أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسين علوان حسين - المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (5-5)















المزيد.....

المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (5-5)


حسين علوان حسين
الحوار المتمدن-العدد: 5728 - 2017 / 12 / 15 - 01:10
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الجزء الخامس من الترجمة
المميزات الأساسية للبنيوية
الموضوعية
يبيِّن ليفي-ستراوس على نحو جلي بأن الموقف الموضوعي و الخالي من اصدار الاحكام و من التدخل لعالم الأنثروبولوجيا لا يمكن و لا يجب أن يُرحَّل بالاعتماد على [ مميزات ] المجتمع [الذي ولد و ترعرع فيه] هذا العالِم نفسه . كما يجب تقييم عادات ساكن الغابة موضوعياً بالطريقة التي تجعل من أفعاله و من تصوره الخاص عن العالم أموراً مفهومةً ؛ و ليس على أساس كونها جيدة و لا سيئة و لا صحيحة أو خاطئة . و لكن هذا لا يستدعي بالضرورة القبول بوجهة نظر رجل الغابة عن بُنى مجتمعه باعتبار أنها تمثل كل الحقيقة و أنما تؤخذ وجهة نظره تلك – مهما كانت – على أساس أنها تمثل واحدة من عديد الحقائق [التي تنتظر الاكتشاف] فقط .
أما عند العودة إلى فرنسا ، فستطبق هناك قواعد مختلفة ؛ حيث نجد أن الأطروحة الحادية عشرة [ لماركس : أطاريح فيورباخ ] حية و بصحة جيدة (22).
و على غرار ذلك ، فإن عالم النفس البنيوي لا يهتم أبداً بحقيقة كون الضوء الذي يَذْكُره عضو المجموعة البحثية هو أحمر اللون أم أخضر ؛ فإذا قال أنه أخضر ، فإن تلك هي الحقيقة ، و هذا هو كل شيء . كما أن عالم الاقتصاد البنيوي غير معني بتطابق النموذج الاقتصادي [المعتمد في البحث] مع "الواقع" ، إنه يهتم فقط باستيفاء ذلك النموذج للمقدرة الاستشرافية قدر تعلقها بالأجزاء المؤلفة له .
الإلغاء للمعنى
هناك فرق بين الاعتراف بعدم وجود تطابق متبادل بين الدال و الملول من ناحية ، و بين البناء على هذا المبدأ بغية تقديم أي تفسير عقلاني ضمن إطار السياق الحضاري البيني [للمجتمعات] من ناحية أخرى . صحيح أن كل حضارة تقولب العالم وفق أبنية متباينة للمعنى ؛ و لكن لمّا كان العالم بأجمعه يصار إلى استيعابه بموجب مثل هذا النظام من المعطيات اللغوية ، لذا ، فإن من اليسير جداً لهذا الطريق أن يؤدي بنا إلى الوضع الذي يتم بموجبه اختزال العلاقة بين ذلك المجتمع و العالم إلى تلك العلاقة القائمة بين ذلك المجتمع مع نفسه فقط ، أي إلى نظام مغلق للمعطيات . صحيح أن من شأن هذا أن يجعل نظرة هذا المجتمع أو ذاك إلى العالم مفهومة ، و لكنه يحيل دون إدراكها على نحو مُستغرَق بالضرورة .
التجريد
يفنِّد ليفي – ستراوس التهمة القائلة بكون الهدف الوحيد من البنيوية إنما هو التطبيق الرياضي و ذلك باللجوء إلى قَصْر تعريف الرياضيات على التقييس ، أي على العدد و الحجم . و بالطبع فإن الرياضيات قد تجاوزت منذ وقت بعيد مثل هذا التحديد ؛ و عليه فإن البنيوية هي أقرب إلى التطابق مع مفهوم "الترييض" (mathematisation) للموضوع المعني . فإذا ما فهمنا الرياضيات حسب تعريف هيجل على أنها "علم الكمية" ، عندها نستطيع القول بدرجة من الدقة بأن البنيوية إنما هي دراسة "الكمية" ، و هي "الصفة [التي يوضح هيجل أنها] كائنة خارج [جوهر] الوجود ، و لا تؤثر فيه ألبته" .
التجريد
إذا ما استمرت الأمور على وضعها الحالي ، فإن البنيوية هي طريقة دقيقة في جعل الأشياء مفهومة ، و هي خطوة كبيرة للأمام في الابتعاد عن العلوم الأوربية الدوغماتية و المعيارية و المتحاملة - عندما يكون المطلوب هو إبداء التفهم الموضوعي للحضارات الأخرى . كما يمكن اعتبار بعض أنماط عجزها عن الاشتغال أمراً مفهوماً بطبيعة الحال .
غير أن كل حضارة حية ستواجِه على نحو ثابت ما لا تعترف بوجوده ؛ و ما لم تكن تعرفه سابقاً ؛ و ما هو كائن "خارجها" يمكن أن يصبح معروفاً عندها ، و ما من سبب يدعونا للافتراض بأن التحويلات البنيوية جراء التغير الحاصل في الأوضاع ستكون متماثلة (homologous) (23). الحياة هي شيء مادي ، و البشر ليسوا أفكاراً تجريدية .
صحيح إن الفكر يجب أن يلجأ إلى التجريد . و لكي نتقدم خطوة للأمام في الفرع المنفصل من العلم فإن من الضروري أن نمتلك المقاربة التي تتيح لنا أن نضع جانباً المادة غير الجوهرية لكي نشتغل لبعض الوقت على الأقل على ما يمكن اعتباره جوهرياً .
كنت قد بينت سابقاً بأن ليفي-ستراوس قد اصطنع معنى لكلمة "ديالكتيكي" لكي يتطابق مع مفهومه الخاص عن التغيِّر . و هذا شيء يؤسف له إذ يبدو لي أن مفاهيم التغير و التطور هي بالضبط النقص الذي تعاني منه الطريقة البنيوية (أنظر مفهوم "الجوهر" في كتاب "المنطق" ، خصوصاً ملاحظات هيجل عما هو "جوهري" و "لا جوهري") (24). و على الرغم من عبارات التبرؤ من ذلك النمط من التفكير الذي باد منذ زمن بعيد ، فإن بنيوية ليفي – ستراوس هي ميكانيكية المنحى بقدر ميكانيكية علماء الاقتصاد الكلي .
لقد أنجز البنيويون تفصيلياً تلك الرؤية للعالَم كماكنة عملاقة أو كبنية على وفق وجهة النظر التي تُنسب تقليدياً إلى إسحق نيوتن . إن قيم وجهة النظر هذه ليست هي القيم المعيارية لوجهة النظر الكلاسيكية ، بل هي تلك القيم التي تم تجريدها بواسطة طرق بحث "خالية القيمة" عن المعطيات المُدركة .

الهوامش :
(22)
إشارة للأطروحة الحادية عشرة لماركس عن فيورباخ و التي تعتبر إحدى أهم مقولاته و تحدد هدف الفلسفة الماركسية :
"لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق متنوعة ؛ النقطة المهمة هي تغييره ."
(23)
معلوم أن القانون الاقتصادي للعلاقة بين السعر و البضاعة يقضي بأن البضاعة من نفس النوع تباع بنفس السعر وسطياً في السوق . التطبيق الرياضي الأعمى لهذ القانون لا يأخذ بعين الاعتبار تأثير اختلاف المزاج الشعبي على أسعار البضاعة من نفس النوع . مثال : يُفضل السويديون شراء سيارات "فولفو" الأغلى سعراً على شراء السيارات المستوردة ذات المواصفات الأعلى منها . و مثل ذلك ، فإن العراقيين يفضلون شراء الليمون الحامض المحلي بسعر يتراوح 4000-7000 دينار للكيلوغرام الواحد على شراء المستورد منه بسعر يتراوح بين 1500-2000 دينار !
(24)
واحدة من أخص خصائص المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية هي الاختزال للكينونات المدروسة عبر تقسيم مكوناتها تحكمياً إلى ما هو "جوهري" و يستحق الدراسة ، و ما هو "غير جوهري" و يستحق الترك أو التأجيل . معلوم أن المجتمع بتعريف ماركس هو مجموع كل أنواع العلاقات القائمة بين أفراده . و أهم هذه العلاقات على الاطلاق هي علاقات الانتاج لكونها هي التي تتحكم بإنتاج البشر لمستلزمات استمرار الحياة ، كما تتحكم بجوهر الإنسان : تحقيق الذات من خلال العمل و الابداع . فكيف يجوز إلغاء دراسة هذه العلاقة الجوهرية عبر قصر البحث عمداً – مثلما يفعل ليفي - ستراوس – على دراسة علاقات القرابة القائمة في المجتمعات البدائية بغابات البرازيل بمعزل عن دراسة كل العلاقات الاجتماعية الأخرى بضمنها علاقات الانتاج القائمة و علاقات السلطة و علاقات الملكية التي يتوقف عليها مصير هذه المجتمعات و يحدد مستقبلها و قد يهدد وجودها كلياً حيث يمكن أن تجد نفسها فجأة بلا غابة تعتاش عليها بفعل التجريف المتواصل لمناطق سكناها جراء النهب الرأسمالي لأخشابها الحمراء الثمينة و تحويل أراضيها الشاسعة إلى مناجم أو حقول تنقيب أو مزارع... إلخ .
و عليه فإن إحالة الكاتب إلى هيجل مهمة جداً هنا لكون هيجل يوضح منطقياً و بجلاء بأن معرفة الكينونة – واقع المجتمع الفلاني ، مثلاً – لا تتحقق مطلقاً إلا عن طريق التعمق في دواخله لمعرفة حقيقة مكونات جوهره . ففي تفصيله لصيرورة معرفتنا لجوهر الأشياء يوضح هيجل تسلسل الكيفية التي ندرك بها الكينونة حولنا أولاً ، و من ثم الدخول فيها و اكتشاف قوانين حركتها بغية الكشف عن التناقضات الكائنة داخلها لان الأوجه التي تبدو لنا عرضية للشيء – أي : ما هو غير جوهري – تجبرنا على الغوص إلى الجوهر أعمق فأعمق . هذه المعرفة يسميها هيجل "المعرفة بالواسطة" لان أصل المفاهيم التي نستخدمها لإدراك الكينونة نفسها كائن في الكينونة بالذات . لذا نستطيع – مثلاً – تمييز الشخص الانتهازي لأننا سبق و أن عرفنا هذا النوع من البشر . أذن الجوهر هو الحركة للكينونة نفسها و ليس شيئاً خارجياً أو أجنبياً عليها ؛ و ما يظهر لنا أنه غير جوهري إنما هو جوهري لأنه كائن داخل مجال الجوهري و ليس خارجه ، و لا يجوز تجنيبه عن البحث إذا كنا حريصين على معرفة حقيقة الأشياء بكليتها . في مؤلفه " علم المنطق" ، المجلد الأول : المنطق الموضوعي ،الكتاب الثاني : مبدأ الجوهر ، يقول هيجل :
"حقيقة الكينونة هي الجوهر .
الكينونة هي فورية . و لما كانت المعرفة هدفها إنما هو معرفة الحقيقة ، أي معرفة ماهية الكينونة في ذاتها و لِذاتها ، لذا فإن هذه المعرفة لا تتوقف عند ما هو فوري و تحديداته ، بل تتغلغل فيه على افتراض أنه يوجد شيء آخر خلف هذه الكينونة ، شيء آخر غير الكينونة نفسها ، و أن هذه الخلفية تؤلف حقيقة الكينونة . هذه المعرفة هي من نمط المعرفة التي تتحقق بالواسطة لكونها لا تعرف فوراً مع الجوهر و به ، بل أنها تبدأ من شيء آخر ، من الكينونة ، و ينبغي لها أن تسير بطريق تمهيدي هو الطريق المؤدي إلى ما هو أبعد من الكينونة أو بالأحرى إلى التغلغل فيها . فقط عند معرفة الدواخل ، التي تتذكر نفسها من خلال الكينونة الفورية ، يتحقق من خلال هذه الواسطة العثور على الجوهر .
عندما يجري تصوير هذه الحركة على أنها الطريق المؤدي للمعرفة ، فإن هذا الابتداء بالكينونة ، و التطور الذي يرفعه ، وصولاً إلى الجوهر كنتيجة بالواسطة ، كله يظهر كفعالية معرفيه كائنة خارج الكينونة ، و لا صلة له بطبيعة الكينونة نفسها . إلا أن هذا الطريق هو حركة الكينونة نفسها . لقد رأينا أن الكينونة تتداخل في نفسها من خلال طبيعتها بالذات فتصبح جوهراً من خلال هذا الحركة إلى داخل نفسها . "
" غير الجوهري (§SL114)
هذه الهوية [غير الجوهري] عندما تنحدر عن الكينونة تظهر لنا أولاً كمجرد تهمة بالمميزات الخاصة بالكينونة ، و يشار إليها كشيء خارجي عن الكينونة . هذه الكينونة الخارجية عندما تؤخذ منفصلة عن الكينونة الحقيقية (للجوهر) تسمى "غير الجوهري" . و لكن ذلك يولِّد الخطأ . هذا لأن الجوهر هو الكينونة-في-ذاتها ، فهو لا يكون جوهرياً إلا بالدرجة التي يمتلك في ذاته نفيه ، أي : الإشارة إلى الآخر ، أو إلى الوساطة . لذا ، فإن الجوهر يتملك غير الجوهري داخل نطاقه بالذات ظاهراً كانعكاس بذاته . "

إنتهت .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,936,421,073
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (4-5)
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (3-5)
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (2-5)
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (1- 2)
- قصيدة من دفتر قديم للشاعر : عمار حسين علوان (عمار العراقي) ع ...
- جرائم آل سعود تخجل منها النازية
- انحناءة إجلال للبلاشفة في مئوية ثورة اكتوبر / 2-5
- أرزاق الله
- ماركس : تدوير رأس المال و الخدمات (5-5)
- ماركس : تدوير رأس المال و الخدمات (4-5)
- ماركس : تدوير رأس المال و الخدمات (3-5)
- ماركس : تدوير رأس المال و الخدمات (2-5)
- ماركس : تدوير رأس المال و الخدمات (1-5)
- هل سيشعل ترَمْب حرباً نووية ؟ 3-3
- هل سيشعل ترَمْب حرباً نووية ؟ 2-3
- هل سيشعل ترمب حرباً نووية ؟ 1-3
- انحناءة إجلال للبلاشفة في مئوية ثورة اكتوبر
- ترسمل المتمركس : عصام الخفاجي أنموذجاً /10-20
- ترسمل المتمركس : عصام الخفاجي أنموذجاً / 9-20
- دودو و فتيقه


المزيد.....




- (بالفيديو).. زعيم حزب العمال البريطاني: سنعترف بدولة فلسطين ...
- بلاغ صحفي حول اجتماع المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ...
- الصين تندد بهجوم ترامب على الاشتراكية والشيوعية
- آل الشيخ ودعاوى الأمن القومي
- آل الشيخ ودعاوى الأمن القومي
- مؤتمر حزب العمال البريطاني في ليفربول يصوت بالأغلبية على قرا ...
- وقفة لا بد منها.. أوسلو سلبياته
- موسم الهجرة إلى الشمال
- زعيم حزب العمال الإسكتلندي: سنعارض إجراء تصويت جديد على الاس ...
- تجدد الاحتجاجات في البصرة على سوء الخدمات


المزيد.....

- الفقر العالمي: جريمة الرأسمالية ضد الإنسانية / جوش هولرويد
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني
- البُنى التحتيّة، المجتمعات، التاريخ / موريس غودلييه
- دفاتر -قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات- الجزء الأول ... / الشرارة
- الوضع الدولي في ظل العولمة الراهنة / غازي الصوراني
- كفى دجلا على الشعب / حمه الهمامي
- الديناميات المعاصرة للإمبريالية في الشرق الأوسط – تحليل أوَّ ... / آن أليكساندر
- حول أساليب الانتاج قبل الرأسمالية - والحتمية التاريخية للأزم ... / خليل اندراوس
- سحرُ الماركسيّة في القرن الواحد والعشرين / أسعد أبو خليل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسين علوان حسين - المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (5-5)