أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبد الحق الزروالي - في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية















المزيد.....



في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية


عبد الحق الزروالي
الحوار المتمدن-العدد: 5745 - 2018 / 1 / 2 - 10:19
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية
بهذه المناسبة، ووفاءا للذكرى ولشهداء الثورة وقادتها البواسل، نحيي النقاش حول خطة البلاشفة الشيوعيين، أنصار الخط البروليتاري اﻻشتراكي وأهميته في الثورة.. فعلى حدّ زعم أحد قادتها التاريخيين، لوﻻها، أي لوﻻ ثورة دجنبر 1905 العمالية والشعبية لما تحققت ثورة أكتوبر الحاسمة واﻻشتراكية، التي دارت رحاها وطواحنها على الصعيد الروسي لحظتذاك.
فأهمية هذه الثورة في تاريخ الحركة العمالية اﻻشتراكية تلزمنا بالتأكيد على خلاصاتها، والحفاظ على جوهرها مع التعديلات اللازمة والضرورية التي يفرضها واقعنا المغربي، ومستوى الصراع الطبقي ودرجة الوعي وسط الجماهير المعنية بالتغيير، ودرجة وعي الطبقة العاملة المغربية بأهمية التنظيم لإنجاز مهامها التاريخية، وإدراك خطورة الأزمة الرأسمالية التي بلغت مداها وأقصى درجة تعفنها، من خلال نموذجها المعولم.. فهي التجربة التي دشنت عهدا جديدا وأضافت رصيدا ملموسا للحركة والنضال العمالي الثوري، ودفعت بالقادة البلاشفة إلى الأخذ بالخطة اللينينية وببرنامج الحد الأدنى، وأقنعت قيادات الحركة الاشتراكية بضرورة الاستفادة من مكتسبات خط النضال الديمقراطي ومطالب الحريات السياسية والديمقراطية.. يعني الثورة الديمقراطية بما هي ثورة ضد الاستبداد.. ثورة من أجل المطالبة بالجمهورية، ثورة الجياع المطالبين بحقهم في الشغل وفي العيش الكريم، بعيدا عن الزيادات الصاروخية في الأسعار وعن تضخيم البطالة وعن حرمان عموم المواطنين من حقهم في مجانية التعليم والاستشفاء والرعاية التامة التي تحفظ المكتسبات وتعمقها بصفة شاملة تضمن الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق النساء والأقليات ومختلف القوميات.. حيث استمرت هذه الانتفاضة، وهذه الثورة الديمقراطية لمدة قاربت الثلاثة سنوات، قبل أن تعلن رسميا عن إخفاقها وهزيمتها وعجزها عن تحقيق أهدافها وجميع مطالبها وإن كانت توفقت في فرز إحدى أهم روائعها ونماذجها الديمقراطية في التاريخ المعاصر، مجالس شعبية للعمال والفلاحين وعموم الكادحين، عرفت منذ ذلك الحين بالسوفييتات.
فحول جدوى وأهمية النضال الديمقراطي وخطه الذي يلزمه التجذر واﻻنتصار داخل المشهد السياسي عامة.. واﻷمر يتعلق جدّيا بأوضاع الصراع الطبقي ببلدنا المغرب، التي ﻻ يجب أن تحظى هذه اﻷوضاع نفسها، بتميز واستثناء داخل عموم بلدان المعمورة.. حيث ﻻ يمكن اﻻستغناء، خلال مرحلة النضال هذه، عن خط النضال الديمقراطي، وعن الثورة الديمقراطية، وشعاراتها ومواقفها، ودوافعها، للإطاحة بنظام اﻻستبداد القائم، واﻹعداد الفعلي والعملي، للثورة اﻻشتراكية.
فنحن حقيقة أمام معضلة نظرية وسياسية، واجهت وﻻ تزال مكونات الحركة اليسارية المناضلة، منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث ما زالت تراوح المكان، إن لم نقل ونجزم، بأنها تخلفت خطوات إلى الوراء، في سياق مهمة الاصطفاف الضروري واللازم، حول برنامج حد أدنى نضالي، يوفر الشروط اللازمة والملائمة، لوضع اللبنة الأولى لتشكيل تنظيم يساري مكافح، يسهر على تأطير وتنظيم نضالات عموم الشباب والكادحين، وعلى رأسهم، وتحت قيادة عمال وعاملات المعامل، والمصانع، والشركات، والمناجم، وكبريات الضيعات الفلاحية..الخ
"فإذا كان لا بد من أن تتحدوا، فاعقدوا اتفاقات من أجل تحديد الأهداف العملية للحركة، ولكن إيّاكم المساومة في المبادئ، إيّاكم أن تقوموا بتنازﻻت في "النظرية".. قول تاريخي مأثور للمنظر الثوري اﻻشتراكي ماركس، عبّر عنه خلال تقييمه لبرنامج غوتة".. موقف استحق التنويه، واﻷخذ به، تنويرا للرأي العام اليساري واﻻشتراكي، ردا على بعض الفضاعات الرفضوية التي نسبت نفسها للماركسية، والماركسية منها بريئة.. فالغالبية الساحقة من هؤلاء تعتبر التنسيق، والعمل الميداني المشترك، بين مكونات الحركة اليسارية اﻻشتراكية، ﻻ ضرورة له، ولا يتطلب حد أدنى للتوافق حوله، وﻻ يستحق المغامرة بتقديم تنازلات من أجل إنجاح مواقفه أو مطالبه! ﻷن ذلك من شأنه خيانة القضية والطبقة العاملة والجماهير الشعبية..الخ!
والحال أن هذا التنسيق يهدف باﻷساس إلى تقوية نضال الحركة اﻻشتراكية وتصليب عودها، عبر سعيها الدؤوب لتحسين أوضاع الجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة، واﻹجابة عن مطالبها اﻻقتصادية واﻻجتماعية، على درب تحقيق طموحاتها الكبيرة في التغيير، وفي القضاء على اﻻستبداد، والنهب، واﻻستغلال، من جذره نهائيا.
فمهمتنا كاشتراكيين تبدأ من اﻻعلان الصريح عن منطلقاتنا الفكرية، وعن أهدافنا الإستراتيجية الواضحة.. الشيء الذي يلزمنا بتحصين النظرية من التنازلات، ومن المساس بالقضية اﻻشتراكية والعمالية، حيث يجب على الحركة اﻹعلان عن الهوية واﻻنتماء الطبقي العمالي الذي يوجه الحركة ويساعدها على صياغة برامجها الميدانية والعملية، وتحديد حلفائها، غير المعادين بالضرورة للاشتراكية أي "بما ﻻ ينكر عن اﻻشتراكية حقها في اﻻستقلال وبالتالي حقها في الوجود" على حد تعبير الرفيق لينين.
فإخلاصنا لهويتنا كمناضلين من داخل الحركة اﻻشتراكية، وتشبثنا بمرجعيتنا الفكرية، وبمنهجها العلمي، الذي سيساعدنا ﻻ محالة، في تحديد التناقضات داخل الحركة وفي القلب من المجتمع، ليس من باب التكرار، أو المزايدة المقيتة.. بل هو من باب الوضوح وتوضيح المواقف والمواقع، أمام مهمة نضالية مرتبطة بالممارسة في الحقل السياسي، حيث ﻻ مجال لتبخيس النضال المشترك، والخوض في التحالفات الطبقية والسياسية إلى جانب القوى الديمقراطية والتقدمية، المسنودة بقراءة دقيقة لموازين القوى في أية لحظة من لحظات الفورات، والهبّات الطبقية الهائلة.
فارتباطنا بالرسالة التاريخية للطبقة العاملة، وتمثيليتها للخط البروليتاري داخل الحركة اﻻشتراكية، ﻻ ينفي وﻻ يلغي إسهاماتنا من داخل حركة النضال الديمقراطي، والتنسيق مع مكوناتها وفصائلها المناضلة، على العكس من اﻻنعزال عليها، وهجرها، بدعوى أنها إصلاحية أو تحريفية..الخ
فباب الصراع مفتوح، وسيظل كذلك مشرّعا إلى حين، أي حتى لحظة الحسم وما بعد الحسم.. وحيث ما زالت الضرورة قائمة لهاته التنسيقيات، والتحالفات، والمكونات.. فلا بد من المشاركة وتعزيز صفوف هذه الحركة بكل مبدئية، وبالوضوح اللازم.. مبدئية ﻻ تنفي الصراع والنقاش بين جميع مكونات الحركة الديمقراطية، ﻷسباب معروفة، مرتبطة باختلاف المواقف والمواقع الطبقية.
فحين تشتد وتيرة اﻻستبداد، ويصبح النضال من أجل الظفر بالحريات الديمقراطية، وتحسين اﻷوضاع اﻻقتصادية واﻻجتماعية، على جدول اﻷعمال.. يصبح حينها أي تخلف أو تردد عن المشاركة في صفوف المطالبين بالحريات السياسية، خيانة في حق الجماهير الشعبية وفي حق الطبقة العاملة، مباشرة وسواء بسواء.
هذا النقاش الذي أجبرنا كماركسيين، اعتقدنا، وآمنّا بالخطة اللينينية في الصراع، وبالتعامل بنضج عال مع موازين القوى، والأخذ بعين الاعتبار لجميع قوى الثورة خلال المرحلة التي نعيشها، وفي طليعتها الطبقة العاملة.. حيث ﻻ مجال لمزيد من تشويه تعاليم الماركسية، وابتذالها، وتحويل شعاراتها لمجرد مزايدة ﻻ تصمد أمام حقيقة الواقع، وﻻ تفهم وﻻ تقدّر حجم الهجوم على الحريات الديمقراطية، وﻻ تقيم تبعا لسوء التقدير هذا، حجم الضرر والتأثير على نضاﻻت الجماهير الشعبية، وعلى تقدم المسار الثوري الديمقراطي، ببلادنا.. الشيء الذي يتطلب منا المزيد من النضال الضاري، والذي ﻻ هوادة فيه، للمطالبة بالحرية السياسية علنا، دون أن يكون هذا في مفصل عن مطالبنا بالتغيير الشامل، السياسي واﻻقتصادي واﻻجتماعي، الذي يقطع نهائيا مع التعبية، واﻻستعمار، وصنادق المال اﻹمبريالية، وجميع الشركات العابرة للقارات، التابعة لها.. وفي المقابل وعلى النقيض، يؤسس لديمقراطية جديدة، قوامها المجالس الشعبية في المدن واﻷرياف، في المعامل والمناجم والضيعات وأعالي البحار.. بقيادة وتوجيه من الطبقة العاملة وحزبها اﻻشتراكي، على أساس ضمان وصيانة استقلاليتها، وضمان حقوقها وحقوق جميع الطبقات الشعبية المحرومة من الحرية والديمقراطية والمساواة..الخ
فمن أجل إنجاح الثورة الاشتراكية، والقضاء على نظام اﻻستبداد، والرأسمالية، ونظام الملكية الفردية والخاصة.. ﻻ بد من الحرية ومن كل التغييرات الديمقراطية اللازمة من داخل النظام اﻻقتصادي الرأسمالي القائم، باﻹضافة لما سيرافقها من تغيير في بنية النظام، وفي طبيعة السلطة، وكذا المكتسبات اﻻقتصادية واﻻجتماعية لمصلحة الكادحين وجماهير الشغيلة المحرومين، وغير المالكين، والبطالين، والمهمشين..الخ فلا بد، في هذا السياق، من اﻻعتراف بأن المرحلة هي مرحلة الثورة اﻻشتراكية بما تعنيه من ضرورية الاستيلاء على السلطة السياسية من طرف الطبقة العاملة وحلفائها، واﻹعلان مباشرة عن جميع التدابير اﻻشتراكية، من قبيل مصادرة جميع اﻷملاك البرجوازية، وإعلان التأميم، والشروع في الثورة الزراعية، بتشجيع للنظام التعاوني كمرحلة انتقالية، لتعميم وتعميق اﻻشتراكية.. في عملية دمج للمطالب الديمقراطية بالمطالب اﻻشتراكية الصريحة، بمعنى أنه لم يعد صحيحا التشبث واﻷخذ بتعاقب المراحل، وببرامجها وخططها، بالشكل الذي أجابت عليه الثورة الروسية، حيث كانت الحاجة لمشاركة البرجوازية الجمهورية الثورية، وحيث لم تنضج الشروط حينها لزعزعة الرأسمالية، والمس بالسيطرة الطبقية للبرجوازية ولدورها في اﻹطاحة بالنظام اﻻستبدادي القائم حينها.
فحين تتداخل المهام الثورية، ويصبح إنجاز ما علق منها كمهام ثورية برجوازية، جزء ﻻ يتجزء من المهام الثورية اﻻشتراكية ـ وهي الرؤية السديدة ـ يتوجب حينها، وعلى جميع أنصار الثورة الوطنية، توضيح رؤيتهم للتغيير، والتدقيق صراحة في المعنيين بهذا التغيير، وهذه الثورة الديمقراطية والشعبية.
إذ ﻻ يمكن لحركة ثورية عاقلة، ومقدّرة لتضحيات شعبها، أن تلتفت إلى الوراء بعد استيلائها على السلطة السياسية وتنصيب حكومتها الثورية، لتغازل البرجوازية، ولتجد لها مكانا مريحا في الحكم، وفي إدارة السلطة خلال التدابير اﻷولى لحكم الثورة، بحكم "وطنية" هذه البرجوازية، وبحكم "معاداتها" للإمبريالية.! وهو ادعاء وليس إﻻّ.
إنها سخافة وما بعدها سخافة، تلك التي تفرض على الحركات المناضلة والمطالبة بالتغيير الجذري، أن تظل متشبثة بتلك التكتيكات المهزوزة عن واقعنا، الذي ﻻ يحتضن بالمرة برجوازية معارضة، وطنية، أو شرائح منها تعارض الحكم القائم وتناهض مؤسساته، وشكل حكمه المستبد، وتطمح لتقويض علاقاته مع اﻹمبريالية، على درب اﻻكتفاء الذاتي وبناء اﻻقتصاد الوطني المستقل.. إلى آخره من الترهات والتبريرات النظرية البلهاء!
فليس للثورة التي نؤمن بها، ونعمل جدّيا على التعبئة من أجل إنجاحها، كثورة برجوازية ديمقراطية شكلا محددا، وأفقا محددا.. بل على العكس من هذا، لن تقف الجمهورية في وجهها، ولن تعاند شعاراتها، ولن تعرقل مسيرتها.. ستعززها، وستدفع بمطالبها السياسية واﻻقتصادية، إلى حدّها اﻷقصى اﻻشتراكي، استكماﻻ لديمقراطية جديدة، معادية للبرجوازية، ولجميع الملاكين، وللإمبريالية ومؤسساتها المالية وشركاتها العابرة للحدود والقارات.. فالواقع المغربي في حاجة ماسة لثورة تقطف ما تبقى عالقا من المهمات النضالية الديمقراطية، والتي يمكن أن يستمر النضال من أجل الظفر بها لفترة طويلة من الزمن، رغم استيلاء الطبقة العاملة على السلطة السياسية مدعومة من حلفائها الكادحين والمحرومين، بكيفية ﻻ تؤجل البناء اﻻشتراكي، وﻻ تشجع برامج المنتجين الصغار، في البوادي والمدن.. بل تبقى، وتعمل جاهدة على التعبئة من أجل إنجاح برنامج البناء اﻻشتراكي، في التحديث، والتصنيع، والتأميم، والسهر على مصادرة جميع ممتلكات البرجوازية والملاكين العقاريين. وبدون هذا التدقيق، وهذه الرؤيا التي تختلف جذريا وجوهريا عن مهام "الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية" كما يدعو لها أنصارها، أو الغالبية منهم، والتي تختلف سلطتها عن سلطة الثورة الديمقراطية والشعبية التي ينادي بها البروليتاري، باعتبارها ثورة اشتراكية في عمقها، وأساس بناءها الطبقي، من حيث القيادة العمالية، ومن حيث التحالفات الشعبية، مع الفئات البرجوازية الصغيرة محدودة الدخل ومحدودة الملكية، في المدن والبوادي، وداخل اﻷحياء الهامشية والمقصية.. الشيء الذي يلزم قوى الثورة أن تضمن حقوق جميع هذه الفئات المعنية، دون أن تحمي مصالح الملاكين المستغلين حيث يجب اﻻستمرار في محاصرتهم، ومنع بعثهم عمليا، عبر اقتصاد ومشاريع اﻹنتاج الصغير.
فلسنا في حاجة لجمهورية عموم الديمقراطيين، أو لجمهورية ديمقراطية برجوازية صغيرة، بل نحن في أمس الحاجة للجمهورية الاشتراكية، جمهورية العمال، وصغار الفلاحين، وصغار الحرفيين والموظفين والتجار أصحاب الورش..الخ ﻷن الثورة الديمقراطية، وكما أوضح ذلك لينين، لها ماض ولها مستقبل.. ماضيها هو الرجعية واﻻستبداد، والتسلط، والحرمان من الحقوق.. أما مستقبلها فهو المزاوجة بين النضال ضد اﻻستبداد، والنضال ضد اﻻستغلال، والنضال الطبقي السافر، النضال ضد أرباب العمل الرأسماليين، وضد جميع صناديق المال الإمبريالية، وجميع الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات.
فالتحوﻻت السياسية باتجاه ديمقراطي حقا، وباﻷحرى الثورات السياسية، ﻻ تستطيع أبدا، وفي أية حال من اﻷحوال، ومهما كانت الظروف، أن تضعف شعار الثورة اﻻشتراكية اﻹستراتيجي، بل على العكس فإن هذه التحوﻻت يفترض منها تقريب هذه الثورة أبدا، موسعة أساسها، ومحبذة النضال اﻻشتراكي لفئات جديدة، تنتمي لصفوف البرجوازية الصغيرة، ولصفوف الجماهير نصف البروليتارية.. ومن الجهة اﻷخرى، يتبيّن أن الثورات السياسية أمر محتم في مجرى الثورة اﻻشتراكية، التي ﻻ يجوز اعتبارها عملا واحدا، بل مرحلة من الهزات العاصفة السياسية واﻻقتصادية، ومن أشد النضاﻻت الطبقية ضراوة.. تخضع لقوانين المد والجزر، والارتقاء واﻻنحدار، والسلم والعنف، والأمن والحروب اﻷهلية..الخ
هو ذا المنظور الشمولي الذي نتبناه، وندافع عنه خلال كل المعارك الطبقية والجماهيرية، والتي يحظى خلالها خط النضال الديمقراطي بأهمية قصوى، ﻻ تبخس من مطالبه، ومن تكتيكاته شيئا، بل سيكسب هذا الخط النضالي الكثير من العطف الجماهيري، وستعزز قواعده بالمزيد من الجماهير الكادحة والمحرومة والمهمشة، إلى جانب الجماهير العمالية، في المعركة المصيرية المشتركة، حيث تتطور مطالب تحسين اﻷوضاع، التي ﻻ يجب أن تتوقف حتى بعد حسم السلطة، إلى مطالب التغيير والقضاء على النظام، ودك أركانه وأسسه، باعتباره أصل الشرور واﻻستبداد والحرمان والتمييز واللامساواة..الخ
فالعديد من اﻷقلام المنبهرة بالبعض من قشور الماركسية، والخطط اللينينية في التغيير، ﻻ تتوانى عن مواجهتنا بقدح وعنف ﻻ حد له، ومبالغ فيه.. بالنظر لتشبتنا بخط النضال الديمقراطي هذا، ودمج مطالبه بمطالب التغيير اﻻشتراكي في وحدة ﻻ تنفصم عراها.. الشيء الذي يتطلب منا فتح النقاش الواسع مع جميع مكونات الحركة الديمقراطية الثورية، حول السبل الناجحة ﻹشراك الجماهير الشعبية المعنية بالتغيير، أساسا الطبقة العاملة، التي ستبقى صفرا مسكينا، إذا لم تظفر بحزبها المستقل، حزب يحمي مصالحها، ويضمن قيادتها وطليعتها لعموم الجماهير الكادحة والمحرومة،
وفي هذا السياق ﻻ بد من التحديد الدقيق لقوى الثورة، يعني من هم المعنيون بالثورة؟ ومن له مصلحة في التغيير والثورة؟ بمعنى المصلحة الطبقية التي ستغير من أحواله وتمكنه من نيله لجميع احتياجاته المادية واﻻجتماعية والثقافية..الخ
فإلى جانب الطبقة العاملة التي تتقدم الجميع وتبقى في طليعة الجميع، هناك الطبقة البرجوازية الصغيرة بفئاتها اﻷكثر تضررا وحرمانا، أساسا فقراء الفلاحين وجماهير الشغيلة المستخدمين، والموظفين، والحرفيين، والتجار الصغار، وعموم المحرومين المهمشين في المدن واﻷرياف.. عدا هؤﻻء ﻻ يوجد سوى اﻷعداء، المالكون وحلفاؤهم في الداخل والخارج، حماة الاستبداد والنهب واﻻستغلال عملاء صناديق المال العالمية والشركات العابرة للقارات.
فعلى هذا اﻷساس، وبهذا الوضوح، سيتيسر علينا تحديد أهدافنا في المرحلة، وتحديد الكيفية التي نضمن بها اصطفاف جميع قوى الثورة، من أجل اﻷهداف نفسها، حيث لم يعد المجال يسمح بالتردد، أو اﻻنتظار، أو المزايدة.. فما يميزنا كحركة يسارية، اشتراكية، مكافحة، وكمكون ماركسي من داخلها، هو تشبثنا المبدئي بالخط البروليتاري، الذي يحدد طبيعة نشاطنا السياسي في الميدان، وقوامه المساعدة على تطوير وتنظيم الحركة العمالية في بلادنا، عبر تحويل محاوﻻتها الحالية في اﻻحتجاج، والتمرد، والإضراب ـ وهي صراحة خالية من أي تأثير ـ إلى نضال واعي، متجانس، تخوضه كل الطبقة العاملة ضد النظام البرجوازي، نضال يرمي إلى انتزاع ملكية المغتصبين، وإلى هدم النظام اﻻجتماعي القائم على اضطهاد الشغيلة.. هذا النشاط المبني على اقتناع عموم الماركسيين، أنصار الخط البروليتاري، بأن العامل هو الممثل الوحيد والطبيعي لكل الكادحين والمستغلين في بلادنا في اللحظة الحالية.. عسى أن نكون وفـّينا وكفـّينا، بهذا التعريف لخطنا النضالي، الذي يتميز عن كافة التيارات الثورية، باستناده وتشبثه برسالة الطبقة العاملة التاريخية، وبوثيقة البيان الشيوعي، وموقفها من المشاركة، وحدود وطبيعة هذه المشاركة، في النضال ضد الرأسمالية وضد المِلكية الفردية والخاصة، على أن الطبقة العاملة تبقى هي الطبقة الثورية حتى نهاية الصراع على السلطة، تقود التحالف الشعبي، وجيش الكادحين المحرومين من أية ملكية، وعناصر كثيرة من البرجوازية الصغيرة بالمدن واﻷرياف، في حرب طبقية طاحنة لن تضع أوزارها إﻻ بعد الحسم، والشروع في التدابير اﻻشتراكية اﻷولى، وتصفية ما تبقى عالقا من المطالب الديمقراطية البرجوازية. وفي هذا السياق نفسه، ﻻ بد من القطع النهائي مع جميع المصنفات التجريبية والشعبوية وكذلك الشأن بالنسبة لجميع اﻻتجاهات الرفضوية، التي ما زالت متشبثة بثورويتها وبانعزاليتها الرافضة للتحالفات السياسية، ناكرة لأهمية الحزب المستقل للطبقة العاملة، الحزب الذي يخطط للتحالفات باعتبارها خطوة ضرورية، ودونها سيبدو "لحن الثورة حزينا" كما هو الشأن لتجربة الكمونة ـ كمونة باريس ـ التاريخية التي كان فشلها بسبب هذا اﻹهمال.
فمرحلة النضال الديمقراطي، تعطي الفرصة لحزب الطبقة العاملة لتطوير جميع آليات الصراع، وبناء التحالفات وتوطيدها، وتقوية اﻻتحادات الجماهيرية، وصياغة الشعارات والمواقف الوحدوية..الخ وحين ندعو ونصرّ على هذه التحالفات، فلا يعني ذلك، التفريط في اﻻستقلالية التنظيمية للطبقة العاملة، ودمجها ببقية الكادحين، بسبب من تناقض وتعارض المصالح، وتمايز اﻵفاق.. والحال أن جزءا كبيرا من جمهور الكادحين هم من المالكين الصغار، في المدن والأرياف، يستحيل إقناعهم من اللحظة الأولى، بتنازلهم عن هذه الملكية، ومعانقة اﻹستراتيجية الثورية اﻻشتراكية، أما اﻻستقلالية فلا معنى لها، بل هي غير ذات موضوع، بحكم غياب هذا الحزب نفسه عن المشهد السياسي المغربي.. فالمطلوب إذن توفير الشروط لبناء الحزب اﻻشتراكي في المغرب، حزب ينظم صفوف الطبقة العاملة، ويعمل على تأطيرها، والرفع من مستوى وعيها بمهامها، وبرسالتها التاريخية، وبصيانة تحالفاتها خلال المعركة الطبقية الشاملة.
إذ لا بد للطبقة العاملة وحزبها الثوري الاشتراكي، أن يتوفر على برنامج نضالي واضح لا تنازلات مجانية فيه.. من قبيل، توزيع الأراضي المصادرة، على الفلاحين الصغار والفقراء.. مما يشكل تناقضا صارخا، وجوهريا، مع مهام الثورة الزراعية في تصورنا الاشتراكي.. الشيء الذي يتطلب من الجميع مراجعة بعض المفاهيم السبعينية، التي هي في الحقيقة ناتجة عن بعض التطلعات البرجوازية الصغيرة، والتي يمكن أن تصبح معرقلا حقيقيا، وعدوا لدودا لبناء الاشتراكية، سيرا على برامج التجميع والتحديث والتصنيع، وفقا للمعطيات المحلية المغربية.. كذلك الشأن بالنسبة لأسطورة "البرجوازية الوطنية" التي يحلم العديد بالتحالف معها، وضمها للجبهة المناهضة للنظام وللاستعمار والإمبريالية! وهي شريحة نشك، إن لم نجزم، ونؤكد على غيابها في المشهد السياسي، ارتباطا بنمط الإنتاج الرأسمالي، التبعي السائد ببلادنا، والذي يتميز صراحة باندماج مصالح البرجوازية المحلية بالمصالح الإمبريالية، فمنذ هاته الولادة، باتت المصالح متبادلة والآفاق متظافرة، والتناقضات ثانوية، مؤقتة وجد هامشية.
فلا غرابة أمام هذا الإهمال المقصود والمتعمد، من قبيل بعض المجموعات المحسوبة مجازا على اليسار الراديكالي المغربي.. التي ساهمت بشكل كبير في نشر بعض المواقف والتصورات الخاطئة حول جدوى النضال الديمقراطي، عبر نعت جميع الفعاليات المنخرطة في هذا النضال بالتحريفيين الإصلاحيين، أي في سلة واحدة، ودون تمييز الاشتراكيين منهم.! والحال أن هذا الوصف والتصنيف، خاطئ من أساسه، وفيه تجني كبير في حق الأطروحة الماركسية والتاكتيكات اللينينية المبدئية، التي لم تمانع قط هذه المشاركة وهذا النضال: "فالاشتراكية-الديمقراطية لن تتمكن من الإطاحة بالحكم المطلق إذا لم تأخذ في يديها هي قيادة الحركة الديمقراطية العامة.. ولأن البروليتاريا بوصفها المكافحة الطليعية في سبيل الديمقراطية، تطالب على وجه الضبط بالحرية الكاملة..".. وتساهم في جميع معاركه ومحطاته بكل تفاني وإخلاص لقضايا الطبقة العاملة، ولمشروعها الثوري الاشتراكي، حتى لو انحصر النضال دفاعا عن بعض المطالب الديمقراطية السياسية وبعض الإصلاحات الاجتماعية التي لا تمس بالنظام الرأسمالي في شيء، ارتباطا بالظرفية الحالية، والتي تتميز أساسا بغياب الحزب وغياب أية مبادرة تنظيمية جماعية وموحدة في اتجاه حل هذه المعضلة التنظيمية، التي ستقطع لا محالة مع التسيب واستنساخ التيارات والمجموعات والميكرو-منظمات التي لا تساعد سوى على التذرير والعفوية والفوضوية..الخ الشيء الذي لن يدفع بنا لليأس، بل سيحفزنا ويشجعنا على مطالبة جميع الرفاق، المناضلين والمناضلات، المؤمنين والمتشبعين بفكرة التنظيم وأهميتها في تطوير النظرية والممارسة، بأن يراجعوا هذا الإهمال وهذا التقاعس، وأن ينخرطوا عمليا وميدانيا على هاته الواجهة، دون التخلي عن التزاماتهم الميدانية واليومية، ارتباطا بالقضايا الاجتماعية التي تخص عموم بسطاء المواطنين، الكادحين والمحرومين، إضافة لمطالب العمال والأجراء وصغار الموظفين..الخ
فالابتعاد عن النضال الاحتجاجي وعن فئاته البئيسة، يعد نقصا، إن لم نقل تهاونا أمام مهمة الارتباط، والتعبئة، والتنظيم، والتطوير، ورفع الوعي، داخل الأوساط الشعبية والجماهيرية، باعتبارها قاعدة لخط النضال الديمقراطي.. هذا التهاون الذي يمكن وصفه بالانحراف عن الخط وعن الرؤية الماركسية لأساليب النضال، ولجبهاته الشعبية والاجتماعية، التي يجب أن تبقى مفتوحة في وجه جميع الفعاليات الشبابية والديمقراطية والتقدمية.. إذ بدون تطوير هذا المنحى وتكريسه على الأرض، سنكون قد فقدنا موطئ القدم الضروري، والملزم لأي ماركسي يحترم مبادئه والقضايا التي يدافع عنها، داخل مجال الحركة والنضال الاجتماعي، وما يرتبط به من نضالات عفوية أحيانا، ومنظمة أحيانا أخرى.. هذا التأييد الذي لا يعني بأي شكل من الأشكال الابتعاد عن الحركة العمالية وقضاياها الطبقية والخاصة، التي يعرف الجميع، أو هكذا يفترض، بأنها تتناقض عموما، وفي بعض جوانبها مع مصالح المالكين الصغار ومع مصالح فئات عديدة من المستخدمين والموظفين.. الذين لا يزالون متشبتين بحقهم وبتطلعاتهم وبمواقعهم، لتأكيد هذه الملكية، والحفاظ على استمراريتها في المستقبل القريب، حتى من داخل المجتمع الاشتراكي البديل.. فالتوفيق بين هذه المصالح صعب جدا، يتطلب الجهد الكبير، والبعيد عن الوصفات الجاهزة.. مدخله يمر عبر فتح النقاش، وخوض الصراع الديمقراطي، من أجل هذه المصالح.. والصراع لا يتم عبر إرضاء الخواطر، ولن يستقيم عبر اتخاذ القرارات، والمواقف المتسرعة، التي لا تراعي الظرفية، وموازين القوى، وتناقض المصالح.. ولا تساعد على استئناف الإجراءات الاشتراكية، المحتاجة للإقناع والاقتناع بفوائد الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ولمنابع الخيرات، والثروات الوطنية كلها.. التي يجب أن تصبح في عهدة الطبقة العاملة، ليستفيد من نعمها جميع الكادحين والشغيلة المنتجين.

عبد الحق الزروالي
دجنبر 2017





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,424,434
- في ذكرى الشهيد عبد الحق شباضة
- الشعبوية و التحريفية الماوية ...وجهان لعملة واحدة
- التحريفية من منظور ماركسي لينيني بروليتاري
- اليد الممدودة من القوى التحريفية الى القوى الظلامية


المزيد.....




- طائرة ركاب تهبط اضطرارياً بسبب العواصف في بريطانيا
- تركي آل الشيخ: السعودية رمز العدالة وستبقى في شموخ يغيض الأع ...
- الإمارات تقف إلى جانب الملك سلمان في قضية خاشقجي
- الهند.. ارتفاع حصيلة ضحايا حادث دهس القطار إلى 59 شخصا
- السعودية تعترف بموت جمال خاشقجي في قنصليتها
- محمد ديوجي: الملياردير المختطف في تنزانيا -يعود إلى بيته سال ...
- روسيا ترصد خرقين لنظام وقف العمليات القتالية في سوريا خلال ا ...
- إطلاق سراح قاتل في أوكرانيا لعدم وجود أماكن شاغرة في السجن
- -مليون يورو-... دير أثري في إسبانيا للبيع
- بعد 27 عاما من الجدل... مقدونيا تغير اسمها رسميا


المزيد.....

- شروط الأزمة الثّوريّة في روسيا والتّصدّي للتّيّارات الانتهاز ... / ابراهيم العثماني
- نساء روسيا ١٩١٧ في أعين المؤرّخين ال ... / وسام سعادة
- النساء في الثورة الروسية عن العمل والحرية والحب / سنثيا كريشاتي
- جردة حساب تاريخيّة / جلبير الاشقر
- أشهر تحقيق صحافيّ عن ثورة أكتوبر «عشرة أيّام هزّت العالم» / جون ريد
- اليسار الجديد في تونس في مرآة الثورة البلشفية / خميس بن محمد عرفاوي
- ميراث فلاديمير لينين.. حوار مع طارق علي (ترجمة) / أحمد الليثى
- غورباتشوف وسيرورة تفكك الاتحاد السوفييتي وانهياره - الذكرى ا ... / ماهر الشريف
- مآثر من عبقرية لينين (ثورة أكتوبر العظمى في روسيا عام/ 1917) / فلاح أمين الرهيمي
- اﻹنسانية مدينة، وستبقى، لثورة أكتوبر / نعيم الأشهب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبد الحق الزروالي - في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية