أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - قراءة لكتاب السعي إلى الرخاء تأليف جاستين بيفو لين كبير الإقتصاديين بالبنك الدولي ونائب رئيس البنك الدولي - ترجمة الأستاذ/ حمدي أبو كيلة















المزيد.....


قراءة لكتاب السعي إلى الرخاء تأليف جاستين بيفو لين كبير الإقتصاديين بالبنك الدولي ونائب رئيس البنك الدولي - ترجمة الأستاذ/ حمدي أبو كيلة


تامر البطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 5758 - 2018 / 1 / 15 - 03:37
المحور: الادارة و الاقتصاد
    



المبحث الأول ملامح حول فكر لين الإقتصادي
أولا سوق حر ودور توافقي للدولة في إعادة الهيكلة
بالرغم من تبني المؤلف لنظام السوق الحر إلا أنه لا يؤمن بالليبرالية الأرثوذكثية وعدم تدخل الدولة وإنما يؤمن بالهيكلة التي تقوم على أساس توجيه الدولة نحو التغيير الهيكلي الصحيح، كل الدول التي استطاعت تحقيق التقدم الإقتصادي كان للدولة دور فاعل وأساسي في تحقيق التنمية، الهندسة الألمانية أشبه بعلامة مسجلة، ليس ذلك من قبيل الصدفة وإنما نتج عن سياسات الحكومة في دعم ذلك المجال، ألمانيا تواجها عدت تحديات بذلك الشأن ومنها ارتفاع الأجور وارتفاع تكلفة الطاقة، نقص المهندسين (مشكلة مستجدة) والركود في براءات الاختراع بالمقارنة بالولايات المتحدة والصين.. وفي مقابل ذلك تتبنى الحكومة الألمانية الآن برامج لدعم الإبتكار وتشجيع مشروعات الطاقة البديلة وتطوير أسواق الطاقة الكهربائية العابرة للحدود، أما الولايات المتحدة فبعد أن اعتاد مجتمعها الإقتصادي البحث العلمي وأصبح من مرتكزات نهضتها ولب تقدمها ورخائها الإقتصادي، اتبعت سياسة بدعم وتمويل الإبتكار حتى بلغت الميزانية السنوية للمؤسسة الوطنية للعلوم 7 مليار دولار تقريبا، مع التركيز على بحوث تكنولوجيا الطاقة، في بريطانيا اتبع كاميرون استراتيجية تعديل قوانين وسياسات حقوق النشر، والتي رأى أنها جمدت الإبتكار على الإنترنت، واتبع سياسة حرية الإقتباس..
الفاعل الأساسي في خلق قطب النمو القائم على الميزة النسبية وفقا لطرح لين سيكون الدولة بخلق بيئة مواتية لتكوين ذلك القطب الذي يقوم على استغلال المورد المحلي من قبل القطاع الخاص وفق آليات استغلاله بالدول المتقدمة، كما أنه لا يؤمن بالإعتقاد الكلاسيكي لحتمية القوانين الإقتصادية ولا جمود النماذج النيوكلاسيكية بل دعى إلى تبنى منهج الحلول المرنة والنظرية التوافقية في إدارة الاقتصادات القومية وأن النماذج الجامدة خاصة التي يتم إنتاجها بالغرب لا يشترط بالضرورة أن تكون صالحة للتطبيق بالدول النامية، واعتبرها كالأزياء التي تتغير من وقت لآخر وقد لا تتناسب وقت انتاجها مع محلات خارج موضع إنتاجها، وأن صياغة سياسات التغيير يجب أن تتم وفق الظروف الوطنية، وليس أدل على ذلك أكثر من أن عدد قليل جدا من الدول النامية التي استطاعت ان تحقق معدلات نمو سريعة (كالصين والهند واندونيسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية) هي التي اتبعت روشتات النظريات السائدة في وقتها، وأن أغلب تلك الدول التي استطاعت تحقيق معدلات نمو جيدة تبنت مسارات مختلفة.

ثانيا الهيكلة المتدرجة والحماية الخاصة المؤقتة
حيث لا يميل لين لتبني أفكار اجماع واشنطن أو نظرية الإنفجار الكبير التي تدعو بالضرورة إلى ازالة كافة التشوهات والعقبات على مستوى النظام الكلي لدفع الإقتصاد بقوة وتفجير الطاقات، لأن الهدم الكلي للتشوهات البنيوية القديمة سيكون له عواقب اقتصادية وخيمة، بينما مال إلى نظرية أقطاب النمو التي تقوم الدولة فيها على تكييف المناخ لدفع القطاع الخاص نحو خلق ذلك القطب القائم على الميزة النسبية للدولة، الإقتصاد البنيوي الجديد الذي طرحه لين يوصي بمنهج تحولي تدريجي باتباع مسارين، الأول تقديم الحماية الإنتقالية للمشروعات ذات الأهمية غير القادرة على البقاء باتباع سياسات التحرير للحفاظ على استقرارها أثناء التحول، وفي نفس الوقت اتباع مسار تحرير المشروعات الخاصة والاستثمار الاجنبي المباشر وتيسير دخولهم إلى المشروعات التي تمتلك فيها الدلة ميزة نسبية، ومن خلال التراكم الذي ستحدثه الصناعات الجديدة المتوافقة مع الميزة النسبية ستتمكن المشروعات القديمة غير القادرة على البقاء من النمو الديناميكي والتجدد بشكل يسمح لها بالنمو ذاتيا... باختصار فكرة المؤلف هي استمر في الحماية الإجتماعية للقدر الهام من الوضع المشوه لكي لا تحدث أضرار اجتماعية واقتصادية ضخمة.. وفي نفس الوقت ابني اقتصاد جديد قادر على تكوين ثروة ليصلح لك القديم.

ثالثا رفض نظرية التبعية
رفض لين نظريات التبعية والمركز والهامش والعلاقات الدولية غير المتكافئة واعتبر أن الدول الفقيرة قادرة على التغيير فقط لو احسنت هيكلة مواردها بغير الإلتفات إلى توصيات التبعية بقطع علاقاتها أو تحجيمها مع دول المركز الرأسمالية، ويرى في العولمة فرصة للدول النامية لمواجهة التحديات التاريخية السلبية، في حين أن الإقتصاد البنيوي القديم المؤمن بنظرية التبعية قد اتخذ موقفا عدائيا من رأس المال الأجنبي واعتبره أداة لعلاقات غير متكافئة وتعبئة الفوائض خارج البلاد، ولذلك أكد على أهمية وضع قيود مشددة على كافة أشكال التدفق المالي، فإن النيوكلاسيك على العكس من ذلك اعتبروه أداة لدعم الإقتصادات النامية ذات الندرة في رأس المال محملاً بكفاءات إدارية أعلى، فهو بمثابة مبادلة سلع اليوم بسلع المستقبل، بمعنى تدفق إنتاج اليوم من الخارج إلى الداخل بهدف تحفيز الموارد الداخلية لإنتاج في المستقبل يتم مبادلته بذلك الإنتاج المتدفق في الماضي، الإقتصاد البنيوي الجديد الذي يطرحه لين يرى التأكيد على أهمية الإستثمار الأجنبي المباشر والذي يخلق بنية إنتاجية داعمة لقاعدة التصنيع المحلية، مع التأكيد على أن هذا الإستثمار ليحقق العائد الأمثل للدولة يجب الإهتمام بالبنية الأساسية الداعمة للتوسع بجانب الإهتمام برأس المال البشري لتقليل الإعتماد على رأس المال البشري الأجنبي وبالتالي تسرب الفوائض للخارج، كما يؤكد على أهمية الحذر من الإستثمار الأجنبي غير المباشر والذي يمثل الإستثمار في المحافظ المالية بشراء الأسهم والسندات والتي تؤدي إلى فقاعات مالية وتقليل العائد. التهميش الحقيقي والتخلف هو أن تتراجع دولة في الإنخراط مع الأمم الأخرى، العلاقات الدولية تتكاثف وتتعقد يوم بعد يوم، الأمة التي تفرض حول نفسها سياجا من العزلة من منظور الحذر من الإختلاط بالأمم الأخرى هي أمة مهددة بالتخلف.

المبحث الثاني عرض ومناقشة حلول لين التنموية

أولا الميزة النسبية
الفكرة الأساسية المسيطرة على جميع أفكار لين هي الميزة النسبية، فهي المحور الفكري الذي تدور حوله أغلب أفكار الكتاب، فالتنمية الإقتصادية يجب أن تقوم على مؤهلات الإقتصاد أي ما يمتلكه الإقتصاد فعليا داخل الدولة.. على سبيل المثال لا تكون مزارعا بسيطا وتخطط لإنشاء مصنع سيارات أو طائرات.. فإن إمكاناتك المادية أو التقنية لن تؤهلك لفعل ذلك، بل والنتيجة ستكون تبديد امكاناتك ومدخراتك قبل أن تصل لفعل أي شئ، ولا الإستدانة ستمنحك دعما لإنجاز ذلك.. عليك أن تكون أحلامك أو طموحاتك عملية ومن واقع امكاناتك وخبراتك.. ما هي امكاناتك الفعلية وما الذي تستطيع أن تحسن فعله؟
المثال الأبرز الذي طرحه لين لتأكيد على أهمية قيام التنمية على الميزة النسبية هو تجارب تبني الدول النامية التي كانت تعاني من ندرة رأس المال وكثافة العمال لصناعات كثيفة رأس المال قليلة التوظيف مما جعلها غير قادرة على البقاء والنمو بغير دعم حكومي أدى إلى خلق تشوهات هيكلية بالدولة، لقد تم اختيار تلك الصناعات بنوايا مخلصة لزعمائها بعد استقلالها منذ خمسينات القرن العشرين وحتى التسعينات لا سيما غانا نكروما، ومصر ناصر، وصين ماو، وهند نهرو، وإندونيسيا سوكارنو... والتي تبنت برامج تصنيع كثيفة رأس المال لم تكن مناسبة لبنياتها الإقتصادية فقيرة رأس المال فقيرة الإمكانات التقنية لرأسمالها البشري مما أدى إلى انزلاقها لإنتاج لم يفلح في التنافسية المحلية فضلا عن التنافسية الخارجية، تلك المشروعات الضخمة لم يكتب لها الإستدامة لولا توجيه الفائض نحو دعمها، تم تكوين تلك الإستثمارات التي لم تتناسب مع بناها الهيكلية على تعبئة الموارد المحدودة للدولة بنحو الربع والإعتماد على القروض الخارجية بنسبة الثلاث أرباع مما قاد تلك الدول لمشكلة القروض الخارجية بالثمانينات، ولم تفلح الدول التي ليس لديها ريع ضخم مثل روسيا من دعم ذلك البرنامج الضخم مما قادها إلى تطرف معاكس بتبني برامج الخصخصة وتخلي الدولة عن التوجيه، أدت تلك التشوهات إلى توجيه حوافز الدولة لدعم مشروعات جماعات المصلحة التي كانت تربطهم صلات وثيقة بالسياسيين، وبنظرة مدققة لتلك الحوافز يتبين أن الدعم المقدم لها كان في كثير من الأحوال أقل من المتحصلات الضريبية الناتجة عنها.. لقد أشار المؤلف إلى أن أبرز أساب فشل تلك البرامج كثيفة رأس المال كان الندرة النسبية لرأس المال بالدول النامية واعتمادها على الإقتراض باعتباره أعلى تكلفة لرأس المال من الدول المتقدمة، إلا أنه لم يبين كيف أن اقتراض الدول النامية يمثل تكلفة عالية لرأس المال، في حين أن أغلب القروض الدولية كانت تتم بمعدلات فائدة منخفض، إن السبب الرئيسي من وجهة نظرنا هو الفشل الإداري والذي ارتبط بسياسات التأميم لمشروعات كثيفة رأس المال كانت ناجحة قبل أن تتولا إدارتها الإدارات الوطنية، كما أن الفشل في ادارة تلك القروض لتمويل صناعات كثيفة رأس المال يرجع بالأساس لضعف الأوزان المكافئية من رأس المال الإداري والتقني والزبوني والبشري... وغياب دراسات الجدوى الجادة لتلك البرامج التنموية.

ثانيا التركيز على الحلول الإقتصادية
ساد مع بدايات القرن العشرين الربط ما بين التنمية والحلول الإقتصادية والتصنيع وأصبحت الصناعة شعار الانتقال لمرحلة التنمية الإقتصادية، إلا أن الإخفاقات التي حققتها العديد من الدول النامية قادت المفكرين الإقتصاديين للعكوف عن تلك النظرية، وأن النمو قد يرتبط بعوامل أخرى، في هذا الكتاب لايزال لين يؤكد على تلك النظرية بالتأكيد على الحلول الاقتصادية والربط ما بين التركيز على التصنيع كقضية محورية وجوهرية والتنمية، باختيار الصناعات المناسبة القائمة على الميزة النسبية ودعمها من خلال مناطق خاصة وحوافز للرواد.. مفسرا استنتاجات الإقتصاديين بكونها ركزت على التجارب الفاشلة للتصنيع بالدول النامية، والتي تحدت الميزة النسبية ولم تأخذ في الاعتبار المؤهلات الذاتية والميزة النسبية للدولة، والتي وجهت دعمها نحو صناعات غير ملائمة لبنيتها مما خلق بنى مشوهة، وهنا يجب أن نتسائل لماذا لم تنجح الصناعات القائمة على الميزة النسبية بتلك الدول؟ جميع الصناعات تقريبا أصبحت بكل الدول.. تلك الصناعات التي ستحددها الدول بكونها تتناسب مع الميزة النسبية للدولة بالتأكيد ستكون منها صناعات قديمة قائمة بالفعل.. ما الذي منع تلك الصناعات من التوسع وما الذي منع من جذب مستثمرين أجانب لتلك الصناعات ببيئة تمتلك ميزة نسبية بها؟! ..
لعل الإجابة على ذلك التساؤل هو كون لين لا يرى نفس القدر من الاهتمام في صنع التنمية لحزمة العوامل السياسية والإجتماعية والبيئية... كمتغيرات أساسية لا تقل من حيث الأهمية عن الحلول الإقتصادية، فعلى سبيل المثال البيئة السياسية الآمنة والبيئة الإجتماعية المرحبة والمنفتحة والبيئة الطبيعية النظيفة.. عوامل أساسية لا تقل أهمية في عملية التنمية، فشركاء التنمية بالأساس بشر يهتمون بقدر كبير بالبيئة التي سوف يحيون بها ويوطنون أعمالهم.

ثالثا التنمية البشرية
في اشارة سريعة لأهمية التنمية البشرية والتعليم والتثقيف للدول النامية في تحقيق اللحاق السريع بالدول المتقدمة ذكر المؤلف مثال طرحه أستاذه لوكاس بشيكاغو حول امراة كورية بالكاد تمكنت من الإنجليزية التي تمكنها من إدارة عملها وهو متجر تنظيف ملابس والذي كان يلحظ كلما زاره ابنتها الصغيرة التي تجلس تراجع دروسها في الرياضيات ويبدو عليها الإهتمام الكبير والنباهة الملحوظة، متوقعا لها مواصلة دراستها في المستقبل بجامعة شيكاغو بجانب أبناء أكبر الأساتذة الأمريكيين، ثم العمل بجانبهم بعد التخرج في أروقة العمل، وبالتطبيق على الدول النامية والدول المتقدمة فإن الدول النامية لو كان حالها الآن مثل تلك الطفلة من حيث الإهتمام بتنمية رأس المال البشري ففي المستقبل ستكون بجوار أكبر الدول المتقدمة.. ولنا أن نطرح تساؤل هام كيف السبيل للدول النامية لفرصة تعليمية في مدارس الدول المتقدمة كتلك التي سنحت لإبنة المرأة الكورية؟ الفكرة من الناحية النظرية مقبولة ولكن تطبيقها صعب للغاية.. لأنه يستلزم تعليم أبناء الدول النامية في مدارس وجامعات أجنبية لكي تتحقق تلك النظرية.. ويمكن لخريجيها إدارة العملية التعليمية بدولهم النامية على أسس متقدمة! .. ثم دعونا نتسائل هل بالفعل التعليم العالي هو ما سيحقق التنمية؟ لماذا نصر على الزج بالقطيع كاملا نحو التعليم العالي ووأد نجوم رياضة وفنون محتملين؟! ربما كان من الأنسب دعم التنوع وتغير في منظومة القناعات الإجتماعية نحو التخصصات القائمة على الإبداع والموهبة.. أما التثقيف فيمكن من خلال حلول أخرى غير تقليدية.
تحت عنوان حل ألغاز التنمية البشرية يؤكد لين حقيقة هامة وهي أن الإستثمار في رأس المال البشري يجب أن يتم بالتوازي مع تراكم رأس المال المادي، فلو زاد رأس المال المادي عن البشري سيصبح ذلك الإنخفاض مكبلاً للتوسع الإستثماري وتوظيف رأس المال المتاح بالدولة، بينما لو انخفض رأس المال المادي عن البشري سوف يكون بالدولة الكثير من الشباب المتعلم والمحبط لعدم وجود فرص عمل كدول الربيع العربي مصر وتونس وغيرها. الإقتصاد البنيوي الجديد يقترح أن يكون الإستثمار في رأس المال البشري موجها بما يتوافق مع القاعدة الصناعية بالدولة وفق وضعها البنيوي وموجها نحو التطوير لتطوير تلك القاعدة، إن تجربة سنغافورة والتي تجاوزت التعليم الإلزامي واتجهت للتأكيد على التوظيف والعمل وتطوير رأس المال البشري من خلال التدريب أثناء العمل من التجارب التي يجب الإشادة بها.

رابعا الإستفادة من ميزة التأخر وصولا لمرحلة
الدخل المتوسط
ولكن كيف تحدد السياسة ذلك القطب؟ لقد طرح المؤلف فكرة أن تقوم الدول النامية بالنظر أولاً إلى طبيعة مواردها، ثم إلى الدول المتقدمة التي لديها نفس تلك الموارد وكيف تستغل تلك الدول المتقدمة هذه الموارد، وفقا لمبدأ أن الدول المتقدمة أصبحت متقدمة لكونها أكثر كفاءة في استغلال مواردها، ومن ثم تقوم الدول النامية بمحاكاة الدول المتقدمة في ذلك الإستغلال المستدام، على أن تقوم الدولة دائما بتكيف الظروف المواتية لدعم ذلك القطب ، فعلى سبيل المثال عندما نجحت اثيوبيا في صناعة الأحذية وبدأت تلحظ منافسة من الصين لها بهذه الصناعة زار رئيس وزراء اثيوبيا الراحل ميليس زيناوي شينزهين بالصين عام 2011 ودعا مصنعي الأحذية للإستثمار باثيوبيا مقدما لهم حوافز استطعت جذبهم بالفعل.
بالرغم من أن لين اعتبر لين أن التأخر ميزة لتحقيق نمو سريع بالنسبة للدول النامية بنسخ ما توصل إليه الآخرون ومن ثم تحقيق معدلات نمو مرتفعة.. إلا أن التأخر في الحقيقة هوة متنامية وكارثة تفاوت ضخم يصعب اللحاق بها مع مرور الوقت.. فعلى سبيل المثال يفترض العديد من الإقتصاديين أن معدل نمو من 5 إلى 10% معدل نمو مرتفع يمكن من خلاله للدول النامية أن تصل إلى غاية التنمية، إلا أن الأرقام ترفض تلك الفرضية.. فعلى سبيل المثال دولتي بورندي ذات متوسط الدخل 400 دولار وسويسرا ذات متوسط الدخل 40 ألف دولار لا يمكن معدل نمو 10% لبورندي أن يصل بها إلى دولة مرتفعة الدخل أو حتى ذات دخل متوسط خلال عقدين من الزمان، على سبيل المثل 400 دولا بمعدل نمو سنوي 10% لمدة عشرون عاما سيصل بمتوسط الدخل للفرد بدولة بورندي لنحو 2400 دولار، في حين أن نمو متوسط دخل الفرد بسويسر والذي يبلغ 40 ألف دولار بمعدل نمو 1% خلال نفس الفترة سيصل بالمتوسط لنحو 48 ألف دولار! .. ما الذي حدث؟ ازداد متوسط دخل الفرد في بورندي 2000 دولار بمعدل نمو مرتفع في حين ازداد دخل الفرد في سويسر بقيمة 8000 دولار بمعدل منخفض! ، لم يبلغ متوسط دخل الفرد في بورندي المستوى المتوسط، بينما كانت الزيادة بمتوسط دخل الفرد بالدولة المتقدمة تعادل أربع أضعاف تلك الزيادة في الدولة منخفضة الدخل... وماذا لو نما متوسط دخل الفرد في سويسرا بمتوسط معدل نمو 5 أو 6% ؟! .. تلك الحقيقة التشاؤمية تستدعي إعادة النظر في مسألة معدلات النمو التنموية.
تواصل ثراء الأفراد بالدول المتقدمة ليس لكونهم عباقرة وإنما لكونهم ورثوا الثراء.. عندما يخرج الأبناء في الدول النامية بالكاد يجدون أسقف متهالكة يبيتون تحتها وملابس ممزقة تحميهم من قسوة البيئة وطعاما متواضعا.. فلا يمكن لنا أن نتوقع مستقبلا باهرا لتلك المجتمعات.. نعم الحاجة والعوز تدفع الأفراد والمجتمعات للبذل نحو إثبات الذات ولكن لابد من توافر البيئة الآمنة الداعمة لكي يتمكن الإنسان من تكوين التراكم، يولد الإنسان ولا يملك شيئا ولولا أن والديه يدعمانه حتى يصل إلى مرحلة من النضج يمكن معها البدء في رحلة التراكم لقضى حياته متسولا! .. بالتأكيد هناك نماذج خرقت تلك الفكرة واستطاعت أن تبني نفسها من لا شئ ولكن ليست القاعدة التي تصلح للتطبيق على الكل المجتمعي... أبناء الدول المتقدمة يتمكنون من تواصل الثراء لأنهم ورثوا الثراء، أما أبناء الدول النامية فقد ورثوا الفقر ويقومون بتوريثه لأبنائهم.. ربما الحل الضروري لتلك الحلقة المفرغة العمل على إثراء المجتمعات النامية مع تقليص معدلات النمو السكاني خاصة لذوي الدخول المحدودة، وتبني حلول اجتماعية وتضامنية.

خامسا التركيز حول معدل النمو كؤشر للتنمية
هناك مسألة أخرى يجب التنويه عنها وهي أن الأرقام ليست دائما تعبر عن الحقيقة، فعندما نرى أن الأرقام تصف متوسط دخل الفرد في مصر ب10 الآف دولار دولي أي بتعادل القوى الشرائية فهل فعلا هذا هو متوسط دخله؟ ربما يكون المتوسط الحقيقي أعلى من ذلك لكون العديد من الدخول لا تخضع لأي تسجيل فالعديد من العاملين مهنهم الحقيقية أو أعمالهم الخاصة غير مدونة بأي أوراق رسمية ولا تخضع للإحصاء الرسمي، فضلا عن أن المهن المدونة في البيانات الشخصية للأفراد والتي تخضع للإحصاء الضريبي يتم تقدير دخولها بنحو أقل من الحقيقة للتهرب الضريبي... ربما تكون بالفعل الأرقام ليست مؤشرا جيدا على التنمية الاقتصادية بالدولة، بينما يبقى المؤشر الأهم هو مقياس درجة السعادة أو الرفاهية الاقتصادية بالدولة والذي يقيس أثر ذلك الدخل وفق وضعه الحقيقي، ماذا فعل ذلك الدخل أيا كان رقمه الحقيقي؟ هل شعر الأفراد بالرفاهية الاقتصادية؟ ما هو مستوى رضا الأفراد؟!

سادسا أين قضية التوزيع؟
لم تنل قضية التوزيع القدر الواجب من التركيز خلال تناوله لقضية التنمية والتي تعني النمو مع حسن توزيع النمو، التنمية لا تعني النمو فقط، فعلى افتراض أن نموا تحقق بحيث ارتفع متوسط دخل الفرد من 400 دولار إلى 4000 دولار خلال عشر سنوات.. فالتساؤل كيف تم توزيع ذلك القدر؟ هل اختفى الفقر؟ أم ازدادت المناطق الصناعية بالفعل ولكن مع توسع في ظاهرة العشوائيات حول المناطق الصناعية والحضارية؟ هل هذه هي التنمية؟! .. التساؤل الأهم في قضية التنمية هو كيف يمكن أن يساهم النمو في تحسين المستويات المعيشية لأقل الطبقات من حيث الدخل أهم من الإجابة على تساؤل كيف يمكن أن يحدث النمو.. والنمو الذي تتحقق معه التنمية هو النمو الذي يقوم بالأساس من أقل الطبقات دخولا في المجتمع ولصالحهم، كيف يمكن للمشروع الذي استثمر عشرة آلاف دولار بعد فترة ليست بعيدة يصبح رأسماله مائة ألف دولار؟!.. وحول ذلك الهدف يجب أن يتمحور دور الدولة من رأسها وحتى أصغر موظف في دعم التنمية، أن يكون هدفها بوضوح هو مكسب الأفراد وكيف يمكن أن يصبحوا أثرياء... والآن دعونا نتسائل هل بالفعل هذا هو مسعى الدولة بدءا من أعلى قمتها مرورا بوزرائها وكبار المديرين وحتى أصغر العاملين بالدولة خاصة الدول النامية؟ هل بالفعل يسعون خلال أداء عملهم لكي يصبح أصحاب الأعمال والمشروعات خاصة الصغيرة ومتناهية الصغر أثرياء ويعينوهم على ذلك؟ .. ربما ذلك التساؤل هو ما يجب أن نتوقف حوله كثيرا!





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,753,615
- حوليات إشكالية أجر الكفاف في ضوء تحليل الإقتصاد السياسي
- حكاوي قهاوي في الإقتصاد
- لماذا لقنتمونا أنهم كانوا علماء المسلمين؟ لم يكونوا مسلمين!
- نظرية الإقتصاد السياسي مُقاربة تأصيلية
- المعجزة اليابانية - وخصائص الإدارة اليابانية
- مدخل إلى نظريات إدارة الأعمال الإقتصادية
- الثورة الصناعية الرابعة والتحديات الإقتصادية لفجوة الدخل الخ ...
- الفكر الإقتصادي اليهودي والفكر الإقتصادي المسيحي
- رأس المال التنظيمي (الهيكل التنظيمي)
- رأس المال الفكري (الهيكل الفكري) وعلاقته بالتنمية الإقتصادية
- رأس المال الثقافي (الهيكل الثقافي) وأثره على التنمية الإقتصا ...
- رأس المال الإجتماعي (الهيكل الإجتماعي)
- رأس المال النفسي ورأس المال البشري كمكونات جوهرية بعنصر العم ...
- هل العلاقة ما بين الإقتصاد (متوسط الدخل) وما بين السياسة (جو ...
- عن النفس والعلاقات الإنسانية بالمصري
- هل عملية التنمية الإقتصادية بطبيعتها سريعة أم بطيئة؟
- التنمية الإقتصادية مفاهيم وتساؤلات
- التواصل البيئي: الأرض على طاولة المناقشات مرة أخرى ولكن من م ...
- حوار التنمية بين الشمال والجنوب بالعقدين الأول والثاني
- نظرية التنمية الإقتصادية - الجزء الأول


المزيد.....




- فرخ حمام سعره يعادل قيمة سيارة فارهة.. فكم ثمنه؟
- مسؤول روسي رفيع يبحث مع الرئيس السوري التعاون الاقتصادي بين ...
- شركات الطيران تعتزم رفع أسعار التذاكر هذا الصيف.. فما علافة ...
- الكرملين تعليقا على تقرير مولر: على دافعي الضرائب الأمريكيين ...
- بعد -اقتلاع البشير-... كيف تغير الجنيه السوداني أمام الدولار ...
- بلومبرغ تنشر مؤشر البؤس الاقتصادي
- مؤشر البؤس الاقتصادي
- تتعلق بحجز أموال وسعر الصرف.. قرارات للمجلس العسكري بالسودان ...
- ماذا حققت مشاركة سوريا في منتدى يالطا الاقتصادي
- قفزة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية بروسيا رغم العقوبات


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - قراءة لكتاب السعي إلى الرخاء تأليف جاستين بيفو لين كبير الإقتصاديين بالبنك الدولي ونائب رئيس البنك الدولي - ترجمة الأستاذ/ حمدي أبو كيلة