذهب، اللحم، الخشب والنار والماء هي نفسها عناصر نهائية للمادة لا تصدر عن شيء آخر ولا تتحول من مادة لأخرى. ويري أن في الكون حركة وتغيرا، وهنالك مبدأ أساسي وهو أن الوجود لا يأتي من اللاوجود، بل كل شيء موجود منذ الأبد، الذهب، اللحم، الهواء … وذلك على شكل بذور. فيقول :” يخطىءالهلينيون في قولهم : إن الأشياء تظهر للوجود ثم تختفي. فلا شيء يظهر أو يختفي عن الوجود، بل هناك إنفصال أو إمتزاج لما هو موجود. والصواب أن يقولوا عن ظهور الأشياء إلى الوجود إنها “امتزاج”، وعن التي تختفي عن الوجود إنها “إنفصال””. ويقول عن العقل: ” جميع الأشياء الأخرى فيها جزء من كل شيء، أما العقل فهو لانهائي، ويحكم نفسه بنفسه، ولا يمتزج بشيء، ولكنه يوجد وحده قائما بذاته. فلو لم يكن قائما بذاته، وكان ممتزحا بشيء آخر، لكان فيه جزء من كل شيء. وإن الأشياء كانت ممتزجة بالعقل لحالت بينه وبين حكم الأشياء، كما يحكم نفسه. وهو قائم بذاته، ذلك أن العقل الطف الأشياء جميعا وأنقاها، عالم بكل شيء . ويحكم العقل جميع الكائنات الحية كبيرها وصغيرها. والعقل هو الذي حرك الحركة الكلية فتحركت الأشياء الحركة الأولى والعقل يدرك جميع الأشياء التي كانت، والتي توجد الآن والتي سوف تكون … العقل متجانس في كل أجزائه في، وغير متحرك، فلو كانت فيه حركة فعلينا البحث عنها في شيء آخر خارجه، فالمحرك الأول غير متحرك. والعقل ليس خالقا للأشياء بل مشكلا لها فالعقل والمادة موجودان معا منذ الأزل”.
الميتافيزيقا :
ظهرت الميتافيزيقا في أولي صورها كعلم يدرس موضوعات تجاوز الظواهر ، فهو يعني بدراسة الوجود بصفة عامة و ملحقاته أي المقولات التي تعبر عن الخصائص الثابتة لهذا الوجود و الإنتظام خلف الجريان كالجوهر و العرض ..إلخ (وإن كان هذه التعريف قد لايسري علي ميتافيزيقا بعض الفلاسفة قبل أرسطو فهم كانوا يردوا الظواهر لعلة أولي طبيعية)
، والواقع أن كل إنسان يفكر لابد أن يجد نفسه بسهولة شديدة في قلب الميتافيزيقا عندما يسأل نفسه ماذا أكون ؟ من أنا ؟ كيف جئت؟ فهذه الأسئلة تؤدي لطرح المزيد من التسأولات عن طبيعة الوجود الذي هو فيه وخصائصه ووجود الذات والعالم ، فإذا كانت الميتافيزيقا تبدأ كبحث في الوجود فإنها سرعان ما تتحول لدراسة طبيعته .
حول الفلسفة :
مقدمة : القضية الأساسية التي تكافح الفلسفة لأجلها إقناع الإنسان بعدم ولادته إنسانا ، إنما يصير كذلك ، يولد حيوانا يعي ما ومن حوله لا ذاته ويدرك طعامه وصاحبه ويهاب العصا ، لكن لا يعي وعيه لهذه الأشياء ، ومهمة الفلسفة نقل الإنسان من الوعي المحض لمرحلة الوعي الذاتي .
فالفلسفة تسعي ل :
1_تبديل (الإنسان يولد إنسانا) ب (الإنسان يولد حيوانا متحدا مع الطبيعة ، المادة والحس .. حتي أنه ليفقد الوعي البشري الأصيل في هذا المجال المادي) .
2_مساعدة الإنسان ليصل لهذا الوعي المفقود ، فصرخ سقراط (أيها الإنسان ! أعرف نفسك !) ، وحاول أفلاطون الأخذ بيدنا من العالم المادي لعالم المثل ، وعرف أرسطو الفلسفة بأنها فكر الفكر ، حتي إذا ما وصلنا لهيجل نجده يسند هذه الفكرة بالاهوت فيقول : (أدم وامرأته كانا عريانين بلا خجل ، لأن الوعي الذاتي مفقود عندهما) (التاريخ البشري ليس سوي محاولة لتحرر الوعي من هذا الإندماج المادي ليعي نفسه !) . وفي هذا يقول سبينوزا : أعني بالحق الطبيعي وبالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد ، وهي القواعد التي ندرك بها أن كل موجود يتحدد وجوده وسلوكه حتميا علي نحو معين ، فمثلا يتحتم علي الأسماك بحكم طبيعتها أن تعوم ويأكل كبيرها صغيرها، وبالتالي تستمع الأسماك بالماء ويأكل كبيرها صغيرها طبقا لقانون طبيعي مطلق (الحق الطبيعي ليس قوة أو سلطة شرعية يمتلكها الإنسان لأنه لا توجد في الطبيعة قوة شرعية أو لا شرعية ، الحق الطبيعي حق السلوك طبقا لقوانين الطبيعة العامة ولطبيعة من يقوم بالفعل ، أي أنه حقه في المحافظة علي وجوده هو الحق الذي يتمتع به كل فرد) ، والواقع أننا إذا نظرنا للطبيعة في ذاتها ، نجد أنها تتمتع بحق مطلق علي كل من يدخل تحت سيطرتها أي أن حق الطبيعة يمتد بقدر إمتداد قدرتها، لأن قدرة الطبيعة قدرة الله نفسه المالك لحق مطلق علي كل شئ ، ولكن لما كانت قدرة الطبيعة الشاملة كلها لا تعدو أن تكون مجموع قدرات الموجودات الطبيعية ، فقد نتج أن يكون لكل موجود طبيعي حق مطلق علي الواقع تحت قدرته ، ولما كان قانون الطبيعة الأعظم أن كل شئ يحاول بقدر إستطاعته البقاء علي وضعه ، وبالنظر لنفسه فقط دون إعتبار لشى أخر ، فينتج أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء عل وضعه ، أي في أن يوجد ويسلك كما يتحتم عليه طبيعا أن يفصل. وفي هذا الصدد لا نجد فارقا بين الناس والموجودات الطبيعة الأخري ، بين العاقل والجاهل ، والواقع أن كل من يفعل طبقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقا مطلقا (لأنه يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته ولا يمكنه أن يفعل سوي ذلك) ، فبقدر ما ننظر للناس علي أنهم يعيشون تحت حكم الطبيعة وحدها، نجد أن لهم جميعا وضعا واحدا ، فمن لم يعرف العقل بعد أو من لم يحصل بعد علي حياة فاضلة يعيش طبقا لحق مطلق، خاضع لقوانين الشهوة وحدها شأنه شأن من يعيش طبقا لقوانين العقل، وكما أن للحكيم حقا مطلقا في أن يعمل كل ما يأمر به العقل، فإن للجاهل حقا مطلقا في أن يفعل ما تمليه الشهوة (وتلك عقيدة بولس نفسها الناكرة لوجود خطيئة قبل الشريعة (أي ما دام الناس يعيشون تحت سيطرة الطبيعة) (لا تسير الطبيعة وفقا للعقل الإنساني أي لا ترعي المصلحة الخاصة بالفرد ، وفي نفس الوقت لا يوجد في الطبيعة خير أو شر لنسبيتهما ، ولا يعني ذلك امانة الطبيعة أو معارضتها لأن الإنسان ليس مملكة داخل مملكة ، فالعقل نفسه والمجتمع شيئان طبيعيان، ويختلف سبينوزا هنا عن هوبز "وعن روسو" لأنه يعارض حالة الطبيعة مع حالة المجتمع لأن أفضل مجتمع أقرب المجتمعات للطبيعة وهو الذي يزيد قوة الفرد بإجتماعه مع غيره ولا ينقص منها شيئا فغاية المجتمع الحرية لا العبودية ويتم ذلك بالطرق الطبيعة الشاملة للشهوة والعقل علي السواء، فسبينوزا ليس مثاليا لأنه يعارض الإنفعال الجارف بإنفعالات أخري مماثلة "الخوف والرجاء" ، ويجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة حتي ولو أسات استعمال سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع) ، يولد الجميع في حالة من الجهل المطبق ، وقبل أن يعرفوا الأنموذج الصحيح للحياة وممارسة الحياة الفاضلة ، يكون جزءا كبيرا من حياتهم أنقضي (وإن كانوا علي مستوي عالي من التربية) ، علي أنهم خلال ذلك مضطرين للعيش ويبقوا بقدر استطاعتهم علي حالتهم الراهنة ، أي أن يخضعوا لدافع الشهوة وحده ، لأن الطبيعة لم تمنحهم سواه ، وعلي ذلك فإن كل ما يراه الفرد الخاضع لمملكة الطبيعة وحدها نافعا له ، سواء أكان في ذلك مدفوعا بالعقل، أم بقوة إنفعالاته ، يحق له اشتهائه طبقا لحق طبيعي مطلق ، وأن يستولي عليه بأي طريقة ، سواء بالمخادعة أو الصلوات أو أي وسيلة ، وبالتالي يحق له إعتبار مانعه من تحقيق غرضه عدوا .
نستنتج إذن : الحق والتنظيم الطبعيين اللذين ينشأ فيهما الناس ، لا يحظران إلا ما يرغبه فيه أو ما لا يستطيعه أحد ، فهما لا يمنعا النزوع ولا الكراهية ولا أي شئ تدفع إليه الشهوة ، ولا عجب في ذلك ، إذ ان الطبيعة لا تقتصر علي قوانين العقل الإنساني الذي يعد هدفه الوحيد المنفعة الحقيقية والمحافظة علي البشر-بل إنها تشتمل علي ما لانهاية له من القوانين الأخري المتعلقة بالنظام الأزلي للطبيعة بأكملها ، التي يمثل الإنسان جزءا ضئيلا منها ، وضرور هذا النظام هي وحدها التي تحتم علي كل الموجودات أن توجد وتسلك بطريقة معينة ، وعلي ذلك فكلما بدا لنا شيئا في الطبيعة مضحك أو سئ أو متناقض فذلك يرجع إلي أننا لا نعرف الأشياء إلا جزئيا ، وإلي جهلنا الكبير بنظام الطبيعة وإتساقها ، ورغبتنا في أن ينظم كل شئ وفقا لعقلنا ، مع أن ما يستنتجه العقل لا يكون قبيحا بالنسبة لنظام الطبيعة الكاملة وقوانينها ، بل بالنسبة لقوانين طبيعتنا الإنسانية وحدها ، علي أنه يظل صحيحا أن الأنفع للناس العيش وفقا لقوانين عقولهم ومعاييرها اليقينية ، فضلا عن ذلك فالفرد يود الأمان وذلك مستحيل ما دام يستطيع كل فرد فعل ما يشاء ، ومادام العقل لا يعطي حقوقا تعلو علي حقوق الكراهية والغضب . إنه لقانون شامل للطبيعة أن أحدا لا يترك ما يعتقد أنه خير إلا أملا في خير أكبر أو خوفا من ضرر أكبر ولا يقبل شرا إلا تجنبا لأخر أعظم أو أملا في خير أعظم ، وقد تعمدت قول : ما يبدو في لحظة الإختيار أعظم الخيرين وأهون الشرين ، ولا أقول : الواقع نفسه يكون متفقا بالضرورة مع حكمه (هذا القانون مسطورا في الطبيعة البشرية) ، وينتج عن هذا القانون ضرورة أن أحدا لا يمكن أن يعد (إلا إذا كان سئ النية) بالتخلي عن الحق الذي له علي كل شئ ، إلا خوفا من شر أعظم أو طمعا في خير أكبر .
تعريفات مدرسية :
1_ديكارت : الغرض الأول من الفلسفة تحصيل العلم التام بكل ما يمكن العلم به، وهذا يقتضي الكشف عن مبدأ أول يمكن أن يستنتج منه_بطريقة قياسية_كل حقيقة من حقائق العالم . ومنهج الفلسفة حدس المبادئ البسيطة وإستنباط قضايا جديدة من المبادئ لتكون الفلسفة جملة واحدة. أما الإستقراء يصل لمعارف متفرقة ناتج جمعها علما ملفقا مهلهلا لا ندري من أين نلتمس له اليقين. وعلامة اليقين وضوح المعاني وتسلسلها علي ما نري في الرياضيات الماضية من البسيط الواضح للمركب الغامض بنظام محكم، وهذا المنهج الوحيد المشروع؛ لأن العقل واحد ويسير علي نهج واحد في جميع الموضوعات. ويؤلف علما واحدا هو العلم الكلي. فليست تتمايز العلوم بموضوعاتها ومناهجها ولكنها وجهات مختلفة لعقل واحد يطبق منهجا واحدا وليس الاستنباط القياس الأرسطوطالي، ولكنه سلسلة من الحدوس تتقدم من حد لحد بحركة متصلة، فيربط العقل بين حدود لم تكن علاقاتها واضحة في البداية، حتي إذا ما أنتهي في الإستنباط لغايته رد الغامض للواضح والحركة العقلية هنا ثانوية، فإن مبدأها حدس ومنتهاها حدس. وللمنهج أربع قواعد عملية :
أ_"أن لا أسلم شيئا إلا أن أعلم أنه حق" ولهذه القاعدة معني خبئ: فديكارت يريدنا أن لا نسلم بصحة شئ إلا ان نعلم أنه كذلك بالعلم الذي يعنيه، وهو الإدراك بالحدس المباشر وغير المباشر (الإستنباط). وهذا يقضي إقصاء من العلم الوقائع التاريخية وكل معني يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا نتمثله أو نتخيله، كمعني القوة التي ندرك ضرورتها لتفسير التغير والحركة، وقد أستخدمت هذه القاعدة لنبذ الدين لما يعول عليه من أحداث تاريخية تتعلق بنزول الوحي وعقائد تفوق إدراك العقل، وقالوا أن هذا القاعدة إعلان حرية الفكر وإسقاط كل سلطة.
ب_"أن أقسم المشاكل" لأننا نطلب الوضوح فيجب أن نسير من المركب للبسيط، أي ما هو تابع ومعقول بغيره إلي المستقل بنفسه والمعقول بذاته، وهذا هو التحليل، وغرضه الحدس (المعرفة الحقة).
ج_"أن أفرض النظام حتي بين الموضوعات الغير متتالية بالطبع" وهذه قاعدة التركيب بعد قاعدة التحليل، ولها فرعان:
١_"التدرج من المبادئ للنتائج" وذلك بأن ننظر أولا في حد من حدود المسألة، ثم في حد اخر، ثم في النسبة بينهما، ثم في حد ثالث. وهكذا حتي نأتي علي جميع الحدود ونسبها.
٢_"افتراض النظام حين لا يتبين نظام الحدود، ثم إستخراج النتائج بالطريقة التركيبية المذكورة" والمقصود بالنظام (نظام الأسباب) الذي بموجبه تلزم معرفة حد من معرفة حد سابق لزوما ضروريا، وإذا لم ينتج النظام المفروض، افترضنا آخر ، إلي أن نصل للملائم، فهنا يتدخل العقل إذ لا يقوم العلم إلا بالنظام.
د_"أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة سواء، سواء في الفحص علي الحدود الوسطي أو في إستعراض عناصر المسألة، بحيث أتحقق أني لم أغفل شيئا" هذه القاعدة تمكن من تحقيق السابقة، فإنها ترمي لإستيعاب كل ما يتصل بمسألة معينة، وترتيب العناصر التي يتوصل إليها، فإذا رتبنا الحدود وانتقلنا بنظام من حد لاخر قام هذا الانتقال مقام حدس العلاقة بين نتيجة ومبدئها، ونقترب من هذا الحدس بمحاولة تذكر الحدود بأسرع ما يمكن. ويختلف هذا الاحصاء أو الاستقراء عن الأرسطوطالي (فغرضه ليس الوصول لنتيجة كلية من أجل ما شوهد في الجزئيات، بل الوصول لحدود تتصل بذاتها بعضها ببعض)، وأحيانا يمكن الإكتفاء بعدد محدود من الحدود (مثلما إذا أردت برهنت "النفس الناطقة ليست جسمية" فإني أكتفي بجمع الأجسام في بضع طوائف، وأدلل علي أن النفس الناطقة لا ترجع لإحداها. بعكس إذا ما أردت أن أبين عدد الموجودات الجسمية أو كيف تقع تحت الحواس، فيجب أن يكون الإحصاء تاما) .
فالمنهج الديكارتي يبين القواعد العملية الواجب إتباعها لإقامة العلم، ولا يحلل أفعال العقل ولا يدل علي صدقها ومواطن خطئها (كما المنطق). فإن هذا التحليل عديم الفائدة. وإن المنطق الطبيعي يغني عن الصناعي. وبينما المنطق علم وفن معا، نجد المنهج عند هؤلاء الفلاسفة فنا فحسب (وإن يكن منطويا علي نظرية في العقل والعلم، فإن هذه النظرية متمشية علي هذا المنهج ومؤسسة له) (العلم عند ديكارت إذا إستنباطي، ومع أن ديكارت كان يجمع المعلومات ويجري التجارب، فقد كانت أهمية التجربة عنده مقصورة علي إثارة الفكر وتعريفنا أي نتائج الإستنباط محققة بالفعل من بين النتائج المختلفة المستنبطها العقل من المبادئ).
إرادة تبرير اليقين ترجع لنية الفليسوف، وليس النية بمغيرة شيئا من الموضوع ... وإستثناء العقائد والأخلاق والتقاليد لا يعني أن الفليسوف موقن بها ذلك اليقين الذي ينشده. فإن العقائد أسرار تفوق العقل، والأخلاق والتقاليد من الضروري إلتزامها قبل الشك وأثناءه (لأن أفعال الحياة غالبا ما لا تحتمل الإرجاء) وأن (ليس من الفطنة التردد في العمل بينما يضطرنا العقل للتردد في الأحكام) وأنه (إذا اعتبرنا المعاني في أنفسها دون نسبتها لشئ آخر فلا يمكن أن تكون كاذبة). ولكننا لسنا هنا بإزاء يقين مستثني من الشك، بل بإزاء تعليق للتصديق من حيث ان الصدق والكذب يقومان في الحكم لا في تصور المعاني؛ فالتصورات في ذاتها بدون حكم لا تسمي صادقة ولا كاذبة، بل الصادق أو الكاذب الأحكام المطلقة علي الأفكار؛ فالشك لا يمس التصورات والأفكار التي نتمثل بها الأشياء وفي الشك لا تتبدل التصورات وإنما المعتقدات، لذا يقول كانط: لما كانت المعرفة الحقة تقوم في الحكم وهو الفعل العقلي الذي يحتمل الصدق أو الكذب، كان الواجب علينا إستعراض مختلف أحكامنا لنتبين نوع الحكم القائم عليه العلم والرياضيات وننظر في خاصيته وطريقة تأليفه، وذلك لكشف مشروعية إقامة الميتافيزيقا. (وفي هذا هدما لهذا النقد: خلط ديكارت بين المعرفة التأملية والعملية، فقضية "خداع الله مستحيل، فإذا الأفكار التي خلقها الله في الإنسان تدل علي حقائق موضوعية" أقول إن قضية "الخداع مستحيل" الترجمة الغير أمينة لقضية "الخداع قبيح" وهذه القضية ليست فلسفية بل فكرة عملية فكيف شك ديكارت في كل شئ ولم يشك في هذه المعرفة العملية، التي جعلها أساسا للمعرفة التأملية الفلسفية؟ وديكارت أقر الإنفصال الوجودي بين النفس والجسم بنفس المعيار العملي السابق، وأكد علي أن الحركات الحادثة في الدماغ تنتج أفكار فيما يسميه العقل غير الممتد، الذي ظن أنه يعمل عن طريق الغدة الصنوبرية، بوصفها نقطة إتصال بين العقل والدماغ. فيؤسس الفصل الوجودي "الفعلي" علي الفصل الابستمولوجي. إذ يري أنه إذا أمكننا التفكير بالنفس بشكل واضح وتام دون إفتراض الجسم مسبقا، وإذا أمكننا تصور الجسم شيئا متميزا عن النفس. فإن ذلك يثبت لنا بأن لدينا شيئين متميزين، أو جوهرين مستقلين عن بعض تماما. ومهما يكن من أمر فإن تأسيس الفصل الوجودي علي الابستمولوجي ليس له مبرر فلسفيا، فالانتقال من التصور للوجود لم ينبن علي نسبة بينهما، وهذا سبب إفتراض ديكارت لفكرة خارجة عن الموضوع لتسويغ هذا للانتقال "اللامتناهي أو الله" بوصفها فكرة واضحة بذاتها، يقول: "فإننا بمجرد معرفتنا وجود الله نستطيع قول أن أي شئ يمكننا إدراكه متمايزا عن الشئ الآخر قد خلق متمايزا عنه، بوساطة الله. وهكذا أستخدم ديكارت نفس التبرير المنطقي "صدق الله المطلق"). الشك لا يروضنا علي أن لا نتصور ولا علي أن لا نحس ولا علي أن لا نربط أفكارا بأفكار، بل علي أن لا نعتقد أن موضوعات هذه التصورات والأحاسيس والروابط موجودة في الخارج. أحكامنا العقلية تنقسم إلي
١_ أحكام بها أقرر إيجابا أو سلبا أن الافكار في ذهني مطابقة للأشياء الخارجية .
٢_أحكام بها أربط بين الأفكار دون أن أثبت أو أنفي إنطباق الروابط علي حقيقة ما خارجية (في هذا النوع أثبت فقط إتفاقها مع نفسها بصرف النظر عن الحقيقة الخارجية).
،الشك المنهجي يتناول الأولي يقينا؛ فمن أسبابه غلط الحواس وعدم التمييز بين اليقظة والنوم وهما يضطراننا للشك في الوجود العيني للأشياء أعني (وجود حقائق خارج الذهن مطابقة لأفكارنا)، وربما كان ينبغي أن ينحصر الشك هنا ويحترم الحقيقة المنطقية لأحكامنا (للنوع الثاني)، لكن ديكارت لم يحفل بذلك وقال: بأن من الناس من أخطأ في أمثال هذه الأمور، وقد أخطئ أنا مثلهم.
أستخدم أوغسطين الشعور بالفكر كشاهد من شواهد اليقين، ويستخدم الفكر للتدليل علي الوجود الذاتي وعلي أن فينا صورة ما للثالوث من جهة أننا موجودون، ونعلم أننا موجودون، ونحب ما فينا من وجود وعلم، بينما يستخدمه ديكارت ليدلل علي أن الأنا المفكر جوهري لا مادي، وأن الغرضين مختلفان، وأن استنتاج الوجود الذاتي من الشك أمر بسيط. وجود الفكر عند ديكارت حالة فذة يتجلي فيها اليقين ومبدأ للفلسفة سيخرج منه كل يقين، وعند أوغسطين حالة جزئية من حالات اليقين، ربما كانت أوضحها عند مناقشة الشكاك. (وهذا فرق في مصلحة أوغسطين إذ أنه لا يستهدف للدور الذي وقع فيه ديكارت حين نظر للفكر كأنه مجرد شعور فلم يسترد اليقين بموضوعات الفكر إلا بالالتجاء لصدق الله، وفكرة الله نفسها أحد هذه الموضوعات ... وليس صدق الله بمجد شيئا في طرد الروح الخبيث؛ ففرض هذا الروح سابق علي معرفتنا بالله، فيجب الشك في هذه المعرفة ذاتها. وديكارت يخرج من شكه بدور ظاهر، فمن جهة يجب للبرهنة علي وجود الله الإعتماد علي العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا تخدع، ومن جهة لأجل التحقق من العقل والأفكار الواضحة يجب العلم أولا بوجود الله).
التصور الديكارتي بحت لا إدراك شئ واقعي. والفكر عنده لا يدرك إدراكا مباشرا غير نفسه، وإلا لما أمكن الشك في موضوعاته. فديكارت إذ يأبي في مرحلته الأولي قبول شيئا من دون فكر، فيؤمن بتفكيره في السماء والأرض ويشك في وجودهما، يفصل بين ما لأفكارنا من وجه ذاتي وما لها من وجه موضوعي؛ ومن ثم يفصل فصلا تاما بين الفكر والوجود، ليس فقط الوجود الخارجي، بل وجود المفكر نفسه، وأخذ البعض علي ديكارت أنه مع إستبعاده لكل شئ وكل معرفة إلا علي أساس الوضوح والتميز إلا أنه يسلم ببعض المعلومات التي لم تقم بعد علي اليقين في منهجه؛ فعبارة (أنا أفكر وإذن فأنا موجود) ليست مبدأ أول بل قياس ضمري حذفت منه المقدمة الكبري وهي (ما يفكر فهو موجود) والأولي وضعها موضع المبدأ الأول، وهو بهذا يسلم بالمنطق وبالشكل الأول من القياس وبديهية إنتاجه مع أن هذه الحقائق لم تصبح يقينية بعد، فرد ديكارت هذه العبارة ليست قياسا، ولكنها حدس يدرك وجود المفكر في الفكر، ونحن نري أنها كذلك إذا أعتبرنا الفكر قوة مدركة للوجود، أما إذا أعتبرناه إدراك أفكار أو ظواهر تعين علينا أن ندلل علي وجود المفكر.
إذا سألنا ديكارت عن علة الأفكار التي نمثلها، لأجاب: قد أكون أنا، إذ ليس ضروريا صدور الأفكار عن أشياء شبيهة بها، بل قد تصدر عن علة حاصلة بالذات علي الكمال الممثل فيها، أو عن علة حاصلة عليه علي نحو أسمي. وأنا حاصل علي الفكر بالذات، فأستطيع أن أؤلف فكرة الملاك، وأنا حاصل علي حقائق الأجسام علي نحو أسمي لأن الجسم دون فكر، فأستطيع أن أؤلف أفكار الأجسام، ومع ذلك سيطلب ديكارت أصولا خارجية لأفكار الأجسام يجعلها موضوع العلم الطبيعي (وسيتخذ سبيلا لذلك وجود الله وصدقه)، فأمامنا إذا مسألتان:
١_هل أفكارنا صادقة؟
٢_هل لأفكارنا موضوعات خارجية؟
وقبل فحصي عما إذا كان هناك أشياء خارجية، يجب أن أنظر في أفكاري من حيث هي كذلك وأتبين أيها واضح وأيها غامض، فالفكرة الواضحة صادقة ويقابلها موضوع، أما الغامضة فإنفعال ذاتي، وهذا يعني: العالم الخارجي لا يعلم إلا بعد أفكاري وعلي مثالها، والحقيقة (الوضوح) سابقة في علمي علي الوجود، وأنها عبارة عن جسر بين الفكر المعلوم أولا والأشياء المعلومة بعده وتبعا له، وهذا المذهب التصوري (إيديالزم)، وظن ديكارت أن صدق الله يحل المسألتين ويرد للمعرفة قيمتها والواقع أنه يهدمها، إذ لو أمتلكنا وسيلة طبيعية للمعرفة الحقة، لما افتقرنا للضامن الإلهي، ولو كانت قوانا العارفة تؤدي وظيفتها كالواجب، وتمضي بالطبع للحقيقة، لحملت في نفسها علامة صدقها، ولعلمنا ذلك قبل الالتجاء للضامن الإلهي. أما افتقارنا لضمان خارج العقل والحواس، فأدعي للتشكك في الله وحكمته ووجوده.
هل فعل التفكير يدرك مستقلا عن الأنا؟ بالتأكيد كلا، وقضية الأنا أفكر أولية حدسية، وهذا يعني أن إدراك أحدهما ليس مستقلا عن الاخر، لكن هذا يثبت أنه لا يوجد سير من الاثر (الفكر) للمؤثر (الأنا)، بل يثبت العكس أن الفكر متعلق ذاتيا بالأنا، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون له وجود مستقل قبل وجود الأنا، ويلزم أن إدراكه يفترض إدراك الأنا ومعرفتها مقدما (فمستحيل إدراك النفس فعل من أفعالها قبل إدراك ذاتها)، وفضلا عن ذلك فإنه مادام الإدراك هنا لا يتعلق بأشياء خارجية، بل بداخلية، فلماذا تدرك الأنا فعلها قبل ذاتها، فالعلم الحضوري يستدعي أن تعلم الأنا أو النفس ذاتها قبل كل شئ، لأنها الموضوع الأول الذي تشعر به من دون وساطة من إدراك عقلي أو حسي أو غيره.
يقول ديكارت: ("أنا أسير وأنا اكل لذلك أنا موجود؟". لكن بوسعنا التفكير في السير دون أن نسير، وأن نفكر في الأكل دون أن نأكل. ولا يسعنا بالمقابل التفكير في التفكير دون أن نفكر. وعليه، ثمة قضية واحدة علي الأقل لا تخضع للشك العام. أن كل فرد موقن، عن طريق حدس مباشر من وجود فكره الخاص).
ولا يمكن المساواة بين الشك والتفكير؛ فالشك كالسير والأكل والتفكير نفسه فعل من أفعال النفس التي يصاحبها التفكير دائما، بتعبير آخر يمكنني التفكير بالشك دون أن أشك بالفعل، كما أفكر بالمشي دون أن أمشي فعلا، فعندما أقول أنا أمشي أو أنا اكل فأنا قطعا أفكر بالمشي أو بالأكل وإلا لم أستطع قول ذلك، كذلك عندما قلت أنا أشك فأنا أفكر بالشك بالفعل، سواء شككت بالفعل أو فكرت به فحسب.
وحل هذه المفارقة في جعل التفكير والشك والإرادة وغيرها أفعال ذاتية للنفس، وجعل المشي والاكل وغيره أفعال خارجية. والتفكير يصاحب كل فعل من أفعال النفس سواء كانت ذاتية أو خارجية. ولذلك فإن إثبات الأنا يتم من خلال إدراك ذاتها بشكل مباشر دون توسط أي فعل من أفعالها بما فيها التفكير نفسه، والشك أو التفكير بالشك إثبات للشك أو للتفكير نفسه، بالتلازم وليس التماهي، ولا يمكن أن يكون إثباتا للنفس السابقة علي فعلها، بأي شكل من أشكال الإثبات سواء بالاستدلال من الأثر علي المؤثر أو بشكل مباشر وحدسي.
من هنا صح إذا صح القول أنا أشك إذن أنا موجود، صح القول أنا آكل إذن أنا موجود، مادام التفكير يصاحب فعل الشك والاكل وغيرها، لأن تلك الأفعال تستلزم التفكير ولا تتماها معه، سواء تحققت بالفعل أو مجرد فكر بها.
يقول ابن سينا: (لعلك تقول إنما أثبت ذاتي بوسط من فعلي ، فيجب أن يكون لك فعل تثبته في الفرض المذكور ، أو حركة أو غيره ، ففي اعتبارنا الفرض المذكور جعلناك بمعزل من ذلك. وأما بحسب الأمر الأعم ، فإن فعلك إن أثبته فعلا مطلقا فيجب أن تثبت به فاعلا مطلقا لا خاصا ، هو ذاتك بعينها : وإن أثبته فعلا لك ، فلم تثبت به ذاتك، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك، فهو مثبت في الفهم قبله ، ولا أقل من يكون معه ، لابه. فذاتك مثبتة لا به). ويعلق المحقق الطوسي بأن ابن سينا يستبعد إثبات الأنا عن طريق فعل من أفعالها بوجهين أحدهما خاص والثاني عام:
الوجه الأول (الخاص): إن فرض (الإنسان المعلق في الفضاء) يستبعد مقدما كل فعل من أفعال النفس وكل حركة لها ، لأن الإنسان في التجربة الذهنية المذكورة فرض غافلا عن أفعاله ، بالرغم من إدراكه ذاته.
الوجه الثاني (العام): إذا أخذنا الفعل بمعناه العام المطلق الذي لا يختص بفاعله ، فإن هذا يؤدي لإثبات فاعل مطلق عام غير معين ، ولا يمكن أن يستدل الإنسان به علي فاعل معين هو ذاته.
وإن أخذ هذا الفعل العام من حيث هو فعل الفاعل المعين ، فالفاعل المعين يكون معلوما قبله ، ولا أقل من أن يكون معلوما معه ، فلا يمكن أن يستدل بذلك الفعل العام عليه . وبالجملة الاستدلال بالفعل علي الفاعل استدلال ناقص ، لا يؤدي لمعرفة ذات الفاعل ما هو . فإذن إثبات الإنسان نفسه بوساطة فعلها محال.
2_الفلسفة من حيث هي بحث في المبادئ العامة تختلف عن العلوم الجزئية في أنها قاصرة علي دراسة وشرح أعم الأفكار المستخدمة في العلوم الجزئية ولا تحاول شرحها، فكل علم يتكلم عن القوانين والاحتمالات والحقائق..إلخ ، ولكنه لا يشرح معاني هذه المصطلحات .
3_أرسطو : علم المبادئ الشامل للمبادئ الاخري فهي أشمل العلوم و أشرفها لأن موضوعها النهائي العلة الأولي و الدافع للميتافيزيقا متأصل في طبيعة البشر متمثلا في تلك الرغبة الدافعة لفهم الواقع الحقيقي.
، ومما تقدم يتبين أن لاواحد من التعريفات يضع قيمة الفلسفة ويفسرها من حيث هي ثمرة لتطور تاريخي، و إنما هذه التعريفات تشرح الاراء الشخصية لبعض المفكرين حول طريقة دراسة الفلسفة في زمن من الأزمان .
والأبحاث القاصدة لتعريف الفلسفة أضطرت لسلوك أحد ثلاثة مسالك:
١_الإيغال في استجماع التعاريف؛ فحصلنا علي فسيفساء متناقض، يصعب إختزاله في مشترك دلالي جامع.
٢_الإنزلاق في تعريف فلسفة خاصة.
٣_تعريفها من حيث ما ينبغي أن تكون، لا من حيث كينونتها السائدة في سياق التاريخ.
وإنتهاج أي مسلك يلغي قسم من النتاج الفلسفي الغير مندرج تحته. بينما مطلب التعريف يستلزم استعياب التعدد والإختلاف الفلسفي؛ ولذا فالمقاربة الفلسفية التي تحقق ذلك هي الإنطلاق لتاريخ الفكر الفلسفي وتحليل أفكاره ودراسة متونه، فنحقق الإستعياب للتعدد الفلسفي والتعرف عليه. وبذلك لا يضيق ماصدق الفلسفة بنزعة مذهبية جاهزة.
وهنا يكون الإقبال علي تاريخ الفكر الفلسفي شرطا حتميا.
وفي هذا فرق مائز بين طبيعة النتاج الفلسفي وطبائع الكثير من النتاجات الغير فلسفية. فمثلا يمكن تعلم الفزياء والرياضيات وتعريفهما دون معرفة تاريخهما.
قد يبدوا البدء بالإشتغال بقصد التعرف يحمل ضمنيا تعريفا جاهزا؛ بدليل أننا لن نطلب التعرف علي الفلسفة في كتب السحر .. بل سنقصد المتن الموسوم بكونه متنا فلسفيا. لكن وإن سلمنا باستبطاننا لتعريف ضمني؛ فذلك ليس إخلالا بمنهجنا القاصد لمطلب التعرف؛ لأن الوجود المضمر لتعريف ما لا يلغي الانفتاح علي الممارسة الفلسفية في اختلافها (عكس التعريف المذهبي الجاهز). وعندما نقول المتن الفلسفي ونصفه بذلك الوسم، دونما سبق تحديد لماهية الفلسفة فليس ذاك مناقضا لتأسيس النظر، بل يكفي أخذ العرف الشائع في تصنيف المعارف ونتاجات التعريف.
ولا مانع بعد التعرف علي الفلسفة وتحقيق فهمها من تضييق أو توسيع ماصدق التفلسف حسب وجهة النظر المكونة والتي برهنا علي نجاعتها، وبهذا لا يكون التعريف الضمني مانعا من النظر لتاريخ الفكر في وساعته وإن أنتهي لاحقا للتضييق أو التوسيع.
ويجب وضع (ها هي الفلسفة) مكان (ما هي الفلسفة؟) فنرتقي نحو فهم الفلسفة بمطالعة متونها ونصوصها، ولا نعتني كثيرا بالجدل الدلالي في شأن معناها؛ لاقتناعنا بأن الجواب سيعلي أحد الجوانب فقط. وهذا وإن كنا نميل لتعريفها بربطها بفهوم (الرؤية إلي العالم).
لكن مشروعنا هنا، ليس إيغالا في جدل التعريف، بل نبتغي إنجاز قراءة نقدية لتاريخ الفكر الفلسفي الغربي والتعرف علي كيانها الأوروبي، بالانفتاح علي ما صدقه التاريخي باختلافه.
وشرط المطلب النقدي نؤسسه بمساءلة نظام صيرورة الفكر الفلسفي الأوروبي، وبحث القوانين التي شرطت تطوره بعد تحديد المستوي الفرضي للبحث سواء إذا فرضنا أن التطور كان من العلاقة الإدراكية إلي الحيازية إلي الايروسية أو فرضنا فرضا أخر. وسنعرض المثاليين الألمان كمثال علي ما سبق.
المثاليين الألمان :
مقدمة :
لم ينظر القدماء للتاريخ كمعني المعني أي من حيث هو مجال للنظر العقلي البرهاني ، و إنما نظروا إليه كمعني مباشر الذي تقدمه لمداركهم الأحداث الجسام، ولذلك التاريخ عندهم مجالا للحكي ومكون من أفعال اعتباطية و ينسب الناس معني لهذه الأفعال (الحرية) ، ولكن ما نسيه القدماء معني هذا المعني (الضرورة) فالحرية فهم للضرورة فالحرية بلا قيد ولا قانون لا يمكن أن تؤدي إلا لتصور خاطئ للتاريخ . ولم تظهر فلسفة التاريخ إلا في المثالية الألمانية ، فأهم ما يميزها السير المتواصل بين حديين كانا يبدوان متنافرين (الفلسفة و التاريخ) ، فمن شأن الأولي السعي للمطلق ومن شأن التاريخ التبدل والعرضية ، إلا أن المثالية الألمانية ولفت بينهما وقد بلغت مسعاها عند هيحل إذ أن فلسفته تماهي بين التاريخ و الفلسفة ، ففي فلسفته يتجاوب الزمن وقد تمت فلسفته (فلسفة التاريخ) مع الفكر وقد تم تأريخه (تاريخ الفلسفة) فتمت موازاة العالم الإنساني بالطبيعي لكشف قانون تطوره و حركته و التتابع المنطقي بين الأحداث البشرية ، وبذلك تحول مفهوم التاريخ من مفهوم أمبريقي متعلق بتعاقب الأحداث العرضية للضرورة أي للتاريخ بفهوم ميتافيزيقي.
فشته وشلنج :
تميزت فلسفة فيشته في التاريخ بالتوحيد بين التاريخ الديني و الدنيوي و إعتبار الثاني تجليا للأول بحيث يظهران معا كتاريخ واحد ، وميز فيشته استنادا لذلك بين ماض (جراءة عمياء) وحاضر (خطيئة محققة) ومستقبل (حقيقة منتظرة) ، وجعل الماضي يحتوي مرحلتين : خضوع العقل البشري للنوازع (براءة الجنس البشري) حيث لم يعرف التمييز بين الخير والشر و مرحلة ثانية تحولت فيها غريزة العقل لقسرية خارجية تفرض علي الإنسان فرضا لا إستشارة (العقل التسلطي أو سيطرة الكنيسة والجماعة) وإذا تجوازنا ماض البشرية نحو حاضرها وجدنا مرحلة وسطي بين مرحلتيين ماضيتين وأخريين مستقبليتين وهي العدمية تجاه كل القيم وإعادة طرحها وهذه المرحلة مستبطة منطقيا فالعقل الغريزي القسري في مرحلة ما من مراحل التطور سيفقد تأثيره وبالتالي سيعيد الناس النظر فيه ليظهر عقل أخر يتجلي في المؤسسات و الثورات كالثورة الفرنسية ، وقد أستعمل فيشته مفهوم العقل لا بمعني عقل الفرد بل بعقل الجماعة الموضوعي المتجلي خلال مؤسساتها الاجتماعية والقانونية والسياسية والأخلاقية والمدنية وبهذا يقترب من استعمال هيجل لمفهوم الروح الموضوعي
هيغل :
التاريخ تقدم الوعي بالحرية، ولهذا مبدأ ومنتهي وواسطة. فدلائل التاريخ الأولي في الشرق القديم حيث الطغيان ، وحيث كان فرد واحد منفرد هو الحر (الطاغية) والأخرون عبيدا، بل أنه ليس حرا لأن الحرية تتضمن أن يعترف لك بها أخر وهو لايجد هذا الحر بل يجد رعايا وعبيد وأما واسطة التاريخ هي اليونان والرومان هنا البعض أحرار بالمولد والأخرين عبيد و منتهي التاريخ الأمم الجرمانية المحتضنة لمبدأ الذاتية وحملت به دولة حديثة و منتهي التاريخ هذا لا يقصد به هيجل التاريخ ككل و إنما حتي الأن فالروح و التاريخ ليسا منفصلين و العلاقة بينهما محايثة ، والحال أن الفلاسفة الألمان لما تحصل لهم تاريخ البشر كما عرضنا بإيجاز شديد راحوا يقرأون فكر البشرية بعامة، و الفكر الفلسفي بخاصة علي ضوء هذا التاريخ وبهذا سعوا للمعني الخفي للفكر الفلسفي ، فليس تاريخ الفلسفة تجميع لاراء معتسفة ، وإنما هو ترابط ضروري منذ نشأتها ، والتاريخ الفلسفي ليس تاريخ أفراد أبدعوا مذاهب فلسفية ، إنما هو تاريخ أفكار الروح بوصفها الذات المنتجة ، لا ذات الفرد إنما ذات الروح و النسق لا ذات الناظر إنما ذات النظر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,013,247,555
- الحرية بين هيدجر وسارتر وكارناب


المزيد.....




- العراق.. مساع لتخفيض عدد نواب رئيس الجمهورية
- السيسي يشرف على بناء سد جديد في دولة إفريقية
- مقتل جندي تشيكي وإصابة اثنين في أفغانستان
- كيف تُسهم السموم في إنقاذ البشر من موت محقق؟
- أرسنال.. واثق الخطوة نحو مقدمة البريميرليغ
- استقالة رجل أعمال بريطاني تزامنا مع مقاطعته مؤتمر الاستثمار ...
- مقتل جندي تشيكي وإصابة اثنان آخران في أفغانستان
- ترامب يهدد روسيا والصين بالأسلحة النووية
- بيان حول إعادة بعض الجناسي المسحوبة
- -أسوشيتد برس-: قضية خاشقجي قد تدفن -صفقة القرن-


المزيد.....

- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد علي عبد التواب - مدخل إلي الفلسفة