أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - فلاح علوان - السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في العراق والموقف العمالي 2/3















المزيد.....


السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في العراق والموقف العمالي 2/3


فلاح علوان

الحوار المتمدن-العدد: 5727 - 2017 / 12 / 14 - 15:31
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


ورقة مقدمة الى المؤتمر العمالي – بغداد 29-30 نوفمبر- تشرين الثاني 2017

ثانياً: الخلفية العالمية الاقتصادية – سياسة صندوق النقد
جاء في الفقرة 28 ص 26 من تقرير الخبراء حول مشاورات المادة الرابعة في 30 أبريل- نيسان 2013 ما يلي:
"فبدءا من عام 2003 وعلى المدى المتوسط، سوف يلزم الاستمرار في ترشيد الانفاق الجاري، بما في ذلك التوظيف العام، ودعم الطاقة ونظام التوزيع العام، والتحويلات المقدمة للمؤسسات المملوكة للدولة، بغية توفير الحيز المالي اللازم لتمويل الاستثمار ومراكمة الهوامش الوقائية المالية."
الكلام واضح جدا، تقليص الانفاق الحكومي على الالتزامات تجاه حاجات المجتمع، وتوجيهه الى جيوب "المستثمرين". فلنتفحص الفقرة؛
اولا: فيما يخص المستثمرين.
ثانيا: فيما يخص خدعة السياسة الاقتصادية والاصلاح الاقتصادي، كونها ترجمة لشروط صندوق النقد.
ثالثا: الكارثة الاجتماعية التي تنجم عن تحويل تخصيصات الخدمات العامة والتعليم والصحة والالتزامات الحكومية الناجمة عن المسؤولية الاجتماعية للدولة، الى تسهيلات للـ "مستثمرين".
يقول التقرير، تأمين الحيز المالي للستثمرين. ولكن ما معنى ان يأتي مستثمر بدون رأس مال؟ واذا لم يكن رأسماليا اصلا، فكيف يمكن تسليمه سوق الانتاج والتداول دون ان يكون صاحب رساميل وصناعة وخبرة اصلا؟
ومن هو هذا المستثمر الذي لا يملك المال، وينتظر ان تقوم الدولة بتقشف في جميع مناحي الحياة، لتؤمن له رأس المال اللازم لتحويله الى مستثمر؟ اذا كان مستثمرا محليا، فان الخبرة تدلنا على ان رأس المال الصناعي المحلي تاريخيا، هو محدود القدرات اصلا، ولولا اعتماده على سياسة الدولة التي زادت الانفاق الداخلي اواسط السبعينات، وحولت العوائد النفطية الى دعم للرأسماليين المحليين كما اسلفنا، فان هذا القطاع لم يكن له ان يلعب اي دور.
كما ان الميادين التي توجه اليها لا تدخل في باب التنمية اطلاقا، ولا تشكل تراكما لتوسيع الرأسمال، ان تجارب تحويل الاستثمارات الى الخارج مع اول فرصة هي عديدة، وبالتالي فان ازدياد الثقل الاقتصادي لهذه الفئة ينطوي على خطورة بالغة. فبعد تسليم ثروة المجتمع وارصدته المالية لحفنة من الطفيليين وحرمان البنى الاقتصادية المحلية من التراكم، سيصبح مصير ثروة المجتمع مجهولا ومهددا.
ان الموجة الاولى من الخصخصة والتعديل الهيكلي التي اطلقها النظام السابق تحت شعار ترشيق اجهزة الدولة، قد جرت عام 1987، وقد جرى خلالها بيع العديد من المنشآت الحكومية الفعالة والرابحة الى القطاع الخاص، وقد نجم عن العملية ما يلي:
انهيار صناعة التعليب في كربلاء واختفاء المصانع، انهيار معامل الخياطة الحكومية واختفاء وتلاشي المعامل، اختفاء وتلاشي معمل انابيب الدراجات الهوائية ومعامل الالبسة الجاهزة في المحمودية.
مما يبرهن الصفة التاريخية لتخلف القطاع الخاص وعدم التزامه، وهي خصيصة وسمة راسخة ولا يمكن تخطيها بالاجراءات، الامر الذي يعكس مدى خطورة تسليم القطاع الخاص مصير الاقتصاد، وجعل جهاز الدولة حام له، اي مصير معيشة المجتمع في العراق. وحتى اذا افترضنا ان المستثمر المبتدئ سيكون ناجحاً من اول محاولة، رغم ان هذا صعب جدا، فأن قدرته التنافسية وبقاعدة تكنولوجية متأخرة عن المراكز الصناعية القائدة في السوق العالمية، لا تمكنه بحال، ان يصمد أمام غزو الانتاج الواسع الرخيص وخاصة الصيني وكذلك الهندي بدرجة ما. حيث ان اقتصاديات عملاقة مثل امريكا واوربا الغربية تعاني من هيمنة الانتاج الصيني على اسواق السلع الاستهلاكية. غير ان مصدر قوة الاقتصاد الامريكي والاوربي هو احتكار صناعات ستراتيجية كصناعة الاسلحة الثقيلة والفضاء واسواق المال ووسائل الاتصال ذات التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما لا يتيسر للمستمر المبتدئ العراقي.
اما اذا كان المستثمر اجنبي، فسنكون امام خدعة كبرى، اي ان الشركات العالمية ستأتي للاستحواذ على ثروة تم تجميعها بالضغط على النفقات والتقشف وحرمان الملايين من الصحة والتعليم والخدمات وخلق الاغتراب الشديد عن مسؤولية المجتمع والدولة ازاء الفرد، وخلق فئة ملايين تحت خط الفقر، لمجرد تأمين رساميل لمستثمرين ليس لدينا اي فكرة عن اي مشروع او مخطط لديهم.
ان حكومة العراق، المنفذ والشريك لكل ما يرد في تقارير وتوصيات المؤسسات المالية، مطالبة بالاجابة عن الغرض من تحويل ثروة المجتمع الى تراكم رأسمالي بيد فئة يطلق عليها اسم مستثمرين، دون ان يكون هناك اي دليل اقتصادي على انهم فئة فعلية أو حقيقية تصنف تحت هذا العنوان. وبالنسبة للاوساط النقابية والعمالية فانها مطالبة بتسليط الضوء على هذه المسألة ومطالبة الحكومة بالاجابة على سؤال: " لماذا لم يباشر هؤلاء المستثمرون أي نوع من المشاريع؟ ولماذا يجري خلق صورة ذهنية عن فئة مستثمرين دون ان نلاحظ ولا حتى مشروع واحد يجري الاستشهاد به وبنتائجه؟ هل ينتظر هؤلاء المستثمرون على خط الشروع لينطلقوا سوية في سباق!!؟ وهل بدأت مشاريع ناجحة فعليا؟
اذا كان الجواب هو بعض المشاريع الجديدة الموازية لما كان قائم، نقول ان ايقاف المشاريع الحكومية المنتجة والمربحة، ومباشرة مشاريع بديلة ليس دليلا على نجاح اي مشروع، بل دليل على تفتيت وضياع ثروة المجتمع، مثل معمل سكر الاتحاد مقارنة بمعامل السكر السابقة في ميسان والسليمانية والموصل، او انتاج زيت الطعام في بابل وميسان، مقابل تعطيل معامل الزيوت في بغداد وميسان وبيجي. ان هذا في المقياس العام يعتبر خسارة اجتماعية واقتصادية.
ثانيا: ان الفقرة الثانية تشير الى تقليص الانفاق العام والتركيز على توجهات بعينها، هي نفس ما ورد في شروط صندوق النقد في الاتفاق الذي ابرم عام 2004وهي تقليص الانفاق على التوظيف العام، دعم الطاقة، نظام توزيع البطاقة التموينية، رواتب وتخصيصات شركات القطاع الحكومي. ان هذه المواد بعينها هي ما جرى اعتمادها كأسس للسياسة الاقتصادية الجديدة وجرى التنظير لها على انها تنمية او تطوير للاقتصاد، مع ما يترتب على اجرائها من القيام بتعديلات في النظام الضريبي ووظيفة البنك المركزي والمالية العامة والسياسة النقدية.
نحن اذن لسنا أمام أي سياسة اقتصادية، بل أمام تبرير لشروط المؤسسات المالية، صندوق النقد والبنك الدولي، ووضعها في قالب النظرية، وليس هذا فحسب بل تصويرها على انها منجز سينقذ الاقتصاد ويطوره، وهنا يبدأ استخدام الاقتصاد كوسيلة للخداع وليس كعلم للتحليل والاستنتاج.
الكارثة الاجتماعية التي ستنجم عن التقشف وتحويل الثروة الى المبتدئين
ان خفض الانفاق الحكومي، وتوجيهه وجهة غير محسوبة النتائج وغير قابلة للبرهان على نجاحها، ليست مجرد مقامرة بحياة الملايين قابلة للربح او الخسارة، بل ان جميع الدلائل والخبرات العالمية للتجارب المماثلة تدل على فشل هذه السياسة ونتائجها الكارثية، والمصير المظلم الذي ستتسبب به. وسنأتي على تفاصيل الاثر الاجتماعي للسياسة الاقتصادية الجديدة في القسم الرابع من هذه الورقة.


ثالثاً: ذرائعية اصحاب المشروع:
يطرح اصحاب المشروع قضية الحرب ضد الارهاب كاحدى اهم عوائق عدم انجاز السياسة الاقتصادية والاصلاح الاقتصادي.
ان الدول التي تخوض حروبا طويلة، غالبا، تطور خلال الحرب ماكنتها الصناعية سواء الحربية او الصناعات المتممة. ويصبح الطلب على الايدي العاملة اكبر بسبب انشغال قسم واسع من الشباب في المهام القتالية، وخلال الحرب العالمية الثانية قامت دول متأخرة صناعيا مثل روسيا او الاتحاد السوفيتي، بتطوير أسلحة ثقيلة استطاع ان يوازن بها ماكنة الحرب الألمانية ويتفوق عليها. كما ان الدول المتحاربة قد طورت اسلحة أخرى سواء أسلحة تقليدية أو طيران متقدم أو صواريخ أو نظم اتصالات متطورة، المهم ان ضرورات الحرب طورت أسس الصناعات الثقيلة في العديد من تلك البلدان.
وحتى في العراق خلال الحرب الطويلة بين العراق وايران، فان انتاج الاعتدة وبعض الاسلحة كان يجري محليا. اليوم نلاحظ ان العراق وبعد حرب طويلة مع القاعدة ثم مع داعش، لم يباشر حتى بتشغيل مصانع الاعتدة الخفيفة، التي كانت تنتج انتاجا يغطي قسما واسعا من متطلبات الحرب ويوفر العملات العالمية. ان جانبا كبيرا جدا من الانفاق العسكري كان بالامكان تغطيته من الانتاج المحلي، وعليه فان التذرع بتكاليف الحرب على الارهاب هو موضوع قابل للنقاش وليس حجة نهائية تبرر اختفاء المليارات، ويجب في الوقت نفسه كشف ودراسة كون ادامة الحرب هي جزء من سياسة عالمية، تستهدف استنزاف ثروات المجتمع وفتح اسواق السلاح، وهي سياسة لا يمكن فرض تأثيرها مباشرة على العراق بدون مقاومة، ولكن وجود مستفيدين من الحرب وشركاء في تجارة الحروب، هو ما يدعم سياسة الحروب والنزاعات.
وحيث ان الانفاق العسكري، في العراق وفي غيره من الدول، لا يمكن متابعته وتدقيقه بالارقام لاسباب عسكرية وامنية، فان الباحثين والاقتصاديين الذين يتذرعون بالحرب لن يجدوا سندا علميا لكلامهم، وكان الاجدر بهم ان يطالبوا بتشغيل المصانع التي تؤمن الذخيرة والاعتدة ومستلزمات الدفاع، للحيلولة دون فقدان الارصدة المالية عن طريق الاستيراد.

الفساد
يلوح الاقتصاديون الممثلون لتوجهات الحكومة بالفساد كعائق أمام تنفيذ سياسات حكومية ناجحة. وان القطاع الخاص كفيل بمواجهة الفساد.
هذا الكلام يتردد منذ اكثر من عقد، فاذا كانت الحكومة عاجزة عن الوقوف بوجه الفساد، فانها ستكون عاجزة عن بناء أو تنفيذ سياسة فعالة بوجه الفساد، وسيبقى الكتاب يستخدمون صفة الفساد كذريعة وتبريرلسياسات الحكومة.
اما اذا كان عدد كبير من المسؤولين الحكوميين متورط بالفساد، وان الفساد مستشر في العديد من الاجهزة، فأن الحكومة غير مؤهلة لاصدار تشريعات أو بناء سياسات بوجه الفساد، لان ما يعرف بالفساد اصبح الية ونظام للاستحواذ على المال العام، والهيمنة على الادارات وصنع القرار، وهنا لن تكون المسألة تتعلق بمجموعة مخالفين فاسدين تواجههم الحكومة.
ان الفساد، أي الاستيلاء والسيطرة على المال العام أو المصالح العامة وتوجيهها نحو منتفعين وبطرق خارج القانون وخارج الاصول، هو عملية عالمية وغير مقتصرة على العراق. ولكن هذا لايعني تبرئة المسؤولين الحكوميين والاجهزة الحكومية في العراق. ان كل العالم الرأسمالي يشهد وجود فساد مستشر في العديد من المؤسسات وان بدرجات متفاوتة.
ان الفساد المالي ليس مجرد مخالفات مسؤولين واحتيال ودناءة، انه جزء من عملية ادخال الفوائض المالية في دورة الانتاج الرأسمالي، عن طريق ضخ هذه الاموال في المصارف والبنوك العالمية وتحويلها الى رأسمال عن طريق الاقراض. ان تقوية مواقع المسؤولين الذين يستولون على المال العام ويدخلونه في دورة الانتاج الرأسمالي، هي جزء من وسائل ادامة وتقوية الحكومة بدعم من الاحتكارات العالمية الممثلة بالحكومات الرأسمالية اصحاب القرار السياسي.
ان مواجهة الفساد تتطلب متابعة قضائية ورقابة وليس تكييف الاقتصاد ليتلائم مع وجود الفساد. وان الرقابة تتطلب وجود جهاز بيد من لهم مصلحة مغايرة لتكديس الثروة والحصول على الامتيازات، اي فئة يتعارض وجودها مع الامتيازات وتكديس الثروة، جهاز يتابع عمل المسؤولين من القاعدة. وحيث انه ليس ثمة وسيلة من هذا النوع، اي وسيلة بيد المنتسبين سواء الموظفين او العمال للمراقبة، منذ تم منع النقابات في القطاع العام، فان المسؤول مستفرد بالادارة والقرار والسياسة العامة للمنشأة.
كانت احدى وظائف النقابات في القطاع العام، على نواقصها وضعفها، المشاركة والمتابعة والرقابة، وفي هذا وحده يمكن مراقبة او الحد من الفساد. سيكون بأمكان العمال الذين يهدد الفساد منشآتهم ان يواجهوا المفسدين ويقدمونهم الى القضاء، اما انفراد المسؤولين بالمنشآت فانه سيتيح لهم حرية فعل كل ما يدخل في مصلحتهم الخاصة.
ان الحكومات المتعاقبة منذ 2003 تصر على منع التنظيم في القطاع العام، وهذا بحد ذاته اكبر سلاح بيد الفساد، تجريد المتضررين من الفساد والعبث، اي الموظفين، من أي سند وقوة بأيديهم للوقوف بوجه الفساد، سوى اعتراضات متفرقة هنا وهناك، وهذه الاعتراضات ليست لها قدرة على جمع الادلة والوثائق والمسآئلة.
ان استمرار منع النقابات هو تقوية للفساد وهو شكل من أشد أشكال الفساد في هرم السلطة عندما تمنع التدخل من القاعدة لممارسة الرقابة، كما ان منع النقابات هو جزء من متطلبات فرض السياسة النيوليبرالية، التي تجرد العمال من كل اسلحة الحماية والدفاع عن النفس بوجه اصحاب القرار.
ان أصحاب القرار يستتبعون مصالح رأس المال ممثلا بالمؤسسات المالية العالمية صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي WB اي السياسة النيوليبرالية في اشد أشكالها تطرفا وعداءا للعمال، وهي لا تستطيع ان تكون طليقة اليد في سياستها الا بتجريد العمال من كل أسلحة المواجهة مع هذه السياسة.
اذن فمنع التنظيم هو جزء من متطلبات تنفيذ هذه السياسة الاقتصادية الجديدة، مثلما كان منع التنظيم جزء من متطلبات السيطرة والاستبداد في ايام النظام السابق. ان السياسة الجديدة التي يطلق عليها سياسة الاصلاح الاقتصادي، تسعى الى تقوية الادارات واستشراء الفساد والاستيلاء على الثروة العامة، ثم تصفية الممتلكات العامة، كخطوة من خطوات سياسة الهيكلة التي تسعى وتعمل الحكومة على تنفيذها بدأب وبلا انقطاع.
ان انهارا من دماء ابناء الكادحين والفقراء خصوصا قد سفكت، ومدنا بكاملها دمرت، ورموزا تمثل تراثا بشريا يمتد عمره لنحو 5 الاف سنة قد تم تحطيمها. ومع كل هذه المآسي، وبينما ابناء العمال والكادحين في االقوات المسلحة يقاتلون في حرب طويلة ضد الارهاب، لم تنس السلطة في العراق للحظة واحدة خدمة مصالح رأس المال باعتبارها جزءا وشريكا للبنك الدولي وصندوق النقد. وانتهجت سياسة لم تسفر، خلال عقد ونصف الا عن مديونية هائلة وخراب البنى الاساسية ووقف الصناعات وانتشار الفقر والبطالة والجريمة بمقاييس خطيرة.
ان مطالبة العمال بتشكيل نقاباتهم هو جزء من النضال بوجه الفساد، الفساد كآلية من آليات النهب وسلب المال العام، وهو مطلب اصلاحي ولكن سياسة الحكومة المعادية علنا للتنظيم لن تبق الامور في اطار المطالب الاصلاحية، لانها لا تستجيب لاي مطلب أصلاحي وترفض التعامل مع العمال أو ممثليهم.
مع استمرار سياسة الحكومة بغلق الابواب أمام مشاركة المجتمع في السياسة، واستمرار قمع التنظيم العمالي مقابل فتح الباب امام الاستثمار والخصخصة، ستصل المواجهة مع السلطة الى مديات ابعد، لانها ستتعلق بالمعيشة والتهديد بفقدان الوظائف وخطر التجويع. ان دفع الامور بأتجاه الصدام بين المجتمع والحكومة هو نتيجة لسياسة الحكومة، وهي المسؤول عن اي تدهور وتفاقم للاوضاع الاجتماعية، ولن يبقى امام العمال والمجتمع سوى المواجهة والمبادرة الثورية لانقاذ المجتمع من خراب وانهيار وشيك.
ان الفساد ليس سلوكا شاذا من مسؤول او مجموعة مسؤولين، وانه سيختفي بمعاقبتهم من اللجان المختصة، الفساد له اساس موضوعي في بنية النظام الرأسمالي، داخلية وخارجية، داخلية في ضعف الاجهزة والمؤسسات واضعافها المقصود وهيمنة المافيات والعصابات المليشية والعشائرية. وعالميا: باعتبار الفساد يؤمن تدفقات مالية هائلة الى المصارف واسواق المال العالمية عن طريق الاستيلاء عليه وايداعه في المصارف العالمية، لذا فهناك تسهيل عالمي للفساد وتقوية لمواقع المسؤولين الحكوميين الذين يؤمنون السيولة النقدية للاسواق العالمية وينفذون سياسة المؤسسات المالية.


رابعاً: الاثار الاجتماعية للسياسة الاقتصادية على المجتمع
ان الخبرة العالمية بخصوص نتائج التعديل الهيكلي وآثاره الاجتماعية تمتد لسنوات وتشمل عدة بلدان، انتهجت سياسة التعديل الهيكلي. وبالرغم من ان جميع نتائج التعديل الهيكلي هي التسبب في اضرار وكوارث اجتماعية وتفكك البنى الانتاجية وتدهور الحياة عموما، كما حصل في امريكا اللاتينية، افريقيا ووسط وشرق اوربا واسيا كذلك. الا ان الحكومة العراقية مندفعة بهذا الاتجاه، بل يقوم المسؤولون المختصون والاقتصاديون الموالون لهذه السياسة بالتنظير للتعديل الهيكلي وتصويره على انه اكتشاف ومفتاح حل قام به الاقتصاديون الحكوميون.
"في افريقيا ادى التعديل الهيكلي واتباع وصفات صندوق النقد والبنك الدولي الى استنزاف ثروات المجتمعات وتحويل عشرات البلدان الى كيانات مدينة مفككة تسودها الصراعات والفقر وانتشار الجريمة. تدفع أفريقيا اقتصادياً واجتماعياً ثمناً باهضاً في مواجهة ما تقرضه سياسات الليبرالية الجديدة وعقائدها وذلك بسبب تفاعل أو تآزر العوامل المتعلقة بارتفاع معدلات الفائدة والانخفاض الكبير في دخول هذه الدول بسبب انخفاض أسعار أغلب منتجات الدول الأفريقية . ( ف . اوتاروف . بوليه ، ص 53 ) تبدو إفريقيا في اسفل الهرم العالمي على مستوى جميع المؤشرات تقريبا : إفريقيا بها أعلى نسبة من الفقراء عالميا ؛ بها اكبر عدد من الدول الأقل دخلا في العالم ؛ اقل الاقتصاديات نموا هي بإفريقيا. اقل معدلات الحياة بإفريقيا كما ان اكثر النظم السياسية والدول هشاشة هي الإفريقية . ( p.23 (b) Mazrui, )
يؤثر الفقر على حياة 60% من سكان القارة جنوب الصحراء و26% منهم بشمالها. وتقدر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إن هناك ما لا يقل عن 16 مليون إفريقي لا يجدون الغذاء الكافي". (6)
ورغم غنى افريقيا بالثروات الهائلة الا انها بقيت مناطق توريد خامات ومحاصيل حقلية، واستيراد البضائع المصنعة واقتراض المال، والامر مشابه الى حد بعيد في امريكا اللاتينية.
وبالنسبة للبرازيل التي طورت نموذج تطور رأسمالي وبكلف اجتماعية باهضة جدا، فقد ابتدأت بالاصلاح السياسي ثم الشروع بالانطلاق الرأسمالي، اي بالضبط عكس ما تقوم به الحكومة العراقية، التي لا تواجه الفساد من جهة، وتقوم باغراق البلاد بالديون من جهة اخرى، ثم تعرض الامر على انه اصلاح اقتصادي.
ان الحزمة الاساسية من اجراءات ما يعرف بالاصلاح الاقتصادي هي سياسة انكماشية، عناصرها الاساسية خفض الانفاق الحكومي، تقليص العمالة في القطاع العام، خفض الدعم على السلع الاساسية، رفع اسعار المحروقات. ان هذه السياسة قادت الى توقف الاف المشاريع الصغيرة التي كانت تعتمد على الطاقة الرخيصة، مما تسبب في بطالة واسعة.
________
(6) : د. يوسف محمد الصواني إفريقيا و العولمة : الآثار ، التحديات والاستجابة ورقة قدمت إلى المؤتمر السنوي الأول لبرنامج الدراسات المصرية الإفريقية حول " إفريقيا والعولمة " كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة 12-14 فبراير
ان النتيجة الحتمية وحسب ما خبرناه في تجارب العديد من البلدان للسياسة الانكماشية والتقشف وانتشار البطالة، هي انتشار الفقر والامية والجريمة وتراجع نسبة الدارسين، وتراجع مستوى الصحة وانخفاض متوسط الاعمار، وهو ما حصل في العراق بصورة ملحوظة وسريعة. (7)
ان تراجع مستوى المعيشة في العائلة بسبب البطالة والفقر والتقشف، قد القى باعباء هائلة وباهضة على المرأة التي تعمل كـ " ربة بيت" اي مكلفة باعباء تدبير المعيشة والتربية في المنزل. واذا ما عرفنا بان اغلبية النساء في الاوساط الشعبية الفقيرة هن من ربات البيوت، فستكون النتيجة هي ازدياد العبء الحياتي والثقافي على ملايين النساء، وهي نتيجة لا تدخل في الحسابات الاقتصادية والجداول التي تتناول الكلف الاجتماعية للتعديل الهيكلي. كما ان مستوى الاعداد النفسي والمعرفي للاطفال يتراجع بصورة خطيرة، ويتحول ابناء الكادحين والمفقرين، الى باعة صغار والى عمال اطفال يعملون بأدنى الاجور وأسوا الظروف.
ويجري تكريس الوهم بأن مسؤولية الدولة هي فقط توجيهية للانشطة الاقتصادية الخاصة، ويصبح اغتراب الفرد أزاء المجتمع راسخاً اكثر. ويجري تغييب مسؤولية المجتمع ازاء الفرد، وهنا لايستطيع سوى الافراد المالكون، السيطرة على ظروف الحياة وتأمين مستوى معاشي وثقافي لهم ولأسرهم.
_______
(7) يراجع بهذا الصدد د. كاظم المقدادي . إنخفاض متوسط أعمار العراقيين.. الأسباب والعوامل المؤثرة https://al-nnas.com/ARTICLE/KMukdadi/26za4.htm
وتصبح التنافسية البرجوازية وسيلة لتقوية فردانية وملكية اصحاب الثروة، في حين يصبح الافراد المحرومون من الملكية عرضة للضياع والفقر والجهل والاغتراب.
ان تجربة مصر في التعديل الهيكلي وتنفيذ شروط صندوق النقد، قد ادت الى تراجع قيمة العملة المصرية، اي سعر صرف الجنية المصري امام الدولار ثلاثة اضعاف، وبعد ان 1 -$- امريكي = 6 جنيه مصري لغاية عام 2011 اصبح الان 1-$- = 18 جنيه مصري، اي ان العمال خسروا ثلثي اجورهم الحقيقة، وان مدخراتهم قد تآكلت لصالح تخفيض كلفة العمل للرأسماليين وتسهيل الاستثمار الرأسمالي وتشجيع التصدير.
ان خصخصة الخدمات العامة في العراق مثل الاتصالات تكلف المجتمع المليارات من الدولارات لقاء خدمات محدودة وغالية جدا، تعد الاغلى في المنطقة والعالم، مع وقف متعمد للاتصالات الحكومية، مما يعني هدر وضياع المليارت التي تتوجه الى الشركات الخاصة.
خصخصة التعليم، عن طريق تقليل الانفاق الحكومي على التعليم وفتح المدارس الخاصة، تؤدي الى اضافة اعباء هائلة على كاهل الأسر الفقيرة مما يؤدي الى حرمان ابناء العمال والكادحين من التعليم الاساسي والثانوي.
خصخصة الكهرباء عن طريق افساد وتدمير مبرمج للمنظومة الحكومية، والاتجاه الى المولدات الصغيرة، كلف المواطنين خلال السنوات الماضية منذ 2003 لحد الان وحسب تقديرات مؤسسات مراقبة، نحو 50 مليار دولار أهدرت لتأمين كهرباء محدودة وذات تلوث عال جدا وهدر كميات هائلة من الوقود في عمليات التجهيز المصحوبة بالفساد.
وبحسب تقرير الحكومة العراقية لصندوق النقد الدولي IMF
والذي تكشف فيه الانفاق العام على الميادين الاقتصادية، فأن مشتريات الكهرباء لعام 2016 من دول الجوار قد بلغت 944 مليون دولار امريكي(8) ، اي حوالي المليار دولار، وهو مبلغ يكفي لأنشاء اكثر من محطة توليد تؤمن الطاقة الكهربائية، وتؤمن توفير فرص عمل للعديد من العمال. وهذا مؤشر خطير على مدى الفساد الحكومي، وخصوع المسؤولين العراقيين للابتزاز لغرض الاستمرار في مناصبهم، او الشراكة مع المؤسسات والشركات العالمية، لتأمين ارباح على حساب افقار فئات واسعة جدا من الشعب.

الصحة العامة،
ان تقليل الانفاق الحكومي على قطاع الصحة أدى الى انتشار الاوبئة والامراض وتدني مستوى الاعمار في العراق، خاصة وان البلاد تعاني من تلوث بيئي اشعاعي خطير بفعل استخدام امريكا للمواد المشعة في حروبها ضد العراق.
_________
(8) Iraq: Letter of Intent, Memorandum of Economic and Financial
Policies, and Technical Memorandum of Understanding. December 15, 2016.
يتبع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,068,055
- السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في العراق والموقف العمالي 1 ...
- بصدد الكادحين، الى الاخ عبد الحسين سلمان
- الى العزيز فؤاد النمري مع التحية
- في الرد على التصورات التصفوية واللاعلمية -2-
- في الرد على التيار التصفوي ثانية
- بصدد الاستفتاء، في الرد على ريبوار احمد
- ملاحظات حول - مبادئ واساليب القيادة الشيوعية- لمنصور حكمت.
- التجمع العام والنقابية في العراق
- لقد هزمنا في قطاع -الصناعة- هزيمة فعلية
- التظاهرات الحالية في العراق مقدمة لمسار سياسي جديد -4-
- حول مقالات بعض الرفاق !!
- التظاهرات الحالية في العراق مقدمة لمسار سياسي جديد -3-
- التظاهرات الحالية في العراق مقدمة لمسار سياسي اجتماعي جديد - ...
- التظاهرات الحالية في العراق مقدمة لمسار سياسي جديد
- ردا على مشروع الاصلاح الاقتصادي والخصخصة في العراق -2-
- حول مقابلة كورش مدرسي وشعار ضمان البطالة
- اين مركز الازمة في العراق؟
- المواجهة القادمة بين العمال والحكومة، تطور نوعي في الصراع
- الطائفية نتاج للصراع السياسي وليس العكس
- طائرات إسرائيل ومدافعها تطحن بيوت الفلسطينيين على ساكنيها


المزيد.....




- بيان المكتب النقابي لعاملات و عمال الخدمات الأرضية بمطار محم ...
- اللجنة النقابية لشركة  مصر للحرير الصناعي والبوليستر:ضد محاو ...
- إضراب معلمي الأردن في أسبوعه الثالث
- اللجنة النقابية لشركة  مصر ادفو للب وورق الكتابة والطباعة:ضد ...
- اللجنة النقابية لشركة المالية والصناعية بكفر الزيات:ضد محاول ...
- اللجنة النقابية لشركة ابو قير للأسمدة:ضد محاولات قوى سياسية ...
- اللجنة النقابية لشركة  سيد للأدوية:ضد محاولات قوى سياسية موا ...
- اللجنة النقابية للشركة  المصرية للصناعات الدوائية إيبيكو:ضد ...
- اللجنة النقابية لشركة يونيفارتس فارما:ضد محاولات قوى سياسية ...
- اللجنة النقابية لشركة  الدلتا للاسمنت والصناعات الكيماوية “س ...


المزيد.....

- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية / فلاديمير لينين
- كتاب خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية / تاج السر عثمان
- من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية:مؤتمر العمال الع ... / جهاد عقل
- كارل ماركس والنّقابات(1) تأليف دافيد ريازانوف(2) / ابراهيم العثماني
- الحركة العمالية المصرية في التسعينات / هالة شكرالله
- في الذكرى الستين للثورة... الحركة العمالية عشية ثورة 14 تموز ... / كاظم الموسوي
- السلامه والصحة المهنية ودورها في التنمية البشرية والحد من ال ... / سلامه ابو زعيتر
- العمل الهش في العراق / فلاح علوان
- هل يمكن الحديث عن نقابات يسارية، وأخرى يمينية، وأخرى لا يمين ... / محمد الحنفي
- هل يمكن الحديث عن نقابات يسارية، وأخرى يمينية، وأخرى لا يمين ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - فلاح علوان - السياسة الاقتصادية النيوليبرالية في العراق والموقف العمالي 2/3