أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - خالد الحروب - الوزير اليهودي المُنصف الذي عارض وعد بلفور















المزيد.....

الوزير اليهودي المُنصف الذي عارض وعد بلفور


خالد الحروب
الحوار المتمدن-العدد: 5676 - 2017 / 10 / 22 - 17:25
المحور: القضية الفلسطينية
    


"إن مجرد رغبات 700000 عربي (في فلسطين) لا اهمية لها بالمقارنة مع مصير حركة استعمارية اوروبية في جوهرها (أي الصهونية)". هذا بعض مما قاله وزير الخارجية البريطاني جميس اثر بلفور في معرض دفاعه عن الوثيقة المشؤومة التي اصدرها سنة 1917 وحملت اسمه، وجسدت العنصرية البريطانية الاوروبية الاستعمارية بأبشع صورها. عكس "وعد بلفور" المزاج والثقافة السياسية الاستعلائية السائدة انذاك، سواء في لندن ام بقية العواصم الاوروبية تجاه "المستعمرات وشعوبها". على الضد من هذا النفس الاستعماري الكريه كان ثمة اصوات نادرة التزمت بقيم ومبادىء ونظرة اخرى مغايرة، لكنها بقيت مع الاسف في الظل ولم يكن لها تأثير في صلب السياسة البريطانية، ولم تتمكن من ايقاف حركة تهويد فلسطين. وعلى رأس هذه الاصوات النادرة يقف إدوين صامويل مونتاغو، الوزير في الحكومة البريطانية لشؤون الهند، بين سنوات 1917 و1922، والذي كان الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة. مونتاغو اعتبر الصهيونية حركة لا سامية وسوف تقود إلى دمار اليهود، وتمت محاربته من قبل حاييم وايزمان والقادة الصهاينة في بريطانيا واوروبا في تلك المرحلة، والذين كانوا يعملون بلا هوداة لإنتزاع ذلك الوعد المشؤوم من بريطانيا ويحشدون الدعم الاوروبي والامريكي له. كتب مونتاغو يصف الصهيونية ومشروعها كالتالي: "لطالما بدت الصهيونية لي عقيدة سياسية خبيثة، يتعذر الدفاع عنها من قبل اي مواطن غيور. ولطالما كنت مُقنعا بأن هؤلاء الذين انخرطوا في هذه العقيدة (الصهيونية) قد دفعوا إلى ذلك بسبب الحرمان من الحرية والقيود التي فرضت على اليهود في روسيا. لكن في ذات الوقت الذي أُعترف فيه باليهود كيهود روس ومنحوا كل الحريات، فإنه يبدو من غير المعقول ان يتم الاعتراف بالصهيونية من قبل الحكومة البريطانية، وان يقوم السيد بلفور بالتصريح بأن فلسطين يجب ان تكون وطنا قوميا للشعب اليهودي".
بعد اقل من اسبوعين من اليوم وتحديداً في الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) تكون قد مرت على تصريح بلفور مائة سنة بالتمام. سيظل هذا التصريح محطة سوداء في تاريخ الكولونيالية البريطانية وما تناسل عنها من جريمة بحق الشعب الفلسطيني والمنطقة برمتها، حيث رُحلت إليها المسألة اليهودية التي ولدتها العنصريات واللاساميات الاوروبية الدفينة والظاهرة. توسطت سنة إصدار وعد بلفور، اي 1917، فترة الحرب العالمية الاولى التي استعرت فيها التحالفات السياسية والعسكرية والصفقات السرية والعلنية والمعاهدات الدائمة او تلك الخادعة وإلى جانبها الوعود التي تنثرها الدول الكبرى على الاطراف المتنافسة او الطامحة بأمل كسبها إلى جانبها في الحرب. لعبت الصدف وتقاطعات المصالح المختلفة لمنفعة الحركة الصهيونية بشكل مُذهل. استراتيجياً، كانت بريطانيا تريد الحفاظ على فلسطين في ايديها اما مباشرة او عبر ايداعها في عهدة الحركة الصهيونية المتحالفة معها، قطعا للطريق على فرنسا وإبقاء الاخيرة بعيدة عن قناة السويس، وخداعاً لها عبر السيطرة على فلسطين رغم غموض وضعها في اتفاقية سايكس بيكو التقسيمية سنة 1916. دينياً، التقت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين المُتجسدة في وعد بلفور مع المسيحانية الأخروية التي تشترط الظهور الثاني للمسيح بتلك العودة، وبذلك ضمت الصهيونية شرائح عريضة مؤيدة في اوساط ما صار يُعرف بالمسيحية الصهيونية. وتحالفياً، بدت فكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين مُعززة للتحالف الروسي البريطاني الذي بدا على وشك التفكك بعد الثورة البلشفية لجهة إرضاء متنفذي اليهود وضمان ضغطهم على الحكومة الروسية الجديدة للبقاء في الحرب إلى جانب الحلفاء، ومن ناحية اخرى يضمن ذلك الوعد دعم اليهود الامريكيين في واشنطن ومضاعفة جهودهم لجر الولايات المتحدة للإنخراط في الحرب الى جانب بريطانيا وحلفائها. اما انتدابياً ودولياً، فقد عملت بريطانيا بسرعة هائلة على تحويل تصريح بلفور إلى وثيقة قانونية في السنوات الاولى ل "الإنتداب"، ومررت فكرة إقامة وطن قومي لليهود عبر عصبة الامم، بحيث اصبحت الوظيفة الاساسية المُناط بها الإنتداب البريطاني على فلسطين تسهيل قيام وطن قومي ودولة يهودية في فلسطين. وسط في كل هذا الجنون الدولي الذي توافق على جريمة تدمير شعب فلسطين وسرقة ارضه ومنحها ليهود العالم كان الغائب الاكبر هو ذلك الشعب ومن يمثله ومن كان يزعم الدفاع عنه من حكومات وقادة عرب. سادت لغة المصالح الاستراتيجية والوعود الخادعة والكذب حتى لو ادى ذلك إلى سحق شعوب وخراب اوطان.
على الضد من الإنحطاط الاخلاقي والسياسي الذي مهد الأجواء لتصريح بلفور وانتجه وصنعه، ارتفع صوت مونتاغو المنفرد وارتفعت نبرته واعترض على الجريمة التاريخية قيد التصنيع. مونتاغو كان معروفا بليبراليته القاطعة ومعاداته الواضحة للصهيونية رغم التزامه الطقوسي باليهودية. وكان يرى في الصهيونية حركة تخريبية ومؤذية لليهود واليهودية وتعمل على تدمير مشروع إندماج اليهود في اوروبا والمجتمعات القومية التي ينتمون إليها ويحب ان تتعزز مواطنتهم فيها. كما وصف السياسة البريطانية باللاسامية بسبب تأييدها قيام وطن قومي لليهود في فلسطين يُرحلون إليه من البلدان الاوروبية والعالم اجمع، لأن هذه الفكرة بحسب ما شرح تعني إقامة غيتو يهودي كبير في فلسطين على حساب اهلها الاصليين وسوف يتسبب في تعزيز العداء لليهود في العالم.
في 23 آب (اغسطس) سنة 1917 كتب مونتاغو مذكرة شهيرة من عدة صفحات إلى الحكومة البريطانية بعنوان "حول ولاسامية الحكومة الحالية"، انتقد فيها سياسة الحكومة المؤيدة لفكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين، وانتقد سياسة وتوجهات وزير الخارجية آنذاك جميس بلفور. وتستحق هذه الوثيقة بالغة العمق المزيد من الإهتمام لأنها تقدم اهم إدانة تاريخية ومبدئية للموقف البريطاني الاستعماري إزاء فلسطين وتخليق دولة يهودية فيها. وتالياً بعض الفقرات من الوثيقة:
"... لا اعرف ماذا يتضمن هذا (الوطن القومي لليهود في فلسطين)، لكني افترض انه يتطلب من المحمديين (المسلمين) والمسيحيين التنحي جانباً وافساح المجال لليهود الذي سوف يخلفونهم في كل المواقع ويتميزوا بعلاقتهم في فلسطين كما يتميز الانكليز في علاقتهم مع انكترا، اوالفرنسيين مع فرنسا، ويُعامل الاتراك والمحمديين الاخرين كأجانب في فلسطين بنفس الطريقة التي يعامل فيها اليهود في كل البلدان الاخرى ما عدا فلسطين. وربما سوف تُمنح المواطنة تبعاً لإعتبارات دينية. وانني اشدد هنا على اربعة مبادىء:
ــ اؤكد على انه ليس هناك شعب يهودي (nation Jewish) ... لا يمكن القول بأن اليهودي الانجليزي واليهودي الموريسيكي (الاسباني) ينتميان إلى نفس الشعب إلا اذا قلنا ان المسيحي الانجليزي والمسيحي الفرنسي ينتميان إلى نفس الشعب ...
ــ عندما يُقال لليهود ان فلسطين هي وطنهم القومي فإن كل بلد (في العالم) سوف يرغب على الفور في التخلص من مواطنيه اليهود، وسوف تجد في فلسطين مجموعة سكانية تطرد السكان الحالين وتأخذ افضل ما في البلد (فلسطين) ...
ــ انني انفي فكرة ان فلسطين مرتبطة اليوم باليهود او اعتبارها المكان الملائم لهم للعيش فيها. إن الوصايا العشر تنزلت على اليهود في سيناء. صحيح ان فلسطين تلعب دوراً كبيرا في التاريخ اليهودي لكنها تلعب ذات الدور في التاريخ الحديث للمحمديين، وبعد زمن اليهود في فلسطين فإنها تلعب دوراً في التاريخ المسيحي كما لا يلعبه اي بلد من البلدان ...
ــ (بعد حديث عن النجاح النسبي والتدريجي في اندماج اليهود في اروروبا كمواطنين في دولها يتابع مونتاغو قائلاً) ... لكن عندما يمتلك اليهودي وطن قومي فإن ما يترتب على ذلك هو مبررات حرماننا (كيهود) من حقوق المواطنة البريطانية سوف تزيد. فلسطين ستصبح الغيتو العالمي (لليهود). لماذا يمنح الروس اليهودي حقوقا كاملة، ووطنه القومي هو فلسطين؟
ثم يختم مونتاغو مذكرته بمناشدة الحكومة عدم الخضوع لضغوط الحركة الصهيونية، ويقول: "انني اشعر بأن الحكومة يُطلب منها ان تكون اداة لتنفيذ رغبات حركة صهيونية تدار بشكل عام، وحسب معلوماتي، عبر رجال من اصول او اماكن ميلاد معادية، وهذا يعني توجيه ضربة قوية إلى الحريات، والموقع، وفرص الخدمة لليهود الآخرين المواطنين في بلدانهم. إنني اقول للورد روتشيلد إن الحكومة مستعدة للقيام بكل ما في طاقتها من اجل تأمين الحرية الكاملة لليهود للإستيطان والحياة في فلسطين على قدم المساواة مع سكان ذلك البلد الذي يتبعون اديان اخرى. ولكني اطلب من الحكومة ان لا تقوم بما هو ابعد من ذلك".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- -وعد بلفور- وإسرائيل: العنصرية الاوروبية والعداء لليهود
- -وعد بلفور- لم يكن وعدا عابرا، بل استراتيجية بريطانية
- -زمن القيعان المتلاحقة- ... أين القاع الحقيقي؟
- البرلمان الاردني والعرب وقوانين اسرائيل العنصرية
- إنتفاضة القدس: درس المقاومة الشعبية والتدين الوطني
- فرويد وميثولوجيا الحرب والتلذذ بالدمار (٢ من ٢)
- فرويد وميثولوجيا الحرب والتلذذ بالدمار (١ من ٢)
- الحريات العامة و-الحيز العام-، غربيا وعربيا (2 من ٢)
- الحريات العامة و-الحيز العام-، غربيا وعربيا (١ من  ...
- حماس بين لاحدود الديني وحدود الوطني
- جدل الاستشراق بين إدوارد سعيد وصادق جلال العظم
- إيران ونحن ... ما العمل؟
- خلط الدين والسياسة ... والجدل المُستمر
- الوعي الواعي والوعي الناقص
- صادق جلال العظم: السجالي الكبير وصانع النرد
- من هتلر والإنجيل إلى داعش والقرآن
- زيغموت باومان: اليهودي -الحالي- ما بعد الحداثي
- من القوميات -الُمدجنة- إلى القوميات الفاشية: حقبة جديدة؟
- عالم جديد: -صدام القوميات والشوفينيات-!
- الداعشيات الدينية والداعشيات الغربية وعالم جديد مخيف


المزيد.....




- الكلب يساعد الإنسان في الجزيرة العربية منذ 8 آلاف عام (فيديو ...
- بوتين يبحث مع أمير قطر أزمتي سوريا والخليج
- الحزب الحاكم في زيمبابوي يعزل موغابي
- المكسرات للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية
- المحكمة الاتحادية تلغي استفتاء كردستان
- -الجنائية الدولية- ستحقق في جرائم العسكريين الأمريكيين في أف ...
- بالفيديو.. أول رحلة لقطار الحرمين الشريفين
- ترامب يعيد كوريا الشمالية إلى قائمة الإرهاب
- موسكو أمام خيارين أحلاهما مر في أوكرانيا
- ندوة حوارية في ستوكهولم حول كتاب العائلة في المنفى


المزيد.....

- 100 عام على وعد بلفور / غازي الصوراني
- ملامح التحول والتغير في البنية الاجتماعية في الضفة الغربية و ... / غازي الصوراني
- كتاب التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلس ... / غازي الصوراني
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني / غازي الصوراني
- مخيم شاتيلا : الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- الصديقان العزيزان أ.د ناجي صادق شراب و أ.د أسامة محمد أبو نح ... / غازي الصوراني
- نقد الصهيونية / عبد الرحمان النوضة
- هزيمة حزيران 1967 وتطوّر حركة المقاومة الفلسطينية / ماهر الشريف
- لا… إسرائيل ليست ديمقراطية / إيلان بابيه
- في الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب الشعب الفلسطيني / نعيم ناصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - خالد الحروب - الوزير اليهودي المُنصف الذي عارض وعد بلفور