أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليمان جبران - كيف تحوّلت جزيرة مالطة إلى جزيرة الملوط؛















المزيد.....


كيف تحوّلت جزيرة مالطة إلى جزيرة الملوط؛


سليمان جبران

الحوار المتمدن-العدد: 5702 - 2017 / 11 / 18 - 15:47
المحور: الادب والفن
    


وصف مالطة في كتابين لأحمد فارس الشدياق
في سنة 1826 غادر فارس الشدياق (1801 – 1887) وطنه لبنان، بعد أن اعتنق البروتستانتية، ورأى إسحق برد في بقائه في لبنان خطرًا على حياته: "ثم قال [الفارياق] للخرجي: قد وعيت يا سيّدي كلّ ما أوعيتَه أذني، وما أرى الحقّ إلا معك، وإنّي مشايعك ومتابعك، وحامل للخرج معك. لكنْ أجرني من هؤلاء الصعافيق، فإنهم كالأسود الضاربة لا تأخذهم في خلق الله رأفة ولا شفقة، وعندهم أن إهلاك نفس غيرة على الدين يكسبهم عند الله زلفى". كانت غاية الشدياق في رحلته تلك جزيرة مالطة، ليعمل هناك في خدمة المبشرين البروتستانت، مارّا في طريقه بالإسكندرية، حيث قضى فترة قصيرة قبل خروجه إلى جزيرة مالطة. إلا أنّ رحلته طالت، فشملت مالطة وبريطانيا وفرنسا وتونس والقسطنطينية، ولم يعدْ إلى وطنه لبنان بعد مغادرته إلا في زيارة قصيرة سنة 1840. وفي عودته الأخيرة سنة 1887 ليُوارى في الحدث، مسقط رأسه، كما أوصى بنفسه.
كانت مالطة إذن محطّة الشدياق الأولى في غربته الطويلة عن وطنه. وفي مالطة قضى فترة غير قصيرة، يترجم ويصحّح ويعلّم العربيّة أيضا. الشدياق نفسه يذكر أنّه قضى في مالطة أربع عشرة سنة: "... إلى أن مكّنتني الأقدار الممكّنة، بعد لبثي على تلك الصخرة الدرنة [مالطة] نحو أربع عشرة سنة، من السفر إلى بلاد الإنجليز المتمدّنة". إلا أنّ الشدياق يعني، فيما يبدو، إقامته الثانية في الجزيرة، 1834 – 1848، متجاهلا إقامته الأولى، سنة وبعض السنة، قبل عودته إلى مصر 1828.
في مالطة أيضا ألّف الشدياق، بالإضافة إلى ترجماته وعمله في المطبعة، أوّل كتاب له، وسمّاه "الواسطة في معرفة أحوال مالطة". كان تأليف هذا الكتاب، كما يظهر من رسالته إلى أخيه طنوس سنة 1840، في أواخر الثلاثينات، إلا أنّ طباعته كانت لأوّل مرّة في تونس، ثم كانت الطبعة الثانية، التي تضمّ "الواسطة" و"كشف المخباّ، في إسطنبول 1881، عن دار الجوائب، وهي الطبعة التي اعتمدناها في مقالنا هذا.
الكتاب المذكور هو كتاب في أدب الرحلة، ما في ذلك شك. والجزء الأول منه، في وصف مالطة، هو مؤلّف صغير من 66 صفحة فقط، رمى فيه المؤلّف، شأن رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873) قبله، إلى إفادة القارئ العربي بتعريفه على البلد المذكور، لعلّ في ذلك ما يحفّز الهمم إلى التطور والتغيير: "ويعلم الله أني مع كثرة ما شاهدتُ في تلك البلاد من الغرائب، وأدركت فيها من الرغائب، كنت أبدًا منغّص الفكر مكدّره، كمن فقد وطره [...] لما أني كنت دائم التفكير في خلوّ بلادنا عمّا عندهم من التمدّن والبراعة والتفنّن [...] وأنّى لمثلي أن يدرك جميع ما عند أولئك الناس من الاختراع، والإحداث والإبداع، إلا أنّ رغبتي في حثّ إخواني على الاقتداء بتلك المفاخر، هي التي سهّلت عليّ هذا الخطب وأطالت باعي القاصر".
الكتاب، كما أسلفنا، يتألّف من 66 صفحة، قسّمه الشدياق إلى سبعة فصول: في تخطيط مالطة معرّبا، في هواء مالطة ومنازهها وغير ذلك، في فالته قاعدة جزيرة مالطة، في عادات المالطيين وأحوالهم وأخلاقهم وأطوارهم، في الإنكليز وحكومتهم في مالطة، في موسيقى أهل مالطة وغيرهم، في لغة أهل مالطة. استقى الشدياق مادة كتابه من المراجع الأجنبيّة، كما يظهر في الفصل الأوّل، ومن السماع خلال اختلاطه بالناس هناك، ومن مشاهداته، وهي أهمّ مصادره دونما شكّ.
يذكر الشدياق في مقدّمة كتابه أيضا أنه توخّى الموضوعية في كتابته، فلم يملْ به حبّ أو ينحرف به بغض، فيقول: "وإنما رويتُ عنهم [أهل أوروبا جميعا] ما رويت، وحكيت ما حكيت، بحسب ما ظهر لي أنه الصواب، فلا ينبغي أن يُحمل قولي على ضغن أو إغضاب، وأعوذ بالله أن أبخس الناس أشياءهم، وأتعمّد القول فيما شانهم وساءهم، إلا أنّه لا ينكر أنّ الإنسان محلّ النقص والمعيب، وأنه قلّ من ينظر إلى نفسه بعين المصيب". ثم إنّ أسلوب الكتاب واقعي عادة، بعيد عن السجع الذي التزمه في المقدّمة التزامًا تامًا، كما يظهر من المقتبس السابق، يتناول فيه الخطير والحقير من الأمور، بعين ناقدة، وفكر دائم الموازنة والمقارنة والتقييم. يصف مارون عبّود الشدياق في كتابه المذكور، فيقول: "لقد أوتيَ عينين لاقطتين، ومخيّلة خالقة، وقريحة سيّالة، ورغبة آكلة، ولغة لم يفلت من بين مخالبه إلا القليل من مفرداتها، فحفظها كالماء الجاري، فتدفّقت من شقّ قلمه، فأنعشت النفوس وغذّت الألباب والأذهان [...] أيقظت مخالطة الناس من كلّ جنس ملكة النقد الهاجعة بين جوانحه، فإذا كلماته حراب حادّة، لا يحابي ولا يصانع. وصف ما رأى وما سمع وما أحسّ. ولم يكنْ في هذه الرحلات راوية أخبار، ومحدّثا عن العجائب والغرائب".
رغم ما يستشفّ من كلام عبّود السابق من إعجاب شديد بالشدياق، وقد أُعجب به كاتبًا وثائرًا حتى سمّاه "جبار القرن التاسع عشر"، إلا أنّه لم يدّعِ الموضوعية لأستاذه في تناوله أحوال الشعوب الأخرى. فالشدياق وإن حاول الموضوعية، كما ذكر في مقدّمة الكتاب، إلا أنّه تناول الأمور جميعها بعين الرجل الشرقي، ما في ذلك شكّ، فلم يستطع في أحيان كثيرة تحييد مواقفه الشخصية، وتجاربه الحياتية التي عاشها في هذا البلد أو ذاك. وفي مالطة بالذات لم يشعر الشدياق بالرضى والسعادة، رغم قدومه إليها وهو حديث العهد بالزواج، ورغم الأجر الذي فاق ما كان يتقاضاه في مصر أيضا. لم يعجب الشدياق بهواء الجزيرة، ولا بسكّانها، ولا بلغتهم، ولا بكثير من عاداتهم أيضًا، فأطلق فيهم لسانه ساخرًا متهكّما في مواضع كثيرة، رغم ما ذكره في مقدّمته، كأنّما هو واصف موضوعي ينقل إلى قرّائه مشاهداته ومسموعاته. وفي سياق مقالنا سوف نعرض لبعض نقده اللاذع لمالطة وأهلها في كتابه المذكور.
بالإضافة إلى "الواسطة"، ذكر الشدياق مالطة في كتاب "الساق" أيضا. وا"لساق على الساق" كتاب فريد شكلا ومضمونا، لم يعرف الأدب العربي مثيلا له، لا قبله ولا بعده، أو كما يصفه الشدياق نفسه: "فهو اليتيم المستحيل إخاؤه/ وهو الفريد فكن عليه عطوفا". بل إن مارون عبّود يرى أنّ كتاب "الساق" "لم يكتب مثله شرقي، كما يقصّر عنه الكثيرون من نوابغ الغرب". على كلّ حال، ما يهمّنا تأكيده هنا هو أن" الساق" كتاب في السيرة الذاتية، سرده الشدياق بضمير الغائب جاعلا الفارياق، الاسم الذي نحته من اسمه فارس الشدياق، "بطل" هذه السيرة، يروي أخباره وينقل كلامه أيضا. إلا أنّ هذه السيرة تختلف عن السيرة الذاتية المألوفة، إذ سكب الشدياق في هذا الإطار الفضفاض الجاهز كلّ ما شغله من لغة وشعر ومقامة ونقد أدبي واجتماعي، وبأسلوب يحفل بالسخرية والكنايات، والإحماض أيضا!
في الساق، كما أسلفنا، وصف الشدياق مالطة أيضا، خلال تتبّعه لحياة الفارياق كرونولوجيا، ولتنقّلاته من بلد إلى آخر. إلا أنّ وصف مالطة في الساق لم يكن بأسلوب أدب الرحلة، كما في "الواسطة" بل بأسلوب ساخر كنائي يختلف تمام الاختلاف عنه في "الواسطة"، وإن تناول في أحيان كثيرة الأمور والوقائع ذاتها. فلنتناول، بعد هذا التعريف الضروري، بعض موصوفات الشدياق في واسطته وساقه، لنرى كيف يختلف الأسلوب باختلاف الجانر، حتى في تناول الأمر ذاته.
نبدأ باسم الجزيرة. يفسّر الشدياق اسم جزيرة مالطة في الواسطة، فيورد رأيه في هذه المسألة جادّا معتمدًا على القاموس في تبيان معنى هذا الأصل أيضًا: "أما اشتقاق اسمها، إن كان عربيا، فمن م ل ط، ومعظمه يدلّ على التجرّد والخلوّ أو التجريد والإخلاء، فتكون قد سمّيتْ بذلك لخلوها عن الغياض والجبال والأنهار وغيرها. وفي القاموس: ومالطة كصاحبة د [أي بلد]، وكان عليه أن يذكر خصوص كونها جزيرة، فإنّه كثيرا ما كان يتعقّب الصحاح بمثل ذلك. فأما قوله أولا ملط شعره حلقه، ثم قوله بعد فاصل والأملط من لا شعر على جسده، وقوله في أوّل المادة ملط الخبيث لا يرفع له شيء إلا سرقه، ثم قوله عند الآخر وامتلطه اختلسه، فمن اختلاط التركيب في الترتيب". أوردنا فقرة تفسير الاسم لنرى كيف فسّر اسم مالطة تفسيرا جادّا، موضوعيا، ثم أورد بعد ذلك المعاني الأخرى التي يوردها قاموس الفيروزبادي، بما فيها الملط بمعنى الخبيث.
فماذا فعل في الساق؟ في الفصل التاسع عشر من الجزء الأول من الكتاب، يذكر الشدياق اللقاء الذي كان بين الفارياق والخرجيّ، أي المبشّر البروتستانتي إسحق برد، فيصف كيف اقتنع الفارياق بمبادئ البروتستانتية، ولكنّه خشي بطش رجال الدين الموارنة، ولذا قرّر إسحق برد تسفيره إلى مالطة، لينقذه من الملاحقة والاضطهاد والتنكيل: "فلما سمع الخرجي ذلك رأى أن وراء هذا الكلام لباقعة، فحرص على إنقاذ الفارياق من أيدي العتاة، وارتأى أن يبعثه إلى جزيرة الملوط، كأنما هو اسمها الحقيقي، بل إنّ القارئ السليم الطويّة قد يظنّ أنّ في الأمر خطأ مطبعيًا، فيفوته ما في هذه التكنية من سخرية مرّة بسكّان مالطة. فالملط، كما يذكر القاموس المحيط للفيروزبادي، وهو القاموس الذي رافق الشدياق في حلّه وترحاله، "بالكسر الخبيث لا يرفع له شيء إلا سرقه واستحلّه والمختلط النسب"!
ذكرنا أيضًا أن الشدياق لم يعجّب بمالطة، ومن الأمور التي أثارت حفيظته اللغة المالطية بالذات، لأنها في رأيه تشويه للغة العربية "الشريفة" التي أحبّها الشدياق حتى العشق. يعرض في الواسطة للغة مالطة فيظلّ كلامه في حدود الموضوعية والتقرير، وإن كان رأيه في هذه اللغة يستشف بوضوح: "اِعلم، صانك الله عن الزلل، وسدّدك إلى صواب القول والعمل، أنّ اللغة المالطية فرع من دوحة العربية وشيص من ثمرها (الشيص بالكسر ثمر لا يشتد نواه كالشيصاء أو أردأ التمر- الفيروزبادي) وهي يُتكلم بها في مالطة وغودش، وسواء في ذلك العامّة والخاصّة [...] ولم يُشهر فيها كتب، فهي عبارة عن ألفاظ يتداولونها فيما هو من مقتضيات الأحوال الساقطة دون أن تفي بحاجتهم فيما يقصدونه من وصف أو نسيب أو وعظ، فإذا أرادوا ذلك فزعوا إلى الطليانية، [...] وقد قلتُ فيها:
تبّا لها لغة من غير قراءة / وكتابة عين بلا إنسانِ
أذنابها ورؤوسها عربية / فسدتْ وأوسطها من الطلياني
وفي موضع آخر يصرّح، وهو العربي الغيور على لغته، أنه لا يطيق سماع اللغة المالطية بكل ما فيها من فساد: "إن أهل مالطة جميعا يكرهون جنس العرب والمسلمين على الإطلاق [...] فما أحد ممّن ألف الحظّ في الحمّام والبساتين والغياض والمواسم والتأنّق في المطاعم، يترك بلاده ويأتي إلى هذه الصخرة الصمّاء. هذا، ومن يكنْ من العرب ذا غيرة على لغته فلا يطيق أن يسمع الكلام المالطي على فساده".
هذا هو رأي الشدياق في اللغة المالطية، وهو لم يستطع كما نرى إخفاء موقفه الشخصي من هذه اللغة ومن أصحابها، وإنْ حاول أن يبقى في نطاق "الموضوعية" التي يفرضها أدب الرحلة عادة. فكيف تناول هذه المسألة في الساق الحافل بالسخرية والتهكّم والكنايات؟ في سياق وصف الجزيرة وتعداد "خصائص" أهلها، يعرض في الساق إلى اللغة المالطية لأوّل مرة، فيقول: "ومن خصائصهم أيضا أنهم يتكلّمون بلغة قذرة طفسة منتنة، بحيث أنّ المتكلّم يشمّ منه رائحة البخَر أول ما يفوه، والرجال والنساء في ذلك سواء. وإذا استنكهتَ امرأة جميلة وهي ساكتة نشيتَ منها عَرفا ذكيّا، فإذا استنطقتَها استحالتْ إلى بخر".
وإذا كانت لغتهم، وقد أغاظت الشدياق جدا، قد تحوّلت إلى بخر (والبخر بالتحريك هو النتن في الفم وغيره – الفيروزبادي)، فإن تعليم العربية في مالطة هو، في هذا السياق، "صلاح البخر أيضا. يذكر الشدياق في الواسطة، خلال تعداد المباني العظيمة فيها، أنّ من بينها "مدرسة جامعة يعلّم فيها الفنون واللغات، وفيها كنت أعلّم اللغة العربية". وقد عمل في تعليم العربية فعلا بإلإضافة إلى عمله في الترجمة وفي المطبعة، في خدمة المبشّرين البروتستانت. أمّا في الساق فتعليم العربية، كما أسلفنا، هو إصلاح البخر، وحاكم الجزيرة هو من يكلّفه القيام بذلك، ليخفّف عنه الأحلام ويثقل كيسه أيضا: "كان قد بلغ مسامع حاكم الجزيرة أن الفارياق قدم إليها لتعبير الأحلام، وانّه خبير بهذا الفنّ جدّا، وأن به ملكة أيضا على إصلاح البخر. فبعث إليه ذات يوم بعض حجّابه يقول له إنّ الحاكم يدعوك إليه لمسألة مهمّة، فلا بدّ من أن تفد إليه [...] فلما مثل بمجلس الحاكم قال له: قد بلغني قدومك إلى هذه الجزيرة عند الخرجي، وانّه ضايقك بكثرة أحلامه وما كفاه ذلك حتى علّم زوجته أيضا أن تحلم مثله. فهل لك الآن في تعاطي مصلحة لدينا تخفف عنك أحلامه وتثقل كيسك؟ قال: ما هي يا سيدي؟ قال: إن عندنا في هذه الجزيرة قوما بُخْرًا لا يطيق أحد أن يفهم منهم شيئا إذا تفوّهوا لشدة بخرهم، وقد سمعتُ أنّك قادر على علاجهم، فهل لك في إصلاحهم، ولك عندنا المكافأة الحسنة [...] ثم استمرّ الفارياق في الوظيفتين، معبّرا ومصلحًا مدّة مكّنَته من حلّ مشاكل زوجته، واتّخذ له متاعا فاخرا وآنية حسنة، وصار يدعو الناس، ويصنع لهم ولائم". أما تعبير الأحلام الذي ورد في المقتبس السابق، فيكنّي به الشدياق عن عمله في الترجمة والطباعة لدى المبشّرين البروتستانت في الجزيرة. على هذا النحو يكنّي الشدياق عن تعليم العربية بإصلاح البخر، ويواصل هذه التكنية كلّما ورد ذكر تعليم العربية في الجزيرة. بقي أن نضيف أن الشدياق يذكر في الواسطة أن المالطييّن "كلهم يأكلون الثوم والبصل نيّئا، فلا تزال رائحة أفواههم منتشرة"، فلعلّ ذلك ما أوحى إليه بهذه الكتابة الساخرة، يعبّر فيها عن مقته اللغة المالطية وغيرته على العربية "الشريفة"!
ثمّ إنّ أخلاق المالطيين تختلف أيضا في الساق عنها في الواسطة، بما في ذلك معاملتهم الغريب في بلدهم، ولا ننسى أنّ الشدياق كان غريبا بينهم. كتب الشدياق في الواسطة يصف أخلاقهم وعاداتهم قائلا: "أما أخلاقهم فالغالب على أعيانهم لين الجانب والبشاشة، فإذا سألتَ أحدا منهم عن شيء أجابك وهو باشّ مستأنس إليك [...] ومتى رأوا غريبا نظروا إليه متفرّسين، وتنصّتوا لاستماع كلامه ليعرفوا بأي لغة يتكلم، ويصفون حاله في وجهه بأن يقول أحدهم للآخر: "هذا الرجل من بلد كذا، وقد أطال المكث هنا، ولعلّه لا يمكث بعد فإنه كان أولا سليمًا وكأنه الآن مريض"، فيقول الآخر: "وإلى أن يذهب، أعساه يجد بلدًا خيرا من بلدنا، مقصد الواردين والصادرين". وهو سلوك عادي حين يلتقي أهل البلد أو سكّان الحارة برجل غريب حلّ ليقيم بين ظهرانيهم. والافتخار بالبلد أمر مألوف أيضا، فمهما كان البلد يظلّ عزيزا على أهله، يعجبون به ويفخرون. فكيف وصف الشدياق هؤلاء الناس أنفسهم في الساق؟ على هذا النحو "يعامل" أهل مالطة الغريب في الساق: "ومن خصائص أهل هذه الجزيرة أنهم يبغضون الغريب ويحبّون ماله وهو غريب، فإنّ مال الإنسان عبارة عن حياته ودمه وذاته، حتى أنّ الإنجليز إذا سألوا عن كمّية ما يملكه الإنسان من المال قالوا: كم قيمة هذا الرجل؟ فيقال قيمته مثلا ألف ذهب. فكيف يتأتّى لأحد أن يبغض آخر ويحبّ حياته؟ وأنهم يتجاذبون كل غريب قدم إليهم، فيأخذه واحد منهم بيده اليمنى ليريه النساء، ويمسكه الآخر بالأخرى ليريه الكنائس والدولة لمن غلب".
التفت الشدياق في الواسطة أيضا إلى زيّ الناس هناك وملابسهم، فتحدّث بالتفصيل عن عاداتهم في اللباس، وأقمشة ملابسهم، وألوانها، وحليّ النساء من الأغنياء والفقراء، مقارنا دائما، بالتصريح أو التلميح، عاداتهم في اللباس والتحلّي بما عرفه في مصر والشام. لاحظ في ملابسهم، خاصّة السراويل، أنها قصيرة، غير فضفاضة كسراويل الشرقيين، فكتب في الواسطة: "والحقّ يقال إنّ ملابس الإفرنج أوفق للعمل، وأدعى إلى قلّة المصروف، فإنّها ما عدا كونها مزنّقة، وهو أصل في الاقتصاد، فهي عارية عن كلفة الرقم والوشي، وربّما كانت أدعى إلى النظافة أيضًا". هكذا نجده يعجب بملابسهم هنا عدا التزنيق فيها، بل يبرّره أيضا بداعي الاقتصاد. وفي موضع آخر جعل التزنيق في الملابس من صفات المتكيّس الغيساني عندهم، أو الرجل الظريف الجميل، مضمّنا ملاحظته بعض النقد الخفيف: "والمتكيّس الغيساني هو الذي يزنّق سراويله على فخذيه وأليتيه، حتى لا يعود يمكنه التقاط شيء من الأرض، فإذا صعد في درج ونحوه استعمل الحيلة حتى لا تنقدّ من دبر". أما في الساق فكان تأكيده على السراويل المزنّقة بالذات، وعند القسيسين خاصّة، ليجعلها موضعا للسخرية، والإحماض أيضا: "وسراويلهم أشبه بالتبابين [التبّان سروال صغير]، فإنها إلى رُكبهم فقط، وسيقانهم مغطّاة بجوارب سود، والظاهر أنها عظيمة لأنّ جميع القسيسين في هذه الجزيرة معلّفون سمان. وقد جرتِ العادة عندهم أيضا بأنّ القسّيسين وأهل الفضل والكمال من غيرهم يحلقون شواربهم ولحاهم. وإنما يجب على القسيسين خاصّة أن يلبسوا سراويلات قصيرة مزنّقة حتى يمكن للناظر أن يتبيّن ما وراءها".
نعرض أخيرًا لوصف التديّن في مالطة، وكيف أورد الشدياق ذلك في الكتابين المذكورين. يتوسّع الشدياق، في الواسطة، في وصف تمسّكهم بالدين وعقائدهم الكثيرة العجيبة في هذا المجال، كتعميد الأجراس، والإيمان بأن دعوة الجرس مستجابة، وأن اسم مريم العذراء مرسوم في كل كفّ لأن خطوط الكفّ نشبه حرف الميم في اللاتينية، وأنّ شكل الصليب مخلوق في جسم الإنسان حين يبسط يديه، إلى غير ذلك. ذكر ذلك كلّه بأسلوب تقريري بعيد عن السخرية، وإنْ كان القارئ يستشفّ استغراب الشدياق لهذه العقائد الغريبة فعلا. بل انّه يذكر أنّ الزانيات في مالطة متديّنات أيضا، وبأسلوب أقرب إلى الموضوعية والوصف المحايد: "والبغايا على هذه الجزيرة لسن ذوات ثروة ولا جمال رائع، إلا ما ندر. فلا تجد لإحداهن دارًا على حدتها أو خادمًا، لكنّهن في الغالب غير وقحات ولا متهافتات على الرجال، بل هنّ لعمري أصون لسانا من المتزوجات [...] ويتردّدن على الكنائس كثيرا، وليس منهنّ من تريد أن تموت في الذنوب، كما هي عبارتهن. وحين يأتين الفاحشة يغطّين وجوه صور القدّيسين التي في حجرهنّ، أو يقلبنها تأدّبا وتورّعا". على هذا النحو يتناول تديّن البغايا بأسلوب موضوعي منصف، مفوّتا على نفسه السخرية من هذا التناقض الصارخ بين تديّن الزانيات وسلوكهنّ. فإذا ذكر هذه الواقعة في الساق وجدها مناسبة مواتية للكتابة الساخرة، كما هو دأبه في صفحات هذا الكتاب الضخم: "... حتى أنّ الزواني في هذه الجزيرة متهوّسات في الدين، فإنّك تجد في بيت كلّ واحدة منهنّ عدّة تماثيل وصور لمنْ يعبدونه من القديسين والقديسات. فإذا دخل إلى إحداهنّ فاسق ليفجر بها قلبتْ تلك التماثيل، فأدارت وجهها لكيلا تنظر ما تفعله، فتشهد عليها بالفجور في يوم النشور".
هكذا نرى، ختاما، كيف وصف الشدياق الوقائع ذاتها في الواسطة والساق، بأسلوبين مختلفين تماما، تبعًا للجانر الأدبي في كل من الكتابين: بالموضوعية والتقريرية، إلى حدٍّ بعيد، في كتاب الواسطة وفقا لتقاليد أدب الرحلة، وبالسخرية والتهكّم والتكنية في كتاب الساق، سيرته الذاتية الفريدة الساخرة.
jubrans3@gmail.com





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,716,350
- توظيفات السجع في-الساق على الساق-
- الصعب والأصعب في رحلة فدوى طوقان
- الغزل احتجاجا؛ قراءة في غزل الجواهري المكشوف
- كاتب عصري !
- المفتّشة اليهوديّة !
- سالم لأنّه ظلّ.. سالما !
- ضحايا -أبو عمر-!
- كيف أتدبّر بعدها ؟!
- نوافذ الستر
- القناعة كنز لا يفنى ؟!
- رومانسيّة مشايخ؟!
- ريتا الواقع والقناع
- لم أتغيّر.. وقفت على الرصيف !
- رفضتنا حيفا.. فاستقبلتنا تل أبيب في الأحضان !
- المنايا خبط عشواء !
- هذيك الأيّام؛ مارون عبّود أبو محمّد !
- الرحيل الافتراضي !
- وحدي ؟!
- هذيك الأيّام: ماذا سيقولون في القرية؟!
- غسلا للعار ؟!!


المزيد.....




- الحياة تدب في مكتبات موسكو ومتاحفها في -ليلة المكتبة-
- خمسة أحداث تاريخية ألهمت صناع مسلسل لعبة العروش
- فيلم -تورنر- يلتقط سيرة وصدمة -رسام انطباعي- أمام دقة الكامي ...
- الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..
- رسالة السوّاح
- حوار -سبوتنيك- مع الممثل الخاص لجامعة الدول العربية إلى ليبي ...
- هذه تعليمات أمير المؤمنين لوزير الداخلية بخصوص انتخابات هيئ ...
- فنانة تطلب من بوتين على الهواء منحها الجنسية الروسية (فيديو) ...
- في تدوينة له ..محمد البرادعي يعلق على قرار إتخذه زوج الممثلة ...
- مندوبية السجون: إضرابات معتقلي الحسيمة تحركها جهات تريد الرك ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليمان جبران - كيف تحوّلت جزيرة مالطة إلى جزيرة الملوط؛