أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - الكنيسة ودانتي أليغييري.. الصّلح خير















المزيد.....

الكنيسة ودانتي أليغييري.. الصّلح خير


عزالدين عناية

الحوار المتمدن-العدد: 5748 - 2018 / 1 / 5 - 12:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الكنيسة ودانتي أليغييري.. الصّلح خير
جانفرانكو رافازي
ترجمة: عزالدين عناية
استهلال
جدير أن يحوز دانتي مقاما عليّا في المخيال الإيطالي بوصفه رمزا من الرموز الثقافية البارزة، في بلد كابد لأجل تحقيق وحدته الوطنية، وذلك لما لعبه الشاعر من دور في صياغة هوية إيطاليا اللغوية. فإيطاليا التي قامت على أنقاض ممالك وجمهوريات وإمارات عدة، تبقى مَدينةً لصاحب الكوميديا في نحت لسانها وتوحيده؛ في ذلك المسار العسير الذي دحضت فيه الإيطالية الدانتية، أو بالأحرى إيطالية فلورانسا، سائر الألسن الأخرى، السردينية والنابوليتانية والفريولية واللادينو والأوشيتانية وغيرها كثير، حتى أبقتها في حدود الاستعمالات الضيقة.
وضمن تنافس المتنافسين على دانتي أطلّت كنيسة روما، وإن حصل ذاك متأخرا، في محاولة لاحتضان إرثه الثقافي، رغم أن الرجل أولج بابواتها أبواب البرزخ مثل نيقولا الثالث وبونيفاس الثامن وكليمنت الخامس. فهل هي صحوة كنَسيّة لمراجعة التاريخ أم هي استراتيجية الأمر الواقع؟ صحيح أن دانتي كان كاثوليكيا ولكنه ما كان من أنصار الثيوقراطية وحشْرِ السيفين في غمد واحد، كما رنت الكنيسة طيلة العصور الوسطى، مستلهمة ما ورد في إنجيل لوقا (22: 38): "يا رب ها هنا سيفان". فقد انتقد دانتي الكنيسةَ في مسألتين رئيستين: فساد الإكليروس وغواية السلطة، بوصف فساد المدينة متأت من هذا الزيغ. فالنشيد التاسع عشر من "الكوميديا الإلهية" هو مانيفستو صريح ضد الانحدار الخلقي، منذ أن هلّت "حقبة الفجورقراطية"، أو "حكومة الفاجرات" التي جثمت على الكنيسة، حتى سماهم دانتي بالسيمونيين نسبة إلى الساحر سيمون الوارد ذكره في سفر "أعمال الرسل" لبولس. (المترجم)


أبدت الكنيسة الكاثوليكية في العديد من المناسبات اهتماما بدانتي أليغييري من خلال الاحتفاء به، وقد بدا ذلك جليا عبر تصريحات ورسائل جملة من البابوات. كما نوّهت الكنيسة بعلوّ مقام مؤلف "الكوميديا الإلهية"، معتبرة إياه عنصرا أساسيا من عناصر تراثها الثقافي والديني، وذلك لعمق الصلة الرابطة بينه وبين الإيمان المسيحي وسائر التأملات اللاهوتية المتشكّلة حول حقيقة الإيمان. نستعيد في هذه المقالة مناسبات الاحتفاء حديثة العهد بدانتي، لنتبيّن ما أولاه بابوات روما، وباسم مجتمع الكنيسة، من عظيم الشأن للشاعر.
بندكتوس الخامس عشر ودانتي
في الرسالة البابوية "In praeclara summorum" الموجهة إلى الهيئات الثقافية العليا في العالم الكاثوليكي وإلى أساتذة وطلاب معاهد الدراسات الأدبية (30 أبريل 1921)، أحيى البابا بندكتوس الخامس عشر الذكرى المئوية السادسة لرحيل دانتي. وبالمناسبة أقرّ ترميم المصلّى المجاور لكاتدرائية سان فرانسيسكو، الذي يحوي ضريح دانتي.
وقد أوضح البابا بندكتوس في الرسالة المذكورة "الصلة المتينة بين دانتي وكاتدرائية القديس بطرس، لما تضمّنه قول الشاعر، طيلة حياته، من إعلاء لشأن الكاثوليكية. فقد كان على مذهب القديس توما الأكويني، وكان مطّلعا على الأسفار المقدسة وعلى كتابات آباء الكنيسة"، محتفيا البابا "بإلمام دانتي الواسع ورهافة حسه". كما أقرّ بندكتوس الخامس عشر "إن إلهام الشاعر مستوحى من الإيمان الإلهي"، بوصفه المقصد الأعلى للكوميديا الإلهية، التي يرنو فيها إلى تمجيد العدالة والعناية الربانية.
ففي نص دانتي الشعري ثمة حضور للحقائق الجوهرية للكنيسة الكاثوليكية، وهكذا كان تحويل مقوله إلى "مختصر للقوانين الإلهية". فالرب واحد وثالوث وفق المعتقد الكاثوليكي، والخلاص متجل في تجسد الكلمة. ودانتي كما يذكر البابا قد أبدى تماهيا مع الإيمان المسيحي بوصف "الرب هو الوحيد الذي أملى النص". وتأكيدا لذلك التمشي تعلّل البابا بنعت دانتي كنيسة روما بـ"الأم المخلصة" و"زوجة الصليب". وفي ما يتعلق بانتقادات دانتي اللاذعة لكنيسة روما في ذلك الزمان، ساير البابا بندكتوس الخامس عشر موقف الشاعر قائلا: "من يستطيع أن ينكر الأشياء التي يلام عليها إكليروس ذلك الزمان؟". فبالنسبة إلى بندكتوس الخامس عشر "يختزن دانتي روحا معاصرة"، بل لعلّه أكثر حداثة من نظرائه المعاصرين.
فمن ينزعون عن دانتي تلك الميزة ويهوّنون من ذلك البعد الديني للكوميديا الإلهية، لغرض أيديولوجي، "يلغون عن الشاعر إحدى خصاله التي تقوم عليها كافة محاسنه الشعرية". وبالتالي، بمعاينة ما يجري في المدرسة الإيطالية اليوم، ما يثير الأسى في الدراسة غير الملائمة للشاعر. وهو ما جعل "الكوميديا الإلهية" دفينة الكتب الدراسية، دون أن "تخلّف أثرا إيجابيا يُفتَرض أن تنتجه"، والحال أن دانتي ينبغي أن يحوز "مقاما عليّا" وأن يُعرّف "كعَلَم وداعية للفكر المسيحي الأصيل".
بولس السادس ودانتي
في الذكرى المئوية السابعة لميلاد دانتي، أكد بولس السادس في الرسالة البابوية " Altissimi cantus" (7 ديسمبر 1965) اهتمام الكنيسة العميق بشخص دانتي. حيث دشّن البابا عبر تلك الوثيقة، كرسي الدراسات الخاص بدانتي في الجامعة الكاثوليكية بميلانو. فالرسالة البابوية قد جاءت لتكمّل مختلف المبادرات التي دشّنها البابا مونتيني بتقديره الخاص لدانتي. وفي التاسع عشر من شهر سبتمبر من العام نفسه أرسل البابا إلى قبر الشاعر في مدينة رافينّا صليباً مذهباً، عربونا على البعث الذي ينشده دانتي، وفي الرابع عشر من نوفمبر من العام نفسه تم ترصيع حوض معمودية سان جوفاني في مدينة فلورنسا بتاج مذهّب من الغار. ومع اختتام أعمال مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، قدّم البابا لكافة المشاركين طبعةً فاخرةً من "الكوميديا الإلهية".
"عن الرب في النشيد السامي..."، هكذا استهلّت الرسالة البابوية قولها، حيث تتجلى المركزية المطلقة للشاعر المبدع في مدوّنة الشعر الإيطالي، المسمى بـ"النجم الساطع" والمنعوت بـ"مبدع اللغة الإيطالية" أيضا. وبما كتبه بولس السادس، مقتفيا أثر البابا بندكتوس الخامس عشر، يجدّد الاعتراف بالشاعر الكبير كواحد من ألمع شعراء المسيحية. إذ يقول البابا مونتيني "دانتي هو متاعنا"، مقتفيا أثر البابا بندكتوس الخامس عشر، حيث يعدّه الأعلى مقاما بين كافة الشعراء، "لما يرشح به النشيد الشجيّ لدانتي من لمسات ساحرة، فريدة في عظمتها، من خلال المواضيع التي تطرّق إليها، ولنقاوة إلهامها وما يوشّيها من بهاء". "دانتي هو متاعنا" بالمعنى الكوني، بل أيضا "متاعنا" بالمعنى الكاثوليكي. حيث يؤكد بولس السادس أن من واجب الكنيسة الاعتراف بدانتي، وهو ما سيخلّف أثرا في الدراسات بغرض اكتشاف "المآثر الخفية للفكر والإحساس المسيحيين". كما لم يتجنّب بولس السادس التعريج على انتقادات دانتي للكنيسة في ذلك العصر، على غرار ما يرد في النشيدين الثالث والتاسع عشر من الجحيم.
"مجدوا الشاعر المبدع!" ذلك نداء بولس السادس في ختام رسالته البابوية، داعيا إلى "الالتزام الصادق" لا سيما من جانب الذين يشعرون، ولعوامل مختلفة، أنهم الأكثر قربا من الشاعر. فالثقافة المعاصرة مدعوة لإدراك سُبل اللقاء بدانتي مستلهمة منه الرشاد نحو الطريق الصواب، الذي عادة ما يقف في وجهه دغل مظلم.
بندكتوس السادس عشر ودانتي
من جانبه أبدى بندكتوس السادس عشر (راتسينغر) تعلقا بدانتي على غرار سابقيه من البابوات، وذلك في العديد من المناسبات، فقد أفصح عن ذلك منذ أن كان كردينالا، من خلال استحضار مقاطع من أعمال الشاعر. حيث أورد في كتابه المعنون بـ"مدخل إلى المسيحية" تحت عنوان "فضيحة المسيحية"، أي المسيح الذي تحول إلى بشر، وبالتالي لمعنى للكائن الذي لا يُنشَد في عالم الأفكار بل في وجه الإنسان، وهو ما يذكّر بواقعية هذا الفكر كما عبر عنه نص "الكوميديا الإلهية" لدانتي:
"هذه الدائرة المرسومة بحيث تبدو
نورا فيك منعكسا
والتي تأملتها عيناي طويلا
بدت لي في داخلها منطوية
على صورتنا مرسومة بلونها نفسه
فغمست فيها نظري كله".
دانتي "وهو يتملّى سرّ الألوهية، ينخطف منجذبا إلى صورته الذاتية، إلى الوجه الإنساني، الماكث في قلب الدائرة المشعة نورا والمتكونة من "الحب الذي يحرك الشمس وسائر الكواكب".
يستعيد راتسينغر هذا الموضوع وهذه الأبيات لشرح معنى الرسالة البابوية الأولى "الله محبة". ففي لقائه بالمشاركين في المؤتمر المنعقد بإشراف المجلس البابوي "كو أنوم"، أكّد حبر الكنيسة أن رؤية الشاعر كانت ثاقبة في التقاط المعنى الأصيل لكلمة المحبة. "حيث ينتهي في الجولة الكونية، التي أراد من خلال "الكوميديا الإلهية" إشراك القارئ فيها، أمام النور الساطع الذي هو الرب ذاته، ذلك النور الذي يتجلى في الآن نفسه في المحبة التي تحرك الشمس والكواكب". كان الثالوث -على قول راتسينغر- حاضرا لدى دانتي في تلك الرؤية التي يقبع في جوهرها المسيح. ويعلق راتسينغر قائلا: "ما هو مثير للدهشة في هذا الحديث عن الرب كدائرة من المعرفة والمحبة وهو الوعي بوجه بشري -وجه يسوع المسيح- الذي يبدو لدانتي ماكثا في الدائرة المركزية للنور. وإن كان في الرؤية الدانتية يطفو من جانب الترابط بين الإيمان والعقل، بين بحث الإنسان وإجابة الرب، فمن الجانب الآخر تظهر أيضا محورية وجدّة المحبة التي شاء الرب اتخاذها شكلا بشريا".
كما نجد نقطة أخرى تعلّقت بدانتي تردُ ضمن المداخلة الموجَّهة للمشاركين في اللقاء المنعقد برعاية معهد يوحنا بولس الثاني البابوي، تحدّث فيها البابا عن لغة المحبة الحقيقية وعن المحبة الزوجية: "في المحبة، أعيد خلق الإنسان. وحيث المحبة علامة على حياة جديدة، حياة التوحّد لزوجين في جسد واحد. فالسحر الحقيقي للجنس ينبع من هذا الأفق المنفتح: الجمال الكلي، عالم الطرف الآخر والـ"نحن" التي تنصهر في الوحدة".
وفي احتفال "حبل العذراء بلا دنس" سنة 2006، يتساءل راتسينغر أثناء القدّاس، لما اصطفى الربُّ مريم الناصرية من بين سائر النساء؟ إجابة البابا تعتمد على الكتاب المقدس، بل على الشعر أيضا، موردا صلاة سان برناردو الواردة في النشيد الأخير من "الكوميديا الإلهية": الإجابة -يقول البابا- خافية في السر العميق للمشيئة الإلهية. وإن كان هناك منطق يجليه الإنجيل فهو تواضعها. وهو ما يؤكده دانتي أليغييري بقوة في النشيد الأخير للجنة:
أيتها العذراء، يا ابنة ابنك،
يا من أنت أكثر تواضعا وعلوا من سائر خلقه
يا حدّا مقررا لمجلس أزلي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,091,982
- التقرير الإحصائي للكنيسة 2016
- -البندقية بوابة الشرق- إطلالة شيّقة على علاقات الشرق بالغرب
- علاقة الكاثوليكية باليهودية في التاريخ المعاصر
- التصلّب اللاهوتي وأزمة العقل الكنَسي
- يهود ليبيا
- وكالة الاستخبارات الأمريكية وحاضرة الفاتيكان
- الكردينال والإسلام
- البابا فرانسيس ورقصة التانغو
- الكنيسة والمافيا
- مشروع كلمة والترجمة من الإيطالية
- العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري
- سوسيولوجيا المثقّفين العرب في الغرب
- الدين في الغرب
- المثقّف العربي في الغرب
- ثلاث قصص إيطالية للأطفال
- إن عانقتك فلا تخف
- ملكات بمحض الصدفة
- -الثمار المنسية- رواية للإيطالي كريستيانو كاڤينا
- الابنة الغامضة.. رواية جديدة لإيلينا فيرّانتي مترجمة من الإي ...
- لاهوت التحرير والوثنيات الجديدة


المزيد.....




- تحرك يهود البرازيل بسبب لوحة كاريكاتورية ساخرة (صورة)
- السعودية... -الشورى- يطلب من -الأمر بالمعروف- معلومات دقيقة ...
- استئناف المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة في الدوح ...
- تظاهرات في غزة ورام الله ضد «الاعتداء» على أسرى فلسطينيين في ...
- إندونيسيا تعيد النظر في إطلاق سراح زعيم -الجماعة الإسلامية- ...
- أزمة شباب الإخوان.. هل عجزت الجماعة عن تقديم أجوبة مقنعة؟
- البابا فرانسيس يطلق تطبيقا رقميا للصلاة معه
- الشؤون الدينية في تركيا تعاقب الأئمة المدخنين في الحج
- الإمارات تستعد للزيارة التاريخية المشتركة لبابا الفاتيكان وش ...
- نشطاء: وفاة رجل دين سعودي بعد 5 أشهر من احتجازه


المزيد.....

- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - الكنيسة ودانتي أليغييري.. الصّلح خير