أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشير بن شيخة - المسيحية، النشأة والتطور / الاختلاف في التأريخ لحياة عيسى ودعوته.















المزيد.....



المسيحية، النشأة والتطور / الاختلاف في التأريخ لحياة عيسى ودعوته.


بشير بن شيخة
الحوار المتمدن-العدد: 5740 - 2017 / 12 / 27 - 14:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


1/البيئة اليهودية وفكرة المخلص قبل ظهور يسوع المسيح.
حفلت البيئة اليهودية في عهد عيسى عليه السلام بعديد الحركات الدينية والفرق المذهبية، حيث ظهرت إلى ذاك العهد فرق يهودية ذات اعتقادات ومذاهب شتىّ، حيث نحصي الفريسيين وهم الفئة الغالبة، ثم الصدوقيين وهم نساك العصر المكابي، والحسيديين، وتعني الأتقياء، بينما يمثل الأسينيون دور النساك والكهنة، بممارستهم طقوس الرهبنة وحياة الزهد، وتؤكد مخطوطات مغارة مقران هذه الحقيقة، وهي مخطوطات اكتشفت قرب البحر الميت بالأردن، منذ خمسينيات القرن الماضي، وهناك أيضا فرقة أو طائفة السامريين، نسبة إلى مدينة السامرة التاريخية، و هم فرقة لا يعترفون إلا بالكتب الخمسة الأولى وهم فرقة قليلة العدد، لذلك قد يتجاهل ذكرها بعض المؤرخين، عند الحديث عن أهم الطوائف العبرية، كما في تصنيف ويل ديورانت." أولائك هم الصدوقيون، الفريسيون، الأسينيون، أشهر الشيع الدينية اليهودية في الجيل السابق لميلاد المسيح "
ولم يكن اليهود بمعزل عن التيارات والمذاهب الفكرية والفلسفية، التي كانت تتناغم من حول فلسطين وما جاورها، وما كانت تحمله من أفكار رؤوية أبو كاليبسية ومسيحانية، إلى جانب الميثولوجيا الهندية والفارسية، والتأملات الفلسفية الإغريقية. " وقد كانت الحركة الفكرية في بلاد اليهود في جوهرها مماثلة للحركة الدينية الوثنية المعاصرة لها. " من حيث التطلع العام لرجل قوي وملهم يخلصهم من نير الظلم والقهر والفقر، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت اليهود يعتصمون بفكرهم الديني، ساعين لتفسيره وتأوليه بما يتوافق والتطلعات الاجتماعية والسياسية لهم. من ذلك ظاهرة المسيحانية، وتعني انتظار مجيء المسيح. " وهي ظاهرة اختصت بها العقلية اليهودية ورسخت في أذهان بني إسرائيل منذ القديم، لكنّها كانت منتشرة على نطاق واسع في زمن عيسى عليه السلام، حيث كان رجال الدين يأملون في مجيء المسيح الموعود لاسترجاع أمّة إسرائيل لمجدها منذ داوود، ويحررهم من السلطة الوثنية وينتقم لهم من أعداءهم. "
ومن المعروف جيدا أن اليهود لم يكن تصورهم لهذا المخلص، إلاّ انّه رجل يملك سلطة ونفوذ مادي كبير جدا حتىّ يحقق لهم ملكوت الأرض كما يعتقدون." وكان الكثير من اليهود يتفقون مع اشعيا فيما وصف به المسيح انّه ملك دنيوي ويولد من بيت داود الملكي ..و هم متفقون أنّه سيخضع الكفار في آخر الأمر ويحرر إسرائيل، ويتخذ أورشليم عاصمة له، ويضم الناس إليه جميعا ليؤمنوا بيهوه والشريعة الموسوية.. وتسود العدالة والسلام في الأرض. " و يتمكنوا بذلك من السيادة على العالمين، كون ذلك حق لهم، بصفتهم شعب الرب المختار.
" كان الناموس اليهودي الطقسي الأخلاقي هو الأداة المعبرة عن الوعد الإلهي بالفداء، وأداة التعبير عن دين الرجاء، فبينما رأى الرومانيون واليونانيون عصرهم الذهبي في الماضي، رأى اليهود عصرهم الذهبي في المستقبل، فكل التاريخ وكل المؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية، والعادات والتقاليد، كانت تشير إلى مجيء المسيا، وتأسيسه للملكوت على الأرض."
لكن أن تتركّز دعوة المسيح المنتظر في فكرة الخلاص الروحي أولا، قبل الخلاص المادي، أي الخلاص من اسر شهوات الجسد، وأطماع النفس والهوى، والتحرر التام من الميل الجارف للخلاص الدنيوي على حساب الخلاص الأخروي، فهذا ما سيرفضه اليهود وينكرونه بقوّة. وهو ما تمّ بالفعل بعد ظهور المسيح الموعود كما هو معروف.
بينما يرى مؤرخ الأديان ( مرسيا إلياد) أنّ المسيحانية فكرة منبثقة من الممالك الشرقية القديمة المعتقدة في الملك الفادي. " قد استنتج بعض المؤرخين بأنّ الانتظار المسيحاني انبثق في الأوساط المشبّعة بالحماس الأخروي، الباقية مع ذلك أمينة على مملكة داوود، غير أنّ هذه المجموعات لم تكن تمثل سوى أقلية، ولأجل هذا فإن الانتظار المسيحاني لم يمارس تأثيرا ذي دلالة هامة. والايدولوجيا الملكية التي أحيتها كانت تتضمن مماثلات مع دور الفادي الملك في الممالك الشرقية القديمة."
وهو نفس الموقف الذي انتهى إليه الباحث في مقارنة الأديان بشير كردوسي عندما أكّد بأنّ: " عقيدة الخلاص تسرّبت إلى الديانة اليهودية من ديانات الخلاص التي انتشرت كثيرا في العالم القديم ( فارس ومصر)، حيث تأثر اليهود بهذه الأفكار، وأُدخلت عقائد جديدة في الفكر اليهودي والتي كانت لها أثر بالغ عليهم فيما بعد، كعقيدة الخلاص التي تأثرت بثنائية الصراع الدائر بين إله الخير وإله الشر الفارسي الزرادشتي لتخليص البشر، فتمسك بها اليهود، وكانت لها دور كبير في تحديد مسيحانية المسيح فيما بعد."
2/ الاختلاف الكبير في التأريخ لحياة يسوع ودعوته.
إنّ التأريخ لحياة عيسى بالدقّة والصرامة العلمية، لم يكن ممكنا أبدا حسب معظم النقاّد المعاصرين وذلك نظرا لأنّ الوقائع التاريخية الحقيقية لم تنقل لنا عن طريق مؤرخين محترفين، و إنّما انتقلت لنا إمّا عن طريق التفسيرات التأويلية التبجيلية التي أنتجها الجيل الأول للمسيح، وهم من أتباعه والمؤمنين بدعوته، وآثارهم تعتبر شهادة مؤمنين لا مؤرخين، وإمّا عن طريق المناوئين له والكافرين بدعوته، كما نجد ذلك في الأدبيات اليهودية، التي تحط من شأنه وأمّه، فلا يعتد بها لمركزيتها المفرطة، وإمّا في إشارات وتلميحات متباعدة في النصوص التاريخية، التي أُرّخت خصيصا للدولة الرومية وأحوالها ولم تكن تُعطي بالا للتطورات الاجتماعية والفكرية والروحية، التي كانت تجري داخل البيت اليهودي، وبالتالي ستضيع الحقيقة وتتشتت معالمها بين هذا وذاك، لذلك يقرر العلماء المختصين في نقد تاريخ المسيح أنّ المعلومات التاريخية عن حياة المسيح هي شحيحة جدا، وتكاد تكون منعدمة، للأسباب التالية:
_ أنّ ظاهرة عيسى لم تثر انتباه المؤرخين المعاصرين له خاصة من مؤرخي المدنية الرومانية. _ أنّ المسيح تكلّم بالآرامية أو العبرية، بينما الأناجيل المنسوبة إليه كتبت باللغة اليونانية واللاتينية، وهذا يعني أنها تعرضت للترجمة عن النص الأصلي مرّة أو مرتين، وهذا من شأنه أن يفقد المعنى الأصلي روحه ومضمونه، ويعرضه أكثر للتحريف.
_ الاختلافات والفروقات والتباينات الشاسعة، التي كشف النقد الحديث النقاب عنها، في النصوص الإنجيلية القانونية المعتمدة .
_ سيادة النقل الشفوي دون الكتابي لحياة المسيح وأعماله ودعوته، لأكثر من جيلين، وهذا من شأنه أن يُفقد الحقيقة التاريخية مضمونها، ويُلبسها بلبوسات الناقلين التأويلية والتفسيرية تارة، والأسطورية العجائبية تارة أخرى.
_ إتلاف النصوص الإنجيلية الموازية أو ما بات يعرف بالأبوكريفا، وكذا نصوص وتآليف الفرق المضادة للفكر الأرثوذوكسي الكنسي المهيمن، ابتداء من مجمع نيقية 325م.
ومهما يكن الإخلاف شديدا في تحديد معالم شخصية ودعوة السيد المسيح، فلا يصح إنكار شخصية المسيح ودعوته المحورية مطلقا في القرن الأوّل للميلاد، لأنّ تضافر القرائن والدلائل يوحي فعلا، ويفرض بالقوة وجود شخصية بمثل هذا الحجم، يقول عبد المجيد الشرفي في ذلك: " إنّ التأكيد على أن الحركة المسيحية نشأت في فلسطين معناه القبول الضمني لوجود عيسى الناصري تاريخيا. وفعلا فإن السنّة الشفوية التي استعملها بولس وخصوصا الإنجيليون، تحتوي على الأقل على نواة هامة من الأخبار والأقوال المنسوبة منذ سنوات 40_50م إلى شخص تاريخي، عاش منذ فترة تقل عن جيل، وليس من المعقول اختلاق شخص كهذا، في ذاك العدد القليل من السنين. "
ويقول في موضع آخر: " فقد أثبت البحث التاريخي الحديث بما لا يدع مجالا للشك، أنّ الإنجيليين لم يسعوا قط إلى كتابة ترجمة لعيسى الناصري، وأنّ الأناجيل هي أساسا شهادات مؤمنين، أي أنها تُعبّر عن اعتقادات أناس غيّرت أحداث الفصح كل المعرفة السابقة التي كانت لهم عن عيسى، دون أن يعني أنها خالية من أي عنصر تاريخي."
و إلى ذلك يذهب معظم الدارسين لتاريخ تطور المسيحية، بكون حقيقة المسيح ودعوته لا يجب أن تؤخذ من نصوص المؤمنين به، لأنّها لم تكن لغرض التاريخ، وإنّما كانت لغرض آخر. " فلم تكن مهمة مؤلفي الأناجيل سرد الوقائع التاريخية كما هي ومن غير قصر، بل كانت مهمتهم التبشير." ولا عجب بعد ذلك أن نجد تضاربا كبيرا في حقيقة مسار حياته ومماته، حيث نجد أن ولادته ونشأته الأولى وحتى قبل الإعلان عن دعوته، قد اُختلف في روايتها كثيرا، وهي ليست بذات الصعوبة، مقارنة بحقيقة دعوته وجوهر دينه.
ويوجز لنا مرسيا إلياد حياة المسيح ودعوته، وفقا للبناء العقلي الممكن كالتالي: " أخذ يسوع بالتبشير والتعليم محاطا بتلامذته الأول، في الكنيس وفي الهواء الطلق، متوجها بخاصة إلى المتواضعين وإلى الفقراء. وكان يستعمل الوسائل الإرشادية التقليدية مستندا إلى التاريخ المقدّس وإلى الشخصيات التوراتية الأكثر شعبية، ممتاحا من مستودع لا تعيه الذاكرة من الصور والرموز، ومستعملا اللغة المصوّرة بالأمثال. وكالعديد من الرجال الإلهيين الآخرين للعالم الهللنستي، كان يسوع طبيبا وصانع معجزات، شاف من كل الأمراض ومساعدا أو مواسيا من به مس من الشيطان."
ويرى شارل جنيبير أنّ المشاكل النظرية للأناجيل الثلاثة لم تتغير، إضافة لتجدد مشكلة القديس بولس، كما تجددت مشكلة الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا وقد اختلفت هو أيضا الآراء فيه. " إنّ هذا التردد وهذا التخبط النقدي الذي يسهل أن نأتي منه بأمثلة لا حصر لها، ثم هذا التطور المستمر لوجهات النظر والمذاهب، ليس له من مرجع سوى علّة واحدة، وهي أنّنا لا يمكن أن نخلص من الوثائق وحدها إلى تاريخ متكامل ومنسجم لأصول المسيحية. فمن هذه الوثائق جميعا،لم يتبقى لنا إلاّ فتات، يكثر الشك في البناء المؤسس عليه."
ولا عجب أن نجد مؤرخا بارعا مثل ويل ديورانت لا يقبل بالروايات الأكثر شيوعا عن الحياة الأولى للمسيح، ويعتبرها أساطير شعبية من وحي الخيال. " وأقل من هذا سخفا تلك القصص التي تذكر أكثر ما تذكر في الأسفار المحذوفة عن مولد المسيح في كهف أو إسطبل، وسجود الرعاة والمجوس له، وعن مذبحة الأبرياء والفرار إلى مصر.. و لا يذكر بولس ويوحنا شيئا عن مولده من عذراء، وأمّا متي ولوقى اللذان يذكرانه، فيرجعان نسب يسوع إلى داود عن طريق يوسف سلاسل نسب متعارضة. ولا يذكر أصحاب الأناجيل إلاّ القليل الذي لا يغني عن شباب المسيح." ويذهب الباحث جنيبر إلى أنّ الاعتماد على الأناجيل فقط لحبك قصة تأسيس الديانة المسيحية، فيه جانب كبير من المخاطرة والتزييف للحقيقة الواقعية، لأنّ ما سنصل إليه، ليس هو جوهر الديانة المسيحية ولبّها، وإنّما سنصل إلى العقائد المتأصّلة في نفوس الرواة ونظرتهم للدين والوجود، وعليه " لا يكفي استيعاب المراجع المسيحية، والتحقيق المدقق في التفكير الديني والأخلاقي والاجتماعي بين أرجاء العالم اليوناني والروماني، حيث انبثق الإيمان، ونما وتطور، بل إنّ سر نشأة هذا الدين وطبيعته الأولى، يجب الرجوع في دراسة جوانب كثيرة منها، إلى حضارات سوريا وآسيا الصغرى ومصر وبلاد ما بين النهرين، وكل هذه البيئة الشرقية."
وقد لعب الاختلاف الشديد بين الكنائس في نظرتهم لطبيعة المسيح، دورا مهما في استشكال هذه الشخصية أكثر فأكثر على الباحثين، ويعترف إسبينوزا بأنّ الكنائس قد عقّدت الفهم على الناس لفهم حقيقة المسيح، بدل أن توضحها وتبسطها، لذلك فهو نفسه لم يعد يفهم شيئا مما تدعيه عليه. يقول في هذا الشأن: " ويجب عليّ هنا أن ننبه القارئ إلى أنّني لن أتحدث مطلقا عن نظرة بعض الكنائس إلى المسيح، لا لأنيّ أنكر ما تثبته، بل لأنيّ لا افهمها، وأعترف بذلك عن صدق." ومع ذلك فلسبينوزا نظرة خاصّة للمسيح، فهو عنده يختلف عن موسى عليه السلام في الطريقة التي تلقى بها أمر الله، ويرجع ذلك لحكمة الله تعالى المتعالية، يقول: " ولا اعتقد أنّ شخصا ما استطاع أن يصل دون الآخرين إلى هذا الكمال، إلاّ المسيح الذي أوحى الله إليه أوامره، التي تؤدي إلى خلاص البشر. أوحى بها مباشرة دون توسط بالكلام أو بالرؤية، بحيث كشف الله عن نفسه للحواريين من خلال روح المسيح، كما كشف الله عن نفسه من قبل –لموسى –بصوت خارجي. "
ويتفق مرسيا إلياد مع عبد المجيد الشرفي كون شخصية المسيح ودعوته، قد حصلا فعلا، حتى وإن كانت قد رُويت بشكل عجائبي، لأنّ أمرا مُهما قد حدث بالفعل ممّا جعل أفرادا عاديين- تلامذة المسيح- يتمسكون بنصرة دعوته والتضحية المستميتة والمثيرة للإعجاب أيضا في سبيل تبليغها للآخرين.. " ومن المؤكد أنّ نبوءة يسوع، وربّما حتى اسمه، قد طمسهما النسيان، ما عدا مشهد متفرّد وغير مفهوم خارج الدين: قيامة المعذب. فالسنّة المنقولة من قبل بولس والأناجيل تضفي أهمية حاسمة لقبر فارغ ولعدد من ظهورات يسوع المنبعث حيا. ومهما كانت طبيعة هذه التجارب، فإنّها تشكل المصدر والأساس للمسيحية. فالإيمان بيسوع المسيح المبعوث حوّلت قبضة من الهاربين المثبطّي الهمّة إلى جماعة من الناس المصممّين والواثقين بانّهم لن يغلبوا."
ومهما تعاظمت الاختلافات في شخص عيسى وحياته و دعوته، إلا أننا سوف نوجز بعض النقاط التي يتفق عليها الجميع، والتي لا مناص من القبول بها :
_ أن عيسى ولد في وسط يهودي فلسطيني متواضع في السنوات الأولى للتأريخ الميلادي.
_ قضى طفولته و شبابه في الناصرة لذلك تسمّى بيسوع الناصري.
_[ مفارقته للجماعة اليهودية الفريسية والتحاقه في الثلاثين من عمره بجماعة يوحن المعمدان.
_ نضج شخصيته النبوية و بدا التبشير بيوم الحساب و اقتراب ملكوت الله.
_ قيامه بالوعظ و الإصلاح الديني و توعية الجماهير و إصلاح حالهم و الاشتغال بحال الفقراء والمحرومين.
_ حديثه إلى تلامذته وحوارييه باللغة الآرامية والعبرية.
_ تركيزه في دعوته على حب السلام وحب الله وحب الآخرين، وترك الرياء والمظاهر الطقسية المخادعة التي اختص بها يهود زمانه.
_ مناوئة اليهود له، ورفضهم لدعوته والتشهير به عند ملك الروم، ثم موته الغامضة، أو اختفاءه.
_ وجود ثلة من التلاميذ الأوفياء لتعاليم المسيح، فرت بعد إشاعة موته أو صلبه، إلى المدن المجاورة، وباشرت الدعوة بما تعلمته من معلمهم.]
ويمكن أن نسجل هنا نقطة مهمة تخص ما يريد عبد المجيد الشرفي أن يبثه من تشكيك في الحقيقة القرآنية التي رجحت نهائيا مسألة نجاة المسيح عيسى من الصلب- حتى وان كان الرجل يشتغل على تتبع الحقيقة التاريخية من طريق العلم، لا من طريق تأويل النص الديني- وإن اختلف الفكر الإسلامي في مسألة موته أو رفعه، لكن لا يمكن الاختلاف في مسألة عدم صلبه.كما في قوله تعالى بصريح العبارة: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}.
3/: نشأة العقائد المسيحية وتطوّرها مع تأسيس الكنيسة
نعرف أنّ موقف الفكر الإسلامي من العقيدة المسيحية من حيث النشأة والتطور، يختلف كثيرا عن موقف الفكر المسيحي بشقيه اللاهوتي والعلمي، خاصّة حرّاسها الموكلين بها، كآباء الكنيسة، الذين أسسوا للعقائد المسيحية وتاريخها، ابتداء من مجمع نيقية إلى القرن السادس للميلاد، أي قبل ظهور الإسلام بقليل. ويوجز لنا عبد المجيد الشرفي موقف آباء الكنيسة من العقائد المسيحية و كيفية تبلورها منذ مجيء المسيح و بعده كما يلي:
" إنّ المسيح قد أعلن عن العقيدة الحق ثم أنجز بموته وقيامته، الخلاص الذي وعد به العهد القديم. كما أنّه اختار عددا من الناس، سمعوا تعاليمه، وكانوا شهود عيان للأحداث الفادية، ليبشروا العالم بالخلاص الذي جاء به، وهؤلاء الناس ( الحواريون والرسل ) قد أيدهم الروح القدس عند العنصرة حتىّ يذهبوا إلى العالم كله، ويبشروا بما سمعوا ورأوا.. فلاقت الدعوة قبولا حسنا لدى الناس وآلت إلى تكوين مجموعات من المؤمنين و إلى بروز كنائس." وقد نصّب هؤلاء الرسل أساقفة على هذه الكنائس مهمتهم السهر على إتمام الكرازة، وتنقية العقيدة الجديدة مما يمكن أن يشوبها من تحريفات أو هرطقات، وتفسير ما يغمض منها للمؤمنين والأتباع، ثم إنّ هؤلاء الأساقفة سيستمرون في تعيين خلفاء لهم من بعدهم، يقومون بنفس المهمة. ونفس الأمر يراه فارس السواح في أبحاثه حول التاريخ المشترك بين الكنيسة والمسيحية يقول: " إنّ المسيحية السائدة اليوم على اختلاف طوائفها ترجع في أصولها إلى صيغة من المسيحية اتخذت ملامحها العامة في نهايات القرن الثاني للميلاد، عندما تبنّت كنيسة روما الأناجيل الأربعة المعروفة، إضافة إلى رسائل بولس التي كانت متداولة بشكل مكتوب قبل تدوين الأناجيل الأربعة بوقت طويل." وانطلاقا من هذه العقيدة الكنَسية، فإنّ كل من يخرج عن تعاليم الكنيسة فيما يخص كيفية الاعتقاد في المسيح ودعوته، سيعتبر مهرطقا، وبهذا كُفّرت كل الفرق والمذاهب الخارجة عن تعاليمها وغدا الاعتقاد في الكنيسة نفسها جزءا لا يتجزء من العقيدة المسيحية ككل. " وبذلك لا يمكن تتبّع العقيدة الحق التي بلّغ بها الرسل الأوائل، إلا بإتباع أساقفة الكنيسة التي هي الوحيدة المفضية إلى المسيح نفسه. ".
والأمثلة عن النزعة الصراطية داخل الفضاء اللاهوتي الكنسي كثيرة، من ذلك ما يراه حنا فاخوري وآخرون في كتاب ( تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة)، بأنّ تعليم قانون الرسل مثلا، إنما هو رسولي من حيث المبنى والمعنى معا لأنّه: " تعليم القانون القديم الذي كان يُتلى في لتيرجيا العماد في الطقس الروماني.- ثم يضيف - ولقد حدّد التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية - قانون الرسل – هذا بكونه يُعد بحق، المُلخّص الأمين لإيمان الرسل. إنّه القانون القديم للتعميد في الكنيسة الرومانية، وسلطانه العظيم يأتيه من كونه القانون الذي تَحتفظ به الكنيسة الرومانية، حيث جلس بطرس أول الرسل، و حيث فاه بالحكم العام. "
أمّا ويل ديورانت فيروي لنا هذه البدايات التأسيسية الأولى بالبساطة التالية: " كانوا يجتمعون في حجراتهم الخاصة، أو في معابد صغيرة، وقد نظّموا أنفسهم على مثال المجامع اليهودية، وأطلقوا على كل جماعة منهم اسم الإكليزيا ..وكانوا يرحبون بالعبيد، ولم تُبذل أي محاولات لتحريرهم، ولكنهم كانوا يواسون، بأنّ يُقال لهم، بأنّهم سيعيشون في ملكوت، يكون فيه الناس جميعا أحرارا. وكان معظم الذين اعتنقوا الدين الجديد في أول الأمر من الطبقات الدنيا، بينهم عدد قليل من الطبقات الوسطى - الدنيا وعدد أقل من الأغنياء، ولكنهم مع هذا لم يكونوا من سفلة الناس، وكانوا يحيون في الغالب حياة نظام وجد، حيث يُمدون بعثات التبشير بالمال، ويجمعون المال لمساعدة الجماعات المسيحية الفقيرة. "
ويذهب عبد المجيد الشرفي إلى تقسيم الخطوط العريضة لنشوء العقيدة المسيحية وتطوراتها اللاّحقة إلى أربع مراحل من خلال العشر القرون الأولى كالتالي:
1_ العهد التأسيسي : من 30 إلى سنة 125م :
[وتنقسم بدورها إلى قسمين: الأول من حدود 30 م إلى 70 م، وفيها نشأت العقائد المسيحية، وعرفت أولى بلوراتها.
والفترة الثانية تمتد من 70م إلى 125م، وفي هذه الفترة شهدت بداية تدوين السنة المسيحية، وبالتالي بداية استقرارها وانغلاقها .]
تعتبر هذه الفترة من أحلك الفترات وأغمضها في تاريخ المسيحية، لأنّ المصادر الحيادية تكاد تكون منعدمة، ولا مخرج للمؤرخين المعاصرين سوى إعادة بناء الأحداث رويدا رويدا، من خلال تطابق الروايات أو تعارضها في نفس الوقت، مع الاستعمال الكثيف لكل المصادر التاريخية الرومانية المحايدة، والتي قد تكون تناولت أحداث هذا العصر بصفة غير مباشرة وهامشية. لذلك تبقى الشكوك والحيرة تحيط وتحوم حول كل عمل تاريخي سيسعى لتثبيت الأحداث، أو الإقرار بصحتها النهائية، ومن الجدير ذكره أيضا، أنّ المنهج المتبّع في مثل هذه الدراسات، غالبا ما ينزع إلى استعمال الاستنباط والاستنتاج بكثرة على حساب استقراء النصوص وتوثيقها، مما يضعف في الغالب نتائج البحث التاريخي النزيه.
2_ من الفرقة الى الكنيسة : من سنة 125 إلى 325م
برزت عدة تأويلات عقدية و تيارات فكرية داخل الكنيسة ،أفرزت مدرسة الإسكندرية ومدرسة الشام وإنطاكية، خاصة في ميدان التفسير والتنسك والمناقشات اللاهوتية، وكذا المشاغل التنظيمية في صلب المسيح، كل هذه الأرضيات هي من ستؤسس للنظام الذي يأخذ شكله النهائي ووضعه الجديد بعد تنصر قسطنطين. " وبالتالي فإنّ نشأة علم اللاهوت تأليفا للعناصر الغالبة على الفكر المسيحي وطرح سواها، بتهمة الهرطقة. وبذلك انفصلت المسيحية عن أصولها اليهودية على وجه الخصوص، وتم انتصار الفكر اليوناني الروماني أو كاد. " ويرجع ذلك كون الفكر اللاهوتي الناشئ إذّاك، أخذ يسعى للتقارب مع الفكر الفلسفي الهليني، حتى يَلقى القبول في الفضاء الثقافي الروماني اليوناني، وبالمقابل راح ينتقد بشدة الأخلاق والميثولوجيا الوثنية، على انّه قد ظهرت أيضا في عملية معاكسة داخل الكنيسة نفسها تيارات مضادة لهذا التماهي مع الفلسفة الهلينية. " فظهرت في الفترة نفسها نزعة مضادة لا تحبذ سعي المسيحيين إلى الاندماج في العالم، وتبني مقولات اليونان، وتدعوا في المقابل إلى أخلاقية صارمة في انتظار يوم الحساب. "
وفي مقابل هذا الرأي، نجد رأيا آخر يخالفه، وهو الرأي الذي يذهب إلى اعتبار أن الفكر الديني المسيحي ما كان له أن يتماها مع الفكر الفلسفي الهلّيني، بل وما ينبغي له ذلك أيضا ولو أراد، وذلك انطلاقا من فرضية ترى أنّ طريق الإيمان قد بدأ مسيرته ولا يزال، منفصلا كليا عن النظر العقلي الاستدلالي. يقول جورج طرابيشي مدافعا عن هذا التمايز: " إنّ الصدام ما بين المسيحية الأولى والثقافة اليونانية قد امتد أيضا إلى الجانب الابستمولوجي، فالبرهان هو لغة العقل الفلسفي، أمّا النبوة فخطاب من الوجدان إلى الوجدان، وجميع المنافحين عن المسيحية في القرون الأولى، كان لهم هم مشترك واحد، هو توكيد تفوق الأنبياء على الفلاسفة، وحقيقة الأنبياء على حقيقة الفلاسفة، ولغة الأنبياء على لغة الفلاسفة. لأن حجّة الإيمان غير حجة العقل وفوق حجته، والإيمان مقره قلوب البسطاء، لا عقول الحكماء، ومن هنا اعتماد الكنيسة الأولى في تبشيرها لغة المعجزة، ولغة الشهادة ولغة العمل الصالح، ولغة القدوة والمثل، دون لغة الاستدلال العقلي، التي هي لغة نخبة مقطوع الرجاء في هديها. "
وفي رأيي الخاص فإنّ اللجوء إلى البرهنة على تمايز الفكر اللاهوتي المسيحي عن الفكر الفلسفي الهليني، قد يصح فقط على المستوى النظري والتجريدي، في حين أنّ الواقع التاريخي يثبت عكس ذلك، وما تشابك وتعقد عقيدة التثليث في الديانة المسيحية، وتباين التفسيرات المتعرّضة لها، وما نتج عن ذلك من انقسام فرقي وطائفي، إلا دليل حي على خروج التعاليم المسيحية من طور البساطة والبداهة، إلى طور التعقد والتشابك، كنتيجة حتمية للتطعيم الذي جرى مع الحمولات الفكرية التي ميزت المجال السوسيو- ثقافي-عقدي لحقل انتشارها. وهو الفضاء الروماني اليوناني بالتحديد. "وباعتناق بعض الفلاسفة والمفكرين للمسيحية، حدث ذلكم الحوار وتلكم المناقشات حول أهمية الفلسفة ودورها .. وعلى وجود مخالفين للفكر الفلسفي، داخل الكنيسة فقد كان بعض الآباء يرون أنّ الإيمان يتطلب الفهم، مما ضمن للفلسفة دورا مستمرا لتطوير الفكر اللاهوتي في الكنيسة اللاتينية- والدليل على ذلك – التعاليم الرائعة التي قدّمها القديس أوغسطينوس، والتي تتألف من الحقائق الموصى بها، والأفلاطونية الحديثة، كانت تستعرض عرضا ممتازا للحقيقة التالية: يمكن للإيمان والعقل أن يعمل طبيعيا وفي انسجام."
3_الكنيسة و الدولة من مجمع نيقية إلى ظهور الإسلام:
يُعتبر دخول قسطنطين إلى المسيحية وتنصر الدولة الرومانية من أهم وابرز التحولات في تاريخ العقيدة المسيحية إلى العصر الحديث، وقد نتج عن هذا التحول أن غدت المسيحية ديانة معترف بها، بعدما كانت ديانة مضطهدة، و في هذا الفضاء الجديد المتميز بالأمن والطمأنينة، انتعشت عملية الشرح والتأويل والتفسير داخل الكنيسة، مما دفع إلى بروز طبقة رائدة ومؤسسة لعلم اللاهوت المسيحي، تعرف بالآباء، ثم لتَسم هذه المرحلة الكاملة باسمها وطابعها، أي بمرحلة آباء الكنيسة. " إبتداءا من القرن الرابع دُعي الأساقفة الذين تميزوا في نقل عقيدة الإيمان وتفسيرها والدفاع عنها _ وعلى رأسهم أساقفة مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325_ بـ ( آباء الكنيسة) أو( الآباء القديسين )، والقديس باسيليوس الكبير هو أول من وضع لائحة لآباء الكنيسة، لدعم تفسيره للعقيدة، ببراهين ترتكز على الآباء، وذلك في كتابه ( الروح القدس ).. وابتداء من القرن الخامس اتسع هذا اللقب ليشمل أناسا لم يكونوا أساقفة، غير أنهم اغنوا الكنيسة بكتابات في تفسير الكتاب المقدس، وشرح العقيدة المسيحية، رأي فيها المسيحيون، مصادر أساسية لفهم الإيمان المسيحي." ويذكر نفس المؤلف أن الكُتاب الكنسيين، دعوا بآباء الكنيسة بالمعنى ألحصري، لإستيفاءهم للشروط الأربعة التالية :
"_ نقاوة العقيدة.
_ قداسة حياتهم باعتراف شعب المؤمنين.
_ اعتراف الكنيسة الرسمي.
_ القدم بالانتساب إلى القرون الأولى. "
ومن الجدير ذكره هنا من باب محايد، هو أنّ كتابات هؤلاء الآباء، مهما كنّا نختلف معها من حيث المضمون اللاهوتي العميق الذي تنافح عنه، إلا انّه يجب الاعتراف بأنّ هذه الكتابات اللاهوتية قد أثرت كثيرا الفكر الديني البشري في تطلعه لما هو إلهي، وقد كانت عاملا حاسما لوأد الوثنية اليونانية والميثولوجيبا المصاحبة لها، وتنحيتها من الفضاء الديني، كتمثل وحيد لفهم وتصور العلاقة مع الغيب الإلهي، وسرّعت بالمقابل عملية انتقال الفكر البشري، من مرحلة العبادة الطقوسية الوثنية التعددية، إلى مرحلة العبادة التأملية الإيمانية الموحدة، رغم حجم التأثر والتأثير الذي علق بالفكر اللاهوتي المسيحي بعد إحراز هذه النقلة النوعية. وأبرز مثال على تجسيد هذه النقلة النوعية، هي كتابات القديس أوغسطين في مؤلفاته الزاخرة، الغنية عن التعريف.
لكن لدينا من الكتّاب النقديين الذين لا يؤيدون مثل ما يتصوره الكُتّاب المُعجبون، بسحر عصر الآباء وفتنته، ويذهبون إلى القول بوجود تواطؤ مريب من الفئة الثقافية المركزية الغالبة، لإخراج هذا المشهد الجميل المتكامل من جميع الوجوه، وحجتهم في ذلك هو لماذا السكوت عن الفرق المعارضة، وأين هي كتاباتهم؟ وقد كانت مزدهرة وقوية، وحضورهم النقدي نشيط وفعّال. يقول جنيبر:" وفي القرن الرابع وهو عصر انتصار الكنيسة، كتب الكثير عنها أو ضدها، كتبه أعداءها من الوثنيين، أو من أنصار الفرق المختلفة، ولكن أغلب هذه الكتب قد اندثر وضاع .. إنّ التاريخ المسيحي خلال هذه القرون الثلاثة التي تكونت فيها الكنيسة، إذا قورن بأي فرع من فروع التاريخ العام في الفترة نفسها، لا يحظى إلا بأدنى نصيب من الأسس المكتوبة الثابتة. والتي هي في الغالب تخص الأنصار المتعصبين، مصححة بروايات مشكوك في أمرها تريد أن تكون تاريخية، ولكنها في الواقع قد حُررت في عهود تبعد كثيرا عن الأحداث التي تناولتها، والتي لا يكاد الناس يفهمون تسلسلها."
ومن المعروف أنّ مجمع نيقية قد انعقد في النظر في قضية بدعة أريوس ومناصريه، وانته برفض آراءه ونفيه ومناصريه، وكان قسطونيوس الملك يرتقب أن تعم السكينة، وتهدأ الفتن داخل المجتمع المسيحي، وبالتالي داخل الإمبراطورية، إلا أنّ محاولاته باءت بالفشل لأنّ الفوضى العقدية ما لبثت أن انتشرت من جديد " بين -الغرب اللاتيني ومصر- المتشبثان بمقررات نيقية، و بين الشرق اليوناني الذي يرى في التمسك بعبارة المتساوي مع الآب في الذات والجوهر بدعة غير مقبولة، فلم تمضي سنوات ثلاث حتى انقلب قسطنطين على النيقيين و دعا الأريوسيين و أريوس نفسه من منفاهم وأرجعهم إلى مناصبهم، واستمرّ الحال كذلك حتى بعد موته، إلاّ أنّ انتصار منيانوس على أخيه قوسطونيوس المؤيّد للأريوس، في المقاطعات اللاتينية، وتوحيد الإمبراطورية لمدة وجيزة ( 351_353 )، أصبحت العقيدة الشرقية التثليثية هي المسيطرة وانعقدت المجامع في الغرب لتسجيل الانقياد إلى الرغبة لإمبراطورية."
ويلخص لنا جورج طرابيشي التحول الذي طرأ على المسيرة التاريخية للكنيسة وللديانة المسيحية المرتبطة بها، في محطتين أساسيتين، يقول: " والواقع أن عالم المسيحية الأولى قد شهد تطورين مهمين: فقد كفّت المسيحية أولا عن أن تكون مسيحية مُلهمين ومُبشرين متجولين، ولاهوتيين ومنافحين فرديين عن العقيدة، لتتحول أكثر فأكثر إلى مسيحية أساقفة وكنيسة مؤسسة، وسلطة دينية مترا تبة هرميا. ثم إنّ المسيحية كفّت ثانيا عن أن تكون ديانة مُضطهدة، لتغدو، ابتداء من الربع الثاني من القرن الرابع، ديانة دولة. فمع تنصر قسطنطين انتقلت المسيحية بعد تأخر ثلاثة قرون، من طور مكي إلى طور مدني، إن جاز التعبير، والتقاء الدين والسلطة السياسية سيؤدى لا محالة إلى تسنين العقيدة الأرثوذوكسية، أي إلى تغليب كفّة العقيدة القويمة، أو الصراطية على الهرطقات كافة." ثم ينتهي إلى نتيجة تُعزز ما ذهب إليه شارل جنيبر يقول فيها: " والواقع أنّ تاريخ المسيحية الأولي، وإلى حين تَنصُّر الدولة، هو إلى حد كبير تاريخ الهرطقات وتاريخ الصراع فيما بينها، وبالتالي تاريخ الانشقاقات والحرمانات الكنسية. ".
وهي نفس النتيجة يخلص الباحث فراس السواح عندما يقول: " وفي نهاية القرن الرابع للميلاد تم إعتماد الكاتالوك الأخير لأسفار العهد الجديد الذي نعرفه الآن.. وهذا يعني أنّ الايدولوجيا المسيحية الرسمية لم تتشكل إلا عبر صراع طويل بين مجموعة من الفرق التي نشأت وتنازعت فيما بينها عقب موت يسوع مباشرة."





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,105,710,936
- ما بين التصور الإيماني للتاريخ ، وتصور المعرفة العلمية من فو ...


المزيد.....




- رجل دين -يؤكد- أن الأرض هي الكوكب الوحيد في الكون نقلا عن -ع ...
- بوكو حرام... جماعة إرهابية فتاكة زعيمها -قتل ثلاث مرات-
- وزير الآثار المصري ينفي تخصيص مليار و300 مليون جنيه لترميم ا ...
- الولايات المتحدة تجري محادثات مع حركة طالبان في الإمارات
- مئات النيجيريين يفرون بعد إحراق بوكو حرام لقريتهم بالكامل
- مصادر في الكنيسة المصرية تنفي لـRT تعليق احتفالات الأعياد هذ ...
- دار الإفتاء المصرية تهاجم المارقين والخوارج
- الأرثوذوكس في أوكرانيا يؤسسون كنيستهم المستقلة عن الكنيسة ال ...
- حسين الجسمي بعد غنائه على مسرح الفاتيكان: حملت معي رسالة سلا ...
- الجسمي أول مطرب عربي يغني في الفاتيكان


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشير بن شيخة - المسيحية، النشأة والتطور / الاختلاف في التأريخ لحياة عيسى ودعوته.