أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - التوجه نحو عقلنة المجالات غير العقلانية















المزيد.....

التوجه نحو عقلنة المجالات غير العقلانية


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 5709 - 2017 / 11 / 25 - 13:55
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


" لم تعد المعرفة محددة بواسطة الفكر، بل بواسطة مؤسسات وتقاليد وبرامج بحث... ولم تبق المعرفة نوعا من الاعتقاد، بل أصبحت إنتاجا لغويا..."1

حينما تنصرف الذات العارفة إلى تجربة المعرفة تجد حولها الكثير من الميادين غير العقلانية ولما تمعن النظر في أدوات التفكير تصطدم بجملة من العناصر اللاّمعقولة وبمجموعة من الطرق العقيمة والتي ما تزال في حاجة ماسة الى الاهتداء فيها بنور العقل وضوء المعرفة العلمية وبالخصوص مجالات الدين والرموز والخيال والأدب والأسطورة والتقاليد والعادات والتراث والأفعال العنيفة والظواهر الطبيعية وحركة التاريخ وألعاب السياسة وغريزة الاجتماع وقوانين الاقتصاد و وبالتالي تحتاج الورقات العقلانية التي كتبت حولها إلى مزيد من العقلنة والى التحري فيها بالكثير من الدقة والالتزام بالموضوعية. فماهي الشروط التي تسمح بالمرور من العقلانية إلى العقلنة؟ وما الفائدة المنتظرة من محاولة عقلنة ماهو معقول؟
تعني العقلنة rationalisation من الناحية الايتيمولوجية ظاهرة نفسية وإجراء اقتصادي وعملية ذهنية يتم من خلالها تبرير تصرف أو قرار أو حكم بعد التثبت التجريبي والتحري العقلاني من مصدر السلوك الذي اتبعه الإنسان في محيطه الطبيعي من الجهة الفردية والجماعية بعد دوام التغافل عن السبب الحقيقي والجهل بالعلة المباشرة.
أما من الناحية الاصطلاحية فيمكن العثور في موسوعة معان فلسفية Notions philosophiques على التحديدات التالية:
- فعل التعقل، وذلك بجعل شيئا معينا معقولا، وهي كذلك نتيجة هذا الفعل التبريري.
- تنظيم النشاط الإدراكي وفق مبادئ عقلانية من أجل الحصول على نتائج مقبولة.
- تبرير واعي وعقلاني للسلوك المحدد بواسطة بواعث باطنية ومثيرات عضوية.
- اختيار إرادي متبصر للأهداف مع تفادي القرارات المرتجلة والأحكام الخاطئة.
لقد أتى فعل العقلنة من المجال الاقتصادي مع حركة التيلرة التي حاولت عقلنة الشغل في المصنع واتخذ صبغة تقنية عندما دخل إلى المجال النفسي وشمل ظاهرة الفعل المنحدر من البواعث والدوافع اللاواعية والتي تم تأويلها عن طريق منحها طابعا دالا ومعنا عقلانيا وكذلك غطى ظاهرة تفسير الأحلام والهذيان.
من هذا المنطلق إخضاع الرغبة إلى ترتيب منظم عبر ممارسة العقلنة هو التعامل مع الحلم والتداعي الحر وفيض الخاطر على أنها ظواهر غريبة عن الوعي ناتجة عن تفكير ضعيف وسوء تواصل مع الذات.
على هذا الأساس يتعرض مسار العقلنة إلى إكراه الغائية البسيكولوجية التي تقطع مع نظام المسار الخطي للمشروع الواعي لكي تبرز بوضوح تعدد الفضاءات وكثرة العناصر وتداخل الأزمنة التي تشكل الذات.
قد تبدو على عملية العقلنة شوائب التغليط والمخاتلة ولكنها تستقر في المراجعة النقدية التي تخضع لها المدرسة العقلانية برمتها وتدفع إلى التمييز بين استعمال المصطلح وتحديد تعريفه واستخراج رهاناته.
بهذا المعنى تكون العقلانية في البسيكولوجيا الرغبة في تحصيل الحرية انطلاقا من الإكراه والضرورة وذلك لعدم وجود تعارض بين قيمة حرية التفكير والتطبيق الصارم للمنهج عند دراسة الظاهرة النفسية 2 .
أما العقلانية فهي تتعارض مع السلطة الحصرية للتراث والوحي والحدس الصوفي والمشاعر الإيمانية وتدخل في سجال نقدي مع المعتقدات الدينية تارة وتعمد إلى إثبات وجاهة بعض البديهيات الدينية طورا.
من هذا المنطلق قد يشير مصطلح العقلانية من الناحية الظاهرية إلى اللاّإعتقاد واللاّدين ولكن دون التحول إلى نفي تام لكل تصديق ودون الوقوع في الفراغ الروحي وعدم الاكتراث واللامبالاة تجاه مسألة القداسة.
هكذا تعبر العقلنة عن الرغبة التي تغمر العقل البشري نحو تحقيق سيادة الفكر النقدية على ذاته من أجل التخلص من كل العبارات والقضايا التي تسلم بصحة المعتقدات وتحكم بشكل مسبق على وجاهة الغيبيات.
بيد أن العقلنة تكافح ضد سلطة المؤسسات الدينية وتدخل رجال الدين في الشؤون الخاصة للناس أكثر من اعتنائها بمسائل وجود الله وخلود الروح واثبات النبوات وتكف عن التفتيش في ضمائر الناس وقناعاتهم.
من المعلوم أن فكرة الدين الطبيعي التي ظهرت في القرن 18 تتضمن على فعل عقلنة يستند إلى محاولة الربط بين التوجه نحو التأمل والتفكير والتعقل من جهة والتعبير عن حالات الوجدان والحدس والضمير.
لقد تمسك علماء اللاهوت بتقديم حجج عقلية على صلابة عناصر المعتقدات وجاهة أركان الأديان وسلامة التكوين الذي ترتكز عليه التجربة الإيمانية وبداهة النظرة القدسية للحياة في علاقة بالنور الطبيعي للكائن.
غير أن المشروع العقلاني لللاّهوتيين اصطدم بالمعطيات القطعية للإيمان والطابع الرمزي للكلام الإلهي وبرز تعارض حاد بين المجهود العقلي للفكر من جهة وحدوس الإيمان ومدركات الخيال من جهة مقابلة.
أما العقلانية Rationalité فهي تشير إلى كل ماهو معقول ومدرك بالذهن ومتكيف مع الواقع ومتصل بالحواس ومتفاعل مع التجربة وكل ماهو منطقي مرتبط بالتمرين الفكري للعقل من جهة التحليل والمقارنة والتمييز والافتراض والاستنتاج والقياس والاعتبار والتصور والإدراك والتأمل والاستشراف والتسويغ.
لقد تتضمن العقلانية تمشيا علميا خاليا من كل غائية ماورائية وواضعا المعرفة على ذمة التقدم التاريخي وتصادر على أن العقل مستقل عن المبادئ المتعالية والخارجية ويعد طريقة في الحياة و وتتعامل معه على أنه مرجع من أجل تنظيم العالم وتراهن عليه في بناء تمثلات للكون وغايات للفعل ومنبع المعقولية.
من وجهة نظر ميتافيزيقية العقلانية هي المذهب الذي يثبت عدم وجود أي شيء وأي حكم دون اعتماد العقل وبالتالي لا يكون أي شيء مدراك من جهة الحق سوى بعد تدخل حاكم العقل من حيث هو معيار.
لقد وُضِعَت النزعة العقلانية في العلم في مواجهة النزعة التجريبية ورفضت كليا اعتبار المعطيات الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة وكذلك تخلت عن التعامل مع وجود أسرار ملغزة في الطبيعة وفي الكون وأقرت بأن العقل يحوز على موضوعه الخاص بالانطلاق من طبيعة غير حسية ولا يقدر على اكتشاف هذا الموضوع إلا حينما يتعالى على العالم المنظور ويتجرد على المعطيات الحسية ويتأمل العالم الفكري.
تبني العقلانية المعارف بالانطلاق من مبادئ قبلية ولكن يمكن التمييز بين عقلانية مطلقة عند كل من أفلاطون وديكارت لا تترك أي مجال للتجربة وتثق بصورة تامة في قدرة العقل على بلوغ الحقيقة التامة وعقلانية نسبية تضع شروط إمكان المعرفة وترسم حدود للعقل عبر تجربة تقوم بامتحان قدرته وتنظيمه.
لقد واصل الفكر العقلاني الإيمان بتطابق قوانين التفكير المنطقي وقوانين الوجود ضمن إطار الهوهو إلى أن أدخل هيجل قانون التناقض ضمن شغل النفي داخل الحركة الجدلية التي يتطور ضمنها العقل من خلال صراع الأضداد عبر مسار لولبي للتاريخ وأعلن أن المعقول واقعي والواقعي معقول وأن الكل هو الحق.
اذا كانت العقلانية المعاصرة قد أبعدت عن العقل طموحه نحو إدراك الواقع المادي وتأسيس النسق الكلي بواسطة تحصيل المعرفة المطلقة فإنه منحته على الأقل القدرة على بناء المعارف الجزئية وتعديلها نسبيا وبالتالي تشكيل عقلانية نقدية مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار معطيات التجربة والتطور التاريخي للعقل نفسه.
أما العقلانية في الميدان الاقتصادي فإنها تدل على اعتماد نظام إداري ناجع واستعمال وسائل مطابقة من وجهة نظر منطق المردودية من أجل تحقيق مجموعة من الفوائد مع تقليل للنفقات والزيادة في الأرباح.
في حين أن العقلانية في المجال السياسي تنقسم إلى بعدين: الأول سلبي ويتمثل بإجراء عدد من أشكال النفي تستبعد التأسيس الميتافيزيقي والسلطة الكاريزماتية والحماسة الشعوبية ، الثاني ايجابي ويرتكز على مرجعية ثورية تؤسس للحكم المدني الذي يؤلف بين مبادئ الأنوار وحقوق الإنسان والمصلحة المشتركة.
لقد قامت العقلنة في السياسة على محاولة إدخال إجراءات حسن التصرف والحوكمة الجيدة في الوسائل ومراعاة الانسجام المنهجي والتخطيط العلمي واستهداف المصالح الكبرى برؤية موضوعية في الغايات.
لقد أدى انتهاج الإدارة السياسة أسلوب العقلنة إلى تشكل جهاز بيروقراطي قوي ينظم المجتمع بطريقة أفقية ويمنح العلاقات بين الأفراد والمجموعات خدامات حيوية ولكنه في المقابل تحول إلى أداة هيمنة وتحكم تمنع الناس من التمتع بالحرية وتفرض منظومة رقابة صارمة وتمارس طريقة ردعية في العقاب.
لهذا سعت الفلسفة المعاصرة من خلال مدرسة فرانكفورت وثورة 68 إلى إنتاج عقلانية نقدية تتعارض جذرية مع العقلنة الإدارية وتتصدى لأشكال الرقابة والتدجين والتضليل التي تمارسها العقلانية الأداتية.
لقد حرصت العقلانية النقدية على محاربة آفات الوثوقية في التصور والتعصب في التصديق والميكانيكية في الربط بين الوسائل والنتائج والعنف في التطبيق واطلاقية إصدار الأحكام والتسرع في الجزم والتقرير وانتبهت إلى أهمية تطهير اللغة وتحرير الرغبة وإعادة الاعتبار للمخيال والتسلح بالمقاومة عبر الرمزية من أجل إنتاج المعنى المتعدد وفهم الوجود وإعادة تقويم القيم وتشييد المجتمع المفتوح والمعرفة المرحة.
هكذا تعطي العقلنة الأسبقية التامة للمعرفة المكتملة والمتكيفة مع الواقع وتقر بداهة الحقيقة العلمية وتؤكد انتصار الذات العارفة في بحثها عن حياة مشتركة تعيشها بصورة متوافقة مع المنطق العقلي وترتيبه وتركز على الانسجام بين موضوعية النظرة العلمية وتنظيم الوجود الاجتماعي وتدبير الحياة السياسية عن طريق القانون وتقسيم العمل وتقوم بتوحيد قوة العمل وإرادة المعرفة والبحث عن المنفعة والالتزام بالعدالة ولكنها تعتقد بأهمية التقدم التاريخي وإمكانية القضاء على الجهل والانتقال من قيود الضرورة إلى الحرية.
لقد كانت الأسئلة الأساسية التي تحركت وفقها العقلانية النقدية هو: كيف يمكننا تفادي الوقوع في التضليل؟ وما السبيل إلى الأمل في التخلص من أوهام النظرية والأخطاء العملية؟ وكيف يمكن القيام بأفعال حصيفة؟
الهوامش:
[1] Notions philosophiques, Tome 2, édition PUF, Paris, 1990. Rationalisme (critique), p2161.
[2] Notions philosophiques, Tome 2, rationalisation, op.cit.pp2158-2159.
المرجع:
Notions philosophiques, Tome 2, édition PUF, Paris, 1990.

كاتب فلسفي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,933,243,180
- من أجل حياة إنسانية خالية من ذل العبودية
- ما جدوى الإطلالة على الحكمة المشرقية في الاحتفال العالمي بال ...
- الالتزام التاريخي للفلسفة السياسية
- أصوات فكرية عريقة عن تربية فلسفية جديدة
- أطياف ثورة 1917 واستذكار زمانية الوجود السوفياتي
- تزايد هجرة الشباب في ظل تعثر الحل التنموي
- عبور ثورة تشي جيفارا نحو الأممية
- علامة استمرار الدمقرطة هي قوة المشاركة وحرية الفعل
- اليسار الاجتماعي: فكرة ثورية ذات طموح اندماجي
- تشريح أصول الفكر العربي الإسلامي
- تاريخ الفلسفة مجرد تأريخ لميلاد المفاهيم وهجرتها
- حكمة الحد الأوسط في نظرية أرسطو
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد
- الأزمة المالية تعرقل مسار التنمية الاقتصادية
- الحقيقة السياسية للدولة المدنية في الوضع الجمهوري
- جهد التفلسف بماهو تمرين في الترجمة
- سفر فلسفي صوب الإقامة في عين الذات
- التربية على الثقافة والإبداع عند أنطونيو غرامشي
- إشكالية الخطاب بين الموروث والوافد والمبكتر
- الفلسفة التطبيقية بين قوانين الفكر وقواعد العمل


المزيد.....




- ترامب يتهم إيران بزرع -الفوضى والموت والدمار- ويطالب بعزلها ...
- فيديوغرافيك.. الكويت تتراجع 8 مراكز بتصنيفها العسكري عالمياً ...
- وئام الدخيل تسطر التاريخ وتصبح أوّل إمرأة مقدمة أخبار في الت ...
- شاهد: وزيرة الدفاع الفرنسية في جولة لقاعدة عسكرية فرنسية في ...
- ترامب: إيران دكتاتورية فاسدة.. وزعمائها ينشرون الفوضى والموت ...
- مخلوقات فضائية؟ علماء يلتقطون مزيداً من الإشارات الغامضة من ...
- الرئيس الفرنسي: ليس هناك من بديل "موثوق به" عن حلّ ...
- "الفضائح" تلاحق كبير حراس ماكرون السابق ألكساندر ب ...
- منظمة: الحوثيون يرتكبون انتهاكات خطيرة ضد محتجزين
- واشنطن توافق على بيع أسلحة لتايوان


المزيد.....

- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- الديانة الزرادشتية ملاحظات واراء / د. اسامة عدنان يحيى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - التوجه نحو عقلنة المجالات غير العقلانية