أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشير بن شيخة - في الإلحاد والإيمان/ حفريات في الوعي البشري.















المزيد.....

في الإلحاد والإيمان/ حفريات في الوعي البشري.


بشير بن شيخة
الحوار المتمدن-العدد: 5741 - 2017 / 12 / 29 - 02:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يجب أن نفرق بين الدين و الممارسة الدينية التاريخية، أو بين الدين و الفكر الديني ، إذ من السهل جدا أن ننتقد الفكر الديني، لأنه في الأول و الأخير هو فكر تاريخي ، أي فكر بشري يسعي إلى تأسيس وجوده عبر التفسير الحرفي أو التأويلي للنصوص الدينية ، التي وضعها أو تنبأ بها مؤسسوها الأوائل ، لكن ليس من السهل أن ننسف كلية التجارب الروحية العميقة للمؤسسين الكبار للأديان، لأن البشرية بذلك إنما هي تهدم وعيها التاريخي و تحرم الأجيال اللاحقة من إمكانية النظر في تجاربها الروحية السابقة.
لذلك سعت الأنثربولوجيا الدينية وعلم الأديان إلى دراسة التجربة الدينية كما عاشها المؤسسون الأوائل مفصولة عن الأدبيات التفسيرية وشروحات التقوية التي تضفى بعد ذلك على التجربة الإيمانية المؤسسة وتغطي عنها، وذلك قصد رصد ومحايثة التجربة الإنسانية مع ما هو إلهي في عمق بؤرتها المولدة لها.
لكن التجربة الدينية لن تظل حبيسة وجدان المؤسس بل هي ستندمج وتتحالف مع التاريخ مباشرة بعد تشكلها في لغة شفوية، سرعان ما ستأخذ طريقها نحو التدوين في شكل نصوص لغوية مقروءة، وبعدها مباشرة تصبح التجربة الروحية ملتحمة مع التاريخ الأرضي ومشكلة في قوالبه وأنماطه وتصوراته التي يتيحها النظام المعرفي المصاحب لكل تجربة على حدا، ومن هنا يبدأ الفكر الديني في التبلور والتعاظم، ممتدا يمينا وشمالا، محاولا تعميم تصوراته ونظرياته عن مختلف قضايا الوجود والإنسان والإله والمجتمع...الخ
ومن ثم يمكن القول أن الفكر الديني والفكر الفلسفي و الفكر الصوفي، و حتى الفكر الإلحادي ، هي كلها ضروب من التفسيرات والتأملات البشرية ، التي تسعي لإسباغ المعنى على الوجود نفيا وإثباتا، وهي كلها بلا استثناء تضمر اعتقادا ما اتجاه المطلق المتعالي، و تسن شعائر و طقوسا و عبارات و تلاوات أو قوانين وصيغ ومقولات تنسجم بها معه، بدل البقاء بلا حراك و لا تصرف ، لذلك يظهر المؤسسون الكبار للأديان عبر التاريخ ليوجدوا منظورات متكاملة و مقبولة ضمن المخزون الفكري الجمعي المشترك، خاصة في المنعطفات التاريخية المأزومة فكريا وفلسفيا وإنسانيا، كالقرن الميلادي الأول بالنسبة لليهود مثلا أو في القرن السابع بالنسبة للعرب بعد تفسخ الديانة الوثنية العربية، أو كما حدث مع أزمة الديانة الهندوسية وظهور المجدد المستنير بوذا قبل القرن الخامس الميلادي، ومثل ذلك زراديشت في الديانة الفارسية وغيرهم كثير، ثم ما حدث ويحدث تكرارا ومرارا مع هذه الأديان نفسها من تجديدات وإصلاحات متتابعة، كما حدث مع أوغستين وتوما الإكويني ومارتن لوثر في الديانة المسيحية لاحقا.. وفي الإسلام مع الأشاعرة والمعتزلة والصوفية و الغزالي وابن تيمية وابن عربي وابن رشد..الخ .
والوحي نفسه كما في الأديان السماوية ، لم يعطي أبدا منظورات أبدية نهائية لحقيقة الإنسان و حقيقة الإله وحقيقة الوجود، و إن وجدت شيئا من ذلك فهو من ادعاءات أللأدبيات التفسيرية والكلامية اللاهوتية فقط، لأن النص المترسب عن ظاهرة الوحي ظل مفتوحا وداعيا إلى توسيع عملية التأمل والتفكر والتعقل في الوجودين النفس والآفاق، أما ما أعطاه من منظورات طقوسية عملية سلوكية للتوجه إلى المطلق في شكل فردي أو جماعي فهي تبقى مجرد شعائر تعبدية وسبل ومسالك للترقي وفق الإبستمي المعرفي الذي يهمن على النبي لحظة توجهه للمخاطبين من بني بيئته، ووفق هذا المحور سيتم توزيع الوظيفة الشعائرية و التشريعية للمجتمع في الزمن التاريخي المعيش بما يناسب صلاح معاشهم وظروفهم..
أما في مجال الإيمانيات فقد أعطى مجرد مقاربات مجازية ، متماسكة عقليا نوعا ما، تصلح للاستمساك بها مؤقتا، بالنسبة للفئات الأقل حظا من التعقل والتعليم، أما الفئات الأكثر حظا من العقل فهي مطالبة بالتفكر و التأمل العميقين و المستمرين سواء في النصوص المترسبة عن ظاهرة الوحي ، أي في التجارب الروحية العميقة للمؤسسين الكبار للأديان ، أو في الوجود بما هو موجود، لذلك ينعت الدين كونه نظرية كل شيء ، أو نظرية حياة لمن لا نظرية له.
أما فكرة الإلحاد هي نفسها فكرة مشوّشة و ملوثة بالاستعمال التاريخي ، مثلها مثل فكرة الإله ،و لا يمنع أن يكون الملحد هو المؤمن الكبير ، فكم من متصوفة و فلاسفة نعتوا بهذه التسمية لا لشيء سوى أنهم خالفوا الفكر الديني السائد كالحلاج والسهروردي والرازي وابن الرواندي وابن سينا والفرابي وابن رشد..الخ .ثم إنك لتعجب أيم عجب من بعض أتباع وأنصار الحقيقة الدينية كيف يظنون أنهم قد حازوا اليقين النهائي وأغلقوا ملف التأمل الإنساني، وينسون أنهم بهذا الغلق إنما قد قللوا من عظمة الإله نفسه، ومن عظمة الوجود، واستصغروا من شأنه عندما حصروهما في صيغ تعبيرية صنمية ثابتة، بينما تلحظ أن الذوات العاقلة العارفة تظل طوال الوقت مشدوهة أمام عظمة الوجود وسحره، و أمام بحر أسراره المكنونة، ولا تهدأ أبدا حرارة الشك وطرح السؤال في قلوبهم، والانتقال بين برازخ المعرفة من محطة إلى أخرى، لذلك قال إمام المتصوفة الجنيد البغدادي أن همنا نحن الصوفية اتجاه الحقيقة هو هم دائم وأبدي.
لذلك لا يمنع أن يكون الملحد هو ذاك الذي كفر بإله الأديان وترك عقله مفتوحا أمام مطلق الوجود في إطلاقه الأول قبل أحكام الوعي، وقبل مجيء لغته وصيغه التعبيرية، ومن ثم ترك المطلق في إطلاقه كما هو دون تقييد بنعت أو وصف..
ومعروف فلسفيا منذ ديكارت وكانط أن الوجود من طبيعته أنه لا نهائي التجلّي ولا نهائي الظواهر، ومن ثم فالذات الواعية ستظل عاجزة عن استيعاب أسرار الوجود ومكنوناته استيعابا شاملا وكليا، لأن كل سعي للتحديد النهائي سيكون مرفوضا عقلا ومنطقا، لأن كل عبارة نطلقها عليه لا تمثل في الحقيقة سوى المجهود التأويلي البشري المحدّد إبستميا ومعرفيا ضمن شروط إمكانه، أي ضمن الشروط التاريخية المصاحبة للوعي والتي تحده من جميع الجهات، لأن أحكام الوعي إنما هي حركة مقيدة تسعى للامتداد في المطلق، وهي تابعة للأنا تظل مزاولة سيرها إلى الأبد، وكل توقف هو الموت المحقق ، لذلك يتساءل بول ريكور في كتابه صراع التأويلات والهيرمينوطيقا الترنسدنتالية قائلا : كيف لكائن تاريخي أن يفكر خارج التاريخية..
فالملحد كما المؤمن، كل منهما يؤلف صياغة تعبيرية لحصر مفهوم الذات أو الإله أو المطلق، نفيا أو إيجادا، وهي كلها تبقى مجرد صياغات تاريخية تقريبية من حبك العقل التأويلي المثالي، يمكننا بالكشف المنهجي والعلمي أن نعري و نحفر عن الأرضية المعرفية التي تولدها وتغذيها، و قد علمتنا الفينومينولوجيا الهوسرلية أن ّ كلا الوجودين ( الذات و الوجود بإطلاق ) هما ظاهرات غامضة و إنما الوعي البشري لا مفر له من الاستمساك بأفكار و صياغات نسبية اتجاههما يتعيش عليهما، فالوعي كان وسيظل ماضوي التشكل ميتافيزيقي التجلي رغما عنه، وأن الواقع ظل ولا يزال منفلتا وعصيا عن التقييد، و من هنا نشأ الفكر الديني والفلسفي بالضرورة، و إلا فقد الإنسان المعنى من وجوده ..
لذلك فالإلحاد من هذه الزاوية هو مجرّد اعتقاد مضمر نحو الوجود ، يتلوّن حسب المجهود التأويلي لوعي صاحبه ، أي أن الإلحاد هو مفهوم فضفاض جدا ، مثله مثل فكرة الإله في الفكر الديني ، يتمظهر لغويا بالاطراد مع الحقبة المعرفية المنجز فيها ، و بحسب المخزون الثقافي للفرد أو الجماعة التي تستبطنه.
قد يحق لك أن ترفض الاعتقاد الجمعي في الوجود المطلق، لكنك تغالط نفسك إن ادعيت أنك يمكن أن تستمر في الحياة دونما أن تستملك مفهوما ما اتجاهه ، حتى و إن كان هذا المفهوم متغيرا من لحظة لأخرى، كما في الفكر الصوفي ، لذلك يقر كل علماء الأديان و تاريخ الأديان أنه لم يوجد إنسان أو جماعة بشرية في التاريخ إلا ووجد معها الاعتقاد الديني، حتى أن مؤرخ الأديان المشهور مرسيا إلياد، اعتبر التصورات الدينية ليست مجرد طفولة بشرية وإنما هي ترقى لتصبح بنية داخل الدماغ البشري لا فكاك له منها.
وفي كل الأحول، فحتى عند بوادر النضج العقلي المصاحب لتطور المجتمعات نلاحظ أن أثينا مثلا قد استبدلت الفكر الديني الميثولوجي الوثني بالفكر الفلسفي الميتافيزيقي المثالي، لأن الوعي البشري يسعي دائما للتغلب على المستقبل الآتي المغيّب عن طريق الاستبصار والاستشراف البعيد المدي، و ذلك من حقه ، لأنها كيفيات مقبولة للشعور بالأمان و لإصباغ المعني على الوجود ، وكما يقول فرويد فإن الدين وجد ليتغلب به الإنسان على غريزة الموت التي تظل تهدده بالفناء باستمرار، وتسعى لتنغص عليه حياته، ومن ثم يؤسس الحضارة، لذلك تجد الكثير من اللآدينيين يعتقدون في النور الفطري كما عند سبينوزا، والنور الطبيعي للعقل عند كانط، والتصورات الفطرية الأساسية عند ديكارت، الله والنفس والامتداد والحركة..الخ. فليس كل كافر بإله الأديان هو كافر ضرورة بالإله الكوني المفارق.
لذلك على الفكر العربي النّاهض الآن، أن يستملك المناهج العلمية العقلانية المتطورة و يسعي جاهدا إلى لفتح كل مجالات اللامفكر فيه والمحرم التفكير فيه كما يقول محمد أركون ومن ثم تعميق التساؤلات الجذرية نحو القضايا الجوهرية لوجوده و رهاناته الرئيسية، بما في ذلك مسألة الاعتقاد والإيمان والإلحاد، حتى يتمكن من تقييم تجربته الروحية و الثقافية التاريخية والحاضرة، تقييما عقلانيا و من ثم ّ أمكنه أن يرسم طريق الحاضر و المستقبل عن علم و بصيرة ، وهذا حتى لا يضطر إلى إعادة التأسيس في كل مرة، في عصر جد عدائي وموحش، يتميز بالثورية الدائمة والتجاوز السريع والمستمر لكل أشكال الاعتقادات والرؤى والأفكار التقليدية غير المؤسسة معرفيا..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,004,079,723
- المسيحية، النشأة والتطور / الاختلاف في التأريخ لحياة عيسى ود ...
- ما بين التصور الإيماني للتاريخ ، وتصور المعرفة العلمية من فو ...


المزيد.....




- واشنطن تخصص أموالا للجماعات الدينية المضطهدة في العراق
- الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لا تستبعد تعليق مشاركتها في -قدا ...
- الكرملين يتابع بقلق تطورات الأوضاع بين الكنيسة الروسية الأرث ...
- بين موائد الصائمين المسلمين والمسيحيين .. ما هو أصل الفتوش؟ ...
- مفتى فلسطين في مؤتمر الإفتاء: الأموات في قبورهن تأذوا من الم ...
- مفتى لبنان: تجديد الفتوى ضرورة من ضروريات العصر
- فيديو... الكويت: نقول لمن ينتظر أن يرفع الفلسطينيون راية بيض ...
- نساء متحولات جنسيا في إندونيسيا تجدن ملاذا في مدرسة داخلية إ ...
- نساء متحولات جنسيا في إندونيسيا تجدن ملاذا في مدرسة داخلية إ ...
- وزير الموارد المائية من القاهرة: 70% من مياه العراق تنبع من ...


المزيد.....

- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري
- الإعجاز العلمي تحت المجهر / حمزة رستناوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشير بن شيخة - في الإلحاد والإيمان/ حفريات في الوعي البشري.