أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع















المزيد.....



توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن-العدد: 5685 - 2017 / 11 / 1 - 16:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توءمة حزبية ملتصقة
مصطفى مجدي الجمال

((المقال الحالي طالبني به كثير من الأصدقاء والرفاق.. وقد رضخت أخيرًا لكتابته، ولكن إذا كان البعض ينتظر مقالاً يركز على الجوانب الشخصية والأسرار والعنعنات فلن يجد هنا غرضه.. وإنما أركز أساسًا على مسيرة تاريخية مهمة بما يسمح باستخلاص الدروس))

هذا الموضوع حافل بالألغام والحساسيات، لكن لا مفر منه.. لأنه تعرض تاريخيًا للتشويه والتسطيح والإبهام.. تارةً بفعل الإحن الشخصية والحلقية، وتارةً بحجة الدواعي الأمنية حتى بعد زوال الخطر وهواجسه بأزمان، وتارة بسبب ازدواجية القيادات التي لعبت دورها على "حبلين" (!!) في آنٍ واحد لتختار في النهاية اللعب على أحدهما أو مغادرة الحلبة بأكملها..

يتعلق موضوعنا بالتوءمة الملتصقة (السيامية) بين حزبي التجمع والشيوعي المصري، بهدف فهم مآل هذا الالتصاق حينما حانت ساعة الفصل بينهما.. ومن المعروف أن فصل التوءمين السياميين قد ينتهي بموت الاثنين أو أحدهما أو نجاح الفصل في بعض الحالات.

يثير الموضوع تساؤلات من نوع: هل كانت الحالة الالتصاقية ضرورة، أم كانت منزلقًا مغريًا للقيادة لتسويد اتجاه معين أو سيطرة مجموعة؟ أم أننا كنا بصدد مناورة استراتيجية وتاريخية كبرى للحيلولة دون تبلور معارضة ثورية جذرية تشكل خطرًا على النظم في هذه المنطقة المهمة جدًا للإمبريالية العالمية؟...

وجدير بالذكر أن دوائر ثورية كثيرة في المنطقة وحتى العالم الثالث اهتمت وقتها بهذه التجربة المصرية للعلاقة المتداخلة والواعدة بين حزب شيوعي وحزب ديمقراطي ثوري.. لكن الاهتمام خفت بمرور الوقت، فلا حافظ الحزب الشيوعي على خطه ولا حتى علي كيانه العضوي، كما ركن الحزب الديمقراطي الثوري إلى حالة من الركود بسبب اتباع سياسة يمينية (ياللغرابة) وممارسات تنظيمية اتسمت بالهيمنة والترهل في آن واحد.

كانت حلقات ماركسية ثلاث قد توحدت منذ أوائل السبعينيات ووضعت نصب أعينها أن تصبح الحزب الشيوعي المصري، تحت الإطار النظري للثورة الوطنية الديمقراطية بقيادة حزب الطبقة العاملة.. وإلى جوارها كانت هناك حلقة أخرى باسم التنظيم الشيوعي المصري (الذي أصبح فيما بعد حزب العمال الشيوعي المصري) المتبني لتحليل طبيعة المرحلة بأنها مرحلة الثورة الاشتراكية.. وتنظيم 8 يناير الذي أسسته مجموعة من المناضلين القدامى قالوا بأنهم من رفض حل الأحزاب الشيوعية عامي 64 و65، وكان هذا التنظيم متأثرًا بالماوية وقريبًا في مواقفه السياسية (أكثر من النظرية) من مجموعة حزب العمال، لكنه كان الأكثر اهتمامًا وارتباطًا على الإطلاق بالقضية الفلسطينية.. كما كانت هناك جماعة رابعة باسم التيار الثوري تحدثت باعتبارها مجموعة "استمرار" أخرى رفضت الحل، وقد تبنت أيضًا مقولة الثورة الوطنية الديمقراطية، لكن مواقفها السياسية اتسمت بالترحيب بـ "ثورة التصحيح" التي قام بها السادات في 14 مايو 1971.

طبعًا تعتبر الفقرة السابقة بمثابة "كروكي" سريع جدًا وغير دقيق، لكنه يعطينا فكرة عن كيف كانت أحوال اليسار عامةً وقتها.. أربعة تنظيمات سرية تتلاقى في النشاط الجماهيري لكنها كانت أغلب الأوقات في حالة تناحر سياسي وتنافس تنظيمي وربما صراع على الكوادر والمنافذ إلى الحركات الاجتماعية، خاصة وسط الطلاب والعمال والمثقفين الذين تزايد التمرد بينهم على النموذج الناصري بدرجات مختلفة، إلى جانب الاختلاف في تقييم وتوصيف نظام السادات وكيفية التعامل معه، والعديد من الخلافات النظرية والسياسية والتنظيمية الأخرى، بما فيها الخلاف حول كيفية توحيد اليسار، حيث غلب على كل منها تصور كل "حزب" لنفسه على أنه الخط الوحيد السليم وأن على الآخرين أن يأتوا إليه "كأفراد" أو قل كـ "أسرى حرب".

## ولادة الحزب الشيوعي المصري الجديد

كان هذا هو السياق اليساري الذي اختمر فيه تشكل الحزب الشيوعي المصري، والذي حرص طوال النصف الأول من السبعينيات على تسمية نفسه "بلا اسم" ثم "أحمد عرابي المصري" بعد حرب 1973 وصدور مجلة الانتصار السرية.. وإذا كان حزبا العمال و8 يناير قد ضما قطاعًا كبيرًا من الكوادر اليسارية في المجالين الطلابي والثقافي، فقد ضم الشيوعي المصري الكثير من القيادات الماركسية التاريخية إلى جانب قيادات يسارية كانت منضوية أو قريبة من مؤسسات النظام الناصري، وكذلك كان له تواجد أقل نسبيًا في المجالين الطلابي والثقافي، مع اسثتناءات قوية في بعض المحافظات مثل الدقهلية...

ترى تحليلات ذات مصداقية أن الإعلان في بيروت عن قيام الحزب الشيوعي المصري كان بمثابة أول ثقب كبير في جدار حظر التنظيم الحزبي، وهو ما دعا أجهزة محلية وأجنبية كثيرة إلى الضغط على السادات ونُصحه بأن يفعل شيئًا لإعادة تشكيل الحياة السياسية بما يكفل استدامة واستقرار النظام، وبالأخص بذل الجهد لـ "إخراج ما تحت الأرض إلى العلن" اتقاءً لوقوع مفاجآت غير محسوبة، ودعوته إلى اللجوء لسياسة "التوازنات" بتشجيع التيارين "الليبرالي" و"الإسلامي" كي يجهضا ويجهدا التيار اليساري (الأممي والقومي) في الجامعات والأوساط الثقافية والعمالية (كان من أغرب الظواهر فيما بعد قيام جبهة بين حزب الوفد وجماعة الإخوان).. وهي "اللعبة الخطرة" التي أفضت إلى نتائج خطيرة للبلد ككل، ودفع السادات نفسه حياته ثمنًا لها..

كان الوقت في السبعينيات هو وقت انقلاب "طبقة برجوازية الدولة" على المشروع الناصري، بما في ذلك انقلابها على "ماضيها" نفسه بعدما تغيرت طبيعتها بفعل التراكم الرأسمالي الهائل الذي حققته جراء سيطرتها على القطاع العام دونما رقابة شعبية حقيقية، ودخولها (من خلال الأقارب وشبكات الولاء السياسي وشللها) في مشروعات من الباطن مستغلة ما لديها من رُخَص وصلاحيات، وذلك بعد توصل هذه البرجوازية (المتحالفة مع البرجوازية الريفية وكبار العسكريين) للاستنتاج "الكئيب" بأن المشروع الوطني الناصري لا يمكن أن يصل إلى غاياته إلا بتحدٍ جذري للإمبريالية لا تطيقه هذه المكونات الطبقية، إذ ستكون النتيجة المنطقية للاستمرار في هذا التحدي هي الصعود السياسي للطبقات الشعبية وتمثلاتها السياسية، ومن ثم ضرورة الإقدام- في مناخ الحرب الباردة- على تحالفات دولية مختلفة جذريًا، خاصة في ظل مسلسل الهزائم العسكرية والاصطفاف الغربي الشرس وراء الكيان الصهيوني.. ومعنى هذا كله- إن وقع- أن تصبح برجوازية الدولة كمن ينفي نفسه بنفسه.. وهكذا من خلال تحالفاتها الجديدة تحولت برجوازية الدولة إلى طبقة كمبرادورية، وطفقت تلقي بالرداء الناصري قطعةً قطعة..

## ولادة التجمع

في حقيقة الأمر لم تتخل الدوائر الأجنبية والمحلية الناصحة والراعية للسادات عن رؤيتها التكتيكية التي طبقتها في كثير من بلدان العالم الثالث خاصة في "عقد الثمانينيات الضائع".. ألا وهي الاستفادة القصوى من الآليات السياسية والمنطلقات الأيديولوجية التي سبق أن وظفتها في مشروعها النظم الوطنية و"التنموية" في الخمسينيات والستينيات، وبخاصة إقامة دولة الحزب الواحد.. وعند النقطة الانقلابية الحاسمة في كل تلك النظم، مثل 15 مايو 1971 في مصر، كان لا بد لهذه الدوائر أن تتساءل وتبحث "إلى أي مدى يمكن استخدام شعارات الديمقراطية والحريات ودولة القانون.." دون أن ينتج عن هذا الاستخدام الشكلي والدعائي دمقرطة حقيقية تفضي إلى تزايد قوة التيارات اليسارية/ الشعبية بدلاً من أن تجهضها؟

وحسب حالة كل بلد اختارت مراكز التفكير الغربية في كل حالة معادلة خاصة تجمع بنسب مختلفة ومرنة بين "الإصلاح السياسي" و"الإصلاح الاقتصادي".. وأظنها في حالة مصر (لأسباب كثيرة منها: ضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل وحماية الرجعيات العربية، والرغبة في قمع وتقزيم التيار اليساري والوطني أولاً قبل السماح بانفتاح سياسي كبير) اختارت الاستفادة من آليات الحزب الواحد، ولكن مع تطويرها تدريجيًا إلى تعددية شكلية ومقيدة.. على أمل أن تتكفل هذه "التعددية" بتنفيث الاحتقان المصاحب والناتج عن انتهاج سياسة اقتصادية- اجتماعية مناوئة للطبقات العاملة والوطنية.. ووفق هذا المنطق صدرت "ورقة أكتوبر" وتقرر إقامة منابر ثلاثة داخل الاتحاد الاشتراكي لليمين واليسار والوسط، بل اختار النظام بنفسه من يقود اليسار واليمين مدعيًا لنفسه تمثيل الوسط.

في هذا الوقت كان التحليل السياسي السائد في المكتب السياسي للحزب الشيوعي (خاصة مع نفوذ مجموعة محمود توفيق وسعد كامل.. داخله وقتها)، ومثار الجدل والامتعاض في قواعده، هو وجود ثلاثة أجنحة داخل النظام (عميل، ومتردد، ووطني) وهو ما تطلب تكتيكًا معقدًا وغامضًا لإسقاط الجناح العميل، وشل تردد الجناح الثاني، والبحث عن صيغة للتحالف مع الجناح الثالث.. ولم يصاحب هذا التحليل تسبيب كافٍ- لهذا الاستنتاج- على مستوى التحليل الطبقي.. كما تجاهل عدم وجود أسوار بين "الأجنحة الثلاثة".. وكان هذا كله من أهم أسباب خروج مجموعة طلابية كبيرة من الحزب لتدخل في مغامرة جديدة تحت اسم "المطرقة" لكن الفشل كان مآلها سريعًا..

وجد الحزب الوليد نفسه بعد شهور من إعلانه أمام معضلة نشوء كيان "يساري" شرعي إلى جواره في الساحة السياسية، ويُخشَى فعليًا أن يكون على حسابه، كما لا يمكن التنبؤ بتوجهاته المستقبلية. وبالمقابل لاحت أمام الحزب الشيوعي فرصة مهمة جراء تكليف السادات لخالد محيى الدين بتشكيل منبر اليسار، وهو الزعيم الوطني الكبير القريب جدًا من الحزب وقياداته. وإلى جانب هجوم تنظيمي العمال الشيوعي و8 يناير على الحزب الشيوعي المصري والتجمع في آن واحد باعتبار هذا التطور جاء كاشفًا لـ "انتهازية وذيلية" الاثنين، كان من اللافت موقف "التيار الثوري" المعروف بالتهادن مع النظام، فقد هاجم التيار منبر اليسار بشدة بعد تكوينه بدعوى أن "القيادات الانتهازية" التي سبق أن حلت الأحزاب الشيوعية قبل أحد عشر عامًا قد سيطرت عليه وعادت لتكرر ترسيخ مقولة "وجود مجموعة تقدمية في السلطة" بينما يرى التيار أن السلطة كلها "برجوازية وطنية". الأغرب مما سبق أن التيار الثوري المداوم على اتهام الآخرين بـ "حل الحزب" قد تمسك بالعلنية ولم يحاول بناء تنظيم شيوعي، واتسم بنيانه بالسيولة والليبرالية التنظيمية.

لم يكن بإمكان الحزب الشيوعي (السري/ الراديكالي) أن يتخلى عن مقوماته ومنجزاته الفكرية والتنظيمية بكل سهولة إلى حد الانضواء في منبر- لا حزب- علني/ إصلاحي، خاصة وأن هذا التطور السياسي كان مرهونًا في النهاية بنوايا السادات وطبيعته، وقد كان الأخير معروفًا بالمناورة واليمينية والميل إلى التحالف مع أمريكا، فضلاً عن نظرية امتلاك أمريكا كل أوراق اللعبة، وحرب أكتوبر آخر الحروب..الخ.

ومما زاد الاختيارات صعوبة أن قطاعًا واسعًا من "الماركسيين الشرعيين" (ومعظمهم ذوو توجهات يمينية ويتواجدون في مواقع متنفذة في الصحافة والثقافة ومؤسسات النظام) كانوا يتأهبون للانقضاض على المنبر الوليد، ومن ثم تحويله إلى أداة للموالاة المشروطة أو المعارضة المحكومة، وبالتالي لاح خطر اكتمال مخطط النظام بإيجاد منبر يساري مؤيد له عمليًا، ما يَحول دون اتجاه القوى الاجتماعية الساخطة نحو اليسار الراديكالي.

اشتركت شخصيًا- رغم صغر سني- في السجال الذي دار وقتها حول هذه المعضلة.. اتفق الجميع تقريبًا على ضرورة إفساد لعبة السلطة و"الديكور" اليساري الذي يريده.. وإن كان ذوو التوجهات اليمينية داخل الحزب الشيوعي قد اعتبروا إنشاء منبر علني لليسار من الإضافات المهمة التي تزكي تحليلهم السياسي ورصيدهم الحزبي..

أسفرت المناقشات عن ضرورة الامتناع عن اتخاذ موقف معادٍ أو لا مبالي من منبر اليسار.. بل عمل زكي مراد وقادة آخرون في الحزب على مساعدة خالد محيي الدين في استكمال عدد الأعضاء المطلوبين لشكيل المنبر من بين أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي.. ونظرًا لحساسية العلاقة بين الحزب والمنبر، والخوف من بطش السلطة بالمنبر بدعوى صلته بحزب سري.. فلم يكن من المسموح به الكتابة في الوثائق الحزبية عن هذا الموضوع أو مناقشته في الهيئات.

ويبدو أن هذا التكتيك الاضطراري (الصمت) كان بمثابة "الثقب الأسود" الذي مرت منه "كوارث" خطيرة فيما بعد.. ومع ذلك بدأت العلاقة مع المنبر تُثار بحرص في الاجتماعات الحزبية تحت مسميات حركية مثل "الشركة" بدلاً من "التجمع"، بعدما تزايدت مشكلات العمل والخلافات بين الأعضاء في الحزب الشيوعي. ولعل هذا الصمت شبه التام إزاء نشاط بهذا الحجم وحالة بهذه الأهمية والجدة والتعقيد، هو ما حال دون تبني القيادة الحزبية في "المصري" لرؤية واضحة ومتفق عليها ديمقراطيًا إزاء التجمع.

## معضلة التعامل مع التوءم

تعامل البعض مع التجمع على أنه حزب برجوازي صغير (ديمقراطي ثوري) يجب التحالف معه وعدم الذوبان فيه، مع إمكانية الدفع بأعداد قليلة مؤثرة للعمل في صفوفه. ونظر البعض الآخر إلى التجمع كواجهة علنية للحزب الشيوعي وكـ "صَدَفة" ديمقراطية واقية له. ورأى فريق آخر أنه مشروع لكيان جبهوي (وإن لم تتبلور داخله منابر أو أجنحة شرعية) ولا يمكن الحكم على مستقبله مبكرًا لأن هذا سيخضع للعديد من المحددات والتطورات. أما الرأي الأكثر تطرفًا فقد تصرف عمليًا (دون إعلان أو إقرار) كما لو كان التجمع هو الواجهة العلنية للحزب رغم وجود عضويات أخرى فيه، وأن من الواجب أن تسود مواقف الحزب الشيوعي ورؤاه داخل التجمع، فيما هو أقرب إلى تكرار دور التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي العربي.

في البداية حرصت قيادة الحزب الشيوعي على التمهل في الدفع بأعضاء إلى التجمع. وبدأ الأمر بدفع بعض القيادات المعروفة جيدًا على المستوى الوطني كي تلعب دورًا "وازنًا" في القيادة. كما أن تشكيل التجمع على مستوى المحافظات جعل من الصعب على القيادات الشيوعية المحلية ألا تنضم للتجمع، وإلا كان هذا الامتناع يشبه الاعتراف بعضوية الحزب الشيوعي.

وبدا منذ اللحظات الأولى لنشأة التجمع أن المجموعة الناصرية التي انضمت إليه تريد الاستحواذ على مواقع رئيسية في القيادة تعتقد أنها تستحقها بحكم جماهيرية الناصرية وقتذاك، وكذلك بعض القيادات التاريخية في اليسار (خاصة في الصحافة) التي يغلب على مواقفها التوجه اليميني والموقف المتهادن من نظام السادات. وإزاء هذه المخاطر (من زاوية المصلحة الحزبية الضيقة) دفعت قيادة الحزب الشوعي المصري بموجة أخرى من أعضائه على المستويين الوطني والمحلي كي تدعم مواقفه التفاوضية في التجمع.

غير أن العامين الأولين من حياة التجمع جاءا بتطورين رئيسيين حسما إيقاع الانضمام، وبالأحرى دفع نحو الازدواجية الكبيرة في عضوية الحزبين، وبالأحر ذوبان معظم عضوية الحزب الشيوعي في التجمع، خاصة على المستوى المحلي، فضلاً عن تماهي المواقف السياسية إلا فيما ندر.

كان التطور الأول هو انتخابات مجلس الشعب عام 1976 واشترك فيها الحزبان بعنفوان كبير، وحققا نتائج لا بأس بها لحزبين وليدين، لكن لم تستطع قيادة الحزب الشيوعي التحكم في وتيرة اندفاع أعضائه (وربما أغضت الطرف أيضًا) نحو الانضواء في الأنشطة الانتخابية للتجمع، وحتى الانضمام التنظيمي دون انتظار موافقة من القيادة. وهنا استلزمت المواضعات التنظيمية والأمنية أن تبتكر قيادة الحزب الشيوعي أشكالاً جديدة. فانقسمت اللجنة المركزية إلى قسمين أحدهما خاص بـ "المجموعة الديمقراطية" التي تضم الأعضاء المعروفين مجتمعيًا كتجمعيين. والقسم الآخر للأعضاء المتخصصين في الأنشطة السرية الخالصة. وتكرر الشيء نفسه في اللجان القيادية لبعض المناطق الحزبية كبيرة العدد.

أما التطور الثاني فقد كان اندلاع انتفاضة 18 و19 يناير 1977 والحملة الإعلامية والأمنية الشرسة التي شنها نظام السادات على اليسار باعتباره قد دبر لـ "انتفاضة حرامية". ومع الاضطهاد البوليسي والوظيفي لأعضاء التجمع الذين بلغت استمارات عضويتهم عشرات الألوف، انحسرت الموجة الجماهيرية المقبلة على حزب التجمع ليجد كوادر الحزب الشيوعي أنفسهم في وضع انكشافي يستدعي منهم الاستغراق أكثر في التجمع ومواقعه القيادية على حساب حزبهم الأصلي، لتعويض الخروج الكبير منه.. كما انطوى هذا الوضع "الكارثي" على إغراء لكوادر الشيوعي كي يتمددوا أكثر في التجمع، أي يتصرفوا ككتلة تصويتية وليس كمكوِّن في تجمع له طبيعة جبهوية/ تحالفية خاصة ويقوم على مبدأ التوافق.

## مزيد من الانزلاق

بالطبع لعب كوادر الحزب الشيوعي دورًا مهمًا في الحفاظ على صلابة مواقف التجمع إزاء كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي والإفقار ومصادرة الحريات والإرهاب..... وعملت صحفه ومطبوعاته وندواته على التعبير الوطني الديمقراطي الصادق والجريء، كما تكونت داخله- رغم التضييقات الأمنية- أجيال جديدة من الشباب اليساري.

هذا الوضع كانت له نتائجه على جبهتين، داخل التجمع، وداخل الحزب الشيوعي. فمثلما بدأ الأخير يستفيد من تواجده في التجمع لممارسة أنشطة جماهيرية وتثقيفية وتنظيمية وتجنيد أعضاء جدد، بدأت تتبلور أيضًا ما تسمى "الشخصية التجمعية" ذات السمات الأيديولوجية والعملية الخاصة. وقد كان من الطبيعي أن تزحف هذه "الشخصية التجمعية" تدريجيًا على أعضاء الحزب الشيوعي أنفسهم. وشيئًا فشيئًا أخذ أعضاء التجمع "الأقحاح" يشتكون من النفوذ الطاغي لكوادر الحزب الشيوعي الذين لجأوا في أحوال متعددة لأسلوب الكتلة التصويتية في الانتخابات الداخلية وعند تحديد المواقف السياسية التجمعية. وهي المشكلة التي عُرِفت بـ "الازدواجية".

غير أن الأخطر من كل ما سبق فيما يتعلق بظاهرة "التوءمة الملتصقة" (السيامي) بين الحزبين أن تبلورت مجموعة محدودة العدد في قيادة التنظيمين معًا (بزعامة رفعت السعيد الذي تزايد دوره بعد مصرع زكي مراد)، وقد دأبت هذه المجموعة على استخدام وجودها في التجمع للضغط على المستويات القيادية وغير القيادية في حزبها الشيوعي كي يتبنى الأخير مواقف بعينها (يمينية غالبًا)، وفي الوقت نفسه كانت تُمعن في استخدام الكتلة التصويتية الشيوعية داخل التجمع لتحجيم الخصوم والمنافسين. أي بالأحرى بدأت تتشكل مصالح خاصة لهذه المجموعة، وقيامها بتوجيه الحزبين معًا- من خلال هذه العلاقات الملتبسة- لخدمة تلك المصالح.

ورغم أن معظم أعضاء هذه المجموعة كانوا من المناضلين المشهود لهم في السابق، فلا يمكن إنكار حدوث تحولات ذاتية عليهم على في الفكر والممارسة المهادنة مع النظام وحتى الاستفادات الشخصية جدًا. وليس في هذا الحديث افتئات على أحد بقدر ما هو واقع تاريخي ملموس للكثيرين. فمن المؤكد أن تغير المصالح والارتباطات المادية للكادر يفضي إلى تغير في الرأي السياسي بل وفي ذهنية وحتى نفسية الفرد. فمن العبث تصور أن تظل تركيبة مناضل ما ثابتة على ما كانت عليه رغم مرور عشرات السنين وتقلبات السياسة. لكن تزداد الظاهرة خطورة إذا كانت هناك قيادة لحزبين معًا وتتمتع بسلطات معنوية وتنظيمية ومادية حاسمة في كليهما.

## اتساع وتكاثر الصدوع

أسهم الوضع السابق في تفاقم الصدوع داخل الحزب الشيوعي المصري الذي عرف العديد منها. إلا أن النصف الأول من الثمانينيات شهد الصدع العميق بين جناح تمترس أساسًا في خارج البلاد (منطقة "دنشواي")، وجناح تمترس وراء نفوذه في حزب التجمع. ولم يكن مصادفة أن تكون لهذا الصدع أسباب حلقية وشللية أيضًا تعود إلى الحركة الشيوعية الوسطى (المنتهية في 1965) وربما قبلها. وقد أسفر الصراع عن خروج مجموعة "المشروع" ("حزب الشعب الاشتراكي" فيما بعد) التي سرعان ما انهارت هي الأخرى في السنوات الأخيرة من حياة المناضل نبيل الهلالي، بسبب عدم القدرة على رسم طريق بديل، ولأن ما جمع أعضائها كان بالأساس هو العداء للمجموعة الأخرى، والتحلق حول شخصية الهلالي.

أما بالنسبة لما تبقى في الحزب الشيوعي بعد خروج مجموعة الهلالي، فقد عملت القيادة اليمينية المتحولة- بعدما خلا لها الجو- على الضغط على كل العناصر التي كانت تلعب دور "الوسط" بين الجناحين الحلقيين، كي ينصاعوا أو ينصرفوا، ولم يكن أمامهم خيار ثالث. وتركزت الضغوط غير الرفاقية على الكوادر الوسطى المتفرغة للعمل الحزبي الداخلي، وكان من نتائج هذا أن خسر الحزب الشيوعي بعض أهم كوادره الذين ساعدوا في جعله حقيقة معتبرة في الساحة السياسية المصرية، ولم تنجح القيادة اليمينية سوى في الدفع ببعض الكوادر الأدنى في قدراتها وذات الدوافع المصلحية (وربما الفاسدة) لتتولى مواقع قيادية في الحزبين، فسجلت درجات من الفشل الملحوظ.

## التراجع غير المنظم

كان تمدد البيروسترويكا الروسية وقتذاك مناسبًا تمامًا كي تُعمِّق القوة المتنفذة في الحزبين من مواقفها التهادنية، تحت شعارات مثل دور مؤسسة الرئاسة، الأسقف المنخفضة، التناقض المتداخل..الخ. واكتسبت هذه المحاولات اليمينية قوة دفع هائلة بعد انهيار المنظومة السوفيتية. وشعرت القيادة الفعلية المزدوجة للحزبين بحجم خسارتها الهائلة جراء ذلك، حيث كان الاعتراف السوفيتي بالحزب الشيوعي ودعمه المادي والمعنوي للحزبين من أهم أوراق القوة التي تبددت الآن مرة واحدة ودون سابق إنذار.

وبدا على السطح أن قيادة بعينها في التجمع والحزب الشيوعي قد راهنت على ظهير جديد، وبالفعل ساعدها هذا الظهير أيضًا في الانفتاح على دهاليز جهاز الدولة، وعلى منابر خارجية في أوربا وأمريكا الشمالية وأستراليا. فقد اهتمت القيادة المذكورة اهتمامًا شبه حصري بالهجوم على الإسلام السياسي انطلاقًا من مقولة سليمة إلى حد كبير بأن الإرهاب يبدأ فكرًا. لكن مما يثير المفارقة أن ظهرت هذه القيادة كما لو كانت تلعب لحساب نظام مبارك دورًا مشابهًا بالمقلوب للدور الذي لعبه الإسلاميون لحساب السادات ضد اليسار. وكان لا بد أن تهتم قيادة التجمع والشيوعي بالفتنة الطائفية حيث ركزت على التمييز الديني ضد الأقباط أكثر من الاهتمام بتناول المشكلة من زاوية الوحدة الوطنية. المهم أن هذه الممارسة جلبت لتلك القيادة مقاعد قليلة بالتعيين في المجالس النيابية (وبالتزوير أحيانًا للأسف!!) فضلاً عن الدعم المعنوي والمادي من جانب المؤسسات والجماهير القبطية في الداخل والخارج.

في هذه الأثناء تفاقمت أيضًا المحاولات الانقسامية داخل الحزب الشيوعي، وبلغ بعضها مستويات غير مسبوقة من الاتهامات الجزافية، إلى حد الاتهام بالتطبيع والعمالة.. (وبدا هذا كما لو كان مشهدًا مكررًا لإقدام كوادر قيادية في منتصف الثمانينيات على اتهام المجموعة المؤسسة لحزب 8 يناير بالعمالة لأجهزة الأمن مما أدى لتفجيره).. وهو ما دعا بعض قيادات المجموعة القائدة للتوءمة في الحزبين الشيوعي والتجمع إلى إعلان التخلي رسميًا عن عضوية الحزب الشيوعي، وإن ظلوا في الحقيقة متحكمين في إمكانياته المادية إلى حد بعيد. ومن ثم لم يكتمل الفصل بين التوءمين.

نتيجة لهذا كله دخل الحزبان في حالة انعدام وزن، باتباع سياسات باهتة بدلاً من السياسات الراديكالية للسبعينيات، وانحسار العضوية، والفوضى والانقسامات التنظيمية، وتصعيد كوادر محدودة الخبرات والثقافة، وتفاقم العلاقات الشللية والمصلحية، وفقدان الحزبين للسيطرة على أصولهما المادية في أوضاع شديدة الالتباس بين الشخصي والحزبي.. ولم يكن هذا التردي التنظيمي والسياسي بعيدًا عن التردي العام الذي ضرب كل التنظيمات اليسارية السرية الأخرى.. وآخرها فشل تجربة "حزب العمال الموحد" التي لم تستمر سوى فترة وجيزة ولم تنجح- كما كانت تأمل- في لم أشلاء كل المنظمات المنهارة.

## الفصل الموجع

بالعودة إلى موضوعنا عن التوءمة الملتصقة.. جاءت أحداث ثورة يناير 2011 لتكشف عن مواقف سلبية تجاهها (بل ومخزية من جانب بعض القيادات) داخل حزب التجمع.. وإن لم يُلحظ الشيء نفسه بالنسبة للمواقف "الرسمية" للحزب الشيوعي (رغم أن الغالبية الساحقة من عضويته كانت منضمة أو نشطة فعليًا داخل التجمع).

لكن جاءت ثورة يناير بنشوء حزب التحالف الشعبي على أيدي مجموعة كبيرة خرجت من حزب التجمع (بسبب مواقفه من النظام وثورة يناير) متعاونة في ذلك مع ممثلين لتيارين يساري "ليبرالي" وتروتسكي، ولكن لم يمر وقت طويل حتى خرجت المجموعتين الأخيرتين من حزب التحالف تحت وقع اتهامات تنظيمية بسيطرة المجموعة الآتية من التجمع، وخلافات سياسية حول الموقف من تيارات الإسلام السياسي.

وفي الوقت نفسه كان لا بد من إتمام عملية الانفصال بين توءمي الشيوعي والتجمع.. ومن المفارقة أن الغالبية الساحقة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قد اختارت الاكتفاء بعضوية التجمع..

وهكذا انتهى الالتصاق السيامي إلى ما تشاهدونه الآن من حالة للحزبين لا يمكن أن يُحسدا عليها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مناظرة قبل العِشاء
- عبد الناصر والسادات وعادل حسين
- يسار جامعة المنصورة ومؤتمر جمصة 74
- المخاطر والبدائل
- الكراهية المنطقية
- -كعب أخيل- الليبرالي
- لعبت كرة الجولَّة والطوزَّة والكَفَر
- يومها خِفْتُ عليه
- بنات أرض المنصورة
- أغرب تحقيق في نيابة أمن الدولة
- المهندسة
- ماذا تعلمنا من فشلنا؟
- أغرب فيش وتشبيه
- العدوان الأمريكي لا يكسر عين الليبراليين
- مبادئ وتصورات للعمل الجبهوي
- البطالة إبادة اجتماعية والجناة طلقاء
- فرط اليسار
- لغة الحرامية وأصوات من القاع
- عن اليسار المصري والثورة
- سالم سلام.. النبيل الذي رحل


المزيد.....




- رئيس “السياحة السعودية”: جاهزون لتسهيل قدوم السياح
- هل ستشل “سمنة الشعب” قدرة الجيش الأمريكي على القتال؟ 
- قاسم سليماني يعلن نهاية داعش برسالة لخامنئي ويشكر الحشد وحزب ...
- لافروف: خروج الشخصيات المتطرفة من المعارضة السورية ستساعد عل ...
- ترامب يدرج بيونغ يانغ دولة راعية للإرهاب
- الأركان الروسية: روسيا وإيران قامتا بالكثير من أجل إنهاء الأ ...
- مفتاح القضاء على النفايات البلاستيكية قد تحمله اليرقات
- روسيا بحاجة إلى مهاجرين.. نصف مليون كل عام
- 15 قتيلا جراء تفجير انتحاري في مسجد شمال شرق نيجيريا
- ما حقيقة انتشار وباء -كورونا- في جدة؟


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع