أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - كرم الحلو - مئة عام على ثورة أكتوبر: من رومانسية الحلم إلى بؤس المآل















المزيد.....

مئة عام على ثورة أكتوبر: من رومانسية الحلم إلى بؤس المآل


كرم الحلو
الحوار المتمدن-العدد: 5676 - 2017 / 10 / 22 - 19:13
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


مثلت ثورة أكتوبر الاشتراكية في 1917 دعوة إلى التفاؤل بمستقبل آخر للإنسانية، ووعداً لفقراء العالم بالعدل والمساواة والحياة الكريمة، ما عبّر عنه الشاعر العراقي معروف الرصافي بقوله:
«يا أيها الفقراء لا تستيئسوا
من عيشة يا أيها الفقراء
ولدت أخيراً فوق رابية الهدى
للبلشفية راية حمراء».
في الوقت نفسه كتب أمين الريحاني: «سقطت أسرة رومانوف، وستتبعها أسرة هبيسبرغ، وآل عثمان بائدون لا محال. طلعت شمس الديموقراطية في روسيا وستنير الشرق أجمع... ولا ريب عندي أن الشعوب الصغيرة المظلومة ستتحرر وستحيا حياة جديرة... الأمم تتمخض بالثورات، وغداً يتحقق أجمل أحلام الإنسان، فهلا نهضنا مثل سائر الشعوب؟ هلا ساعدنا طاقتنا في تحقيق هذا الحلم الجميل؟». كما كتب ميخائيل نعيمة: «المحرومون قد أخذوا يطالبون بحقوقهم بلسان البروليتاريا... فكري وقلبي يدفعانني بالتدرج إلى اليسارية المتطرفة». أما رئيف خوري فرأى في الحضارة السوفياتية التي أرستها ثورة أكتوبر «أول حضارة تقوم على أساس مجتمع منسجم، تخلص من التطاحن الطبقي وهو يسير نحو التخلص من الطبقات بتاتاً... ويكفي التجربة السوفياتية فخراً ونصراً أنها حلت موضوع القوميات».
لكن التاريخ لم يلبث أن خيّب كل هذه التصورات. فما حصل في المئة سنة التي أعقبت ثورة أكتوبر جاء على الضد مما تمناه الرصافي والريحاني ونعيمة وخوري ومعهم كل الاشتراكيين الذين ألّفوا فيها بشرى فردوس أرضي متحرر من الفقر والظلم وصراع الطبقات.
فحلم الاشتراكية يحتضر في أفواه مئات ملايين الجياع فوق كوكبنا، وحلم الأممية يتساقط إزاء صعود العصبيات التفكيكية القومية والإثنية والجهوية، وحلم العدل الطبقي تزهقه غطرسة القلة المترفة الممسكة بخيرات العالم وثرواته، فيما يتخذ صراع الطبقات أشكالاً من العنف أكثر حدة مما تخيله ماركس وأنغلز ولينين، مع تجذر الهوة الطبقية واتساعها، ما تشير إليه تقارير التنمية البشرية التي لا تفتأ تؤكد تفاقم الفجوة الطبقية عاماً بعد عام. وهل ذهبت الثورات الاشــتراكية التي ادعت إزالة الطبقات في غير هذا الاتجاه؟ ألم تؤكد كل هذه الثورات ما كتبه أنغلز قبيل رحيله في 1895، إذ رأى فيما هو يتأمل في الخمسين سنة المنصرمة قبل وفاته، أن «كل الثورات قادت إلى إحلال سيطرة طبقة محل سيطرة طبقة أخرى، وكل هذه الطبقات المسيطرة لم تكن حتى الآن سوى أقليات صغيرة بالنسبة إلى مجموع الشعب المسيطر عليه. كل هذه الثورات كانت ثورات أقلية. وحتى حين كانت الأكثرية تشارك فإنها كانت تشارك في خدمة أقلية».
يطرح كل هذا الإخفاق تساؤلات أساسية، فهل هو يمثل المآل الحتمي للماركسية الرسمية التي تنكرت للماركسية كفلسفة قدمت رؤية جذرية لتغيير المجتمع الإنساني من واقع التناحر والقهر إلى الحرية المحققة، أم إن الماركسية نفسها تعاني قصوراً بنيوياً دفعها في هذا المسار الخائب؟
ثمة من يعيد الإخفاق إلى التنظيرات الخاطئة المبسّطة والمبتذلة التي أُلصقت بالماركسية لدرجة إفراغها من محتواها التغييري الإنساني، إلى حد جعل من أشد أنصارها يتساءلون عن جدواها، وعما إذا كانت ستنتقل بالإنسان من عبودية قديمة إلى عبودية جديدة. لقد تحولت الماركسية التي أعلنت بدء عهد جديد للحرية، إلى أكذوبة مع سقوط أبسط المبادئ المعترف بها في المجتمع البورجوازي، ألا وهو حرية التعبير والانتقاد والاحتجاج السلمي، حتى أن ديكتاتورية البروليتاريا التي أُسندت إليها مهمة تحويل المجتمع الإنساني إلى المساواة الكاملة، تحولت «ديكتاتورية على البروليتاريا» وعلى المجتمع بأسره، وأصبحت بدورها طبقة مسيطرة تمارس الهيمنة الاقتصادية والسياسية والفكرية.
وحرّفت الماركسية الرسمية ديالكتيك ماركس، فقالت بالاقتصاد فاعلاً وحيداً في التاريخ. هو الذي يقرر في خاتمة المطاف كل الأحداث الاجتماعية والتاريخية، وهو الذي يؤسس كل البنى الفوقية، حقوقية ودينية وأيديولوجية . الأمر الذي قاد إلى دوغمائية جامدة قصرت المعرفة على مبادئ محددة مضجرة تتكرر على نحو مثير للاشمئزاز. وبلغ انتشار البيروقراطية حداً تخطت معه الدولة في تعسّفها وطغيانها حتى أكثر الدول البورجوازية تعسفاً وطغياناً، ما سهّل حصر السلطة ببعض الأفراد ومهّد لعبادة الأشخاص.
وطال التشوّه المسألة القومية، فساد تصور بأن الأمة ما هي إلا مقولة تاريخية لعصر الرأسمالية وأن النضال القومي نضال من أجل السوق الاقتصادية، وأن الثورة القومية ما هي إلا احتياطي للثورة البروليتارية.
هذا التشوه الذي طالما تذرّع به الماركسيون لتبرير الانحراف الذي لحق بالماركسية، وتبرئتها كفلسفة من الممارسات المناقضة لجوهرها ومضمونها، لا يعفيها هي بالذات من المسؤولية عن مآلها البائس، إذ هي تنطوي على مبادئ أسّست لهذا المآل. من ذلك العنف الدموي الذي رافقها، والذي استمد أسسه ومبرراته من ديكتاتورية البروليتاريا التي قالت بهدم علاقات الإنتاج القديمة بـ «العنف والشدة»، فكان أن أسقط العنف كل القيم الليبرالية، آكلاً في طريقه حتى أشد المناضلين بأساً من أجل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان. وليست إعدامات ستالين وتشاوثسكو وأندادهما في سائر الأنظمة الشيوعية، ومعتقلات سيبيريا، ومذبحة تيان آن مين في الصين وغيرها، سوى تطبيقات لتحويل المجتمع بالعنف والاكراه.
وكان مجافياً للحقيقة وللتاريخ اعتبار الرأسمالية آيلة إلى انكسار، فيما الاشتراكية في طريقها إلى اكتساح المجتمع. فقد برهن التاريخ أن الرأسمالية استطاعت- ولا تزال- أن تدير أزماتها، وأن تقدم نفسها على أنها الحاملة لقيم الحرية والحداثة وحقوق الإنسان، إلى جانب ثورتها الإنتاجية، بينما سقطت دولة البروليتاريا المزعومة سقوطاً ذريعاً خيّب أحلام المراهنين على انتصارها.
لكن كل هذه الأعطال النظرية والتطبيقية التي وقفت وراء سقوط ثورة أكتوبر، ليست برهاناً على إخفاق الحلم الاشتراكي. فإزاء التفاوت الطبقي المتفاقم وتصاعد أرقام البطالة والانفجار السكاني وتضاعف أرقام الجياع في عالمنا، تصبح أكثر من أي وقت مضى، صحيحة وواقعية، مقولة ماركس «لقد أصبح وجود البورجوازية منذ الآن فصاعداً غير متلائم مع وجود المجتمع».





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- هاجس الفتنة والدولة المدنيّة اللبنانيّة العاثرة
- هل ينهض اليسار في العالم العربي؟
- هزيمة الأصولية في أوروبا.. ونجاحها عربياً
- وحدته ووحدانيته
- إعادة الاعتبار إلى الرموز التاريخية للحركة الشيوعية اللبناني ...
- صفقة فاشلة
- ضد القانون
- مناجاة
- الفقر وتناقض الثروة في العالم العربي


المزيد.....




- التغييرُ هو الخيارُ الوحيد المجدي في السودان: جرد حساب للوضع ...
- تركيا تنشر فيديو استهداف مواقع الأكراد شمالي سوريا
- لافروف: أعمال واشنطن الأحادية في سوريا سبب -الغضب التركي-
- معرض دولي للبوظة في إيطاليا بمشاركة 180 دولة
- ماذا كانت شروط ترامب لدعم محمد بن سلمان؟
- مقتل الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة في تونس
- البحرين توقف 47 -عنصرا إرهابيا-
- الشرطة التركية تفرق مظاهرات مؤيدة للأكراد وتعتقل 12
- شاهد.. مهرجان الثلج في الصين في لحته الملونة الجديدة
- معرض دولي للبوظة في إيطاليا بمشاركة 180 دولة


المزيد.....

- ثورة أكتوبر وتحرر النساء / رضا الظاهر
- في ذكرى ثورة دجنبر.. ذكرى تأسيس المجالس السوفياتية / عبد الحق الزروالي
- أيام يوليو.. لماذا لم يستولي البلاشفة على السلطة؟ / دانيل جايدو
- جرامشي والثورة الروسية كيف رأى الثوري الشاب ثورة أكتوبر؟ / دانيللا موسى
- من محطة قطار فنلندا / يوري كولومبو
- من الحلول الوسط إلى السلطة 100 عام على ثورة اكتوبر / كيفين مورفي
- ثورة أوكتوبر في مئويتها: الرهان الذي فشل / محمد السباعي
- كولونتاي والبلاشفة وتحرر النساء: قراءة نقدية / جاكلين هينين
- ثورة أكتوبر و-القوة العظمى- للشيوعية / كريستيان لافال
- تأملات في مآل ثورة أكتوبر -الاشتراكية- / رضا الظاهر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - كرم الحلو - مئة عام على ثورة أكتوبر: من رومانسية الحلم إلى بؤس المآل