أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاهر أحمد نصر - جذور وأفاق بنية الدولة















المزيد.....



جذور وأفاق بنية الدولة


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن-العدد: 5676 - 2017 / 10 / 22 - 10:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جذور وأفاق بنية الدولة
قراءة في كتاب: "المقدس والدولة" لعلم الدين عبد اللطيف

الأديب الأستاذ المحامي علم الدين عبد اللطيف، عضو اتحاد الكتاب العرب، علم من أعلام الثقافة، جمع بين حبّ شعبه، وسعيه في سبيل الحرية والعدالة والكرامة، وثقافته القانونية، وشغفه بالأدب، وبحوثه الفكرية والنقدية... فكان منارة تضيء من فيض عبق عطائه، وتنير نقدياً أعمالاً أدبية هامة، وخاصة لأدباء في محافظة طرطوس...
صدرت له في مجال الأدب والنقد الأدبي مجموعة من الأعمال:
ــ أحلام الزمن المتوسط (رواية) ، ــ قمر بحر (رواية) ، ــ السور والعتبات (رواية)، ــ نصوص قصصية من طرطوس (دراسة نقدية)، ــ إسلام سياسي إشكالية الرؤية (بحث فكري)
ولقد توج أعمالَه الفكرية كتابُ "المقدس والدولة" الصادر عن دار الحوارـ اللاذقية - عام 2016. هذا الكتاب الجديد والجريء في عنوانه، ومضمونه في ميدان الأبحاث الفكرية في بلادنا...
يستهل المؤلف كتابه باستعراض أهم النظريات في نشوء الدولة، ويتوقف عند كتاب عبد الله العُروي "مفهوم الدولة" الذي يثير التساؤل حول "أي أنموذج للدولة يمكن أن نعتمد؟ ... ويرى أنّ أنموذج انجلس (الذي يعرف الدولة بأنّها سلطة الطبقة الأقوى) كان صالحاً ربّما في مرحلة انتقال البحث من الفلسفة إلى التاريخ والإثنولوجيا. ويصفه بـ(الفضفاض)". ويرى العُروي أنّ أنموذج الدولة القائم على الأفكار الماركسية، وتحليل وتجريب (ماكس فيبر)، هو الذي يمكن العبور منه إلى (العقلنة)، التي هي تطوير لـ(عقل) هيغل... فالدولة حسب تحليل فيبر تحمل معها قدراً من العقلانية، فضلاً عن أنّ الدولة ذات صفات وبنى وظيفية، ترتبط بهدف الحياة الإنسانية وفعاليتها، مع الأخذ بالحسبان أنّ الفاعلية الإنسانية تتحقق بالتعاون والاجتماع، ومع التحذير، في الوقت نفسه، من خطر اختطاف الدولة من قبل أقلية بدعوى أنّها النخبة؛ فإذا كانت الدولة المفترضة التي انبثقت من تلاقي الإرادات الطبيعية الحرة في المجتمع، فإنّ ظهور فكرة النخبة، التي تمثل المجتمع تاريخياً، كان تعبيراً عن اختطاف فكرة الدولة الطبيعية القائمة على مبدأ التعاون، في صالح قلة من الأفراد وضعوا فرضية تجريم الخروج على النظام باعتباره مقياس الأخلاق والصلاح. وحين نعرف أنّ هذه النخبة الجديدة أعلنت عن احتكارها عملية وضع تفاصيل النظام ومقتضياته، فيمكننا القول إنّ الاستئثار بالدولة بدأ مع ظهور هذه النخب تحديداً للدفاع عن امتيازاتها وصون مصالحها.(1)ولمّا كان هذا الاستئثار يقود المجتمع والدولة إلى أزمة، فمن الضروري البحث عن سبل معالجتها في بناء مؤسسات الدولة باعتماد مبدأ التعاون في صالح أغلبية أو كافة أبناء المجتمع.
ويسهب الباحث في القسم الأول من الكتاب في سرد الوقائع التاريخية التي سبقت قيام الدولة في أوربا، مع تأكيده على أنّ الغرب لم يكن سباقاً للشرق في ابتداع أشكال مختلفة لما يسمى (الدولة)... وللبرهان على أنّ القبيلة هي أساس تكوين السلطة السياسية في الغرب في البداية، يحرث الباحث منقباً في تاريخ القبائل الأوربية؛ من قبائل الجرمان الشماليين أساس (الأمة الجرمانية)، إلى التنظيمات القومية والعرقية الأخرى التي شكلت إمبراطورية الفرنجة... وينوه الباحث إلى أنّ أهم القبائل الجرمانية وأكبرها كانت قبائل (الكوت)، تلك القبائل التي اعتنقت منذ القرن الرابع المسيحية واتخذت (الأريانية) ـ نسبة إلى (آريوس) الذي يقول بالطبيعة البشرية للسيد المسيح مذهباً لها، خلافاً للمذهب الكاثوليكي الذي كانت الإمبراطورية الرومانية تدين به...(2)وفضلاً عن الكوت وجد الفرنجة، أو الإفرنج، أو الفرنسيس، الذين بسطت إمبراطوريتهم قبضتها على معظم أوربا الغربية، مع حلول القرن الثامن الميلادي، حيث اعتنق الإفرنج (الفرنكيون) المسيحية في عهد ملكهم (كلوفيوس) الأول، وكان ذلك تاريخاً جديداً في القارة الأوربية... فالجرماني (شارلمان) هو أول قيصر توج على ما أصبح يُدعى مملكة الفرنجة في (800م)... والإمبراطور نفسه كان كاثوليكياً رومانياً، ولأنّ النظام البابوي وبالتحالف مع الإمبراطورية الرومانية، كان يمسك بزمام السلطة الدينية والدنيوية، مع هيمنة المذهب الكاثوليكي الذي أصبح القوة المهيمنة في أوربا حتى القرن الـ16 والـ17، حيث بدأ هذا النظام بالتداعي في كلّ أنحاء أوربا...
ويرى الباحث أن سبب تداعي النظام البابوي هو تسلط وبطش المؤسسات الكنسية الكاثوليكية الرومانية المتحالفة مع الإقطاع وملاك الأراضي، ووصول ذلك التسلط والبطش إلى مستوى إرهاب الناس؛ والتهمة جاهزة (الهرطقة) أي مخالفة العقيدة. ولعلّ الكاتب في حديثه عن تحالف الكنيسة مع الإقطاع وملاك الأراضي يشير بشكل غير مباشر إلى أنّ ذلك التسلط والبطش كان ناجماً عن تناحر وتناقضات داخلية: اقتصادية اجتماعية فكرية داخل المجتمع، والتي شكلت أهم أسباب تداعي ذلك النظام البابوي، وكان البطش تعبيراً عن طبيعة ذلك التناحر...
ويشير الباحث إلى أنّه مع تفاقم التناقضات واحتدام الصراع "طالب المصلحون الدينيون، وعلى رأسهم (مارتن لوثر، وجون كالفن)، بالعودة إلى قيم الكتاب المقدس، ولقي (لوثر، وكالفن) دعماً شعبياً واسعاً، وأدت دعوتهما إلى نشوء حركة الإصلاح الديني والتي كان من نتائجها ظهور البروتستانتية، وبتأثيرها قسّم الإصلاحيون البروتستانت الإمبراطورية إلى ثلاثة أديان (الكاثوليكية، واللوثرية، واللفينية)، وبقيت المؤسسات الكهنوتية في قطيعة مع البروتستانت الذين امتنعوا عن الخضوع لها، مما أدى إلى قيام الاتحاد البروتستانتي بمواجهة العصبة الكاثوليكية، وأصبحت أوربا مهيأة لحرب الثلاثين عاماً "... تلك الحرب التي انتهت بتوقيع معاهدة وستفاليا ـ عام 1648، والتي أفضت إلى ولادة الدولة السيادية، إذ تم الاعتراف بموجب تلك المعاهدة باستقلال وسيادة كل دولة من دول (الإمبراطورية المقدسة) استقلالاً تاماً وناجزاً، وأصبحت فرنسا القوة الأهم والأقوى في القارة الأوربية، على حساب آل هابسبرغ حكام النمسا، وتقرر أيضاً منع كلّ اضطهاد ديني، ونصت المعاهدة على أنّ ديانة كلّ دولة يجب أن تحددها ديانة حاكمها ـ كاثوليكية، أو لوثرية، أو كالفينية ـ مما حدا بالبابا (إينوسنت) العاشر إلى إعلان عدم رضاه، وشجبه لاتفاقية الصلح، لأنّ ذلك من شأنه نقل الشأن الديني إلى الحاكم الذي استقل عنه.(3)
وكان مبدأ الولاء القومي من أهم وأبرز المبادئ التي توافقت عليها الأطراف، والمقصود بذلك أن يكون الولاء للانتماء الوطني القومي (القومية)، وليس للكنيسة، وأن تكون علاقة الفرد بالكنيسة علاقة تحكمها الإرادة الحرة والاقتناع، وليست علاقة خضوع بالقوة، أو حاكم ومحكوم، وبذلك تم الفصل تاريخياً بين الدين والدولة، بين العقيدة والسياسة، ويرى الكاتب أنّ هذا المبدأ كان "أول تأسيس رسمي في التاريخ للعلمانية، التي طالما كانت هدفاً ومطلباً لدعاتها الذين كانوا طليعة ما سمي بعد ذلك بعصر الأنوار، ورواد الفكر التحرري، وكان من المهم واللافت اعتبار أنّ من شأن الفصل بين الدين وأمور السياسة أن يحول دون اندلاع الحرب الدينية مجدداً، وكان هذا أول اعتراف رسمي بدور تلك المؤسسات الدينية في إنتاج النزاعات الحربية".(4)
القانون والدولة:
من الملفت للانتباه أنّ الباحث أسمى الفصل الأول من هذا الكتاب بـ"فذلكة تاريخية"، ولعلّه أحس لا شعورياً بضرورة الإيجاز في سرد الأحداث التاريخية، والتركيز على موضوع البحث في نشوء الدولة... ولقد كان مفيداً التطرق إلى نظرية إنجلس في نشوء الدولة التي عرضها في كتابه "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة"، والتي بنى لينين عليها نظريته في "الدولة والثورة"...
ومن المفيد أيضاً التعرف إلى تأثير ظهور القانون في أوربا في القرن الحادي عشر على تطور الأسس القانونية التي بنيت عليها الدولة في أوربا قبل معاهدة ويستفاليا في القرن السابع عشر، إذ "يؤكد العديد من الباحثين والمؤرخين أنّ ظهور القانون في أوربا كان من ثمار الصراع الذي حصل في أوائل القرن الثاني عشر في أوربا بين الكنيسة والدولة حول مسألة تقليد المناصب في الكنيسة، أو ما يسمى التنصيب أو الترسيم. فقد استمر الإمبراطور بتقليد بعض من يرشح لمناصب في الكنيسة (الخاتم والعصا) حتى حرمها البابا غريغوري السابع (1028-1085م)... بهذا الشكل أنتج المشتغلون بالقانون الكنسي نظاماً قانونياً جديداً، وقاد ذلك إلى علم القانون بوصفه حقلاً معرفياً مستقلاً يحقق شروطاً منهجية معينة... وإلى المنطق القائم على مبدأ سلطة العقل وشرعيته...
وفي حوالي عام 1120م "أعلنت السلطة البابوية في الكنيسة تحررها من سيطرة الدولة، وتخلصها من التدخل في تعيين رجال الدين وإدارة شؤونهم. كسبت الثورة البابوية الصراع.. كانت معركة فكرية وقانونية، أنتجت أول نظام قانوني شمولي هو القانون الكنسي (قوانين الكنيسة لغريشن 1140م)، وكبحت البابوية من جماح التدخلات من خارج الكنيسة.. وقيدت في الواقع امتيازات السلطات الدنيوية بوضعها نظام قانوني جديد.. وخلقت بذلك "أول نظام قانوني غربي حديث". كما ساعد هذا التعديل الثوري في مولد الدولة الغربية الحديثة ــ التي كان المثال الأول عليها هو الكنيسة نفسها (وليست الدولة العلمانية) ــ مع ما في ذلك من مفارقة فقد مارست الكنيسة منذ ذلك التاريخ فصاعداً كلّ الوظائف القانونية للدولة الحديثة. طبقت لنفسها قوانينها ونظامها الهرمي وحكم البابا من خلال ممثليه.
وأقامت الكنيسة مثالاً تحتذي به لاحقاً الحكومات الدنيوية لتنظيم أمورها وتأسيس محاكمها، واختيار موظفيها، وتنفيذ قوانينها من أجل أن تحكم في حقولها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وقد مهد انفصال البابوية عن السلطة الدنيوية لتطور البنى القانونية الدنيوية المماثلة، وشجع عليه. وبينما كانت السلطة البابوية تميل إلى توسيع مجال عملها، والتأكيد على سيطرتها على مساحات واسعة من الأمور المدنية والعائلية؛ كالزواج والعائلة، والإرث، والطلاق، وما إلى ذلك، فإنّ سلطة السيطرة على هذه الأمور كانت تستند إلى العرف، والقانون الروماني أكثر من استنادها إلى الأوامر الكتابية (نسبة إلى الكتاب المقدس)، وهذا سبب من الأسباب التي جعلت السلطة البابوية مضطرة فيما بعد للتنازل عنها للسلطات الدنيوية، وتضّمن القانون الكنسي أموراً دينية دنيوية... تضمّن عناصر من القانون الشعبي الألماني، والقانون الروماني".(5)
ومن الضروري والمفيد تسليط الضوء على التغيرات الاجتماعية، والاقتصادية التي حصلت في أوربا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وكذلك الثالث عشر التي قادت إلى تغيير عميق في طبيعة القانون بصفته مؤسسة سياسية، وبصفته مفهوماً فكرياً... إنّ الإصلاحات القانونية التي عمّت أوربا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ساهمت في إعادة بناء النظام السياسي الإقطاعي، والتجاري الأوربي القروسطي على أسس جديدة.. وقد أرسى هذا التحول القانوني، نتيجة لسيادة المبدأ القانوني السياسي الجديد الذي مهد السبيل للعمل المؤسساتي...
ومن المفيد التنويه إلى أنّ الترتيبات المؤسساتية الجديدة في أوربا خلقت مناخاً لم يكن بالإمكان تصوره في شرقنا، مناخاً تجري فيه الدراسة الطليقة والنقاش العلني للفلسفة، والعلوم الطبيعية في مؤسسات الدولة المعترف بها قانونياً... وسواء أكان الأوربيون القروسطيون على دراية تامة بمعنى ما عملوه، أم لا، فإنّهم أوجدوا مؤسسات مستقلة للمجتمع تدير نفسها بنفسها... وهذه خطوة هامة وشرط أساسي لبناء مؤسسات المجتمع المدني، التي تشكل سنداًُ لمؤسسات الدولة القابلة للتطور ومواجهة تحديات التقدم التاريخي والاجتماعي.(6)
المقدس
سنتوقف قليلاً عند مسألة مهمة ودقيقة، وستكون بداية الخيط الذي سنمسك به في موضوع هذا الكتاب، وتتعلق بما يسمى (المقدس).
ينطلق الباحث من تعريف جورج بالاندييه للدين، ومما جاء في كتابه "الانثروبولوجيا السياسية" بأنّ: "المقدس هو أحد أبعاد الحقل السياسي، ويمكن أن يكون الدين أداة للسلطة، ضماناً لشرعيتها، وإحدى الوسائل المهمة المستخدمة في إطار المنافسة السياسية... إنّ البنى الطقسية والبنى السلطوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، وثمة اتصال بين ديناميتهما الخاصة... والسلطة السياسية تمتلك السيطرة على المقدس، وتستطيع استخدامه في كلّ الأحوال".(7) ويشير إلى أنّ البعض يعدّون الدين، كمفهوم وكلفظ، هو دَيْن البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة... وإنّ فكرة الدين قد تتيح المجال لإدراك طبيعة السلطة، أي إنّ الدين يتضمن أولاً مبدأ (الخارجية)، ويعني أنّ المجتمع يستمد قوانينه من خارجه لا من ذاته، ويتضمن ثانياً مبدأ (المغايرة). أي إنّ البشر مَدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم، وليس إلى بشر مثلهم، ويتضمن ثالثاً مبدأ (الانفصال)، أي القول بوجود فارق، أو مسافة بين المجتمع ومصدره، بين الجماعة والمبدأ المؤسس والمشرع لها.(8)
يقول مارسيل غوشيه: إذا كانت هذه المبادئ تحدد أسس الواقعة الدينية البدائية، فإنّها تشكل من باب أولي شرط إمكانية الدولة.(9) وتأسيساً على أنّ نشوء السلطة لم يكن ممكناً إلا لأنّ المجتمع بدأ يعي ذاته بواسطة مبدأ خارج عنه، ولأنّ انفصالاً بين المجتمع وذاته كان متاحاً أصلاً، فالدين والدولة كلاهما يعنيان بأنّ مبدأ تنظيم المجتمع منفصل عنه، غير أنّ الانفصال يأخذ في حالة الدين شكل (خارج رمزي)، بينما يتخذ في حالة الدولة شكل انفصال مرجعية سياسية فعلية تحدد النظام العام، في الحالة الأولى يتوجب إيفاء الدَّين لغائب متعال يتساوي البشر أمامه في ارتهانهم المشترك، بينما يتوجب إيفاؤه في الحالة الثانية من بشر إلى بشر، من محكوم إلى حاكم، ومن مسود إلى سيد، وبهذا ينقلب مبدأ الخارجية مع الدولة من مبدأ للمساواة إلى مبدأ للإخضاع.(10)
ويمكن أن تكون ظاهرة استحضار المقدس الديني، وشكل وماهية الدين التوحيدي، قد عُرفت بعد بروز ظاهرة الأباطرة العظام في العالم الذين كانوا تعبيراً عن تنامي الملكيات وتعاظمها، فكان يجب استحضار ما يدعم سلطتهم غير المحدودة، وليس هناك أنسب من فكرة العلاقة مع الإله المتعالي، الذي يمكن أن تُحال إليه كافة المقدرات، من دون تحمل أي مسؤولية أمام المحكومين.
ويصل الباحث إلى استنتاج مفاده أنّ "إمبراطورية الفرنجة الغربيين، التي أعلنت الماهية الرسالية لمشروعها الإمبراطوري، كان عليها أن تعطي مفهوم (المقدس) ما يستحق من العناية، فهو الكفيل بإتمام وتكامل السيطرة المركبة، روحاً وجسداً (السلطان والدين)، فاستعارت؛ إن لم تكن سطت على هذا (المقدس) وخلعته على دولتها، وهي فيما يبدو عرفت حاجتها إليه لوسمها بقداسة تعزز سلطتها، باعتبارها الوافدة الغازية للإمبراطورية الرومانية، التي كانت تحتكر هذا الشرف كممثلة للديانة المسيحية، وحاميتها، ومركز الكنيسة تاريخياً، فصار اسمها (الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة)".(11)
وفي وستفاليا تم التوافق على مبدأ آخر عزّز عملية بناء الدولة على أسس علمانية في أوربا؛ هو "مبدأ السيادة، ويعني أحقية الدولة بإصدار قوانينها وأنظمتها داخل حدود إقليمها بشكل مطلق، وعدم شرعية أي ضغط أو تهديد خارجي يستهدف النيل من سلطتها إلا بإرادتها. وبهذا صارت الدولة سيدة قرارها كما هي سيدة دارها، ودار الدولة هو إقليم يشكل الجغرافيا التي تمارس فيه سيادتها".(12)
ويؤكد هذا المبدأ على حق كل دولة في اختيار نظامها السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والحياتي...الخ.
عند الحديث عن دور الدين في بناء الدولة من الضروري التذكير بأنّ مكيافلي كان من السباقين إلى الدعوة للاعتماد على الدين في بناء الدولة، مؤكداً على أنّ أي دولة لا تستطيع ضمان أمنها إلاّ إذا اعتمدت على الدين وشجعته.. وكأنّه يعدّه من الناحية السياسية، مجرد أداة يمكن للدولة استخدامها لإقناع الجماهير بعمل ما تريده هي منهم.(13)
ولمّا كانت عملية بناء الدولة وفق نظرية التعالي التي يطرحها الباحث قد وصلت إلى طريق مسدود ــ وخير مثال على وصول هذه النظرية إلى أزمة واقع أنّ الأنظمة الشمولية (التي عُرفت بالاشتراكية) أقامت دينها ومقدسها الذي فرضت عبادته لتدعيم سلطة دولها، على الرغم من كلّ المزاعم الفكرية المغلفة بقشور الفلسفة "المادية الديالكتيكية"، ولم يساعدها مقدسها على الصمود أمام تحديات التطور الاقتصادي الاجتماعي التاريخي ــ وبالتالي قد تصلح وجهة النظر هذه، القائمة على اعتماد المتعالي في بناء الدولة، (تصلح) للتأسيس إلى وجهة النظر التي تنقضها والقائمة على ضرورة بنائها على أسس قانونية واقعية متجددة...

أشكال السلطة في الشرق:
يتناول الفصل الثالث من الكتاب "أشكال السلطة ما قبل الدولة في الشرق"، وخاصة الممالك التي قامت قديماً فيما يسمى اليوم (جزيرة العرب)... وينوه الباحث إلى أنّ "النشاط الاقتصادي هو المحرك الرئيس في تحولات التاريخ التي أنتجت المدينة التي كان من شأنها إنتاج الحضارة الثقافية ثم السلطة والدولة. ويصل إلى استنتاج مفاده أنّ الدولة العربية الإسلامية تشكلت في اجتماع قبلي (أساسه قبيلة قريش)، إلى حد يشابه ما تم في أوربا الجرمانية والغالية... ثم يقدم عرضاً موجزاً لتاريخ أهم الممالك التي عرفتها المنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد من (المملكة الأكادية، والممالك في المرحلة المبكرة (وحتى ممالك المرحلة المتأخرة في (تدمر)، و(الحَضَر) في بلاد الرافدين... وكان من المفضل لو أنّ الباحث أورد تاريخ قيام وتداعي تلك الممالك وتاريخ العصور التي وجدت فيها الشخصيات التاريخية الواردة في الكتاب...
وتحوز العلاقات الاقتصادية التجارية، والعسكرية الحربية، بين تلك الممالك، ومع الممالك والإمبراطوريات المجاورة على حيز هام في هذا الفصل...
ظهور الدولة عند العرب:
أما القسم الثاني من الكتاب ــ الذي يعد خزانة غنية بالمعلومات التاريخية للمرحلة الممهدة لظهور ونشوء الدولة الإسلامية، فيذكرنا بكتاب الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي الهام: (الشخصية المحمدية) ــ وهو مخصص للبحث في أصل ودور المقدس في بناء الدولة.. مع تأكيد الباحث على أنّه "لا يمكن أن نسلّم بتصاعد هذا المقدس كمصادفة، وسنبقى عند مقولة أنّ الفكر يتبع الواقع، قد يحايثه، أو يتأخر، أو ينزاح عنه، لكنّه لا يسبقه بالتأكيد، ولا يخلقه، وسيكون علينا إضافة مفاعيل هذه الأسئلة إلى دائرتها التي واكبناها، وسنجد أنّ (المقدس) العربي، هو أصيل في وجوده وترميزه... وإذا كان سدنة البيت الحرام، من قصي بن كلاب المؤسس إلى أحفاده، قد عرفوا قيمة هذا العنصر، فأعلوا من شأنه" إلى درجة القداسة. وللبرهان على دور قصي يستشهد الباحث بقول المسعودي: (واستقام أمر قصي، وعَشَرَ (أي فرض العشر) على من دخل مكة من غير قريش، وبنى الكعبة، ورتب قريش على منازلها في النسب بمكة).(14)
وإذا كانت القبائل العربية المتفرقة والمتناحرة إذا ما جمعها جامع، هي أحجار بناء في مشروع دولة، فإنّ العامل الروحاني (المقدس)، كرمز، أو نمط ممارسة، سيكون هو الملاط الذي يجمع هذه الحجارة، ويضمن تماسكها في عملية إعلاء مداميك الدولة(15)... مما جعل قصي الذي يعود إليه فضل إرساء الدعائم الأولى للدولة قبل ظهور الإسلام، أن يوجه اهتمامه إلى الكعبة والحجيج، وعمل على إعلاء شأن الخدمة في كعبة قريش، والتي كانت تتنازعها القداسة كعبات أخرى كثيرة في بلاد العرب... ولم تتعد حدود سلطته في البداية أمور السقاية والرفادة، وفرض الضريبة لاستقبال وخدمة الحجيج.. وفضلاً عن الاهتمام بالكعبة بنى قصي (دار الندوة) وهي المؤسسة الجديدة في مكة، وفي فناء الكعبة تحديداً.. وفي دار الندوة كان يجري التشاور في أمور السلم والحرب، وتناقش، وتُتخذ القرارات، وتعقد الألوية... إنّها الشكل المصغر لبيت الدولة. وبذلك يكون قصي قد نقل مكة من نظام المشيخة القبلي، إلى مرحلة متطورة من التنظيم، تمثلت في دار الندوة، وتُمثّلُ زعماء ووجهاء مكة سميت (الملأ).
ويرى الباحث أنّ العمل الأهم في كل ما أتاه قصي، كان إقدامه على إنشاء ما سمي بـ(قيادة اللواء)، أي قيادة الجيش... هو ثالثة الأثافي بعد دار الندوة وحكومة الملأ، وصولاً إلى عقد اللواء، وتكتمل عدة بناء الدولة، حتى سمي بـ(المجمع).(16)
ويتابع الباحث توضيح فكرته وتقديم شواهد تاريخية على علاقة قيام الدولة بالمقدس، فيقدم معلومات تاريخية شيقة عن "عبد المطلب وإعلان المقدس، وعن الحنفية والأحناف، والدعوة ومواكبة المقدس، والإسلام والدولة.، والدولة الورايثة وتمظهرات المقدس، والدولة والسلطة، والدولة والشورى... دولة الأعطيات"..
ويقدم الباحث في الفصل الأخير من الكتاب عرضاً مسهباً في (الدولة الوارثة وتمظهرات المقدس)، ويعرض أزمة الدولة الشمولية.. ونستشف من هذا العرض مخاطر طغيان ما عُرف بمنهج (الديمقراطية المركزية) البلشفي، وهيمنة تعريف لينين للدولة بأنّها أداة قمع الطبقة الضعيفة من قبل الطبقة الأقوى، ذلك التعريف الذي ولّد مفهوم (الشرعية الثورية)، وقاد إلى هيمنة النظرة البلشفية بخصوص (ديكتاتورية البروليتاريا)، والشعارات الطوباوية المبنية على ترجمة نصوص منفصلة عن الواقع، أخذت دور المقدس في تفكير وبرامج الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة في المجتمعات العربية، التي تأثرت بأساليب الحكم فيما عرف بالمجتمعات (الاشتراكية)، التي لم تستطع تجاوز البنية الأبوية الإقطاعية في الحكم، وتجلى ذلك في عمليات الاعتماد على النخبة من الأقارب والمقربين (التي تناظر القبيلة بهذا الشكل أو ذاك) والتوريث، وتعدّ البنية الشمولية في المجتمعات التي عرفت بالاشتراكية مثالاً جيداً على تسخير العقيدة المقدسة في عملية بناء الدولة، ولمّا كانت تلك العقيدة، مهما بلغت درجة تقديسها، هي نتاج للواقع وليس العكس، فلم تستطع الدولة التي بنيت عليها أن تصمد أمام تحديات التطور، فوصلت إلى طريق مسدود..
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الأزمة لم تطال الدول التي عرفت بالشمولية وحدها، بل وطالت الدول التي تعتمد أسلوب الحكم الليبرالي المتوحش، وثمة نقاط تقاطع كثيرة بينها جميعاً تتجلى في اعتماد الحكام على النخبة من الأقارب سواء الأقارب من العرق، أم العقيدة، أم رأس المال، وهذا بحد ذاته تعبير عن تناقض وأزمة تستدعي البحث عن سبل جديدة لبناء الدولة على أسس قانونية تنسجم مع متطلبات العصر...
ومن المفيد دراسة بنية الدولة وحدودها التي جاءت في منطقتنا نتيجة توافق دولي مع تداعي السلطنة العثمانية، وتقاسم الدول الأوربية النفوذ على المنطقة العربية، تلك البنية التي لم تكتمل من خلال عملية تراكم اقتصادي اجتماعي داخلي سليم، فجاءت هشة، وترنحت أمام التجارب التي واجهتها... ويستدعي ذلك طرح سؤال ومحاولة الإجابة عنه، ألا وهو: هل بنى العرب دولة تستطيع الصمود أمام تحديات التطور؟ وكان من المفضل التركيز على هذه المسألة في هذا الفصل والتخفيف من الحديث المسهب عن مفاهيم القومية، واللغة والفلسفة الصوفية الذي يثقل الفصل ويشتت مهمته..
ومن الجدير بالذكر أنّه يمكننا في هذا الفصل استشفاف الأفكار التي تساعدنا في العثور على نظريات هامة تساعدنا في البحث عن آفاق بنية الدولة المنشودة... من تلك الأفكار استشهاد الباحث محقاً بنظرية ابن خلدون القائلة إنّ (لكل دولة عمر)... فهذه النظرية تؤكد ضرورة تغيير وتطوير بنية مؤسسات الدولة باستمرار مع تقدم الزمن، وتغير البنية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية في المجتمع، وذلك بغية معالجة التناقضات التناحرية في المجتمع وفي البنية الفوقية للدولة لتنسجم مع متطلبات التطور، وهذا يؤكد ضرورة البحث في سبل تجديد بنية الدولة باستمرار...
نظرة إلى الكتاب:
ــ كتاب "المقدس والدولة" أشبه بمكتبة جامعة لمعلومات تاريخية هامة، يوحد بنيانه المميز أسلوب سرد رصين، ومنطق تاريخي علمي مشوق، وعنوان جديد وبحث جريء...
ــ يعتمد العلم عبد الطيف في بحثه منهجاً تاريخياً واقعياً موضوعياً؛ يصرح عنه في أكثر من موضع في الكتاب، ويشي به أسلوب العرض، والتسلسل العقلاني المنطقي لتتابع أحداث تاريخية تولدها مقدمات موضوعية أساسها تراكم حوامل الأحداث وتناقضاتها التي تفضي إلى النفي، والتجاوز، والوصول إلى نتائج يستخلصها باحث موفق في عرضه ومنهجه، أشبه ببّناء ومعماري يشيد بنية متينة، ورصينة في آن واحد.
ويتجلى منهج الباحث التاريخي الواقعي، وهو يتقصى حقيقة علاقة المقدس بالدولة، في تبني منهج ابن خلدون الذي كان أول من دعا إلى استقلال علم التاريخ عن العلوم الشرعية الإسلامية، ويعدّ "هذا الموضوع مستقلاً بنفسه، فهو ذو موضوع مستقل هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى".(17) مع تأكيد الباحث على أنّه "لا يمكن أن نسلّم بتصاعد هذا المقدس كمصادفة... وعلى أنّ (المقدس) العربي، هو أصيل في وجوده وترميزه"...
ومن لا يعثر على منهج الباحث، فسيشوب قراءته بعض الخلل، الذي يقلل من الاستفادة من الكتاب، ومن مواضيعه، ومراميه...
ــ يتصف الكتاب بالإسهاب في بعض فصوله، وثمة فقرة من فقراته متناقضة، حسب رأينا، مع منهج الكاتب، ففي الوقت الذي يؤكد فيه على أنّ "الفكر يتبع الواقع"؛ إلاّ أنّ حماسته للفكرة الأساسية في الكتاب جعلته يتناقض مع هذا التأكيد، ويغالي في جعل العقيدة تصنع الواقع، عندما يقول: "يجب ألا ننسى أن العقيدة الجديدة هي التي صنعت الدولة وخلقتها، ولم تكن الدولة موجودة قبلها... وبقيت العقيدة متقدمة على دولتها في كل مراحل اجتماعهما معاً، ويمكن القول إنّ العقيدة هي التي حملت الدولة وارتقت بها دائماً"(18).؟؟! وتحتاج هذه الفقرة إلى تدقيق. فالعقيدة كمقولة ومفهوم هي من نسيج الفكر الذي يتبع الواقع، حسب المنهج الواقعي التاريخي الذي يتبعه الباحث... علماً أنّ الاختلاف مع الباحث في هذه الفقرة من الكتاب لا يعني أي انتقاص من أهمية طرح ومناقشة هذه النظرة في تاريخ نشوء الدولة لنقدها وتجاوزها، خاصة وأنّ قيام الدولة على أساس العقيدة، سواء المثالية، أم المادية، وصل إلى طريق مسدود، وبالتالي تأتي أهمية طرح ومناقشة هذه الفكرة في أنّها توصّف حالة، وتؤكد على ضرورة البحث باستمرار عن سبل بناء الدولة على أسس قانونية موضوعية تلبي متطلبات التطور... وهذا يبين أهمية الكتاب، ودور الباحث المميز الذي يعدّ من السباقين في طرح وجهة النظر هذه...
ــ ويستدعي العرض التاريخي المميز والشيق لمراحل هامة في العصور الأوربية، وعصر الدعوة العربي الإسلامي، في مختلف فصول الكتاب، حضور سؤال مفاده إن كان ذلك العرض سيزداد غنى لو أنّ الباحث درس تلك المراحل، وخاصة مرحلة الدعوة الإسلامية في علائقها الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية". لكشف الأطر التاريخية والاجتماعية-الاقتصادية، التي ترعرع وشبّ فيها العصر ذاك؛ وهذا يستتبع، كما يقول الدكتور طيب تيزيني "دراسة الظروف الاجتماعية قبل ظهور الإسلام واستخلاص الظروف والدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور هذه "الحركة"... (19).
ــ الباحث موفق في جهده ورؤيته الموضوعية لتراثنا الفكري، ومرجعيته العربية الإسلامية، والإنسانية عامة، وأزعم أنّه يتفق مع وجهة نظر الدكتور حسين مروة التي يقدمها جواباً عن تساؤلات يطرحها كثير من الباحثين، وتزداد إلحاحاً في وقتنا الراهن، بخصوص تراثنا الفكري؛ أهو تراث عربي أم إسلامي، أم غير ذلك، ويرى مروة أن "وحدة التراث الفكري العربي ـ الإسلامي وحدة غير قابلة للتفتيت والتجزيء على أساس عرقي إطلاقاً. ذلك أن هذه الوحدة قائمة على قاعدتين متلازمتين تلازماً جدلياً تاريخياً وموضوعياً، هما: العربية، والإسلامية. هذا التراث عربي كلّه، مهما كانت أصول القومية لمنتجيه. هو عربي لا من حيث لغته المجردة، بل من حيث أن بناءه اللغوي هو في الوقت نفسه بناء فكري اجتماعي، وسياسي معاً، وهو أيضاً بناء فيلولوجي وأنطولوجي وسيكولوجي في آن واحد. أما إسلامية هذا التراث فهي مرتبطة بهذا البناء بكل علاقاته الداخلية هذه ارتباط كينونة وصيرورة....(20) ومن المفيد والضروري موضوعياً التأكيد أيضاً على المرجعية الإنسانية العامة لتراثنا الفكري، فلا ثقافة ولا تراث يمكن أن ينمو بمعزل عن التراث والثقافة الإنسانية العامة...
ــ يعدّ كتاب "المقدس والدولة" الغني بمعلومته الواقعية، وبمنهج البحث التاريخي الواقعي، دعوة إلى ضرورة إعلاء دور العقل، ويساهم في الردّ على جهود ومساعي كثير من مراكز البحوث، والكتاب العاملين لصالح جهات معينة تسعى لتحطيم عقل القراء، بطرح تلك العناوين البراقة الجذابة الضخمة كـ"الحقيقة الكبرى"... وغيرها، التي تحاول إعادة صياغة التاريخ وفق منهج السرد الروائي الأسطوري الفانتازي (التخيلي) المليء بالحبكات الفانتازية (الخيالية) والمتخيلة والمفتعلة، وتقديمها بأسلوب وثائقي مزعوم، ليبدو التاريخ مجرد ملهاة فارغة من الجوهر الكامن في أساس تطوره، وتصويره على أنّه سلسلة من المؤامرات تنسج خيوطها عصبة من نخبة المختارين... فتجرد التاريخ من القوى الحقيقية المحركة له، وتجعل من الثورات التي دشنتها المجتمعات البشرية، ومن بينها الثورة الفرنسية، والثورة الروسية، والبراكين التي تعتمل في مجتمعاتنا نتيجة التناقضات الجمة المتراكمة من دون حلول عقوداً من الزمن، مجرد حلقات في التاريخ تصنعها نخبة متآمرة... وتصل الخفة ببعض الكتاب إلى جعل تلك النخبة المسؤولة عن تطور التاريخ البشري (زواحف) قادمة من خارج كوكب الأرض... وتجعل كل ما كتبه المفكرون (وخاصة العقلانيون) والفكر الاشتراكي وكأنّه أتى بتوجيه من تلك النخبة السرية... مع تناسي النقلة النوعية التي عرفتها المجتمعات الأوربية بعد الانتقال من الزراعة في المرحلة الإقطاعية إلى الصناعة في المرحلة البرجوازية، وتنكر دور نضال الطبقة العاملة، وتطور الفكر البشري في إبداع الفكر الاشتراكي والماركسي... وبالمقابل يأتي كتاب "المقدس والدولة" بمضمونه الغني الجديد والجريء، ومنهجه الواقعي محاولة لإحياء دور العقل في فهم وتدوين التاريخ...
ــ لما كان مفهوم الدولة يشكل مبحثاً أساسياً في كتاب "المقدس والدولة"، فقد كان من الضروري والمفيد لو أنّ الباحث قدم، في خاتمة الكتاب، رؤية تجيب عن السؤال المهم والملّح: في ملامح أسلوب الحكم المنشود المرن مفتوح الآفاق، وبنية الدولة الملائمة لمتطلبات القرن الواحد والعشرين عصر المعلوماتية ــ عصر التوق إلى الحرية، والكرامة، والعدالة، والتغيير ــ دولة مدنية مبنية على أسس قانونية علمانية دستورية، وديمقراطية تعددية تداولية متحضرة، يتم فيها الفصل الموضوعي بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وسيادة كلّ منها في نطلق عملها، تحيي وتعزز مبدأ المواطنة، وتعالج التناقضات التناحرية في المجتمع... وأن يكون جوهر أسلوب الحكم المرن مفتوح الآفاق هو: الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ليشكل أساساً قانونياً يلبي تطلعات، ومتطلبات أبناء المجتمع من جميع الشرائح، وخاصة الشباب، وجميع مكونات المجتمع وقومياته، في ممارسة حقوقهم السياسية، والاقتصادية، مع الأخذ، من غير وجل، بكلّ منجزات المجتمعات البشرية المتراكمة في هذا المجال، بجرأة تتجاوز الخوف على التراث من الحداثة بحجة أنّها غريبة لا تناسب مجتمعاتنا؛ بل علينا الأخذ بأسس بناء الدولة العصرية المنسجمة مع متطلبات عصر المعلوماتية، والمفتوحة الآفاق لمعالجة التناقضات في المجتمع، والاستجابة لمتطلبات العصر والتطور... ونذكر هنا بالقول المشهور : "دونوا الدوواين"، الذي يعدّ مثالاً صحيحاً لاعتماد الأسس والقوانين الضرورية لبناء الدولة، بما فيها تلك الأسس التي تبدو للوهلة الأولى غريبة ومن إنتاج الآخر...
إنّ أحد أهم أسباب الأحداث التي تعصف بمجتمعاتنا هو التناقضات المتنوعة التي وصلت إلى الحالة التناحرية نتيجة عجز البنية المهيمنة عن معالجتها، وستستمر تلك التناقضات في التفاعل ما لم يتم اعتماد الحلول الملائمة لها في دولة متحضرة عصرية... وتبقى مسألة البحث عن أسلوب الحكم المناسب في القرن الواحد والعشرين مفتوحة للنقاش، وتحتاج إلى النقد، والإغناء من قبل جميع المفكرين، والباحثين المهتمين بمستقبل الشعوب... ويقدم كتاب "المقدس والدولة " زاداً مهماً في هذا الاتجاه، ويعد لبنة هامة في التصور والفهم السليم لبنية الدولة، وتعبيراً صادقاً عن التوق إلى بناء الدولة العصرية وخروج العرب من أزماتهم... فضلاً عن أنّ الكتاب خزانة معلومات غنية وهامة تزين المكتبة العربية ببحث جديد في عنوانه، وشيق في أسلوبه.
18/8/2017
الهوامش:
(1) علم الدين عبد اللطيف ــ المقدس والدولة -دار الحوارـ اللاذقية - 2016-ص9-15
(2) المصدر نفسه. ص25
(3) المصدر نفسه. ص29 -33
(4) المصدر نفسه. ص34
(5) فجر العلم الحديث ــ عالم المعرفة ــ الكويت ــ العدد /206 / آب (أغسطس) 2000م ص137
(6) شاهر أحمد نصر ــ الدولة والمجتمع المدني ــ دار الرأي ــ دمشق 2005 ــ ص21
(7) جورج بالاندييه ـ في الانثربولوجيا السياسية ـ ترجمة جورج أبي صالح، ط1 ص93 ـ منشورات مركز الإنماء العربي ـ بيروت 1986
(8) علم الدين عبد اللطيف ــ المقدس والدولة -دار الحوارـ اللاذقية - 2016-ص35
(9) مارسيل غوشيه ـ دراسةـ ترجمة علي حرب ـ منشور في مجلة الفكر السياسي العربي ـ ع22 عام 1981)،
(10) علم الدين عبد اللطيف ــ المقدس والدولة -دار الحوارـ اللاذقية - 2016- ص36
(11) المصدر نفسه. ص41
(12) المصدر نفسه. ص43
(13) نيقولا مكيافلي ـ مطارحات مكيافلي ـ تعريب: خيري حماد ـ دار الآفاق الجديدة ــ بيروت 1979
(14) مروج الذهب ـ ج2 ص58
(15) علم الدين عبد اللطيف ــ المقدس والدولة -دار الحوارـ اللاذقية - 2016- ص102
(16) المصدر نفسه. ص103ص104
(17) وجيه كوثر ــ تاريخ التاريخ ــ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ــ بيروت ص97
(18) علم الدين عبد اللطيف ــ المقدس والدولة -دار الحوارـ اللاذقية - 2016- ص237
(19) طيب تيزيني ـ مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط. ــ طيب تيزيني ـ آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 136
(20) النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ـ دار الفارابي ـ بيروت ـ الطبعة الخامسة 1985 ــ ص56
...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- أسس الإبداع الفني عند دوستويفسكي
- في الترجمة ووحدة الوعي الإنساني
- في تحولات وآفاق بنية الدولة
- فرصة روسيا التاريخية
- متى يحال من يتسبب في اغتيال الفكر و المفكرين إلى القضاء؟
- شاهر أحمد نصر - باحث وكاتب يساري سوري - في حوار مفتوح مع الق ...
- أعيدوا الاعتبار إلى الفكر الاشتراكي الحضاري الديموقراطي المت ...
- هل لأدونيس أصدقاء حقيقيون؟!
- ما سر التعلق بنظرية المؤامرة؟!
- ما الذي يلغي المشاعر الإنسانية؟!
- الغيبية والطوباوية في (مشروع برنامج حزب الإرادة الشعبية)
- عندما يغيب العقل!
- الحرب مرآة فشل السياسة
- الموقف النقدي لا يعني رؤية الجانب السلبي وحده!
- الخلل الفكري من أسباب الإخفاق السياسي!
- من يعادي الربيع العربي يخدم المشاريع المناهضة لنهضة شعوب الم ...
- تعافي المعارضة السورية ضرورة وطنية
- عادا ب-خفي حنين-
- متى ينضج الحل؟!
- مرض الطفولة السياسية؛ هل هو وباء؟!


المزيد.....




- غرامة لروسي -استهتر- بحياة طفلته
- قصة كفاح مثيرة تخفيها مقبرة عمرها 800 عام
- كيم يعاقب ساعده الأيمن.. وحديث عن تغيير في الهيكل الهرمي للس ...
- بالصور.. جنود كوريون شماليون يلاحقون جنديا هاربا ويجتازون خط ...
- رهينة أمريكية محررة من طالبان تفضح بربرية خاطفيها
- استخراج سحلية ضخمة من جوف ثعبان! (فيديو)
- مصر تكشف عن حقيقة العثور على -أبو الهول- الثاني (فيديو)
- التايمز:موغابي المستقيل حافظ على كرامته وإرثه السياسي
- ماكين -يغرد- منتقدا ترامب
- رادار روسي يكشف عن فرقاطة فرنسية شبحية


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاهر أحمد نصر - جذور وأفاق بنية الدولة