أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم ألصفار - كردستان بين الطموح والواقع















المزيد.....

كردستان بين الطموح والواقع


جاسم ألصفار

الحوار المتمدن-العدد: 5687 - 2017 / 11 / 3 - 13:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



من الصعب اعتبار ان الاحداث الاخيرة في اقليم كردستان قد قبرت حلم الاكراد في اقامة وطن لهم ولكن شيء ما كبير ومزعزع لاركان الحلم قد حصل. فمن بين اربعة دول يقطنها الاكراد هي سوريا وتركيا وايران والعراق، كانت الاخيرة اكثرها قربا من تحقيق هذا الحلم، ولم يكن يفصلها عن الاستقلال سوى اعلانه. ولكن في غضون ما يقارب الشهر من تاريخ اعلان نتائج الاستفتاء على الاستقلال تمكنت الحكومة الاتحادية من توجيه ضربة موجعة لكل مخطط الانفصال، وقللت من اهمية الاستفتاء ومعه تراجعت كل الامال الطموحة لبناء وطن قومي للاكراد على الاراضي العراقية.
وكانت النتيجة ان تراجع هدف الكرد من الاستقلال الى الحفاظ على كردستان بحدودها الاولى التي كانت عليها قبل 2003 مع ما يوفره الدستور العراقي من حقوق للاقليم، وفرط الكرد نتيجة لاصرارهم على اجراء الاستفتاء، في ظروف غير مناسبة لاجرائه، بالعلاقات الطيبة التي كانت تربطهم بالعديد من دول العالم التي ادارت ظهرها لهم واوقعتهم في عزلة خانقة.
وقد وصل الحال الى ما وصل اليه لان السلطة في اقليم كردستان، نسيت من تكون كردستان واين هو موقعها الحقيقي في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بمجملها. وانه لا يكفي الاعتماد على القدرات الذاتية في هذه المنطقة الشرق اوسطية لانجاز تغيير في توازنات اقليمية مترسخة تاريخيا بين دول تربطها علاقات اقل ما يقال عنها انها حساسة، وان اي محاولة لتغيير التوازنات القائمة كانت ستواجه ردة فعل موحدة من جميع اطراف التوازن الاقليمي لكبح طموح الطرف الذي يرغب في زعزعة تلك التوازنات. الكرد لم يضعوا في حسابهم تعقيدات الوضع القائم واحتمالات تغيراته عند اعلانهم للاستفتاء على الاستقلال، أو انهم كما كتبت صحيفة الشرق الاوسط السعودية، نسوا قانون نيوتن الثالث عن ان لكل فعل ردة فعل توازيه في القوة وتعاكسه في الاتجاه.
ونفس حالة التوازنات الحساسة، يمكن تشخيصها في الوضع الداخلي للعراق، حيث السلطة تقوم على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية التي يعتبر الاكراد احد اجزاء معادلتها، بل واحد الاجزاء المؤسسة لها. وهنا كما في الوضع الاقليمي، لكل حصته المحسوبة حسابا عسيرا ودوره الذي لا يجب ان يتجاوز حدود حصته، لذا فان تجرا جزء من هذا النظام على خلخلة توازناته ستتوحد جميع الاطراف الاخرى ضده.
قبل اكثر من شهر بقليل كانت كردستان العراق في قمة نشوتها وكبريائها وسطوتها، وكانت تعول على السلاح الغربي والحماية الامريكية وتملك قوة مسلحة جيدة التدريب من البيشمركة اضافة الى ارباحها من النفط الذي كانت تصدره بصورة مستقلة عن بغداد الى تركيا وايران، وسيطرتها على مساحات واسعة من الاراضي، بما فيها كركوك الغنية بالنفط، والتي كانت قد بسطت سلطتها عليها منذ عام 2014.
على انه، وكما يقول الروس، فان الشهية تتفتح اثناء الاكل، لذا كانت رغبة رئيس الاقليم مسعود البرزاني عارمة للحصول على الاستقلال التام الموثق قانونيا والذي يدخل به التاريخ كونه المؤسس لاول دولة كردية مستقلة بعد جمهورية مهاباد، تتمدد حدودها لتشمل مساحة اوسع من المساحة الجغرافية التي يشغلها الاقليم، تمنحه بثرواتها الطبيعية مقومات الدولة المستقلة. ولهذا السبب بالذات شمل الاستفتاء الاراضي المتنازع عليها بين الاقليم والدولة الاتحادية. من جهة، اراد الرئيس مسعود البرزاني ان يثبت للعالم وللحكومة الاتحادية رغبة سكان هذه المناطق بالبقاء جزءا من الدولة المقبلة في كردستان العراق وللدخول من جهة اخرى في مفاوضات من موقع قوة مع بغداد، خاصة وان سياسة قيادة اقليم كردستان اعتمدت بالاساس على خلق الوقائع على الارض وفرضها كأمر واقع.
في البداية ظهر وكأن مخطط رئيس الاقليم السيد مسعود البرزاني يتحقق بسلاسة، خاصة وان نتائج الاستفتاء انتهت بتصويت اكثر من 90% من المشاركين في الاستفتاء لصالح الاستقلال. ثم ليتبين فيما بعد ان الاستفتاء نفسه لم يكن سوى بداية النهاية لمشروع الانفصال واقامة دولة الاكراد القومية المستقلة في كردستان العراق.
الكرد، كما ذكرت، لم يقدروا تقديرا صحيحا حجم ردة فعل دول الجوار، مع ان ايران وتركيا كانتا معارضتين للاستفاء منذ اعلان تاريخ الشروع به. فطهران تتخوف من ظهور دولة على حدودها مطيعة للارادة الامريكية وتربطها علاقة تعاطف قديمة مع اسرائيل، يكون بامكانها تحريض ودعم اكراد ايران لزعزعة الاستقرار فيها، لذا هددت ايران بغلق حدودها مع كردستان العراق، وما لذلك من تبعات اقتصادية على الاقليم. كما ان الرئيس التركي رجب طيب اوردغان تنازعه نفس مشاعر الحذر والريبة من ان يشجع مثال كردستان العراق، اكراد تركيا على الانفصال والاستقلال عن الدولة التركية، لذا فان الرئيس التركي لم يهدد بالحصار الاقتصادي على كردستان العراق فقط بل ولوح باستخدام القوة.
وبدلا عن التعامل مع هذه الوقائع الموضوعية بروية ومرونة من اجل تبديد مخاوف الجيران قبل الشروع بالاستفتاء فان الكرد عولوا كثيرا على الدعم الامريكي والسعودي والاسرائيلي والاماراتي، وعلى عداء هذه الدول لايران، للحصول على دعمها ومساندتها في مسعاها للاستقلال عن حكومة بغداد الصديقة لايران. وعزز هذا الخيار انباء عن حصول الاكراد على وعود من دوائر محددة في الادارة الامريكية بان امريكا سوف لن تفرط بصداقتها مع الاقليم ولن تتركه وحيدا امام اي تهديدات ايرانية (والمقصود هنا ايران وحلفائها في العراق). على ان المواقف التي تلت الاستفتاء اثبتت انه لا وزارة الخارجية الامريكية ولا البيت الابيض ولا البنتاغون لم يكونوا مؤيدين للاستفتاء، على الاقل من ناحية توقيته واوصوا بحل الخلافات مع بغداد عن طريق الحوار.
هذا في الوقت الذي كانت فيه حكومة بغداد قد هددت بأنها سوف لن تخوض اي حوار مع قيادة الاقليم انطلاقا من نتائج الاستفتاء، وقررت ان تستفيد من التضامن العالمي معها لتحقيق مكاسب لم تكن لتحققها لولا هذا التضامن المعزز بالتهديدات الايرانية والتركية بحصار اقليم كردستان اقتصاديا. وبعد توقف الرحلات الجوية العالمية في مطارات كردستان شعر الاكراد لأول مرة بالعزلة العالمية، تبعها شعور بالهزيمة والانكسار عندما قامت القوات العراقية بعملية ناجحة ودون اي خسائر تذكر باستعادة كركوك وحقول النفط في ضواحيها اضافة الى بقية الاراضي المتنازع عليها والتي سيطرت عليها البيشمركة بعد عام 2014 .
وتجدر الاشارة هنا الى ان كل ما قامت به الحكومة العراقية سواء بتحريكها لقواتها وبسط سيطرتها على حقول نفط كركوك والاراضي المتنازع عليها، اضافة الى الاجراءات الاخرى التي اتخذتها والمطالب التي اعلنتها، كانت ملتزمة باطار محدد لتحركاتها عملت منذ البداية على ان تكون وفقا للدستور العراقي والقانون الدولي، فهي لم تدخل اراض تقع ضمن الحدود الادارية لاقليم كردستان، كما انها لم تهدف للمساس بمصالح الشعب الكردي واعلنت في مبادرة حسن نوايا، بهذا الخصوص، حرصها على صرف رواتب موظفي الاقليم والبيشمركه.
وكما هو معلوم فان الارادة السياسية في كردستان العراق ليست واحدة. فاضافة الى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده رئيس الاقليم مسعود البرزاني هناك الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسعى لتحجيم نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها في كردستان، ويعارض تحويل كردستان الى منطقة مواجهة مع ايران نظرا للعلاقات التاريخية الوثيقة التي تربط الاتحاد الوطني بايران. وعدم وحدة الارادة الكردية، من وجهة نظري، اضافة الى ما يشاع عن وجود اتفاقات مسبقة مع بغداد، هي التي كانت وراء ذلك النجاح الباهر الذي حققته القوات الاتحادية في كركوك وما تلاها من انتصارات سريعة ومتتابعة على كل مساحة الاراضي التي تسمى بالمتنازع عليها.
والنتيجة هي ان ورقة الاستفتاء لم تفلح في تقوية الموقف التفاوضي للاكراد في حوارهم المزمع مع بغداد، بعد الاستفتاء، بل بالعكس، قلصت خيارات الاكراد واضعفت موقفهم. ولم تعد تفيد في شيء اتهامات الخيانة، سواء لاطراف في الحركة الكردية او حتى للاصدقاء الدوليين الذين اداروا ظهرهم لكردستان بعد الاستفتاء وتركوهم وحيدين في ساحة احتراب لا تقوى عليها كردستان بامكانياتها المتواضعة امام موقف دولي قوي متضامن مع بغداد، وخاصة من قبل ايران وتركيا.
واخيرا، فحريا اليوم باخوتنا الاكراد ان يدركوا اليوم مع مرارة الانكسار انه لا فائدة من العودة الى سياسة ما قبل الاستفتاء او الانطلاق من مخرجاته لاستثمار نتائجه، وان يدركوا قبل فوات الاوان ان اساس البلاء وسبب كل انكساراتنا في العراق، هو النظام القائم على المحاصصة الاثنية والطائفية الذي ساهم الاخوة الكرد، للاسف، في التأسيس له وترسيخه. يحتاج الاخوة الكرد اليوم الى الشجاعة في تقييم نقدي لدورهم في النظام الاتحادي التحاصصي وفي ادارة الاقليم منذ 2003 والتخلي عن مساهمتهم في تثبيت قوائم هذا النظام والتعاون مع القوى المدنية الديمقراطية العراقية من اجل بناء دولة المواطنة في عراق اتحادي فيدرالي. اما الطموحات ومشاريع المستقبل فلتترك للمستقبل وما يتمخض عنه من تغيرات على ارض الواقع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,089,732
- الموقف الامريكي من الاتفاق النووي مع ايران
- مغزى زيارة الملك سلمان لموسكو
- منعطفات جديدة في السياسة الامريكية
- الملك عاريا
- تأملات تسبق الانتصار
- الانفصاليون وخدعة الاستقواء بالفكر الاشتراكي
- خاطرتان قصيرتان في موضوع وحدة اليسار العراقي
- تركيا، الى اين؟
- كوريا الشمالية أمام خيارات التصعيد ام التهدئة؟
- الرؤيا العدمية والرؤيا الواقعية في الحدث السوري
- لمسار التغيير روافد
- رأي في شعار -مقاطعة الانتخابات-
- وقائع احداث جامعة واسط
- حكومة وعشائر ومافيات
- عواقب التغيير
- كوبا بعد فيديل كاسترو
- اشتراطات نجاح التغيير في السياسة الامريكية
- بداية معركة الحسم في حلب
- تكهنات في متغيرات العلاقة الامريكية الاوربية
- الديمقراطية بين جدلية المضمون والاليات


المزيد.....




- -انعكاس ضوء القمر-.. لوحة من آلاف المرايا تكريما لمهندسة أبو ...
- المعارضة الروسية تحشد أكثر من 20 ألف متظاهر في موسكو داعية ل ...
- -القائد المتحمس-.. تدريب عسكري مشترك بين أمريكا والسعودية وس ...
- السعودية تفرج عن ناقلة نفط إيرانية بعد إصلاحها في جدة
- الحرس الثوري الإيراني يبث فيديو احتجازه ناقلة نفط ترفع علم ب ...
- الحرس الثوري الإيراني يبث فيديو احتجازه ناقلة نفط ترفع علم ب ...
- التوترات في الخليج... هل -واشنطن- تقف خلف أزمة ناقلات النفط ...
- بومبيو يعبر عن خيبة أمله بسبب حصول تركيا على منظومة -إس-400- ...
- القبض على متورط جديد في اغتيال الدبلوماسي التركي بأربيل
- مقتل 3 مسلحين بغارتين لـ-التحالف الدولي- شمال غرب العراق


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم ألصفار - كردستان بين الطموح والواقع