أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 59














المزيد.....

سيرة أخرى 59


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5728 - 2017 / 12 / 15 - 01:12
المحور: الادب والفن
    


1
البحرة، مرتبطة ذكرياتها في طفولتي بمنزل أحد أبناء أعمامي، وكان أيضاً زوجَ كبرى خالاتي. كوني أعرف جميع منازل الزقاق، أستطيع القول بأنه لم يكن هناك مثيل لتلك البحرة. ابن العم ( وهوَ يكبر والدي ببضعة أعوام )، كان على تناقض كبير في سلوكه. إذ كان مَرحاً صاحبَ مزاج، وفي ذات الوقت، عصبياً سيءَ الخلق. على الرغم من هذه الخصلة السلبية، إلا أنه كان لطيفاً وطيباً مع خالتنا. وكانت هيَ من ناحيتها حنونة، تحمينا من سورات غضب رجلها آنَ مرافقتنا للأهل إلى منزلهم.
السهرات الصيفية، خصوصاً أيام الجمعة، أعتدنا خلالها على التحلق حول تلك البحرة الصغيرة، الدائرية الشكل. شقيقي الكبير، وكان الولد الأثير عند خالتي وزوجها سواءً بسواء، دأبَ على جمعنا ثمة لكي يروي على أسماعنا حكاياته الممتعة. كان يفعل ذلك في ساعة معينة، بين بداية نشرة الأخبار ونهاية برنامج الندوة السياسية. إذ كان العم في تلك الفترة يسكت جهاز التلفزيون، كي يتفرغ لدبجانة العرق. كان هذا طقسه الدائم، إن كان بوجود الضيوف أو خلافه. لاحقاً، تمكن بطريقته الخاصة من سحب قناة التلفزيون اللبناني. هكذا صرنا نستمتع بسهرة جميلة أيام السبت أيضاً. عندما يحل الشتاء، كانت حجرة نوم ابن عمنا مكاناً كئيباً للسهرة. أما البحرة، فإنها كانت عندئذٍ مكاناً لزجاجات العرق الفارغة!

2
أبواب بيوتنا القديمة، كانت توحي أحياناً بعقلية أصحابها أكثر من وضعهم المعيشي. فمثلاً، كنتُ ألاحظ أن ذوي العقلية المنفتحة كانوا أول المقبلين على بدعة الأبواب الحديدية. على عكس ذلك، كان أولئك المحافظون ممن تمسكوا بأبواب بيوتهم القديمة، الخشبية أو المغطاة بصفيح معدنيّ رقيق تتخلله مسامير الزينة. هذا النوع الأخير، كان غالباً مزدوجاً؛ باب كبير مخصص للدواب وفي داخله باب أصغر حجماً للبشر.
الباب المزدوج، وإن كان شكله جميلاً بهندسته وزخرفته، إلا أنه محرومٌ من ميزة مهمة ألا وهيَ العتبة والدرج. إذ بوجودهما، كان صعباً على زمن الأسلاف مرور دواب المنزل خِلَل الباب. مع ذلك، كان قد بقيَ أثرٌ من زمن أسلافنا. فإنّ جارنا العجوز، وإلى وفاته قبل نحو ثلاثة عقود، كان يحوي بمنزله زريبة للدواب. امرأته، كان لديها جلسة يومية مع جارتها. كلتاهما أعتادت على الجلوس على عتبة منزلها، يفصل بينها وبين الأخرى بضعة أمتار. هذه الجلسة الحميمة، كانت تتفق مع موعد تناول القهوة عصراً ويشارك فيها نسوة من الزقاق. أحد أقارب والدتي، وكان عجوزاً ذا نفسٍ خضراء، أعتاد على الإنضمام إلى تلك الصحبة النسائية. لم يكن قريبنا يأبه لنظرات الرجال الشزرة، ولا بدمدماتهم المُستنكرة منظره الشاذ. من ناحيتنا، نحن الأطفال، كنا نعكّر كل مرة مزاج الخال برميةٍ من الكرة وسط صحبته الأثيرة!

3
الدهليز، هوَ من أساسيات عمارة البيوت الدمشقية القديمة. يجب أن يكون الدهليز ممراً طويلاً، مسقوفاً وضيقاً، يصل بين باب الدار وأرض الديار. كذلك عليه ألا يكون مفتوحاً على غرف المنزل، اللهم إلا بنهايته. لا يمكن إطلاق تسمية " الدهليز " على الممر المنزلي، المفتوح على الفضاء، فإنه يُعرف عندئذٍ ب " الدخلة ". سقف الدهليز، غالباً ما يكون أرضية الغرف العلوية ( السلاملك )؛ وأتحدث هنا عن بيوت دمشق القديمة. أما بيوت الأحياء خارج السور ( كما في ركن الدين / الأكراد )، فإن سقف الدهليز في كل منها نادراً ما يكون على تلك القاعدة.
منزلنا، كان متفرداً عن باقي بيوت الزقاق بوجود دهليزٍ ضيّق ومسقوف، مثلما أنه غير مفتوح على أية حجرة. ثلاثون خطوة، تنقل المرء من باب الدار إلى درجاتٍ ثلاث عريضة تؤدي لأرض الديار. نصف سقف الدهليز مشغول بالخشب، والنصف الآخر اسمنتيّ. ظهيرة الصيف، هيَ الوقت المثاليّ للإستلقاء هناك على الأرضية الباردة، المفروشة ببساط أو حصيرة. غالباً ما كنتُ أشارك جدّتي مكانها الأثير في الدهليز، تشملنا الرطوبة العذبة. ولكن في طفولتنا، كان الدهليز ليلاً مكاناً للخوف والرهبة. آنذاك، أعتدتُ النومَ بقرب شقيقي الكبير على سطح حجرة الحديقة الواطئ. حكاياته قبل النوم كانت مسلية، وفي المقابل، ذاخرة بالأشباح والأطياف. كنتُ إذاك أتخيل بأن هذه الكائنات الغامضة ستنبثق لا محالة من عتمة دهليزنا، فأشيح بوجهي إلى الأعلى حيث النجوم المتألقة والقمر الباسم الثغر. إلا أنني أحاذر من عدّ النجوم، لكي لا أفيق صباحاً ويداي مليئتان بالثآليل!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,189,930
- سيرة أخرى 58
- سيرة أخرى 57
- شادية وأدب نجيب محفوظ
- الكردي كمال جنبلاط
- القاعة رقم 1000
- سيرة أخرى 56
- المقهى
- سيرَة أُخرى 55
- العربة
- سيرة أخرى 54
- المبنى المهجور
- سيرة أخرى 53
- سيرة أخرى 52
- سيرة أخرى 51
- الأغراب
- الإشارة الحمراء
- أردوغان ولعنة الكرد
- سيرة أخرى 50
- مسؤولية الرئيس بارزاني
- تركيا؛ دولة غاصبة


المزيد.....




- وزارة الثقافة والحضور المرتبك / حسين ياسين
- واشنطن بوست تكشف عن تسجيل سيدفع البيت الأبيض لرفض الرواية ال ...
- تناقض الاعتراف السعودي.. الرواية التركية لمقتل خاشقجي
- احذر.. مشاهدة هذا الفيلم قد تفقدك الوعي أو تجعلك تتقيأ
- -Ghost the Musical- Zorlu PSM-de sahnelendi
- القصبي يعترف: الأزمة هزتنا.. والمغردون: جبان وغبي
- الرواية السعودية لمقتل خاشقجي.. قصة لا يصدقها إلا ترامب
- ميركل: لا نقبل الرواية السعودية لمقتل خاشقجي
- ميركل لا تقبل الرواية السعودية حول مقتل خاشقجي
- العدالة والتنمية يضع أطروحاته السياسية وتحالفات تحت المجهر


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 59