أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - بشير صقر - رحلة الصعيد .. والحركة الطلابية بجامعة أسيوط .. من ذكريات الطفولة والشباب ( ج 5 / 6 )















المزيد.....



رحلة الصعيد .. والحركة الطلابية بجامعة أسيوط .. من ذكريات الطفولة والشباب ( ج 5 / 6 )


بشير صقر
الحوار المتمدن-العدد: 5735 - 2017 / 12 / 22 - 11:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



ويتناول بعض تفاصيل نقلى لمدينة أسيوط ومماحكات الأمن والأزهر معى وكذا تفاصيل صلتى بطلاب ومدرسى وموظفى معهد أسيوط الدينى وبشيخه.. ثم تعرفى بطلاب الجامعة وانفجار الحركة الطلابية بجامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط عام 1972 واستخدام الدولة للعنف ثم اللجوء للمواجهة السياسية بأسيوط والعودة للعنف سريعا ومحاولتها التنسيق مع جماعة الإخوان وجماعات الإسلام السياسى فى هذا الشأن، وطبيعة صلة الدولة بجماعات الإسلام السياسى.كذلك لجوء أجهزة الأمن لإيجاد مبرر جديد لإبعادى عن جامعة أسيوط فى سياق تقليم أظافر الحركة الطلابية . وينتهى بإعادة إبعادى عن أسيوط لجرجا وإبعادى عن مهنة التدريس إلى أعمال المكتبة .
،،،،،،،،،،،

تعلمتُ السياسة فى مدرسة كمشيش وتحديدا الكفاح الجماهيرى ، وكانت أربع سنوات كفيلة بحصولى على زاد نادر من الأفكار والتجارب والمشاعر الغنية والمتنوعة والتى قد لا تتوفر لمَنْ هم فى مثل وضعى؛ لكنى وللحقيقة لم أتوقف عند حدود هذه المدرسة.. فواصلت التعلم والمعرفة بنَهَم شديد. لأنى أدركت أن " السياسة ليست فهلوة وأونطة ولا عضلات وفتْونة ولا جِعير وصوت عالى ولا تَلوّن ولف ودوران " بل هى علْم كسائر العلوم له أصول وقواعد ونظريات وخبرات متنوعة يجرى تحصيلها بالكد والدأب والعمل وبالإبداع، علاوة على أنها وضوحٌ فى المبدأ وصراحة فى القول واستقامة فى السلوك والممارسة بل ربما تزيد عن ذلك لتصبح فنّا يتجلى ويتطور بمشاعر وأحاسيس وطبيعة الأشخاص الذين يشتغلون بها بتفان وإخلاص. وفى أوساط السياسيين عموما هناك من درسوا السياسة ولا يمارسونها وهناك من تعلموها ومارسوها بل وهناك من يمارسونها دون أن يتعلموها وتلك هى الأغلبية.. والآفة.

مغادرة المنوفية .. وإقصاء عمدى نحو الصعيد :
.
فى 14 يونيو1971الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا ارتديت ملابسى ونزلت من منزلى فى ميدان المحطة بشبين متهيئا لركوب القطارالذاهب لمدينة منوف القريبة منا حيث يسكن بعض أقاربى من عائلة الزقزوقى، وعلى ما يبدو أن المُخْبر المكلف بمراقبة المنزل لم يتنبّه لدخولى المحطة لأن المسافة بين منزلى وبينها لا تستغرق أكثر من نصف دقيقة. وصلتُ منوف ومكثت عند أقاربى ليلة واحدة ، وفى ظهر اليوم التالى فوجئت بأحد أصدقائى وكان طالبا بالمعهد العالى للإلكترونيات يطرق باب المنزل ؛ وفور دخوله أخبرنى بمداهمة منزلنا من قِبَل الشرطة بعد منتصف الليل بحثا عنى حيث فتشتْ المنزل لمدة ساعتين . وقد قام إخوتى أمان وأسامة ومهدية وشفيع بالتهكم على أسئلتهم وتعليقاتهم ولم يهابوا الموقف ؛ بعدها غادرت الشرطة المنزل ومعها شقيقىّ أسامة وشفيع ( واحتجزوهما لمدة يوم كامل) . حيث كان الأول يستعد لامتحان الثانوية العامة بعد يومين بينما الآخر فى الإعدادية.. كما أفاد صديقى بأن هناك شيئا مشابها حدث فى كمشيش لكنه لم يعرف تفاصيله بعد..

لم يمكث صديقى طويلا وخرج يحمل توصياتى للأسرة وخصوصا بشأن إبلاغ النيابة للإفراج عن إخوتى وقد أوصلها لأمان.

بعد ساعة تقريبا غادرتُ منوف إلى مكان آخر ومن هناك إلى القاهرة ، وعرفتُ بعد أيام بحقيقة ما حدث من بلطجة مع قادة وأهالى كمشيش ومن عدوان على بعضهم فى مقر المباحث العامة؛ حيث كان الغلّ هو عنوان تلك الهجمة البربرية.

حوار ساخن مع وكيل الوزارة داخل لجنة تصحيح الامتحانات :

بعد أيام قليلة توجّهت إلى لجان تصحيح أوراق امتحان الثانوية الأزهرية بإدارة المعاهد فى شارع بورسعيد بالقرب من حى السيدة زينب؛ وفى حجرة مادة الأحياء أخذت مكانى وشرعت فى العمل لمدة يومين أو ثلاثة بعدها فوجئنا بجلبة خارج صالة التصحيح ثم طرْقٌ على الباب ودخول هوجة من الأشخاص يتقدمها الشيخ عبد العزيز عيسى وكيل الوزارة المشرف على المعاهد الأزهرية. ألقى السلام قائلا: أين الأستاذ بشير صقر ..؟ فالتفتُ نحوه قائلا: أيوه .. أنا بشير. فقال :إنته ليه يا أستاذ ما رُحْتش أسيوط ..؟ ( وكنت أسمع اسم أسيوط لأول مرة فى هذه الآونة ).فأجبت: وأروح أسيوط ليه أنا فى معهد شبين الكوم وأنا أصلا من شبين. فرد: إنته كنت فى معهد شبين .. دلوقت إنته فى معهد أسيوط. فقلت : مين قال كده .. وما حدش بلغنى بالنقل..؟ فقال : أنا ببلّغك اتفضل قوم سافر.. وكانت لهجته تحمل نبرة عصبية .فرددت عليه قائلا : لما أخلص تصحيح أبقى أسافر . فرد: إحنا مستغنيين عن تصحيحك . فقلت : وأنا متمسك بحقى فى إنهاء التصحيح . فتنهّد ورد : لوسمحت الموقف ما يستحملش هذا الجدال . فسألته :ونقلتونى أسيوط ليه..؟ دا انتوا لسه نقلينّى لشبين من سنتين بس..؟ فرد: إبقى اسأل بتوع الداخلية . فقلت ساخرا: داخلية..؟ احنا فى الأزهر.

أشار عبد العزيزعيسى لأحد مساعديه بصوت عال : جهز له استمارة سفر. ثم وجّه حديثه لى قائلا: تعالى معايا علشان تاخد استمارة السفر. فقلت له بلهجة مُصِرّة : لن أغادر من هنا إلا لما أخلص تصحيح النهاردة، وبكره أجيلك علشان أشوف إيه الحكاية وأدبّر أمورى . فرد: ما تتأخرش .. ثم انصرف.

بعدها حصلتُ على استمارة السفر صباح اليوم التالى وسافرت إلى أسيوط فى اليوم الثالث ووصلت مبنى المعهد فى الواحدة ظهرا واتخذت إجراءات تسَلّم العمل وسألت الحاضرين : أعمل إيه دلوقتى..؟ فرد أحدهم : " رُوح رَوّح .. وابقى تعالى فى بداية الدراسة."

أول أيامى بأسيوط .. خصم 68 يوما من راتبى.. فساد مغلف بالاستبداد :

فى صباح السبت 25 سبتمبر1971 عدت لأسيوط حيث بدأت الدراسة؛ والتقيت بمعلمى العلوم وبعد حوار قصير أعطونى جدول التدريس الخاص بى . وسألت الأستاذ صلاح - فنى وأمين معمل العلوم - وكان يبدو رجلا طيبا وبشوشا : أنا لم أصرف مرتبى عن شهر يوليو وأغسطس أين الموظف المختص..؟ رافقنى الرجل إليه.. فقال لنا المختص : إدارة المعهد أفادت بتغيبك عن المعهد 68 يوم وتم خصمها من مرتبك وما يتبقى لك لدينا 34 قرشا. فضحكت قائلا : " والله فيهم الخير". كان الخبر مذهلا للأستاذ صلاح الذى رد على الموظف قائلا: هو مدرس وكل المدرسين لم يحضروا طوال الإجازة الصيفية وصرفوا مرتباتهم.. ما هذا الذى يحدث..؟ وقال لى هيا نذهب لشيخ المعهد. فقلت له : لا.. لن أذهب؛ وإن أردتَ الذهاب.. فاذهب بمفردك وسأنتظرك فى المعمل.. فهناك حصة فى انتظارى بعد قليل.. عندى عمل.

توجه الأستاذ صلاح إلى الشيخ وعاد بعد فترة كنت أثناءها داخل الفصل وبعد خروجى قال: شيخ المعهد مندهش مما حدث؛ فقلت له : كيف يندهش وهو المسئول عما حدث..؟ فرد قائلا :لا هذا شيخ جديد غير الشيخ السابق.. وهو رجل محترم وستعرفه فيما بعد.

المهم أن الأستاذ صلاح كان - أثناء وجودى فى الفصل – قد عرض موضوعى على مدرسى العلوم وقام بتجميع مبلغ من المال لإعطائه لى لتدبير أمورى، وعند عودتى عرض علىّ المبلغ وكان يزيد عن أربعين جنيها. فقلت له: شكرا يا أستاذ صلاح معى نقود وأخرجتها من جيبى وأطلعته عليها. فأقسم يمينا وأصرّعلى أن آخذ المبلغ . فقلت له : أعِدُك إن احتجتُ لشئ ستكون أنت أول من أبلغه . وكنت قد ارتحت للرجل .. وشعرت أنه مشفق علىّ.

بعد عدة أيام وفى الممر الرئيسى للمعهد كنت أقف قرب معمل العلوم وإذا بأحد المشرفين- ممن يعطونك انطباعا بأنه " حَلنْجى " – يقف فى الطرف الآخر وينادينى بينما كان بالقرب منه اثنان من لابسى الجلاليب البلدية بأحجام هائلة . وعندما رددت عليه قال : انتظرنى لدقائق أنا قادم لك ..ثم اختفى.، وبعد قليل جاءنى وقال: ماهى أخبارك وأين ستسكن وكيف تدبر أمورك..؟ ففهمت أن نداءه لى كان بغرض تعريف "جوز المخبرين" بشكلى. ثم عرفت بعدها أن المخبريْن علّقا على هيئتى قائليْن : أهوَ هذا..؟ لقد كنا نتصور أنه شئ هائل.! إنه كالعصفورة. ولما سألهم أحد العاملين بالمعهد : وكيف عرفتم ذلك..؟ ردّا عليه: من سُمْعتِه وملفه الذى جاءنا من المنوفية..إلخ

كنت منذ اليوم الأول فى الدراسة قد بحثت عن مكان للمبيت فدلّنى أحد المعلمين على استراحة نادى المعلمين وكانت تقع قريبا من محطة القطار. وبالفعل أقمتُ فيها وتعرفت على بعض روادها من النزلاء.

كان جدولى الدراسى موزعا بين القسم الإعدادى القريب من محطة القطار والثانوى فى الطرف الجنوبى للمدينة بجوار حديقة الحيوان وكان بناية شامخة ذات روْنق كالقلعة مترامى الأطراف واسع الحجرات جيد البناء والتنسيق ذا هيبة تقارب هيبة أبنية الأزمنة القديمة البعيدة ، ولم ( أرى ) له شبيها فى معاهد مصر كلها .

شيخ المعهد يحاورنى.. والطلاب يرغموننى على رواية قصتى :

عرف كلُ من فى المعهد بقصتى من المعلمين والموظفين ، ولدى لقائى الأول بشيخ المعهد سألنى بلطف شديد: ما هى يا أستاذ بشير الحكاية.. فرجال الأمن يتكلمون عنك كما لو أنك وحش كاسر .. وليس بنى آدم ..؟ قلت له: هذه عادتهم .. المبالغة لإخافة الناس منى؛ ثم سردتُ له موجزا للموضوع. فقال لى :أنا كنت أمين الاتحاد الاشتراكى بمحافظة المنيا .. ولا أجد فى كلامك شيئا يُخيف ؛ بالعكس حديثك يدفع أى شخص للتعاطف معك . فقلت له : إنه قدرى . صمَتَ الشيخ للحظات وقال: سؤال أخير . قلت له : تفضّل. فقال: هل تصلّى ..؟ فرددت على الفور: هل تريد الحقيقة ؟ أجاب : بالتأكيد. قلت له : أصلى الجمعة فقط . فقال مبتسما وهو يتأهب لمغادرة مقعده : قم وافعل ما تريده.

لم أتوقع هذا الحوار المباغت ، ولا هذا العقل والاتزان واللطف من واحد من مشايخ الأزهر قبل ذلك طيلة ست سنوات ؛ لذا كان لقائى بالشيخ عمر أحمد عمر مريحا لى ، وبعد أسابيع توطدتْ علاقتنا ، بل وكان كثيرا ما يطرح علىّ بعض موضوعت العمل ليأخذ رأيى فيها حتى أنه كان يضمّنى بشكل ودّى لبعض اجتماعاته التى يعقدها مع وكلاء المعهد الخمسة.

لا " أحياء " اليوم .. إلا بعد أن نسمع قصتك :

فى الشهر الأول ولدى دخولى فصل"رابعة ثالث" الثانوى - السنة النهائية بالمعهد - وفى حصة الأحياء قام أحد الطلاب أثناء كتابتى عنوانَ الدرس على السبورة بترك مقعده ليغلق بإحكام باب الفصل ( الموارب) وعاد لمكانه وقال: يا أستاذ بشير " النهارده مفيش أحياء إلا لما نسمع قصتك وعاوزين نعرف منك الحقيقة ". فرددت عليه: أية قصة بالضبط ..؟ . فقال: قصة نقلك من بلدك لأسيوط وحكاية السياسة وخصم شهرين من مرتبك. فقلت له موجها حديثى لجميع الطلاب: يا إخوتنا أنا عملى هو التدريس وأتقاضى أجرى فى مقابل هذا العمل؛ ولا يمكن أن أتحدث فى وقت العمل فى أمور شخصية أو أية أمور أخرى سوى المقرر الدراسى ليس خوفا من أحد ولكن لأن ذلك التزام أخلاقى عندى لا أخالفه.

ردت مجموعة منهم فى لحظة واحدة: لا تجْهِد نفسك يا أستاذ فيما تقول .. لن ننصت للدرس . وقام جميعهم بتنكيس رءوسهم على أدراج المقاعد ووجوههم للأسفل وظلوا صامتين. انتظرت ما يقارب النصف دقيقة ثم قلت: عشرة دقائق لا غير بعدها نعود للدرس. فردوا جميعا : موافقون.

أوْجَزتُ لهم الحديث فى الآتى : فى بلدتنا نقوم بنشاط عام نطالب فيه بتحرير الأرض التى احتلها الصهاينة فى عام 67 ، وندعو بعض قادة المقاومة الفلسطينية للتحدث فى ندوات للتوعية وفى جزء آخر نناصر الفلاحين الفقراء ضد مستغليهم من العائلات الإقطاعية التى كانت تسخرهم للعمل فى أراضيها دون مقابل ، وفى جزء ثالث نشارك فى مقاومة البعوض وآفات القطن وتقوية تلاميذ الصف السادس الابتدئى وكشف المنحرفين فى الجمعية الزراعية. ولا نخافُ أحدا فى هذا البلد ، وإذا لم يعجبنا شئ نقوم بالاحتجاج أو التظاهر. وهذا لا يروق للحكومة وللمباحث وأجهزة الأمن. ولو كنتُ مخطئا أنا وزملائى فى هذا النشاط فلّْيحاكمونا ويعاقبونا . لكن لأنهم لا يملكون أىَّ دليل لإدانتنا طوال سنوات ولا يريدون إلّا مواطنين عجزة وجبناء وخُرْساً .. طردونا من بلادنا .. ولذلك رفعنا عليهم قضية تطالب بعودتنا وبتعويضنا.

بانتهاء الدقائق العشر علق أحدهم قائلا:ما قلتَه لنا ليس فيه خطأ ولا يَعيبُك . ورد آخر مستكملا : نحن معك .. ولو أردتنا ببنادقنا فنحن مستعدون . فعقبتُ على تعليقاتهم قائلا : شكرا وأنا لست محتاجا لمساعدتكم لأن كلَّ منطقة مليئةٌ بالشرفاء من أهلها علاوة على أن الأمرلا يحتاج بنادق أو غيرها.

استدعاء من المباحث العامة بأسيوط لإخطارى بقرار الإبعاد:

بعد أيام وصلنى استدعاء من المباحث العامة بأسيوط لمقابلة الرائد أحمد الهرميل فى السابعة مساء من خلال اثنين من المخبرين حضرا للمعهد .

وفى الموعد المحدد توجهتُ من نادى المعلمين حيت أقيم إلى مقهى ماجستيك بميدان المحطة أى على بعد أمتار قليلة وظللت بها حتى التاسعة مساء؛ قمت بعدها بالتجول فى وسط المدينة وتناولت عشائى ثم عدت للنادى فى العاشرة.

فى اليوم التالى وجدتُ سيارة أمن الدولة على باب المعهد وبها بعض المخبرين يطالبوننى بالتوجه معهم لمديرية الأمن فركبت معهم ليستقبلنى الرائد الهرميل.

وهناك حاول الدخول معى فى حوار متشعب فرفضته وقصَرْته على موضوع الإبعاد وقلت له :
الدستور الطازج الذى أصدرتموه يُجّرم منع التنقل بحرية للمواطنين فى المادة 41 وأنت تعلم ذلك جيدا ، ولو لديكم دلائل على ارتكابى أعمالا غير مشروعة فهناك شئ اسمه القضاء ؛ أم أن الديمقراطية ليست سوى لافتة ..؟ لذا لجأتُ لرفع قضية ضدكم وسأحصل على حكم بالعودة وإدانة وزير الداخلية وسأحصل على تعويض وبعدها سأسألك: مع مَنْ كان الحق..؟ أم تريد الإجابة عن السؤال الآن..؟.هل يمكنك إفادتى عن نتيجة تفتيشكم لمنزلى بشبين الكوم ..؟ هل عثرتم على شئ رغم أن المداهمة كانت مباغتة..؟

ضابط أمن الدولة: المنوفية تتاخم كفر الشيخ :

لم يكن الهرميل يرد على أسئلتى لأنه لم يكن لديه رد. لذا أصْرَرْت على محاصرته خلال اللقاء وإشْعاره بذلك الحصاروسألته : إذا كنت أنا من المنوفية فلم حَظرْتم إقامتى فى كفر الشيخ .. هل لديك رد..؟ فقال بسرعة : طبعا .. لأن المنوفية تتاخم كفر الشيخ ولها حدود معها. رددت عليه : أأنت متأكد ..؟ قال : طبعا. فقلت له : هل أصَحّح لك معلوماتك ..؟ واستكملت: المنوفية حدودها مع القليوبية من ناحية ومع الغربية من الشمال.. وليس مع كفر الشيخ لأن حدود كفر الشيخ مع الغربية التى هى بلدك ومع البحيرة .. لا بأس.. أتركنا من هذه : هل أرسلت لى لتتناقش معى ..؟ فرد : وشئ آخر .سألته : ماهو ..؟ قال : أن تُوقّع لنا بالعِلْم على قرار الإبعاد. فرددت عليه: تقصد قرار حظر الإقامة رقم 1065 / 1971 . قال: بالضبط.. ثم قدم لى مَلْزَمة من الورق بها القرار ومعه إقرار بعدم الذهاب إلى المنوفية وكفر الشيخ..وعدد آخر من الممنوعات.ولما اطّلعتُ عليها قلت له : هل ما مع القرارمن أوراق يعتبر من القرار..؟ رد قائلا : نعم .قلت له آسف سأوقع على القرار فقط وتجاهلت المكان الذى حدده لتوقيعى ؛ وتحت نص القرار مباشرة كتبت بخط يدى عبارة [ أخطرت بالقرار 1065 / 1971 يوم كذا ووقعت]..وتركت له القلم ونظرت له قائلا : أهناك شئ آخر..؟ رد : لا . بعدها غادرت المبنى عائدا لنادى المعلمين.

زيارة لصديق تحل مشكلة غدائى اليومى:

فى الأسابيع الأولى بأسيوط ذهبت لزيارة شقيق أحد أصدقائى وكان طالبا بالسنة النهائية بكلية الطب البيطرى. وفى حجرته بالمدينة الجامعية تداولنا الحديث فى شئون الحياة ، وأخبرته بقصة الإبعاد . كان سمير شخصا جادا رائعا ومهتما بدراسته ، وحيث تكررت زياراتى له سألنى : كيف تعيش وتأكل .. فأخبرته آكل فى المطاعم وأجلس على المقاهى وأتابع الصحف ولا شئ أكثر. فقال لى : لدى فكرة ربما تروقك .. هناك عدد من الطلاب يتغيّبون عن المدينة الجامعية عدة أيام فى الشهر ويتركون لى " بونات التغذية " فما رأيك فى أن تأخذها حتى لاتحمل همَّ الغداء كل يوم..؟ فكرت للحظات وقلت : ألا يمكن أن يتسبب ذلك فى متاعب لك أو لزملائك الغائبين ..؟ قال : لا. قلت له : أوافق بشرط. قال وهو يبتسم : وما هو ..؟ أجبته : أن أدفع ثمنها أولا. فرد علىّ: توقعت شرطك .. وأوافق عليه.

هذا وقد صادفت أثناء مغادرتى المدينة الجامعية إعلانا للجنة الثقافية بكلية التجارة عن ندوة شعرية بالكلية بحى الوليدية فى إحدى أمسيات شهر أكتوبر 1971 .

ندوة شعرية تُعرّفنى بطلاب جامعة أسيوط :

فى الموعد المحدد ذهبت لكلية التجارة بحى الوليدية مخترقا أهم شوارع أسيوط شارع الجمهورية. وكان الشعراء المدعوون هم صلاح عبد الصبور ، محمود حسن إسماعيل ، وأحمد هيكل . دارت الندوة وألقى الشعراء ما تيسر من أشعارهم ، بعدها بدأ النقاش الذى كان جانب منه يتعرض لما تم إلقاؤه من قصائد ، وأثناء رد أحد الشعراء على أحد الأسئلة تطرق – عابرا- إلى شعر العامية . رفعت يدى بعدها وعرّفت الحضور بنفسى ودخلت فى الموضوع متسائلا : لماذا يَعتبِر كثير من شعراء الفصحى أن شعر العامية ليس شعرا..؟ . تبادل الضيوف الثلاثة الرد على التساؤل بعدها قلت تعليقا رأيته مهما هو ( أن الصورَ الشعرية والصياغات وكذلك ترابطَ القصيدة وبناءها لا ينفرد بها شعر الفصحى بل إن هناك من القضايا ما يُجيد شعرُ العامية التعبيرَ عنها بشكل لا يقل إن لم يتفوق على شعر الفصحى فسألنى أحد الحضور من الطلاب مقاطعا: مثل ماذا إضرب مثالا ..؟ فرددت عليه : هناك شاعر شاب يدعى نجيب شهاب الدين له عدد من قصائد العامية بالغة الجودة من وجهة نظرى منها قصيدة بعنوان الإبن وقمت بإلقائها على الحضور:

(1)
سميت عليك..
باسم العرق فوق الجباه
باسم الغرام اللى ما بين الأنام
ساعة الشبع والحياة
يا زحمة الأشواق..
شلتك على كتفى العجوز
ألِفّ بيك الاسواق .. دلوقتى ما يْهمنيش
ما يْهمنيش الخطاوى اللى جايّة
فى آخر الليل
فى الشارع المحنى الطويل
ح ارقص .. واقول للناس بقالى حيل
سميت عليك يا بنى ..
يحميك من الخوف اللى غالبنى
(2)
سميت عليك.. باسم الجسارة .. والحياة
يا نفس طالع رُقَيّق ..
باب الجبان ضيّق
والدنيا بِرحة وراه
يحميك من الضهر الجبان
إرْقُد على صدر بابا ..
حِسّ الدفا والأمان
للخوف .. عيون واسعة
يا بو العيون الحايْرة ما تخافش ..
م العين اللى ع الشيش دايرة
ما تخافش م العسكرى..
شوف الطيور اللى طايرة
ما تخافش م القلعة وم الرهبان
(3)
ما تخافش م الخايفين .. إضربْ ..
بسيفى اللى متعلّق بقاله زمان
إفتح إيديك المولودين
بوسة عشان بابا
يا ريحة الناس .. والسنين الطيبين
إطلَعْ على كتفى شوف
إلعب فى كل الرفوف
ما تخافش من أى شئ
لإنى قَبْلك خُفت من كل شئ
(4)
طول اللى ما طُلتهوش
فى الفجر لو طلبوك
فى الدنيا.. لو صَلَبوك
طول اللى ما طاله أبوك
عوّضنى كل الخسارة ..
أنا خسرت كتير خسرت طعم الجسارة
وكسبت بصّة عينيك ..
يا طفلى يا مولود
إوصِل ما بينك وبينى
خلينى أنا ابنك .. وِاكْبر.. وربّينى.

كان الرد من الشعراء إيجابيا خصوصا صلاح عبد الصبور . وفور انتهاء الندوة وجدتُ جمْعا من الطلاب وقد أحاطوا بى وأثنوا على القصيدة وعلى الحوار.. وطالبونى بمرافقتهم حتى نتعارف بشكل أفضل. كانوا حوالى تسعة طلاب منهم صلاح يوسف وطاهر يوسف.
فى شارع الجمهورية توقف ثلاثتُنا وعرَجْنا على شقة بالدور الأرضى كان يسكنها طاهر مع آخرين ولفتَ نظرى أن طاهر كان شاعرا صغير السن حاد الذكاء وخفة الظل ، وفى منزله امتد الحديث معه ومع صلاح حتى الحادية عشر مساء، بعدها غادرت منزله على موعد بلقاء هذه المجموعة فى اليوم التالى.

تكررت لقاءاتنا مع شفيع عبد الغفار وصلاح عبدالبديع وفوزى سعيد والمعتز بالله فهمى وعاصم الشريف ومصطفى محمد على وغيرهم ، لكن أكثر من داوم على زيارتى حتى فى عملى كان صلاح يوسف أمين اللجنة الثقافية بكلية الهندسة. وكان أكثر من تحدثت معهم عن قصة الإبعاد . لذلك دعانى للقاء بأعضاء اللجنة الثقافية بكليته يضم عددا من أصدقائه وبعض الأساتذة منهم د.فتح الله الشيخ أستاذ الكيمياء بكلية العلوم. ودار الحديث عن تاريخ مصر الحديث ونشأة الرأسمالية المصرية. وتوثقت علاقتى بالمجموعة ودعانى صلاح يوسف لمنزله فتعرفت على أسرته كبيرة العدد ووالده الموظف بالبريد ؛ وهكذا اتسعت الدائرة التى أعيش فيها لتتجاوز حدود المعهد الدينى ونادى المعلمين إلى طلاب جامعة أسيوط بانتماءاتهم الجغرافية المتنوعة وإلى عدد من طلاب الأزهر فى بحر شهرين لا أكثر.

الحصول على شقة أمام المعهد :

كان صديقى عبد الحميد بدر الدين - وهو من نفس سنى ومن قرية كَلْبِشو مركز بركة السبع- مجندا فى القوات المسلحة بأسيوط ، ولما عرف بوجودى حضر إلىّ وفى إحدى زياراته قال أنه يعرف مجندا آخرفى كتيبته من أسيوط يمكن أن يساعدنى فى الحصول على شقة لأستأجرها ، وبالفعل عثرناعلى الشقة فى شهر ديسمبر 1971 ولحسن الحظ أنها كانت أمام مبنى المعهد الثانوى. بعدها قمنا بتحويل أوراق شقيقى شفيع من شبين الكوم إلى مدرسة الصنائع بأسيوط وحضرت بشرى لتقيم معنا، وقد داوم عبد الحميد على زيارتى والاتصال بى حتى انتهت خدمته بالجيش.

شروع فى إبعادى عن أسيوط :

وفى الخامس من يناير 1972 أرسل وكيل المعهد الإعدادى أحد السعاة إلىّ فى الفصل يطالبنى بالحضور لمقابلته ، فأفدته بأن ينتظرنى بعد انتهاء الحصة ، فعاد الساعى طالبا منى الحضور فورا فقلت له بحزم : قل له لن أترك الحصة إلا بعد انتهائها لأن الدرس الذى أشرحه هام ولابد أن أنتهى منه أولا.انتهت الحصة وذهبت إليه فوجدت معه رجلا فى منتصف الثلاثينات يحمل حقيبة ويرتدى حلة ثمينة ، عرّفنى به قائلا : الأستاذ على الشرقاوى مفتش تحقيقات بإدارة المعاهد الأزهرية بالقاهرة. رحبتُ به قائلا : خير يا أستاذ على . فلم يعقب وسألنى : هل يمكن أن نذهب معا للمعهد الثانوى ونتحدث فى الطريق..؟ قلت : وهو كذلك. وقبل أن نغادر قال وكيل المعهد للضيف: أنا قلت لك أنه لن يترك عمله لأى سبب ولن يحضر إلا فى نهاية الحصة.
خرجنا إلى الشارع واتخذنا طريقنا لمايزيد عن كيلومتر فقال لى: وكيل المعهد يتحدث عنك باحترام بالغ. وسألنى عن قصة الإبعاد فعرضتها عليه باقتضاب . بعدها تطرق لسبب حضوره والمهمة المكلف بها.. قائلا: هناك اتهامات منسوبة لك بأنك تتحدث مع طلاب المعهد فى الأمور السياسية.. لذا تم تكليفى بالتحقيق في ذلك. سألته : ممن تُوَجه الاتهامات من داخل المعهد أم من خارجه..؟ رد قائلا : من خارجه ثم قال ما رأيك فى ذلك ..؟ قلت له : أن رأيى لاقيمة له لأنى المتهم ، ولا يبقى إلا أن تسمع أطرافا أخرى كالزملاء وإدارة المعهد بقسميه علاوة على الطلاب. فعقب قائلا: هذا صحيح. أكملت حديثى : وأقترح عليك أن تطلب من إدارة المعهد كشفا بأسماء الطلاب المسجلين فى فصولى ( وهى أربعة فصول بالإعدادى وخمسة بالصف الأول الثانوى ، واثنان بالصف الرابع الثانوى) وتنتقى منهم عينات عشوائية وتقوم بالتحقيق معهم بعيدا عن بعضهم وأن تصرف من ينتهى التحقيق معه إلى خارج المعهد دون أن يختلط بمن لم ( يجرى ) معهم التحقيق.

قبل أن نصل المعهد بمائتى متر قال لى : رغم أن ذلك يتعارض مع مهمتى التى حضرت من أجلها فإنى أحييك على أمانتك ويشرفنى أننى تعرفت على رجل مثلك. فشكرته باقتضاب.
بلغنا المعهد وهناك وجدنا فى انتظارنا ثلاثة من الوكلاء والمدرس الأول للعلوم بينما كان شيخ المعهد قد غادر تاركا خبرا بإيصال المحقق لمنزله ليستكمل التحقيق. بعدها استأذنتُ المحققَ ووكلاءَ المعهد قائلا: أنا أسكن أمام المعهد وسأعود لكم بعد ساعة.
قام المحقق بأخذ أقوال الوكلاء ثم المدرس الأول المشرف على عملى ، واستخدم الاقتراح الذى طرحته فى اختيار الطلاب والتحقيق معهم. ولما عدت للمعهد انتظرت بعيدا عن حجرة التحقيق حوالى نصف ساعة نادانى بعدها أحد الوكلاء لأخذ أقوالى ثم توجهت مع المحقق لمنزل شيخ المعهد على بعد خمسمائة متر. وما أنْ دخلنا للمنزل حتى قلت لشيخ المعهد : هناك بعض الاحتياجات المنزلية سأذهب لشرائها وأعود إليكم بعدها . قال الشيخ عمر: أستاذ بشير.. لن أقول كلمة واحدة إلا أمامك إجلس. تناول المحقق غداءه بمفرده فقد سبقه الشيخ ثم بدأ التحقيق .. وياله من تحقيق ؛ فقد قال الشيخ عمر كل مافى بطنه وبدأ حديثه قائلا: إننا راقبْنا واختبرنا الموضوعات التى يتحدث فيها مع الطلاب منذ الحصة الأولى له بيننا- لأن الأمن حذرنا منه - فلم نجد ثغرة ، إنه يدخل حصته بمجرد انتهاء الحصة السابقة ليستفيد من الـ 5 دقائق التى تفصل الحصتين ولا يخرج من الفصل إلا عقب جرَس بدء الحصة التالية ومن ثم يستفيد بخمسة دقائق أخرى؛ ولا يوجد مدرس بالمعهد يتصرف هكذا. المدرس الأول يقول أنه أفضل منه شخصيا ، وأمين المعمل الأستاذ صلاح يقول : لم أجد مدرسا طيلة عمرى يشرح لتلاميذ الصف الأول الإعدادى تركيب الذرة ويخترع التشبيهات لإفهام التلاميذ كما يفعل هذا الرجل. ثم ذكر إطراءات أخرى شخصية كثيرة ومتنوعة . المهم أن المحقق كتب كل كلمة وكان يطرح السؤال وبعده تنساب إجابة الشيخ عمر لا تتوقف والمحقق يدون أقواله بلا توقف.
لقد كنت جالسا بعيدا عنهما فى حالة من الذهول ؛ ولو خرج أبى الذى يحبنى من قبره لما قال عنى ما قاله شهود هذا التحقيق.


أنهى المحقق المهمة .. وودعته ولم أعرف إن كان قد سافر فى نفس اليوم أم أنه حلّ نزيلا فى أحد الفنادق ليراجع أوراقه لعل هناك ما قد يكون نسيه فيستكمله فى اليوم التالى.

انفجار الحركة الطلابية بجامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط :

فى نهاية عام 1971 كان للسادات عبارة شهيرة يبرر بها التأخر فى تحرير الأرض المحتلة اسمها " الضباب ". وفى ذلك الوقت كانت تعتمل وتنضج فى الجامعة إرهاصات احتجاج واسع لطلابها بشأن الحرب. وما هى إلا أسابيع قليلة حتى انفجرت رافضة قصة الضباب. ففى تلك الفترة كانت إنديرا غاندى رئيسة وزراء الهند قد مهدت الأرض بنشاط سياسى واسع ومدروس لتُوقِفَ اعتداءات باكستان على حدودها وتُسكتها تماما وقد نجحت فى مسعاها بشن حرب خاطفة حققت أهدافها كاملة. وقد مثّل ذلك خلفية للمقارنة مع الوضع فى مصر.. ورصده الشعب المصرى وفى مقدمته طلاب الجامعة. وخلال شهر يناير 1972 كانت جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر والإسكندرية فى حالة غليان وصخب لم تحدث فى مصر منذ عقود.
وارتبك السادات وتعامل مع الاحتجاجات بطريقة عنيفة وقام باقتحام الجامعات بقوات الأمن مما ولّد غضبا فى الشارع المصرى وتعاطفا مع الطلاب.

وكنتُ وعددٌ من طلاب أسيوط قد غادرنا – كلٌ على حدة- إلى جامعة القاهرة نستطلع الأمر ونُجرى حوارات مع بعض قادتها الذين كنا نعرفهم قبل ذلك ، وبسبب ظروف عملى عدت لأسيوط بعد يومين.
وفى اليوم الثالث حضر صلاح يوسف لمنزلى وتحاورنا فى الأمر فقال: أن طلاب جامعة أسيوط وبالذات طلاب الهندسة مصرون على استئناف حركة الطلاب التى قمعها السادات فى القاهرة والاسكندرية.. لذا أعددنا بعض المقالات التى تتحدث عن الحركة والاعتقالات، والحل السلمى ، وفلسطين وغيرها من موضوعات الساعة. هذا وقد قام بالاتصال بالكثير ممن قابلتُهم فى الندوة الشعرية واللجنة الثقافية بكليته ، كما اتصل بكلية الطب والعلوم والزراعة وأصبحت بذلك جامعة أسيوط تحت المنظار وتطور العمل بها بسرعة مذهلة وانتقل النشاط إلى كليات أخرى كالتربية والتجارة .
من ناحية أخرى ارتكبت إدارة الجامعة ورُوّاد اتحادات الطلاب من الأساتذة أخطاء شتى أسهمت فى ردود أفعال عكسية ساعدت الحركة على النهوض وصار صوتها مسموعا خلال ثلاثة شهور. والأهم أن ما سمعناه عما يجرى فى جامعة أسيوط قد رفع حماس طلابها ومثل لهم دفعة معنوية قوية.

اللجوء للمواجهة السياسية فى جامعة أسيوط أنضج الحركة:

ثلاثة مؤتمرات سياسية لوكيل الجامعة وحسين الشافعى وسيد مرعى
فى أواخر فبراير 1972عزمت إدارة الجامعة على القيام بمواجهة سياسية للحركة الطلابية بأسيوط - غالبا لتفادى الخطأ الذى تم ارتكابه باستخدام العنف فى جامعات القاهرة والإسكندرية- فاختارت أكثر كلياتها سخونة لتضرب ضربتها ودفعت بأخطر كوادرها ( د. عبد المجيد عثمان) وكيل الجامعة ليقوم بهذا الدور. وبالفعل تم الإعلان عن عقد مؤتمر بكلية الهندسة.

محاولة د. عبد المجيد عثمان:

وفى المؤتمر رأى الدكتورعبد المجيد أن من الأوْفق أن يبدأ حديثه مع الطلاب ليطفئ مبكرا الحماس البادى على الوجوه بدلا من أن يتحدث الطلاب فيشعلون الموقف. وكان ذلك التصور يتضمن قدرا من الحقيقة.
يقول أحد الحاضرين للمؤتمر بدأ عبد المجيد عثمان حديثه الذى استمر قرابة الساعة وتمكن من تهبيط حماس كثير من الطلاب وإن لم يتمكن من إقناعهم وأنهى كلمته بتقديم طالب الهندسة وأمين لجنتها الثقافية صلاح يوسف للاستماع إليه.
قام صلاح- وبذكاء شديد - بتلخيص حديث عبد المجيد عثمان فى عدد من النقاط تناولها واحدة بعد الأخرى بالتفنيد والدَحْض وفى بعض الحالات بالسخرية حتى انقلب المؤتمر بكامله ضد د. عبد المجيد واشتعلت الهتافات ضده وضد الجامعة وكاد الطلاب يفتكون به لولا أن قام صلاح بحمايته ورفضَ العنف فى معاملته وأخرجه مهزوما دون المساس به ، وهو ما رفع أسهم صلاح وسط الطلاب .
ومثلت تلك المناظرة السياسية نقطةَ التحول فى النشاط الطلابى بأسيوط ليرتقى ذلك النشاط المبعثر إلى حركة فى طريق التبلوُر، كما كانت بداية تشكّلِ قيادة جماهيرية لطلاب الهندسة وربما للجامعة فيما بعد. باختصار صار للحركة الطلابية المصرية - بعد إغلاق جامعات القاهرة والإسكندرية واعتقال قادتها- صار لها رأس جديد وامتداد يبشر بالتطور.

محاولة حسين الشافعى:

بعدها لجأت الدولة لكبار قادتها لإخماد شعلة الحركة فى أسيوط فأعلنت عن لقاء قريب لحسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية ، وكان الاستعداد للمؤتمر قبله بأيام قائما على قدم وساق، وتفتحت قريحة الطلاب عن إجراء استباقى مباغت ربما يفلح فى دفع الجامعة لإعادة النظر فى زيارة الشافعى والتراجع عنها. تَمثّل ذلك الإجراء فى إصدار بيان يغطى أرجاء الجامعة وكلياتها بصياغة جريئة مليئة بالثقة. وبالفعل تمت كتابته وذهب به صلاح يوسف لزملائه من مختلف محافظات الصعيد فى المدينة الجامعية وسهر عليه الطلاب ينسخونه مئات النسخ ويوزعونه ليلا لبلدياتهم ويلصقونه فى دورات المياه ويتحدثون عن مضمونه مع بقية الطلاب من المحافظات الأخرى. لم يكن تصوير المستندات آنذاك قد وصل مصر ؛ لكن حمْيَة الطلاب حلّت محل التكنولوجيا وبذا صار ورقُ الكربون فرسَ الرهان فى انتشار البيان.
وانزعجت إدارة الجامعة وطار صواب أجهزة الأمن حيث لم تصلهم إخبارية واحدة عن البيان قبل أن يقرأه الطلاب على جدران الجامعة ومرافقها.
لكن حسين الشافعى حضر فى الموعد ، والتقط بعضُ الطلاب من دهاليز إدارة الجامعة خبرا عما رصده الشافعى من رشاوى للأساتذة ونشروا أخبارها فى مجلات الحائط. وعُقِد المؤتمر فى موعده وتمكن الطلاب من إجبار منظميه على أن يكون لهم كلمة ألقاها صلاح وعرّى فيها لجوء الدولة للعنف وإغلاق الجامعات واعتقال قادة الحركة ، وهو ما وضع الشافعى فى حرج بالغ حيث لم يكن ما قدموه من تبريرات جديرا بالصمود أمام منطق الطلاب.وانتهى المؤتمر بخيبة شديدة لهم وفرح عارم للطلاب .
فحتى هذه اللحظة أيقن الطلاب بعد مؤتمرَىْ عبد المجيد عثمان وحسين الشافعى أن الحركة الطلابية على حق فى كل مطالبها لأن الدولة لم تستطع حتى الآن أن تصمد أمام منطقهم القوى وهو ما ثبّتَ ذلك اليقين فى صدورهم وأشعرهم بقيمتهم وبقيمة العمل الجماعى.

محاولة سيد مرعى :

بعد مؤتمرالشافعى تم الإعلان عن زيارة جديدة لسيد مرعى أحدِ السياسيين القدامى المخضرمين والذى رأس البرلمان فى وقت سابق وتحدد موعدُها وجرت عمليات الإعداد لها. وكان الطلاب لها بالمرصاد فأعدّوا بيانا يهاجم الزيارة ويوضح مراميها ويربطها بقضية تحرير الأرض. كما اتخذوا إجراءات مُحْكمة أشد مما اتبعوها فى زيارة الشافعى بشأن نسخ البيان الذى نشروه بشكل أوسع مما سبقه. وقابلَ البيانَ من الناحية الأخرى مجلاتُ حائطٍ ساخنة ونقاشات موسعة وصلتْ حتى مساكن طالبات الجامعة اللاتى أبلين بلاء حسنا فى نشر البيان. وكانت المفاجأة المدوّية هى تأجيل الزيارة لموعد يحدد فيما بعد. وفور تحديد الموعد الجديد صعّد الطلابُ دعايتَهم بشكل لم يسبق له مثيل حيث كانت النجاحات التى أحرزوها فى المرتين السابقتين قد حصدت أنصارا جددا بالعشرات وسّعت نطاق الحركة فتصاعدت لغة التحريض وجسارتُه وصدر بيان طلابى جديد أسهم فى تأجيل الموعد الثانى لزيارة سيد مرعى ؛ وهو ما أشاع جوا من التفاؤل والبهجة ورفع الشعور بالثقة لمستويات جديدة وقلّص بدرجات مماثلة معنوياتِ الإدارة وقدرتَها على الحركة.
وتَحدّد الموعد الثالث لقدوم سيد مرعى فرأى الطلاب أن تكرارَ الهجوم الطلابى بنفس الأدوات السابقة غيرُمُحبّذ ؛ وبالعكس باتت المواجهة المباشرة على الملأ مع خصم تلقى ضربتين موجعتين هى الأنسب.

وجاء اليوم الموعود وكان الطلاب قد أعدّواعدتهم من حيث الحشد والشعارات وما ينوون طرحه فى كلمتهم. وتَحَدّد المدرّج الذى سيقام فيه المؤتمر فشرع الطلاب فى احتلاله ولم يتركوا لإدارة الجامعة موطئا لقدم.. حتى المنصة احتلوها ، وأصبح دخول السيد مرعى إليها نوعا من المستحيل مما اضطر المنظمين لنقل المؤتمر إلى حديقة مجاورة داخل الجامعة.

من ناحية أخرى استغل الطلاب الفترة الزمنية التى فصلت نقلَ مكان المؤتمر من المدرج للحديقة فى رفع حرارة الحشد الجماهيرى؛ لدرجة أن بعضهم لجأ لإطلاق شعارات سوقية ضد سيد مرعى منها : [ سيد مرعى جىْ ع الأرض المزروعة // سيد مرعى جىْ وف (إيده ) زعزوعة ] ، وبدأ المؤتمر فى تلك الأجواء المتوترة؛ وعندما تحدث سيدمرعى لم يأت بجديد وهو ما أتاح للطلاب فى كلمتهم التى ألقاها صلاح يوسف التطرق لقضايا لم يسبق إثارتها فى مؤتمرات سابقة. هذا وقد بزغت فكرةٌ لم تخطر على البال طيلة الفترات السابقة ؛ فقد اقترحت شقيقتى بشرى قبيل المؤتمربساعات قليلة أن تشارك فى رفع عدد من الشعارات.وساعتها سألتُها عما تحفظه منها فذكرتْها على مسامعى منها [ (من عين شمس إلى أسيوط // صوت الطلبة مش حيموت )، (كل الناس دى معانا لمبدأ // للنهاية ومن المبدأ ، الإنسان إللى له مبدأ // ما بيتاجر ولا يسترزق ،الإنسان الثاير يبدأ // ما بْيستنى الظروف تبدأ) ] فأضفتُ لها شعارا أو اثنين وقلت لها : وهو كذلك.

كانت تلك الشعارات هى الجديد فى الأمر وكان إلقاء فتاة لها هو المفاجأة فلم يسبق أن شاركت الطالبات فى النشاط الجماهيرى قبل ذلك. وكان من المشاهد الفريدة التى يذكرها طالب معهد التعاون الزراعى محمد على عبد الكريم أحد منظمى المؤتمر ذلك الكردون البشَرِى المُصْمَت الذى أحاط به الطلابُ بُشرَى أثناء مغادرتها المؤتمر .. والذى إنْ دلّ على شئ فقد دلّ على أن الطلاب نجحوا تماما وباءت كل محاولات الجامعة بالفشل الذريع.

انتهى المؤتمر الذى فرض فيه الطلاب هيمنتَهم وآراءَهم ومن الجانب الآخر باءت بالفشل خطة استعانة الدولة بمسئولين كبار لمواجهة الطلاب سياسيا .. بل واهتزّت قناعتُها فى أسلوب المواجهة السياسية لصالح العنف.

تمهيد سياسى للعودة لسياسة العنف والقتل:

وضح جليا للدولة أن تيار المواجهة السياسية فى جامعة أسيوط قد صب ثماره لصالح الطلاب بعد فشل المؤتمرات الثلاثة- لوكيل الجامعة والشافعى ومرعى - فبدأتْ فى الاستعداد لتحريض الجماعات الدينية فى أسيوط على حركة الطلاب بدلا من التدخل المباشر للأمن. لذلك تم إرسال أحمد كمال أبو المجد وزير الشباب آنذاك والداعية الإسلامى المعروف إلى أسيوط لا ليتحدث فى مؤتمر جماهيري نتائجُه معروفة سلفا ؛ بل لتأليب الإسلام السياسى على حركة الطلاب ولذلك عقد اجتماعا تمهيديا مع أعضاء الجماعات الدينية ( نواةِ الجماعة الإسلامية فيما بعد ؛ التى قتلت السادات واحتلت مديرية أمن أسيوط بالسلاح، وعاثت فسادا فى مصرفى ثمانينات القرن الماضى وتسعيناته) حضره حوالى60 طالبا منهم ناجح إبراهيم وكرم زهدى وعاصم عبد الماجد وأسامة حافظ .. الذين صاروا فيما بعد قادة هذه الجماعة.

هذا وقد جرى اللقاء فى مكان بعيد عن الجامعة وهو ما آثار الريَبْ. ووصل الخبر ومكان الاجتماع لصلاح يوسف بالمصادفة ؛ فتوجه إلى هناك واستمع لما يدور وشارك فى الحوار الذى انتهى بخلاف واضح بين الحضوروصلت حدوده إلى ظهور رأييْن. وعلى ما يبدو أن الاجتماع لم يحقق مبتغى الدولة فورا بصرف النظرعن نوايا الجماعات الدينية ؛ التى اتضح أنها كانت منشغلة بحوار يستهدف توحيد صفوفها تمهيدا لتشكيل الجماعة الإسلامية أكثر من اهتمامها بحوار مع رموز الدولة ، وربما تكون استشعرت من شواهد شتى أن الدولة ترغب فى استخدامها مجرد استخدام يتوقف وقتما يحقق أهدافه.

كمين أمنى.. والاعتداء على طاهر يوسف :

فى نهاية عام 1972 كان طاهر يوسف – الطالب بمعهد التعاون الزراعى بأسيوط – قد نقل محل سكنه من شارع الجمهورية إلى منطقة معزولة نسبيا ؛وفى إحدى الأمسيات وأثناء عودته من الجامعة نصب له الأمن كمينا تم فيه الاعتداء عليه وإصابته إصابات جسيمة. وعلِمتْ شقيقتى بُشرى بالأمر فأرسلتْ شقيقى شفيع للاطمئنان عليه وإحضاره إن كانت حالته تستدعى ذلك . واكتشف شفيع أن طاهر ذهب لقسم الشرطة المختص للإبلاغ عن الواقعة ومكث به لمدة ثلاثة ساعات دون اتخاذ أى إجراء أو تحقيق فاصطحبه مع بعض زملائه فى الجامعة لمنزلنا بعد أن وجده لا يستطيع السير. وفى وجودهم قامت بشرى بتضميد جراحه ( الوجه والذراعين والكتف والصدر والأرجل ) ، وحيث كنتُ خارجَ أسيوط لمدة يومين فقد سألتنى بشرى فور عودتى وعِلْمى بما جرى قائلة : هل تصرفتُ تصرفا صحيحا..؟ فقلت لها : لم يكن هناك تصرف صائب أفضل مما قمت به أنت وشفيع. هذا وظل طاهر بمنزلنا أربعة أيام حتى التأمتْ جراحُه جزئيا واسترد بعض عافيته وعاد لسكنه مرة أخرى.

كان طاهر شاعرا واعدا منذ أن كان فى السادسة عشرة من عمره فى بنى سويف ، وكان دوره محوريا فى نشاط الطلاب بأسيوط فلم يُعقَد مؤتمرٌ أو تبدأ مسيرة أو مظاهرة لم يلعب فيها طاهر دورا حاسما فى عملية الحشد ، وكان لسرعة بديهته ودقة ملاحظته وخفة ظله وكفاءته النادرة فى الحوارمع الجمهور الدورَ الأبرزفى ذلك . حيث اعتاد على إلقاء أشعاره فى ساحات مجلات الحائط والمؤتمرات وقبيل بدء المسيرات .
لذا كان العدوان عليه رد فعل وإدراكا لمدى خطورة دوره ، ومن الناحية المقابلة كان الحفاظ عليه وإنقاذه - حرصا على ترابط واستمرار قيادة الحركة متماسكة عالية المعنويات - مهمة ضرورية .

حالة حرب غير مُعْلنة :

وقبل أن نتطرق إلى فترات الصدام الجماعى والتى بدَتْ نُذُرُها واضحة فى الأفق نوجز الوضع الذى كان قائما فى أسيوط فى نهاية العام الدراسى 1971/ 1972 فيما يلى:
كان ما يجرى فى الجامعة ومحيطها وامتداداتها يؤكد للعين المدققة أننا فى ساحة حرب حقيقية لا تحتاج إلى بُرْهان.. سواء وقت السلم أو فى لحظات الصدام التى أتت فيما بعد ؛ والتى بدأت بالاعتداء الوحشى على طالب التعاون الزراعى طاهر يوسف فى كمين أمنى أثناء عودته لمنزله من الجامعة.

باختصار أصبح " اللعب على المكشوف " ففى معسكر الدولة / الجامعة كانت الاتصالات والتحضيرات بين أجهزة الأمن والجامعة قائمة على قدم وساق.. وكذا بين أمين الاتحاد الاشتراكى بأسيوط محمد عثمان إسماعيل ( المحافظ فيما بعد) والجماعات الدينية وجماعة الإخوان المسلمين ممثلة فى د. خالد عودة. وكانت عمليات التنسيق والتعاون بين المجموعتين على أشُدّها..علاوة على توسيع عمليات الرقابة والمتابعة البوليسية التى – من حماقتها وتوترها– خرقتْ كلَ البديهيات والقواعد المعروفة فى عملها ؛ فقد روى لى طالب الطب آنذاك صلاح عبد البديع واقعة طريفة تعرّضَ لها وتبرهن على تلك الحماقة .. حيث وجدَ فى أحد الأيام واحدا من المُخْبرين ينتظره بدراجته أمام باب منزله .. ولما همّ صلاح بركوب دراجته تابعه المخبر كظلّه وكلما دخل شارعا انعطف وراءه وكلما عرَجَ على صديق توقف منتظرا حتى يخرج . فقرر صلاح أن يعطيه درسا ليتخلص من " رزالته " . فقام باستدراجه إلى منطقة نائية لينفرد به .. وفى أحد المنحنيات تربص به ثم فاجأه وأمسك به وقال له : نصف ساعة من الرزالة تكفى .. والآن جاء دورك لتتعلم. وانهال عليه بالصفعات والركلات حتى أوقعه على الأرض ولم يترك أثرا يدينه على جسمه.. ثم عاد إلى منزله. بعدها لم يره فى منطقته مرة أخرى .

ومن الجانب الآخر- فى معسكر الطلاب- كان تقييم وضع الحركة يقوم به بشكل دائم عدد من قادتها من محافظات الصعيد ( أسيوط ، بنى سويف، أسوان ، قنا ، الاقصر ) ومحافظات الوجه البحرى ( الشرقية ، السويس ، الإسكندرية ، المنوفية ، القاهرة ) ؛ لقياس مدى تواجدها فى الكليات المختلفة ووزنها ، ومدى التفاف الطلاب حولها ومشاركتهم فيها ، ومستوى المواجهات السياسية مع رجالات الدولة وعملائها والقوى السياسية المعادية كجماعات الإسلام السياسى وغيرها؛ والقضايا المثارة فى النقاش بين الطلاب وعلى مجلات الحائط وفى المؤتمرات بل وفى اللقاءات الجانبية بين طلاب المدينة السكنية ومستوى إلمام الطلاب بها. علاوة على مدى الميل نحو مركزة الحركة لتغدو حركة موحدة فى الجامعة.

هذا وقد لعب جَمْعُ المعلوماتِ حول هذه الأمور ( القوى المعادية ، مستوى الحركة ، الميل لمركزة الحركة ) لعب دورا هاما فى دقة ما تتوصل له القيادة الطلابية من آراء وتقديرات وقرارات ، وقد يسّرَ جمعَ المعلومات الصلةَ الوثيقة للقيادة بكل تجمعات الطلاب فى المدينة السكنية وكليات الجامعة من خلال ما حصدتة من قادة جدد وعناصر بارزة فى الكفاح اليومى. بل وكانت أبعاد وصدى ما يحدث فى الجامعة تنتقل خارجها حيث يتداول عديد من أهالى المدينة على المقاهى ما يدور داخل الجامعة من أحداث وكذا فى التجمعات العامة مثل بعض النوادى.
لقد خلق هذا الجو الحربى حالة من الاستقطاب والتوتر والتربص يؤذن بانفجار وشيك ؛ لولا أن جاءت امتحانات نهاية العام ثم الإجازة الصيفية لتقطع هذا النمو الصاعد للحركة ، لكن ما لبثت عودة الطلاب فى العام الدراسى الجديد 72/ 1973 أن لحمت شوطها السايق بشوطها القادم.

قرار جديد بالإبعاد عن أسيوط :

بنهوض الحركة الطلابية بأسيوط عام 1972وتأكُّد أجهزة الأمن من صلتى بطلاب الجامعة - الذين كانوا يترددون على منزلى بشكل مستمر- بات من المحتم الإسراع بنقلى بعيدا عن الجامعة ، لذلك انتظرتْ أجهزة الأمن شهر مارس الذى يعود فيه طلاب الأزهر إلى بلدانهم وقراهم لإصدار قرار نقلى من معهد أسيوط حتى تضمن انعدام أىَّ رد فعل من طلاب المعهد فيما لو أُعْلِنَ عن النقل فى وجود أعداد كبيرة منهم قيْدَ الدراسة.. والدليل على ذلك أن التحقيق معى انتهى فى يومين ولا يحتاج حسمه فى الأزهر والداخلية واتخاذ قرار بشأنه – فى ظل احتدام الحركة الطلابية فى أسيوط – أكثر من أسبوع آخر؛ فلم كان التأخر حتى أول إبريل لتنفيذ النقل من معهد أسيوط..؟

هذا وقام وكيل وزارة الأزهر لشئون المعاهد الدينية (الشيخ عبد العزيز عيسى) فى أول إبريل 1972 بإبلاغ شيخ معهد أسيوط ( عمر أحمد عمر ) بقرار" نقلى إلى معهد جرجا بمحافظة سوهاج مع إبعادى عن التدريس وإلحاقى بأعمال المكتبة " . وكانت تلك – على حد قول الشيخ عمر – أول مرة يقوم فيها وكيل وزارة بإبلاغ إشارة تليفونية بنفسه. وفى الحقيقة فإن شيخ المعهد تعجب بشدة من قرار النقل من أسيوط وقرار الإبعاد عن مهنة التدريس .

ظل كلاهما يتصل بالآخر بالتليفون يوميا لعدة ساعات - أحدهما للتعجيل بالنقل والآخر لوقف النقل وتعديله – حتى يوم 13 إبريل. فشيخ المعهد يتحدث عن المبررات المهنية المعدومة للنقل وبطلان التهم الموجهة للمدرس بينما وكيل الوزارة الذى يدرك حقيقة الأمور أكثر من شيخ المعهد- أو يخشى غضب ممدوح سالم رئيس الوزراء - يستميت فى إفهامه أن المسألة ليست مبررات مهنية بل مبررات سياسية.. فكلاهما متمسك بمبرراته ومصرّ عليها وفيما يلى جانب من حوارهما:

•الشيخ عمر للشيخ عبد العزيز عيسى: كل التحقيقات فى صالح المدرس المتهم بدءا من الطلاب ووصولا لشيخ المعهد ومدرسّه الأول .
•الشيخ عبد العزيز: لا أريد أن ارد عليك بما لايجب أن يقال فالتحقيقات التى جاءت فى صالح المدرس هى التى أوْجَبت نقله وهذا كلام رئيس الوزراء ممدوح سالم لى، وربما لو جاءت التحقيقات عكس ذلك لكان من المحتمل تركه بأسيوط.
•الشيخ عمر: إن نقله للمكتبة سوف يُفَرّغُه ويتيح له الحديث مع الطلاب فى أى موضوع يريده بينما فى التدريس فهو مقيد بموضوع الدرس وخروجه عنه سيكشفه ويمثل مخالفة فى حقه.
وكانت آخر محاولات شيخ المعهد للإبقاء على موظفه المتهم داخل معهده هى قوله لوكيل الوزارة - الذى صار وزيرا للأزهر بعد أقل من عام - " لقد أحيل أمين مكتبة معهد أسيوط إلى المعاش اليوم.. وأرجوكم نقل الأستاذ بشير مكانه ، وأعتقد أن هذا حقى كشيخ للمعهد باعتباره موظفا فى معهدى وخصوصا أن مكتبة معهد أسيوط زاخرة بالكتب ومتسعة ويرتادها كثير من الطلاب وطلاب الدراسات العليا الإسلامية وتحتاج لجهد كبير فى العمل والتنسيق .. بينما مكتبة معهد جرجا ليست سوى غرفة واحدة صغيرة محدودة الكتب ولاتحتاج لأى جهد- حسبما علمت من مدرسين سابقين بمعهد جرجا- وبها أمين مكتبة ومن ثم لن يكون له عمل هناك بينما أنتم مطالبون بتعيين أمين جديد لمكتبة معهدى."

وهكذا ظل الجدال محتدما طيلة ثلاثة عشر يوما ولعدة ساعات يوميا حتى قال وكيل الوزارة لشيخ المعهد " ياشيخ عمر.. ممدوح سالم الذى هو أيضا وزير للداخلية قال لى من ساعة أن تقارير مباحث أسيوط تفيد أن الموظف لم ( يُبْدى ) أية مقاومة للقرار حتى الآن بينما المعارضة تأتى من شيخ المعهد .. إعمل معروفا وخلصنا من هذا الموضوع ".

البرقية والحسم :

لقد كنت منذ علمى بالإشارة التليفونية التى وصلتْ لمعهد أسيوط بنقلى لجرجا أترددُ يوميا على المعهد أستمع لجدالات شيخه مع وكيل الوزارة واستمتعُ بها، وما كان يفوتنى منها كان الشيخ عمر يُعيده تفصيلا على مسامعى.
ولأنى كنت أعرف مسبقا [ أنى لن استمر فى أسيوط قلت للشيخ عمر " حخلّص لك الموضوع ده النهارده " ، فنظر لى باستغراب قائلا : كيف ..؟ قلت له : أعطنى ورقة بيضاء ؛ فأعطاها لى فثنيْتُها وقسمتها نصفين .. وبالقلم وبعيدا عن الجالسين جميعا كتبت برقية لرئيس المباحث العامة بأسيوط ، وقمت بنسخها فى النصف الثانى من الورقة واحتفظت بالورقتين فى جيبى.. ثم استأذنت الجميع قائلا : ثلث ساعة وأعود.

ذهبت لمكتب تلغراف المحطة ، وأخرجت بطاقة تحقيق الشخصية وأرفقتها بإحدى الورقتين (البرقية ) وطالبت موظف التلغراف المختص " بإرسال هذه البرقية " . تناولها الموظف وبدأ فى قراءتها ونظرلى بتفحُّص ودهشة وسألنى: أتريد إرسال هذه البرقية ..؟ فقلت له : نعم وبطاقتى معك.. أهناك شئ آخر تريده..؟ صمَتَ الرجل لحظات ..فلاحقته مستكملا بلهجة حازمة: أسَتُرْسلها أم لا..؟ أعاد الرجل النظر لى حيث كنت شديد الهدوء ورَدّ: سأرسلها. وقد أدرك الرجل أنى لست من أسيوط ولا من الصعيد وتوجّس من أن يكون هدوئى ولهجتى معه تُخْفيان شيئا .. فحرّر الإيصال وحصّل منى قيمته وقدمه لى فتناولته وشكرته.

عدت لشيخ المعهد وقلت له : هيا يا فضيلة الشيخ جهّزلى إخلاء الطرف واستمارة السفر . فرد علىّ : ماذا فعلت..؟ قلت له : كنت أرسل برقية . تساءل : لمن ..؟ فقلت : لهذا.. وناولته نسخة البرقية، وبدأ فى قراءتها ؛ امتقع وجهه ونظر لى مذهولا وقال: يانهار أسود أأرسلت هذا الكلام ..؟ قلت له: نعم . واستكملت: ومنذ وصلتْ الإشارة التليفونية وأنا مدرك أنى سأغادر أسيوط ولن أبقى فيها ، ولكنى ظللت منتظرا الثلاثة عشر يوما لكى تخوضَ تجربتك بنفسك وتتوصل فى النهاية ألّا فائدة تُرْجى من هؤلاء.

وتوضيحا لمبررات إرسالها قلت له: لقد أرسلتُ البرقية ليعرفوا أنى لا أخافهم ، ولأنى عندما أتلقى ضربتين منهم فى بحر أقل من عام لابد من رد جزء منهما لهم ؛ فأنا لا أنسحب من المعركة مستسلما . أنا أعرفهم جيدا يا فضيلة الشيخ ، وأنتم خَبِرْتمونى جيدا وعايشتمونى وقلتُم رأيكم فىّ فى تحقيقات رسمية وحكّمْتم ضمائركم.. لكن هؤلاء لا يحْتكمون لضمير وإنما لرغباتهم . أنا لست غاضبا من نقلى لأنها كلها بلاد مصرية..أنا فقط حزين لأنى سأفارق أناسا مثلَكم كانوا معى أكثر عدلا ممن يتَحكّمون فى بلدنا .

قرأ الشيخ عمر البرقية بصوت عال للموجودين وكانت كالتالى :

السيد العميد عبد المنعم عوض مفتش المباحث العامة بأسيوط

لم تتحمّلونى فى أسيوط خمسة أشهر .. فلماذا تحمّلْتم إسرائيل فى سيناء خمس سنوات..؟
أقترح عليكم إصدار قرار بنقل الإسرائيليين من سيناء إلى روديسيا ، والأوْفر لكم أن تنقلونى لوادى حلفا من الآن.

تحريرا فى 13/4/1972 بشير صقر
المعهد الدينى بأسيوط
،،،،،،،،

وإلى أن نلتقى بعد يومين فى الحلقة القادمة بعنوان " الرحيل إلى جرجا .. وحرب أكتوبر1973"





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رحلة إلى كمشيش .. من ذكريات الطفولة والشباب ( ج 4 /6 )
- العمل السياسى ودعم المقاومة الفلسطينية بالماى وشبين الكوم- م ...
- من ذكريات الطفولة والشباب – رحلة لقريتى.. الماى (ج 2/6)
- من ذكريات الطفولة والشباب – أحداث الطفولة ج 1/ 6
- رسالة إلى من يريد أن يتذكر التاريخ أو يعرفه ..من أهالى قرية ...
- انجازات جحافل الشرطة فى ارياف البحيرة تغطى اخفاقاتها على طري ...
- حوار مع ابنتى الصغيرة حول عبارة شهيد
- أحنا وهمّا والزمن طويل : مثال عملى لدور الشرطة لمنع الفلاحين ...
- هل باع الفلسطينيون أرضهم..؟!
- مدرسة الفوالق والجيولوجيا.. أم مدرسة الإنسان والتاريخ..؟ الط ...
- خلية فيكتوريا كوليدج بالإسكندرية .. والحمض النووى الاستخبارا ...
- حروب حقيقية فى مصر.. ضد فلاحي البحيرة وعمال طرة والمسيحيين
- ملحق جريمة قتل فلاحة الكمبانية بحيرة
- ضابط بشرطة البحيرة يقتل فلاحة بقرية الكومبانية مركز دمنهور
- مجزرة شرطية جديدة لفلاحى الإصلاح الزراعى فى عزبة حبيب بالبحي ...
- فى كوم إشّو .. يا تهِشّه.. يا تنِشّه .. لكن لا نفقد الأمل - ...
- أخطر هجوم إعلامى روسى على المكارثية الجديدة فى واشنطون ..تعق ...
- صواريخ توما هوك الأمريكية فى البحر!.. كيف سربت روسيا إسقاطه ...
- مَهْرَب كوميدى من غرامة محكمة سويسرا فى قضية الغاز
- داروين وميتشورين وصواب المسار العلمى والسياسى


المزيد.....




- آل زلفة لـRT ردا على ترامب: التعاون مع السعودية لا يعني الحم ...
- تركيا.. سجن 14 صحفيا من مجلة -جمهوريت- بتهم الإرهاب
- وزير الدفاع الأمريكي: لا حل عسكريا للنزاع في سوريا
- ماكرون: لن نترك الاتفاق النووي إلا ببديل
- تيتورينكو: حمد بن جاسم كشف لي عن دور قطر في إسقاط القذافي وض ...
- انقسام بين صفوف الناخبين الشيعة قبل الانتخابات العراقية
- واتساب يحدد السن الأدنى المطلوبة كشرط لاستخدامه في الاتحاد ا ...
- مصير الاتفاق النووي مع إيران!
- غول.. فرصة المعارضة التركية الوحيدة؟
- انقسام بين صفوف الناخبين الشيعة قبل الانتخابات العراقية


المزيد.....

- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- الديانة الزرادشتية ملاحظات واراء / د. اسامة عدنان يحيى
- من تحت الرمال كعبة البصرة ونشوء الإسلام / سيف جلال الدين الطائي
- فنومينولوجيا الحياة الدينية عند مارتن هيدجر / زهير الخويلدي
- رمزية الجنس في أساطير ديانات الخصب / محمد بن زكري
- نظام (نَاطِر كُرسِيَّا) - القسم الثالث والأخير / رياض السندي
- ثقافة القتل والقتل الجماعي في العراق / برهان البرزنجي
- سلسلة الافكار المحرمة / محمد مصري
- جلال الدين الرومي صائغ النفوس / إحسان الملائكة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - بشير صقر - رحلة الصعيد .. والحركة الطلابية بجامعة أسيوط .. من ذكريات الطفولة والشباب ( ج 5 / 6 )