أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 57














المزيد.....

سيرة أخرى 57


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5723 - 2017 / 12 / 10 - 02:58
المحور: الادب والفن
    


1
باصات أيام زمان، صرنا نطلق عليها فيما بعد " طزطّو ". كانت هذه مملوكة لأشخاص أو شركات أهلية، وذلك قبل تأسيس المؤسسة العامة للنقل والتي عمدت إلى استيراد حافلات أحدث. تلك الباصات القديمة، في المقابل، كان مظهرها أكثر بهجة. إذ كان السائقون يزينونها بالمصابيح الصغيرة الملونة، بل إن بعضهم كان يضع إطارات جميلة فيها صور أولاده أو فنانين معروفين. كذلك كانت أغاني أم كلثوم تصدح مساءً في ستيريو الباص، مما يجعل ركابه يحلقون إلى آفاق رومانسية.
أحد أقاربي، كان قد عمل لفترة جابياً للتذاكر لما كنتُ في الصف الأول بالثانوية الصناعية. ومع أن ثمن التذكرة كان زهيداً في تلك الأيام ( فرنك ونصف )، إلا أنني كنت أشعر بالخجل عندما يتجاهل قريبي هذا يدي الممدودة إليه. وكان غالباً يعود إليّ بعد إنهائه تحصيل التذاكر، ليخوض في حديثٍ ما. في أحد الأيام، كنتُ عائداً مساءً من الثانوية والتي تقع على طريق المطار. إذا بي أنتبه إلى كون الجابي زميلاً قديماً في الإعدادية. كان آنذاك من الطلبة الكسالى، وقد أعتاد المعلمون على تعنيفه وإذلاله. غير أنني كنتُ صديقاً لشقيقه الأصغر، وكان هذا أيضاً زميلاً في فصلنا. وإذاً، ها هوَ زميلنا السابق يقترب من مكاني في الباص. أشعر بالحَرَج الشديد، فأشيح وجهي جانباً باتجاه النافذة. فما كان منه، على دهشتي، إلا أن طرق مقعدي بعلبة التحصيل الخشبية. فعل ذلك بفظاظة، فيما كان يحدجني بنظرة حاقدة: " التذكرة يا أخ!! ".

2
قبل مغادرتي الوطن منذ نحو ثلاثة عقود، لم يكن من المألوف رؤية منزل في دمشق القديمة وقد تحوّل إلى مطعم. آنذاك، كانت المطاعم الشعبية عبارة عن محلات صغيرة تقدم لزبائنها وجبات من المطبخ الشامي. أما المطاعم الراقية، فإن عددها كان محدوداً وتقع خارج أسوار المدينة القديمة. من ناحيتي، كنت نادراً ما أرتاد هذه أو تلك من المطاعم. في المقابل، أعتدت أن أسهر مع الأصدقاء في أماكن تقدم المشروبات الروحية مع المازة؛ كـ " السفراء "، " الريّس "، " اللاتيرنا "، " الفريدي " و" قصر البللور ".
أحد الأصدقاء في الحارة، كان عازفاً بارعاً للكمان ولطالما طلبتُ منه أداء مقطوعات أم كلثوم. في بداية الثمانينات، كنت أعمل ليلاً كمراقبٍ صحيّ وأعتدتُ على الخروج مع ذلك الصديق ظهراً إلى المدينة. وكان هوَ مواظباً على الأكل في المطاعم الشعبية، فيما كنتُ أعتذر عن مشاركته بالقول أنني أفضل الغداء بالمنزل. كنت أستغرب منه أن يأكل في المطعم نفس وجبات المنزل، فلا يكون منه إلا هز رأسه متضاحكاً بمرارة. ذات ساعة مبكرة من فجر أحد الأيام الشتوية، كنتُ ماراً خلال وقت عملي بجادّة قريبة من سوق الجمعة. وإذا بي ألمح صديقي مستلقياً على الأرض بإزاء أحد الأبنية وكان ملتحفاً بمعطف. على الأثر، علمتُ منه أنه كان مطروداً زمناً من المنزل بسبب خلاف مع أبيه. أصطحبته بعدئذٍ إلى بيتنا، حيث أكمل نومه على السرير في غرفتي. ولأنه كان عزيز النفس، لم يقبل أن أستضيفه لفترة أخرى. ثم مضى زمن، لم أعد أراه أو أعرف أخباره. إلى أن علمت لاحقاً أنه سافر للكونغو، بغية العمل مع فرقة موسيقية تخص جاليتها اللبنانية.

3
منذ الصغر، كنتُ أمقت رجل الشرطة وأتجنبه سواء أكان غريباً أو قريباً. عدد من رجال الحارة ( منهم أقارب لنا )، وكانوا في ذلك الوقت متقاعدين من الدرك، كانت تجمعهم صفات القسوة والأنانية واللؤم. ولكن البعض الآخر، في المقابل، تميزوا بالطيبة والشهامة والكرم. من بين المواقف، المساهمة في تعزيز شعوري الموصوف، حين كنت ذات يوم أستقل الحافلة برفقة عدد من أولاد الحارة. وكعادتنا، كنا نجلس يومئذٍ في الصف الأخير من المقاعد. حين أردنا مغادرة الحافلة، يبدو أننا تدافعنا بصخب. وإذا بشرطيّ، وكان يهم أيضاً بالنزول، يهاجمنا بشراسة قاذفاً من فمه الشتائم البذيئة بلهجة ريف الجنوب السوري.
في مرحلة أبكر من عُمري، أتذكر حادثة جرت أمامي في بلدة الزبداني. كنا نقضي أحياناً الصيف في تلك البلدة الساحرة؛ وهيَ بالأساس مسقط رأس جدتي لأبي. فبينما كنتُ وشقيقي الكبير نمر يوماً من أمام المخفر الرئيس، شاهدنا عدداً من رجال الشرطة وهم ينهالون بالضرب المبرح على فتى صغير السن. مذاك الوقت صرتُ أحاذر المرور بإزاء المخفر، غير مبالٍ بتفكّه وسخرية أخي. ومن زمن الصبا، أستعيد موقفاً آخر على صلة بموضوعنا. إذ كنتُ ذات ظهيرة مع بعض زملاء المدرسة الإعدادية، نتسكّعُ في باب توما والتي وصلناها مشياً على الأقدام على مألوف عادتنا. في أحد الدروب، صادفنا جاراً لنا برتبة مساعد بالشرطة وكان ينتصب أمام مدخل مخفره. ألقينا عليه تحياتنا، فرحين بالصدفة السعيدة. ولكنه تلقانا متجهم الوجه، قبل أن ينادي على أحد عناصره: " خذ إلى القبو هؤلاء العفاريت، الهاربين من مدرستهم، وأرفعهم فلقة! ". ذعرنا بشدة، ورحنا نقسم له كاذبين بأن دوامنا كان صباحياً. فهز رأسه، ثم أرعد فينا صوته: " هيا من هنا، والويل لأحدكم لو وقع بيدي مرة أخرى!! ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,704,689
- شادية وأدب نجيب محفوظ
- الكردي كمال جنبلاط
- القاعة رقم 1000
- سيرة أخرى 56
- المقهى
- سيرَة أُخرى 55
- العربة
- سيرة أخرى 54
- المبنى المهجور
- سيرة أخرى 53
- سيرة أخرى 52
- سيرة أخرى 51
- الأغراب
- الإشارة الحمراء
- أردوغان ولعنة الكرد
- سيرة أخرى 50
- مسؤولية الرئيس بارزاني
- تركيا؛ دولة غاصبة
- سيرة أخرى 49
- الإرهابيون؛ من تنظيمات إلى دول


المزيد.....




- إعلان أسماء الفائزين فى مسابقة مشروع قصص القاهرة القصيرة 201 ...
- إطلاق أول خريطة رقمية للمكتبات ومراكز المعلومات من -بيت العر ...
- الحرة الأمريكية تسأل: ما الذي تريده قطر بالتحديد؟
- شاهد... خاتم خطوبة الممثلة الهندية بريانكا شوبرا يلقى رواجا ...
- شقيق أليسا يكشف عن تفاصيل جديدة حول مرضها!
- بعد زيادة الشكاوى... -يوتيوب- يحذف إعلان فيلم رعب
- لغزيوي يكتب: -عصمنلية بلا خبار أفندينا- !!!
- وزارة الثقافة السورية تعلن الفائزين بجائزة الدولة
- سيارة مادونا للبيع على موقع للسيارات المستعملة
- صدور النسخة العربية من كتاب (النسوية وحقوق المرأة حول العالم ...


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرة أخرى 57