أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود رشيد - في جدل الإستعمار والتخلف




في جدل الإستعمار والتخلف


محمود رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 5731 - 2017 / 12 / 18 - 10:18
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في كثير من الأحيان يثار التساؤل حول العلاقة الجدلية بين الإستعمار والتخلف أو إذا ما كنا متخلفين بسبب وقوع مجتمعاتنا تحت السيطرة الإستعمارية أم أن المجتمعات العربية متخلفة بصورة لا علاقة لها بالتأثير الإستعماري ؟
في البداية يمكننا الرجوع إلى بدايات عصر التنور الفرنسي وبدايات صياغة مصطلح الحضارة civilization المرتبط بمفهوم المواطنة وما يرتبط بهما من قدرة البنية الإجتماعية على إدماج الأفراد عبر القوانين والأخلاق من حيث كونهما منطق العلاقات الإجتماعية ومن الناحية المقابلة إعتبرت البربرية هي غياب أو ضعف قدرة البنية الإجتماعية على القيام بهذا الدور.
تأثر الفيلسوف الألماني جورج هيجل إلى حد كبير بمبادئ الثورة الفرنسية بصورة تفوق كل معاصريه من المثقفين الألمان وإنطلاقاً من تأثره بالمفهوم الفرنسي / الأوروبي للحضارة والبربرية فقد حكم هيجل إلى أن أفريقيا ليس لها إسهام تاريخي في هذا العالم فبالعودة لمقتطفات من " فلسفة التاريخ " سنجد تأثره الواضح بهذه المعايير وكذلك البدايات الغير دقيقة والغير موضوعية المعتمدة على الإثنوغرافيا الوصفية التي ستشكل فيما بعد علم الأنثروبولوجيا حيث نجده يستفيض في وصف مجتمعات آكلي لحوم البشر الزنوج حيث تجد الزنجي عند هيجل بحكم كونه غير مدركاً بعد لذاته إزاء الموضوع / الطبيعة - نجده عاجزاً إزاء القوى الطبيعية وعاجزاً عن أن يعقل مقولات موضوعية كـ " الله " و " القانون" والتي من خلالها يدرك الإنسان وجوده كنوع لا كفرد فقط .
ثم يبني هيجل بعد ذلك على هذا المبدأ المعياري لتعريف الحضارة تفسيره لإنطباعات خاطئة ومغلوطة عن المجتمعات الإفريقية فإن كان الزنجي غير مدركاً لذاته كنوع إنساني إزاء قوى الطبيعة ولم ينفصل عنها بعد ولم يدرك كنهها فإنه من البديهي من وجهة نظر هيجل ومن غير المستغرب أن تكون ممارسة أكل لحوم البشر أمراً شائعاً وغير مستغرباً وكذلك الطغيان المرتكز إلى القوة . ( بينت الأبحاث اللاحقة أن أكل لحوم البشر كان منحصراً في بعض مناطق وسط أفريقياً ومقتصراً على الشعائر المحدودة جداً )
من الجهة الأخرى سنجد أحد أهم الوجوه المرتبطة بتحليل مقولة " التخلف " وعلاقة التخلف بالوجود الإستعماري في المستعمرات السابقة هو والتر رودني الذي إجتهد في كتابه How Europe underdeveloped Africa ( كيف عمدت أوروبا لتأخير أفريقيا) لدفع تهمة التخلف عن المجتمعات الأفريقية وذلك بعرض تاريخ المجتمعات الأفريقية ما قبل الكولونيالية فذهب إلى نقد المفهوم الأوروبي لمعايير الحضارة والتخلف بحكم كونهما مفاهيم إستعمارية . لكن القارئ لكتابه يمكنه أن يأخذ عليه تجاهله لحقيقة أن أي مقارنة بين مجتمعين أيا كانا من حيث علاقة هذه الجماعات البشرية بالطبيعة وقدره هذه الجماعات على إعادة إنتاج أنماط معيشتها وتطوير أنماط جديدة ( وهو ما قم به والتر رودني نفسه ) فإن أي مقارنة ستقودنا لمفاضلة أي المجتمعين على الآخر مما يعني أن ما رفضه والتر رودني من النظرة الأورومركزية للتاريخ الإنساني لا ينفي إمكانية وجود معيار واحد للتقييم والحكم وعلى ذلك يجب الإنتباه بأن القول بعدم وجود معيار شامل لتققيم تقدم أو تأخر مجتمع ما سيعود بنا للنظرة الإستعمارية نفسها لتفسير التفاوت بأن " للشرق قلب وللغرب عقل " أو " بينما أن العلم الحديث هو البنية الثقافية للمجتمعات الغربية التي ينتج الإنسان الأوروبي وجوده من خلالها فإن الغيبيات أو السحر أو الخرافة هي البنى الثقافية لإعادة إنتاج ما سواها من المجتمعات " وهو من ناحية يخالف مبدأ شمولية العلم ومن ناحية أخرى يحكم بثبات مجتمع وديناميكية مجتمع آخر بشكل أبدي وهو ما إعتمده الغرب في الدراسة الأنثروبولوجية للمجتمعات " البدائية " بل وعلى صعيد السياسة الإستعمارية فقد أنتجت هذه الرؤية حقيقة أن الحكم الإستعماري لم يهتم بنشر التعليم الأوروبي كما يظن البعض حتى في حالة الإستعمار الفرنسي نفسه فلا خلاف أنه في كل دول العالم الثالث لم تحدث نهضة ملموسة في مجال التعليم إلا بعد الإستقلال .
وعلى ذلك فإن تخلف مجتمعاتنا العربية أو لنقل ضعف قدرتها على إستيعاب واقعها المادي بالمقارنة بالمجتمعات الأوروبية وكذلك ضعف القدرة على إنتاج أنماط معيشية جديدة هو ما أدى لتمكين الإستعمار من مجتمعاتنا . بالمثل فإن في أفريقياً مثلاً نجد أن وجود علاقات إجتماعية تسمح وتعتمد على الرق هو ما سمح للبرجوازية الأوروبية بإجراء عملية رسملة لتجارة العبيد في أفريقيا حيث أدمج الرق في إحتياجات السوق العالمي في اوروبا والعالم الجديد فأصبح تداول السلع البشرية على نطاق واسع Large Scale
سمة المجتمعات المتخلفة أنها تنظر إلى أي ظاهرة تجد نفسها إزاءها - سواء كانت هذه الظاهرة عاصفة رعدية أو بركان أو مرض أو سلطة إجتماعية أو الأسطول البرتغالي - كقوى لا يمكن تفسيرها وبالتالي لا يمكن تخطيها أو التغلب عليها وما قرأناه عن إجتياح مملكة الإنكا والأزتيك في المكسيك وبيرو يعطينا مثال واضح لهذه الذهنية وليست هذه الحالات فقط فعند الليبراليين العرب مثلاً وأولهم رفاعة الطهطاوي الذي إنتقل من التعليم الديني الغيبي راساً إلى فرنسا ليتأثر بالتفوق الفرنسي كقوة متفوقة لا يمكن سوى محاكاته وبأفضل الأحوال سيتم تشبيه تفوقها هذا بالصورة المثالية لتفوق المسلمين الأوائل حضارياً وأخلاقياً فإما صورة يوتوبية للماضي أو صورة يوتوبية للآخر في ذهن الشيخ " بالتالي لم يمنع إنبهار الشيخ بفرنسا من أن يشتري جاريتين شركسيتين بعد عودته من فرنسا "
بالمثل سنجد من تبعه من الليبراليين العرب على هذا المنوال ينظرون للمركز في الشمال كما ينظر البدائي للعاصفة الرعدية والبركان والإله العائد في صورة رجل أبيض حيث لا يمكن سوى الإعجاب Admiration والشعور بالرهبة Awe وتقديس كل مظاهر التفوق الأوروبي بما يشبه الفيتشية Fetishism فسيادة المخيلة العاجزة عن إستيعاب أي ظاهرة تقف إزاءها هي سمة البدائية وهي عاجزة عن دراسة تاريخ هذه الظاهرة مما ساعد لتمكين الإستعمار بالأساس حيث وجد السيد الأوروبي نفسه إزاء خادم لا يملك وعياً بالذاته بل وعياً مشروطاً يربط بقاءه ومصلحته بخدمة السيد .
من أقرب الأمثلة لعلاقة غياب العقلية النقدية المرتبطة أساساً بإدراك الذات والقادرة على إستيعاب اي ظاهرة إزاءها سواء كانت واقع إجتماعي محلي أم تقسيم عمل دولي هي عقلية الليبرالي العربي العاجز عن إنتاج مقولاته الخاصة بل يقتات على التفسيرات الثقافوية الأوروبية التي ذكرناها سابقاً بأن المجتمعات العربية مجتمعات غيبية تؤمن بالخرافة بشكل يستعصي على التجاوز .
منذ مدة ليست بالبعيدة مثلأ أطل علينا يوسف زيدان برؤية هي ليست رؤيته في الواقع بل هي كانت رؤية الرجعية المصرية - بُعيد جلبها للغزو البريطاني - للثورة العرابية , و إنطلق جمهور زيدان من أطفال الليبراليين الجدد لترديد ما أتى به دون الرجوع لصفحة واحدة مما كُتب عن الثورة العرابية سواء لمؤلفين مصريين أو حتى غير مصريين فالسؤال هنا هل من الممكن أن ينجح الإستعمار من إستنعاج هذه الجموع إلا في فقد هذه الجموع لعقلية نقدية منطلقة من إدراك الذات ؟ هل من الممكن نشر هكذا دعاية وإلحاق هكذا هزيمة نفسية إلا في حضور ثقافة الإقتباس والإقتيات على أفكار سطحية ؟ الإجابة واضحة ..
وأحدث الوقائع المثيرة للضحك أن تجد من يسخر من إيمان مجتمعه بالغيبيات وهيمنة التدين ويدعي إيمانه بالـ " عقل " ولكنه يردد الرؤية التوراتية للتاريخ لتاكيد عبرانية القدس وأن اليهود الحاليين هم أحفاد العبرانيين وما يحدث حالياً ليس سوى عودتهم من المنفى في حين أن الفروع العلمية المعنية تجاوزت ذلك وعلى يد أنثروبولوجيين ومؤرخين ذوي منشأ يهودي أنفسهم كرفاييل باتاي وشلومو صاند حيث قُتلت هذه المسألة بحثاً ونفياً ودحضاً .
فمن غير الممكن ترسيخ السيطرة الإستعمارية ونجاحها في إستنعاج الوعي الجمعي بهذا الشكل إلا لوجود أزمة في قدرة الوعي الجمعي على إدراك هويته بإزاء الواقع الموضوعي عوضاً عن الإنبهار بمجتمعات أخرى " ليس غريباً هذا الإنبهار الذي قد يكون مبالغاً فيه بصور يوتوبية عن الدول الإسكندنافية وحتى إسرائيل "
ما نحاول إثباته هنا هو جدلية العلاقة بين التخلف والإستعمار من ناحية ففي حين سيمكن التخلف من السيطرة الإستعمارية في البداية فإن كلاً من الإستعمار والتخلف سيعيد كلاً منهما إنتاج الآخر بصورة جدلية ذلك بأن العلاقة بينهما إنتقلت من السببية البسيطة للإرتباط العضوي لذلك قد نختلف مع الخطاب الدفاعي الذي يحاول في سياق نقده للنظرة الأورومركزية للتاريخ أن ينفي وجود هذا الرابط العضوي بين التخلف والإستعمار وأنه بمجرد خروج القواعد أو السفارات من بلادنا فإن كل أزمات الوعي الجمعي ستنحل من تلقاء ذاتها وهذا ما لم يحدث ببساطة في فترة التحرر الوطني ففي حين قطعت مجتمعاتنا شوطاً على صعيد التطور فإن عوامل النكوص الفكري قفزت للواجهة بسرعة مع أول تعثر للتحرر الوطني .
ليس ترفاً فكرياً إذن محاولة تشخيص الأزمات التي يعاني منها الوعي العربي من سيادة الوعي الإقتياتي الذاتي المغرق في الغيبية والعاجز عن إدارك هويته على الصعيد الجمعي كعضو في جماعة وطنية وربما على الصعيد الفردي كعضو في النوع الإنساني عليه الإلتزام بالمنطق الإجتماعي " الأخلاق - القانون " وهذا ما حاولنا إثباته كما حاولنا إثبات أنه يمكن الرجوع لمعايير شاملة لقياس تقدم وتطور مجتمع من المجتمعات





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,203,937







- تنبّأ «البيان الشيوعي» بأزمتنا الحاليّة ودلَنا على طريق الخل ... / يانيس فاروفاكيس
- نقد لرؤى انتهازية معاصرة عن الدولة / الحزب الشيوعي اليوناني
- كيف تنبأ تروتسكي ببلقنة أوروبا .بقلم .نيكولا بونال / بشير السباعي
- ماركس ودستويفسكي / بشير السباعي
- حول نظرية الحزب في الماركسية اللينينية / برهان القاسمي
- حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب / سمير أمين
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر   / عصام الخفاجي
- متابعات عالمية و عربية - نظرة شيوعية ثوريّة (2)- (2017 - 201 ... / شادي الشماوي
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011 / علي الرجّال
- كوبا وخلافة فيديل كاسترو / أندريس أوبينهيمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود رشيد - في جدل الإستعمار والتخلف