أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - كيفين مورفي - من الحلول الوسط إلى السلطة.. 100 عام على ثورة أكتوبر















المزيد.....



من الحلول الوسط إلى السلطة.. 100 عام على ثورة أكتوبر


كيفين مورفي
الحوار المتمدن-العدد: 5726 - 2017 / 12 / 13 - 23:54
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    



ترجمة: عايدة سيق الدولة

خلال عام 1917، تحول سوفييت بتروجراد من كيان على استعداد للتفاوض مع رأس المال إلى كيان على استعداد للثورة.

في خلال بضعة أيام فقط، أطاحت ثورة فبراير بالقيصرية الروسية. وبعد الثورة، وقف سوفييت بتروجراد، المكون من مندوبي العمال والجنود المنتخبين جنبا إلى جنب مع الحكومة المؤقتة غير المنتخبة. وما كان دوره ليكون أكثر أهمية طوال عام 1917 مما كان عليه في ذلك الوقت.

أسس العمال المناضلون أول سوفييت خلال الإضراب العام الشامل عام 1905. ثم أصبحت الفكرة متأصلة في الحركة الثورية إلى حد أنه في اليوم الثاني من انتفاضة عام 1917، بدأت بعض المصانع بانتخاب ممثلين لها تحسبا لتأسيس سوفيتات جديدة.

ولكن عندما اجتمعت مجموعة المناشفة يوم 27 فبراير، وعد الاشتراكي المعتدل “الكسندر “كيرنسكى” بأن السوفييت سوف يعمل على “الحفاظ على النظام”. وعلى عكس نموذج 1905 – حيث كان السوفييت بمثابة أداة نضالية – انتخب سوفييت بتروجراد للجنته التنفيذية، حصرا تقريبا، عددا من المثقفين لم يشاركوا بنشاط في الثورة.

بحلول نهاية مارس، كان 2000 مندوب يمثلون المائة وخمسين ألف جندي في بتروجراد، في حين كان 800 مندوب فقط يمثلون 400 ألف من العمال الصناعيين. وعلى الرغم من الدور المحوري الذي لعبته النساء العاملات في صناعة النسيج في فبراير، كان الذكور يمثلون الأغلبية الساحقة من عضوية السوفيتات، حيث لم يكن هناك سوى بضع عشرات من المندوبات. وفي ضوء انعدام النظام وصخب اجتماعات الجمعيات العمومية كانت اللجنة التنفيذية هي فعليا من يتخذ القرارات الهامة.

كانت أهداف هذه اللجنة أقل طموحا من العمال والجنود. وبدلا من تولي السلطة، ضغطت على الفور على حلفائها الليبراليين المترددين لتشكيل الحكومة. واعتقد المناشفة أن “الحكومة التي سوف تحل محل القيصرية يجب أن تكون برجوازية حصرا”، كما كتب “نيكولاي سوخانوف.”

وبعد أن سلمت السوفييت السلطة إلى الحكومة المؤقتة في 2 مارس، أوضحت صحيفتها “إزفستيا” أن المجلس سوف يضغط على الحكومة الجديدة لصالح “الديموقراطية” دون أن يضغط عليها بشدة ويثير ثورة مضادة.

ومع ذلك، لم تحقق اللجنة التنفيذية حتى هذا الهدف المتواضع. وبغية استرضاء الحكومة المؤقتة، تنازل قادة السوفيتات عن كل قضية رئيسية. وأجلوا مسألة الأرض إلى أن يتم انتخاب الجمعية التأسيسية، الأمر الذي تأجل مرارا وتكرارا. بل والأغرب أنهم وافقوا على استمرار الملكية – على الرغم من أن “مايكل” شقيق “نيكولاس” هو من اتخذ هذا القرار لهم.

وحول قضية الحرب المثيرة للجدل، أصدر السوفيتات بيانا سلميا في 14 مايو، وصفت “البرافدا” جريدة البلاشفة بأنه “حل وسط واعي بين الميول المختلفة الممثلة في السوفيتات”. وكان توافق الآراء الناتج عن ذلك على درجة من الغموض حتى أن “بافل “ميليوكوف” وزير الخارجية المؤيد للحرب تبناه، كما فعل “جوزيف ستالين” و”ليف كامينيف” عن البلاشفة.

في الواقع، من الصعب تمييز الموقف البلشفي في تلك الأيام الأولى عن موقف المناشفة والاشتراكيين الثوريين. وتكشف محاضر اجتماعات اللجنة التنفيذية أن قادة الفصائل ظلوا صامتين بشأن معظم المسائل المبدئية، مؤكدين تقييم تروتسكي:

“أنه لا يوجد في تقاريرها ولا صحافتها أي اقتراح أو إعلان أو احتجاج عبر فيه ستالين عن وجهة نظر بلشفية معارضة لتخاذل المناشفة والاشتراكيين الثوريين.”

لقد كان الموقف البلشفي في ظل “ستالين” و”كامينيف” على درجة من السوء، حتى أنهم سوف يضغطون على “ألكسندر شليابنيكوف”، بعد ذلك بسنوات، من أجل مراجعة مذكراته.

خلال تلك الأسابيع القليلة الأولى، كان أهم إجراء اتخذه السوفيتات هو إصدار الأمر رقم 1، الذي اضطر الجنود الراديكاليين إلى الضغط على قادتهم لتمريره. وقد مكن هذا المرسوم الشهير المجندين من انتخاب لجانهم، ورفض الأوامر التي تتعارض مع قرارات السوفيتات. وأصبح الأمر رقم 1 عائقا هائلا أمام أهداف الحكومة المؤقتة للحرب.

سرعان ما اعترف لينين بعدم استقرار نظام ازدواج السلطة هذا. لقد كانت مصالح الحكومة المؤقتة والسوفيتات متعارضة بدرجة فشلت معها الدبلوماسية أو المساومات. وإذ اقترب لينين من تروتسكي وبعض المتطرفين بين بلاشفة “فيبورج”، دعا لينين في “موضوعات أبريل“ إلى تقويض المجهود الحربي من خلال الإخاء على الجبهة، ونقل سلطة الدولة إلى السوفيتات، ووضع كل “الإنتاج الاجتماعي وتوزيع المنتجات” تحت سيطرة مجالس العمال.

في الأربع والعشرين ساعة التي أعقبت عودته في 3 أبريل، تحدث لينين في العديد من التجمعات في الشوارع، حيث قدم منظوره الجديد الراديكالي لأكثر من ألف ناشط بلشفي. وهاجم “حرب القراصنة الرأسماليين”، ونسف مفاوضات “كامينيف” و”ستالين” من أجل الوحدة مع المناشفة، واستثار غضب المعارضين في كل الفصائل السياسية.

صرحت صحيفة المناشفة بأن برنامجه الجديد يمثل “خطرا محققا” على الثورة في حين قارنت الصحافة الصفراء الأكثر هستيرية بينه وبين “أسطورة المسيح الدجال”. وسرعان ما شكا رئيس الوزراء “لفوف” من أنه بدلا من “الدعم المؤكد” الذي وعدت به السوفيتات، أصبح ولاءها “مشكوكا فيه”. وفي الوقت نفسه، في “نيفسكي بروسبكت” اشتبك عمال وجنود يحملون لافتات كتب عليها “يسقط الوزراء الرأسماليون!” مع ليبراليين يحملون لافتات كتب عليها “يسقط لينين!

الحرب وأزمة أبريل
سوف يدفع دور روسيا في الحرب العالمية الأولى هذه التوترات المتصاعدة إلى درجة الغليان. أعلنت الحكومة المؤقتة، بضغط من المنشفي “إيراكلي تسيريتيلي” في 27 مارس أن أهدافها في الحرب كانت أهدافا دفاعية فقط. ومع ذلك، وبعد أقل من شهر أصدر “ميليوكوف”، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الدستوري الليبرالي (كاديت)، مذكرة إلى الحلفاء تنصل فيها عمليا من الإعلان السابق.

وقال ان روسيا يمكن أن “تدفع الحرب العالمية إلى انتصار حاسم”، بما في ذلك السيطرة على القسطنطينية والدردنيل. وعوضا عن إضعاف أهداف الإمبراطورية من الحرب، اعتقد أن الثورة عززت “الرغبة العالمية في استمرار الحرب حتى الانتصار الحاسم” وأن “الضمانات والجزاءات” – أي الضم والتعويض – سوف تمنع المزيد من الصراعات.

أدى تفسير “ميليوكوف” الصريح للأهداف العدوانية للإمبريالية الروسية والحلفاء إلى تحطيم السلام الهش بين السوفيتات والحكومة المؤقتة، حيث اجتمعت اللجنة التنفيذية حتى وقت متأخر من الليل لكنها فشلت في التوصل إلى أي اتفاق.

عندما نُشرت مذكرة “ميليوكوف” في جرائد الصباح يوم 20 أبريل، قام رقيب من كتيبة فنلندا بتعبئة مظاهرة مناهضة للحرب. وسرعان ما انضمت كتائب أخرى وبحارة بحر البلطيق إلى الاحتجاج، حتى التقى خمسة وعشرون ألف جندي مسلح في قصر “ماريانسكي” رافعين لافتات كتب عليها “يسقط “ميليوكوف”!”

في اليوم التالي، نُظمت مظاهرة أكبر بمبادرة من البلاشفة، في حين حث المناشفة والاشتراكيون الثوريون العمال والجنود على عدم المشاركة. ورفع البلاشفة عبر الواجهة الهائلة لقصر “ماريانسكي” لافتة حمراء جريئة كتب عليها “عاشت الأممية الثالثة!” نظم الكاديت مظاهرات مضادة لدعم الحكومة، وللمرة الأولى منذ فبراير، اندلعت المواجهات في “نيفسكي” .

بعض البلاشفة فهموا مطلب “تسقط الحكومة المؤقتة!” حرفيا، وحاولوا اقتحام القصر واعتقال الوزراء. واقترح الجنرال “لافر كورنيلوف” قصف المتظاهرين بالمدفعية. وعندما وصل هذا الخبر إلى قادة السوفيتات، أمروا القوات بالبقاء في ثكناتهم.

نشرت جريدة “ازفستيا” أن القيادة تعمل على حل هذا الصراع، إلا أن “العديد من المؤيدين يتظاهرون تحت لافتات تحمل شعارات لا تتوافق مع أهداف السوفيتات”، مثل “المطالبة بالإطاحة بالحكومة ونقل السلطة إلى السوفيتات.” في ذلك المساء، أرسلت الحكومة المؤقتة إلى السوفيتات مذكرة معاد صياغتها بشأن الحرب، قبلتها اللجنة التنفيذية بأغلبية 34 مقابل 19 صوتا. واعتبر هؤلاء القادة أن الأزمة قد انتهت وأصدروا توجيهات ضد المزيد من المظاهرات.

سخر لينين من القرار قائلا أن “الرأسماليين يرغبون في مواصلة الحرب” وبعد “هذه الأزمة الأولى سوف يتبعها أزمات أخرى.” كما رفض أيضا “محاولات البلانكيين الاستيلاء على السلطة فورا”، داعيا إلى إستراتيجية طويلة من الإقناع وشرح “المنهج البروليتاري في إنهاء الحرب” و”إعادة انتخاب أعضاء داخل السوفيتات”.

وقد كان استدعاء مندوبي السوفيتات خطوة في غاية الديمقراطية لصالح البلاشفة. وبحلول نهاية أبريل، انضم لحزب لينين حوالي رُبع نواب سوفيتات بتروجراد بل وأكثر من ذلك في مجالس المقاطعات. وعلى الجبهة، دعا المحرضون للإخاء مع الجنود الألمان، الأمر الذي مس وترا بين القوات المجهدة.

يوم 6 مايو، كانت “إزفستيا” شديدة الغضب بسبب محاولة “برافدا” “تقويض ثقة الجنود في مناشدة السوفيتات.. إذا كنت تؤمن بالسوفيتات، فلتلتزم بحزم بندائه لوقف “التآخي”!

هجوم “كيرنسكى” العسكري
تنبأ لينين بأن مذكرة “ميليوكوف” كانت مجرد أول أزمة سوف يتلوها أزمات كثيرة. وفي شهر يونيو، أدى الهجوم العسكري المقترح من “كيرنسكى” إلى انقسام في الحكومة المؤقتة، والسوفيتات، والشعب الذي يفترض فيهما تمثيله.

عندما عُقد أول مؤتمر للسوفيتات يوم 3 يونيو في بتروجراد، حظي الاشتراكيون المعتدلون بدعم ساحق، وكان بإمكانهم الادعاء أنهم يحكمون باسم نحو 20 مليون عامل وجندي. أيدت هذه المجموعة تقدم “كيرنسكى”؛ لكن في العاصمة، المشحونة سياسيا، كان تجذر العمال والجنود قد تجاوز باقي أنحاء البلاد.

تحضيرا للجهد الحربي من جديد، حاول “كيرنسكى” استعادة الانضباط العسكري ولكنه واجه رد فعل عنيف من الجنود الراديكاليين. وقد أعلن اجتماع لمنظمة عسكرية بلشفية في بتروجراد يوم 23 مايو أنهم “مستعدون للخروج من تلقاء نفسها إذا لم يتم اتخاذ قرار ايجابي في المركز”.

يوم 8 يونيو، صوت زعماء البلاشفة، بمن فيهم المنظمة العسكرية، بأغلبية ساحقة على تنظيم مظاهرة احتجاجا على خطط “كيرنسكى”. سخرت جريدة “سولداتسكايا برافدا” التابعة للبلاشفة من دعوة الحكومة المؤقتة إلى “الحرب حتى الانتصار” بشعارها الخاص: “الحرب حتى الانتصار على الرأسماليين”.

وعلى الرغم من الدعم الواسع من الجنود، مثلت دعوة البلاشفة تحديا لمؤتمر السوفيتات وسوفييت بتروجراد. وفي بدايات يوم 10 يونيو، وافق ثلاثة من البلاشفة المتبقين في اللجنة المركزية على إلغاء المظاهرة، وامتنع “ياكوف سفردلوف” وامتنع و”لينين” عن التصويت ضد الأغلبية اليمينية.

أثار القرار غضب مناضلي الحزب، وقام بعض أعضاء “فيبورغ” بتمزيق بطاقات عضويتهم. وفي لجنة بطرسبورغ، قام متحدث بعد متحدث بانتقاد وتوبيخ اللجنة المركزية. وخوفا من تكرار أخطاء كومونة باريس المعزولة، ناشد لينين رفاقه “أقصى درجات الهدوء والحذر والصبر والتنظيم”.

وفي جلسة مشتركة بين سوفيت بتروجراد ورئاسة مؤتمر السوفيتات يوم 11 يونيو، اتهم “تسيريتيلي” بغضب شديد البلاشفة بالتآمر ضد الثورة ودعا إلى اتخاذ تدابير قمعية.

تحدث “كامينيف” نيابة عن البلاشفة. وقال أنه لم يرفع أي شعار ينادي “بالاستيلاء على السلطة” وإنما فقط “كل السلطة للسوفيتات!” وأضاف متحديا “فلتلقوا القبض علي وحاكموني بتهمة التآمر ضد الثورة” ثم انسحب هو والبلاشفة احتجاجا.

في اليوم التالي، وافق المؤتمر على خطة هجوم “كيرنسكى” ودعا إلى مسيرة من أجل الوحدة يوم 18 يونيو لتتزامن مع التقدم العسكري. مع ذلك، قلق قادة سوفييت بتروجراد من أن البلاشفة قد يسيطرون على مظاهرتهم، لذلك اقترحوا أن لا ترفع سوى الشعارات التي وافق عليها السوفييت.

تسبب هذا القطع الواضح مع الأعراف الثورية – الذي كان من المحال التحكم فيه على أية حال – في تحول الكثير من العمال والجنود ضد القيادة المحافظة. وقررت المصانع والتشكيلات التي كان الاشتراكيون الثوريون والمناشفة يسيطرون عليها في السابق، قررت دعم الشعارات البلشفية.

اشتكت جريدة “ازفستيا” من أن “الشرائح السفلى الجاهلة من السكان” تأثرت “بدعاية فوضوية بلشفية”. وعشية المظاهرة، قال “تسيريتيلي” لممثلي البلاشفة: “سوف نرى جميعا من سوف تتبعه الغالبية، أنتم أم نحن”.

كانت المظاهرة التي بلغ قوامها مائة ألف شخص، كما ذكر “ماكسيم غوركي” في “نوفايا زيزن”، “انتصارا كاملا للبلشفية بين بروليتاريا بطرسبورغ”. فقد هيمنت شعارات البلاشفة وشعاراتهم. ولم تظهر سوى قلة صغيرة من شعارات السوفييت والمناشفة والاشتراكيين الثوريين ضمن بحر من اللافتات تطالب “بكل السلطة للسوفيتات!” و “ليسقط الوزراء العشرة الرأسماليين!”

تزامنت المظاهرة مع بدء هجوم “كيرنسكى” المروع، الذي سوف يؤدي إلى مقتل حوالي أربعين ألف جندي. ونشرت “ازفستيا” عن توجه وفد من لجنة الجبهة إلى الجيش العاشر “ليشرح لهؤلاء الناس وجهة نظر الديمقراطية الروسية”. في العديد من التشكيلات العسكرية قيل للجنة أن الجنود لا يعترفون بسلطتهم ولا سلطة سوفييت بتروجراد ولا وزارة الحرب وأنهم لن يشاركوا في العدوان. فهم لا ينوون الموت طالما أن هناك حرية في روسيا وفرصة في الحصول على قطعة من الأرض.

في الكتيبة 703، سخر الجنود من الوفد “لحثنا على طاعة أوامر “كيرنسكى” ثم ضربوا، وهددوا بقتل، وأخيرا اعتقلوا وفد سوفييت بتروجراد.

أثبت هجوم “كيرنسكى”، الذي طال انتظاره، أنه كارثة. وفي حين ادعى علنا أنه نجح، اعترف في برقية مشفرة يوم 24 يونيو أنه “بعد الأيام الأولى، وقد يكون بعد الساعات الأولى من المعركة. . . انخفضت الروح المعنوية” “وبدأت الوحدات في إعداد قرارات بمطالب التراجع فورا إلى الخلف .”

شبه تمرد يوليو
كثفت أيام يوليو هذه الصراعات. وناشد المتمردون سوفييت بتروجراد أن يأخذ السلطة، بينما كان القادة يتوسلون من الجنود الدفاع عنهم من هؤلاء المتظاهرين أنفسهم. وقد عبر عامل قوي البنية بوضوح عن هذا التناقض حين واجه زعيم الاشتراكيين الثوريين “فيكتور تشيرنوف” خارج قصر “توريد”، صارخا: “خذ السلطة، يا ابن العاهرة، عندما تُعطى لك!”

في فبراير، سافر الآلاف من جنود المدفعية من “أورينبورغ” وبقوا في بتروجراد للدفاع عن الثورة. وقد بدأ هؤلاء الجنود تمردا بعد أن وجهت الأوامر لثلثيهم بالعودة إلى الجبهة، الأمر الذي اعتبروه أقرب إلى حكم بالإعدام. وفي الأول من يوليو طالب السوفييت بإعادة المحاربين إلى ثكناتهم، لكنهم واصلوا خططهم في تنظيم مظاهرة مسلحة.

وصل المندوبون إلى المؤتمر البلشفي للمنظمة العسكرية لكل روسيا يحملون بنادقهم على ظهورهم، على استعداد للقتال. وأبلغت منظمات المقاطعات عن غضب واسع النطاق ضد “كيرنسكى” وخططه. وكان الجنود الذين يطالبون بالاستعداد الفوري لانتفاضة مسلحة يقاطعون كلمات المؤتمر بشكل متكرر. وحذر خطاب لينين الذي نزل على سامعيه مثل “الدش البارد” من السقوط في يد الحكومة عن طريق تنظيم انتفاضة غير منظمة وقبل الأوان.

وبحلول يوليو، بدا بعض البلاشفة المتطرفين أشبه بالفوضويين. وقال “ألكسندر رابينويتش” أن اجتماعا فوضويا يوم 2 يوليو دعا إلى ثورة مسلحة، وأن هذه المجموعة ستلعب “دورا هاما في الانتفاضة”.

وحث الفوضوي “بليشمان” المدفعية الآلية على الإطاحة بالحكومة، ولكن اعتقاده بأن “الشارع سوف ينظمنا” لم يؤد سوى إلى الفوضى. وعندما وصل عشرة آلاف من البحارة المسلحين من “كرونشتاد”، ناشدهم قادة السوفييت العودة إلى ديارهم، لكنهم كانوا أكثر تعاطفا مع “بليشمان”، الذي حثهم مرة أخرى على التمرد.

نشرت جريدة “ازفستيا” مطالب المظاهرة الضخمة من الهيئة التنفيذية لسوفيتات كل روسيا:

فصل الوزراء البرجوازيين العشرة، كل السلطة للسوفيتات، وقف العدوان، مصادرة مطابع الصحافة البرجوازية، وأن تكون الأرض ملكا للدولة، وسيطرة الدولة على الإنتاج.

في تلك الليلة أقنع “كامينيف” و”زينوفيف” قادة البلاشفة بإلغاء مظاهرة اليوم التالي خوفا من أن تفلت خارج السيطرة. وعندما أصبح واضحا أن المظاهرة ستحدث على أية حال، وأن الإستراتيجية البلشفية اليمينية ستبدو كالخيانة، صدرت “البرافدا” يوم 4 يوليو بمساحة فارغة حيث كان يفترض أن يكون قرار الإلغاء.

في ذلك اليوم تظاهر نصف مليون شخص، وكان رد فعل الحكومة عنيفا. وصفت جريدة “إزفستيا” كمينا جيد التدبير كالتالي:

حين كان [المتظاهرون] يمرون بجانب الكنيسة، رن جرس الكنيسة. وكما لو كان ذلك إشارة البدء بالهجوم، أُطلقت النيران من البنادق والبنادق الآلية من فوق أسطح المنازل.

وعندما أسرعوا إلى الجانب الآخر، “جاءت الطلقات أيضا من الأسطح المقابلة”. كما أفادت صحيفة المناشفة أن مدافع القوزاق أيضا أطلقت النار على المتظاهرين.

أظهرت أيام يوليو أن الوحدة الوطنية الهشة التي أعقبت تنازل نيكولاس عن السلطة قد انتهت. وكتب أحد المشاركين: “تحت اللافتات الحمراء سار فقط العمال والجنود”

“غابت عن المظاهرة نياشين المسئولين وأزرار الطلاب اللامعة وقبعات “الهوانم المتعاطفات”.. بل كانت مسيرة عبيد الرأسمالية المعتادين”.

كتب “فلاديمير نابوكوف” عضو حزب “الكاديت” أن المتظاهرين كانوا يحملون نفس الوجوه المجنونة، الغبية، شبه المتوحشة التي نتذكرها جميعا من أيام فبراير.” أصبحت الكراهية الطبقية الآن متبادلة. حمل العمال لافتات كتب عليها: “تذكروا أيها الرأسماليين، سوف تسحقكم المدافع الرشاشة والصلب”!

حين ترددت أنباء أن “كيرنسكى” يتوجه إلى الجبهة بالقطار، طارده بعض المسلحين بالبنادق الآلية في محطة قطار البلطيق. واستولى آخرون على سيارات السكان الأثرياء وتحركوا بها صعودا وهبوطا في “نيفسكي” وهم يلوحون بأسلحتهم.

خارج قصر “توريد” دعا “تشيرنوف” للهدوء إلى أن ألقى بحارة “كرونستادت” القبض عليه. تدخل تروتسكي أخيرا وأمن الإفراج عن زعيم الاشتراكيين الثوريين.

اقتحم عمال مسلحون اجتماعا للسوفييت في القصر يبحثون عن “تسيريتيلي” ، حيث “فشل بعض المندوبين في إظهار ما ينبغي من الشجاعة والتحكم في النفس”، بحسب “سوخانوف”. قفز أحد العمال على منصة المتحدثين ولوح ببندقيته معلنا:

أيها الرفاق! إلى متى نقبل نحن العمال بهذه الخديعة؟ أنتم هنا تناقشون وتعقدون الصفقات مع أصحاب الأراضي.. أنتم منشغلون بخيانة الطبقة العاملة. حسنا، فلتعلموا أن الطبقة العاملة لن تقبل ذلك! هناك 30،000 منا من مصنع “بوتيلوف”. سوف نفرض إرادتنا. كل السلطة للسوفيتات! سوف نظل قابضين على بنادقنا! “كيرنسكييكم” و “تسريتيليسيكم” لن يخدعونا!

تحول ميزان القوى ضد قيادة السوفييت. وقد وصف المنشفي “فلاديمير وويتنسكي”، الذي كُلف بالبحث عن قوات موالية، “جهوده غير المثمرة لحشد وحدات عسكرية للدفاع عن قصر توريدا”. ومن المفارقات أن أول من وصل من الجنود كانوا من الموالين لتنظيم تروتسكي في المقاطعات. وقد استقبلتهم قيادة السوفييت المرعوبة بهتافات البهجة.

في تلك الليلة دعا البلاشفة إلى إنهاء المظاهرات، وفي صباح اليوم التالي، شنت الحكومة المؤقتة حملة ضد لينينورفاقه، تحت دعوى أنهم عملاء للألمان.

في أعقاب أيام يوليو، قرر أعضاء الحكومة من غير الاشتراكيين سحق الثورة، واستعادة الانضباط في الجيش، وإبادة السوفيتات. إلا أن هذه المذبحة التي خططوا لها سوف تنتهي لصالح الهدف نفسه الذي أرادوا تدميره. سوف يقف السوفييت أخيرا لحماية الثورة.

تجذر السوفييت
هرب لينين إلى فنلندا بعد أن تم اعتقال مئات البلاشفة بتهم ملفقة. على سبيل المثال، ادعت الحكومة أن تروتسكي قد سافر في قطار لينين المغلق الذي أمدته به ألمانيا، ما يثبت أن كلا الثوريين كانا في الواقع يخدمون عدو روسيا. إلا أن تروتسكي كان عالقا في معسكر اعتقال “نوفا سكوشيا” في ذلك الوقت.

وقع “تسيريتيلي” مذكرة اعتقال لينين، وبدا الأمر كما لو كان المناشفة انضموا إلى الثورة المضادة. لكن الهجمات على نقابة عمال المناجم ومكاتب المناشفة واعتقال بعض مندوبي السوفيتات أوضحت أن الاشتراكيين الأكثر تحفظا كانوا بالكاد في مأمن من حملة القمع الواسعة التي شنتها الحكومة.

تخلى مؤتمر الكاديت عن ادعاءاته الديمقراطية وطالب بديكتاتور قوي. وألقى المتحدثون باللوم على “كيرنسكى” و على الأمر رقم 1 الصادر عن السوفييت و”الوضع المروع الحالي في روسيا”.

ودعا رجال الأعمال في مؤتمر التجارة والصناعة إلى “قطع جذري”. . . مع دكتاتورية السوفيتات التي قادت روسيا إلى “الدمار”. انضم “فلاديمير بوريشكيفيتش”، مدبر المذبحة ومؤسس اتحاد الشعب الروسي، إلى الجوقة، وطالب بحل سوفيتات نواب العمال والجنود فورا.

وجد قادة الثورة المضادة رجلا قويا في الجنرال “لافر كورنيلوف“، قائد الجيش الروسي المعين حديثا. وفي المساء، قبل محاولته الانقلاب، أعلن “كورنيلوف” أنه “حان الوقت لشنق عملاء وجواسيس ألمانيا، وأولهم لينين، وحل السوفيتات”. وواصل، واعدا “بشنق كامل عضوية السوفيتات من مندوبي العمال والجنود” إذا اقتضى الأمر.

كان هذا أحد هموم الجنرال. قبل الثورة كان “كورنيلوف” يتحدث باستمرار عن شنق “كل هؤلاء “الغوشكوفيين” و”الميليوكوفيين”، ولكن الآن أصبح له قضية مشتركة مع الليبراليين، حيث أراد كلاهما القضاء على الثورة.

تفاوض “كيرنسكى” و”كورنيلوف” حول تفاصيل استعادة النظام. واتفقوا على إعادة عقوبة الإعدام في الخلفية، وحل لجان الجيش، وإقامة الأحكام العرفية في بتروجراد.

بدأت القوات تتحرك نحو العاصمة الثورية يوم 25 أغسطس، وبعد ذلك بيومين، أفاد “كورنيلوف” أن الفيلق الثالث سوف يصل إلى أطراف المدينة في ذلك المساء. وطلب من “كيرنسكى” أن يُعلن الأحكام العرفية.

في اليوم نفسه، اقترح المناشفة لجنة دفاع ضد الثورة المضادة. وقال “سوخانوف” “إذا أرادت اللجنة العمل بجدية، فان البلاشفة فقط من لديهم موارد حقيقية “.

خرج ما يصل إلى أربعين ألفا من المتطوعين في الحرس الأحمر وآلاف آخرين للدعم. وصنع عمال المعادن المناضلون مائة مدفع في غضون أيام من خلال العمل لستة عشر ساعة يوميا. وبدا أن روسيا الثورية على شفا حرب أهلية مفتوحة.

ومع ذلك لم تتحقق المواجهة العسكرية أبدا. ظل “كورنيلوف” في المقر الرئيسي في “موجيليف”، تاركا الجنرال “اليسندر كريموف” لقيادة القوزاق وقوات الفرسان الأصليين القوقازية، المعروفة باسم الشعبة المتوحشة. في هذه الأثناء، تواصل السوفيتات مع عمال السكة الحديد الثوريين، الذين عطلوا القطارات، وعزلوا قوات “كريموف” على ثمانين خطا مختلفا. تغلغل محرضو السوفيتات بين صفوف الشعبة المتوحشة، وهكذا انتهى الأمر بالجنود، الذين تلقوا الأمر بقمع الثورة، إلى حمل الراية الحمراء من أجل “الأرض والحرية”.

في بتروجراد، كان من المتوقع أن يتعامل ألفان من الموالين مع الانتفاضة البلشفية الوهمية. واشتكى القائد القوزاقى “الكسندر دوتوف” قائلا “دعوت الناس إلى النزول إلى الشوارع ولكن لم يتبعني أحد”.

وفي بتروجراد ناشد الجنرال “خريستوفور بارانوفسكي” الجنرال “ميخائيل ألكسيف” في المقر الرئيسي في “موخيليف” قائلا: “السوفييتات مستعرة، ولا يمكن التحكم في الموقف إلا من خلال إظهار القوة؛ اعتقلوا “كورنيلوف””. فرد “أليكسييف” قائلا: “لقد سقطنا تماما في قبضة السوفيتات العنيدة”.

انهيار المركز
بحلول يوم 30 أغسطس، كان الانقلاب المخطط له قد انهار، آخذا معه حزب الكاديت. وصرحت صحيفته “أن أهداف “كورنيلوف” هي نفسها التي نراها ضرورية لخلاص البلاد… لقد دافعنا عنها قبل “كورنيلوف” بفترة طويلة”.

يوم 1 سبتمبر، حاول “تسيريتيلي” الدفاع عن حلفائه السابقين. وإذ تجاهل اقتراح “ميليوكوف” بالتشهير بالديكتاتور الجنرال “اليكسيف” أملا في استرضاء كل من “كيرنسكى” و”كورنيلوف”، ادعى “تسيريتيلي” أن “الشخصيات البارزة في الحزب [كاديت] على الأقل أيدت الثورة”.

قطع كل من المناشفة والاشتراكيين الثوريين مع حلفائهم الليبراليين، إلا أنهم تراجعوا عن ذلك بعدها بأسبوعين. وفي هذه الأثناء، علم السوفييت والجمهور أن “كيرنسكى” عمل مع “كورنيلوف” لقمع مجلس الشعب. وقد أشارت جريدة “زناميا ترودا” اليسارية التابعة للاشتراكيين الثوريين بقوة إلى النتائج التي توصلت إليها:

[انقلاب “كورنيلوف”] لم يكن مؤامرة ضد الحكومة المؤقتة وإنما اتفاق معها ضد المنظمات الديمقراطية.

تمسك المناشفة والاشتراكيون الثوريون اليمينيون بشدة بنظام “كيرنسكى” الفاقد للمصداقية تماما، وفي النهاية دفعوا ثمن إستراتيجيتهم. وبحلول أوائل سبتمبر، سيطر الاشتراكيون الثوريون اليساريون على مؤتمر الحزب في بتروجراد. وتخلى المناشفة عن مندوبي معاقلهم في المصانع لصالح البلاشفة. وفي مصانع أخرى، توسل النواب السابقون المغفرة بل ومزقوا صور “كيرنسكى”.

وقعت المواجهة الحاسمة من أجل السيطرة على سوفيت بتروجراد خلال انتخابات قيادته يوم 9 سبتمبر. تحدث تروتسكي للمرة الأولى منذ إطلاق سراحه من السجن قبلها بأيام قليلة، مذكرا مستمعيه “عندما يقترحون عليكم الموافقة على الخط السياسي للقيادة، لا تنسوا أنكم بذلك توافقون على سياسات “كيرنسكى”.”

وكتب تروتسكي في وقت لاحق “جميعهم أدركوا أنهم كانوا يقررون مسألة السلطة – والحرب – ومصير الثورة”. وبدلا من التصويت بنداء الأسماء، قرر المؤتمر أن على من يقبل استقالة القيادة مغادرة القاعة.

تحرك العمال والجنود نحو الباب وسط صراخ متبادل “كورنيلوفيستيين!” و”أبطال يوليو!” وفي التصويت النهائي: صوت 414 لصالح قيادة المناشفة / الاشتراكيين الثوريين والحكومة الائتلافية؛ وصوت 519 ضدها، في حين امتنع 67 عضوا عن التصويت.

هنأ “تسيريتيلي” نفسه وقادة سابقين آخرين على “الوعي الذي صمد بجدارة طيلة نصف عام ورفع عاليا راية الثورة.” أما تروتسكي فقد ذكّر بدوره القادة المخلوعين بأنه “لم يتم سحب التهمة الموجهة ضد البلاشفة بأنهم في خدمة الألمان”. وقرر السوفييت “أن يوصم بالاحتقار مؤلفي وناشري ومروجي هذا التشهير.”

مع الانهيار الكامل لسمعة حزب الكاديت و”كيرنسكي”، جادل لينين لفترة وجيزة من أجل التوصل إلى حل وسط مع قيادة السوفييت: بحيث تأخذ السلطة، ويصبح البلاشفة في موقع المعارضة الوفية. ولكن بعد هذه المساومة استمر الاشتراكيون في دعمهم لائتلاف “كيرنسكى” – الذي لا زال يضم الكاديت – وبعد أن حصل البلاشفة على الأغلبية في سوفييت بتروجراد وموسكو وسوفيتات أخرى، عاد لينين إلى إستراتيجية “كل السلطة للسوفيتات”. وعلى مدى الأسابيع الست التالية، صارع مع اللجنة المركزية باستمرار مطالبا إياها بالتمرد الفوري.

كل السلطة للسوفيتات
حتى بعد قرار 10 أكتوبر الشهير “بالتمرد المسلح”، تردد زعماء البلاشفة. بل إن البعض قوض العمل الثوري.

عندما نشر “كامينيف” و”غريغوري زينوفييف” حججهما ضد التمرد في جريدة “نوفايا زيزن” يوم 18 أكتوبر، نفد صبر لينين أخيرا ودعا إلى “طرد كاسري الإضراب” من الحزب.

ولزيادة الدعم الشعبي، قرر القادة أن تقوم منظمة تابعة لسوفييت بتروجراد – بدلا من الحزب البلشفي – بتنظيم الانتفاضة. وفي 16 أكتوبر، أعلنت اللجنة التنفيذية – التي أصبحت من أقصى اليسار – تشكيل لجنة ثورية عسكرية “للدفاع عن العاصمة”.

في معركة من أجل السيطرة على القوات أرسلت اللجنة وفدا إلى مقر القيادة العسكرية في بتروجراد وأبلغتهم بأن “من الآن فصاعدا الأوامر التي لم نوقع عليها باطلة”. رفض الجنرالات الاعتراف بهم، وفي اليوم التالي أعلنت اللجنة أنه، بالقطع مع السوفييت، أصبح مقر القيادة “سلاحا مباشرا لقوى الثورة المضادة”

في اجتماعات سوفييت بتروجراد المحمومة خلال الأيام التي سبقت المؤتمر الثاني، طلب العديد من الجنود الوافدين من السوفييت أن يتولى السلطة. في حين حذر المناشفة مرارا من “فيضانات الدم” التي سيأتي بها التمرد.

وعندما سألت “إيفا برويدو” عما إذا كانت اللجنة الثورية العسكرية ستنظم تمردا، سأل تروتسكي: “باسم من توجه “برويدو هذا السؤال؟ هل هو باسم “كيرنسكى” أو جهاز المخابرات أو الشرطة السرية أو غيرها من تلك المؤسسات؟”

والواقع أن المناشفة لم يعلنوا عن أعمالهم العسكرية مقدما. وخلال اجتماع 23 أكتوبر، ذكر “لوموف”، قائد سوفييت موسكو، أن القوزاق قد أقالوا سوفييت “كالوغا”. وكان المناشفة ومجلس دوما الاشتراكيين الثوريين قد طالبوا بالقوات التي “ارتكبت أعمال عنف فظيعة” ضد قيادات السوفيتات.

في تلك الليلة، أعلن تروتسكي أن “إنشاء اللجنة الثورية العسكرية كان خطوة سياسية نحو الاستيلاء على السلطة ونقلها إلى أيدي السوفيتات”. لكنه في وقت متأخر من يوم 24 أكتوبر نفى أنه كان يخطط للقيام بذلك.

في الجمعية العمومية التي انعقدت في اليوم التالي، أعلن تروتسكي لجمهور مذهول أن “الحكومة المؤقتة لم تعد موجودة.. في تاريخ الحركة الثورية لا أعرف أي أمثلة أخرى شاركت فيها مثل هذه الجماهير الضخمة دون سفك دماء”. وفي حين اعتقد معارضو لينين، بما في ذلك بعض أعضاء حزبه، أن النظام السوفيتي الجديد لن يستمر سوى بضعة أسابيع، ظل لينين متفائلا إلى حد كبير من أن الثورة الروسية الثالثة “ستؤدي إلى انتصار الاشتراكية”. وكان لينين واثقا من أنه “سوف تساعدنا في ذلك حركة الطبقة العاملة العالمية، التي بدأت بالفعل في إيطاليا وبريطانيا وألمانيا “.

لقد ثبت فشل إستراتيجية المناشفة والاشتراكيين الثوريين في الوصول إلى حلول وسط مع الرأسماليين. في لحظة محورية في تاريخ الطبقة العاملة، انسحبت أغلبية المناشفة والاشتراكيين الثوريين اليمينيين من مؤتمر السوفيتات للانضمام إلى السفاح “بوريشكيفيتش” وغيره من المعادين للاشتراكية.

وبينما نقترب من الذكرى السنوية لثورة أكتوبر، سوف يحاول المعادون للشيوعية مرة أخرى أن يصفوا الانتصار البلشفي بأنه انقلاب أقلية. هذا التزوير يتجاهل الولاية الديمقراطية التي سعى إليها وفاز بها البلاشفة على مدى شهور من النضال.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- ثلاثة ضد ترامب
- بالفيديو.. روسيات يتزلجن على الثلج بلباس البحر رغم برودة الط ...
- لأول مرة.. ابتكار مجهر ثلاثي الأبعاد لدراسة الخلايا دون إتلا ...
- ارتفاع ضحايا عملية الدهس في تورونتو إلى 10 قتلى و15 جريحا
- بوش الأب يدخل المستشفى بعد يوم من دفن زوجته
- شقيق حفتر يكشف تفاصيل جديدة عن حالته الصحية
- -السبع الكبار-: سنساعد في إعادة بناء سوريا شريطة وجود -انتقا ...
- هل يتفوق أحدث هواتف -Xiaomi- على منافسيه؟
- الاحتلال يقتحم جنين تمهيدا لهدم منزل أسير
- الجار الله محذرا: عدم حل الخلاف الخليجي مدمر للمنطقة


المزيد.....

- اﻹنسانية مدينة، وستبقى، لثورة أكتوبر / نعيم الأشهب
-   الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف (1985-1987) - 1 ... / ماهر الشريف
- اوكتوبر وقضية المرأة / عبلة أبو علبة
- ثورة تشرين الأوَّل/أكتوبر وانهيار الاتّحاد السوفييتيّ / سعود قبيلات
- كيف نقيم ثورة أكتوبر؟ / هشام غصيب
- أثر ثورة اكتوبر على -المسألة النسائية- / ليلى نفاع
-  الاتحاد السوفييتي في عهد بريجنيف - الذكرى المئوية لثورة أكت ... / ماهر الشريف
- الجنس والثورة الروسية / بيتر دروكر
- في مناسبة مرور مائة عام على ثورة اكتوبر الاشتراكية / غازي الصوراني
- ثورة أكتوبر وتحرر النساء / رضا الظاهر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - كيفين مورفي - من الحلول الوسط إلى السلطة.. 100 عام على ثورة أكتوبر