أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - إسْتِفْتَاءُ كُرْدِسْتَانِ: حَلٌّ أَمْ مُعْضِلَة؟!















المزيد.....

إسْتِفْتَاءُ كُرْدِسْتَانِ: حَلٌّ أَمْ مُعْضِلَة؟!


كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 5672 - 2017 / 10 / 17 - 18:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
في الخامس والعشرين من سبتمبر المنصرم أجرت الحكومة الإقليميَّة في كردستان العراق استفتاء حول (تقرير مصير) الإقليم صوَّت فيه 92% من اﻷكراد بـ (نعم)، إجابة على سؤال بسيط، لكنه يحمل دلالات كبيرة، وهو: "هل تريد لمنطقة الحكم الذَّاتي الكرديَّة والمناطق الكرديَّة الأخرى خارج منطقة الحكم الذَّاتي أن تصير دولة مستقلة"؟!
حقُّ (تقرير المصير) مفهوم قانوني وسياسي قديم، عرفته إحدى أهمِّ الوثائق التي أصدرتها ثورة أكتوبر الرُّوسيَّة صباح يومها الأوَّل عام 1917م، وهي (مرسوم السَّلام) المبني على إقرار هذا الحقِّ بموجب التَّفاوض المتكافئ الشَّفَّاف، والتَّصويت الدِّيموقراطي الحر، مثلما ورد، أيضاً، ضمن المبدأ العاشر من (مبادئ ويلسون) الأربعة عشر حول (السَّلام) و(إعادة بناء أوربا) بعد الحرب الأولى، والتي دفع بها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون إلى الكونغرس في 8 يناير 1918م.

(2)
مع ذلك أثار استفتاء كردستان، وما زال يثير، جدلاً كثيفاً في الدَّاخل والخارج، حيث ظلَّ المناهضون له، وغالبهم من القوى الرَّاغبة في الإبقاء على الإقليم جزءاً من العراق، ولكلٍّ منهم دوافعه المختلفة، يحاولون الاستناد، منذ مراحله التَّحضيريَّة، إلى تفسير قانوني دولي يجعل منه عملاً غير مشروع، كون (حقِّ تقرير المصير)، كقاعدة آمرة ثابتة في القانون الدَّولي العام Jus cogens، يقترن، لديهم، مفهوميَّاً وتاريخيَّاً، بشرط ممارسته، فقط، من جانب القوميَّات الرَّازحة تحت الاستعمار المباشر، بما يستتبع من احتلال أجنبي. أمَّا الذين يؤيِّدونه، وغالبهم من الأكراد أنفسهم، فيتمسَّكون بالدَّلالة الأحدث للمفهوم، الشَّاملة لما تعانيه الأقليَّات الإثنيَّة، حتَّى في إطار الدَّولة الموحَّدة، من اضطهاد يدفعها لأن تطمح إلى وضع يمكِّنها من تحقيق تطلعاتها القوميَّة الخاصَّة، ويستبعدون التَّفسير الكلاسيكي الذي يحبس هذا المفهوم في إطار نظريٍّ غائم يجعل من ممارسته، باستثناء الحالة الفلسطينيَّة ـ الإسرائيليَّة، احتمالاً منعدماً تماماً في عالم اليوم، حيث جرت، منذ ما بعد نهاية الحرب الثَّانية في منتصف القرن المنصرم، تصفية الشَّكل القديم للاستعمار المباشر القائم على احتلال أراضي الغير؛ لا سيَّما وأن أهمَّ وثائق الأمم المتَّحدة في هذا المجال، كالميثاق، وإعلاني الجَّمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة لعامي 1960م و1970م، والعهدين الدَّوليين للحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، وللحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، لسنة 1966م، لم تَقْصِر (حقَّ تقرير المصير) على الشُّـعوب المستعمـَرة، والأوطان المحتلة، وحدهـا، إنَّما نصَّـت، صـراحة، على أنه حقٌّ مكفول لكلِّ الشُّعوب.

(3)
الممارسة الصَّائبة لـ (حقِّ تقرير المصير) مشروطة، دائماً، باحتشاد شعبيٍّ يمكن وصفه بـ (المنطقي العقلاني). وليس المقصود هنا اتِّباع منهج فلسفي معقَّد، بل المقصود، من جهة أولى، أن تتكوَّن لدى (الجَّماعة القوميَّة) المضطهَدة معرفة يقينيَّة بأن مصدر اضطهادها كامن في استتباعها لقوى أخرى، أجنبيَّة أو داخليَّة، وأن تتبلور لديها، من جهة ثانية، وبذات اليقين، إرادة شعبيَّة عامَّة، صريحة وحاسمة، يكشف عنها علم الاجتماع السِّياسي، وتعكسها الأفعال، لا محض الأقوال، باتِّجاه التحرُّر من هذا الاضطهاد، ولو بطريق الانفصال، وألا تشوب هذه الإرادة، من جهة ثالثة، شائبة تأثير (نخبوي) سالب تمارسه عليها أيُّ (نخبة) سياسيَّة أو فكريَّة تنطلق من محض العصبيَّة الشُّوفينيَّة، أو غيرها من الاعتبارات الطبقيَّة الضَّيِّقة.
بهذا تستبين الوجهة العامَّة للوثائق الدَّوليَّة المشار إليها، ويُفتضُّ التَّناقض المظهري، من زاوية القانون الدَّولي، بين مبدأ (التَّوحيد) ومفهوم (التَّقسيم)، مثلما يتَّضح الفارق بين (تقرير المصير)، كنهج لإنفاذ رغبة الجَّماعة الإثنيَّة المعيَّنة في تحقيق تطلُّعاتها القوميَّة، وبينه كمجرَّد أداة لفتق المرتوق، وتقسيم الموحَّد، وتفتيت الملتئم، وتفكيك المتماسك. فالإعلانان الصَّادران عن الجَّمعيَّة العامَّة، والمار ذكرهما، يتضمَّنان، على صعيد الوسائل المتاحة لممارسة هذا (الحقِّ)، إقامة دولة، والانفصال عن دولة، والانضمام إلى دولة، فضلاً عن إنشاء نظام سياسي مغاير؛ كما ويجوز للدَّولة المستقلة، في الوقت نفسه، التَّمسُّك بسيادتها ضد التَّقسيم.
وحيث أن الخيط، في ما هو واضح، جدُّ رفيع بين دلالة هذا (الحقِّ) وبين دلالة (التَّفكيك)، فمن البدهي أن المناخ الوحيد الصَّالح لممارسة أيٍّ من هذه الخيارات هو المناخ (الدِّيموقراطي)، بمعنى أن (تقرير المصير) يكون أقرب إلى (الحقِّ) كلما جرت ممارسته تحت (ظلال الدِّيموقراطيَّة)، وأقرب إلى (التَّفكيك) كلما انطلقت الدَّعوة إليه في (هجير الشُّموليَّة)! هكذا يتطلب تطبيق قواعد (حقِّ تقرير المصير) الموازنة الدَّقيقة بين احتمالين قد يبدوان، للوهلة الأولى، متناقضين، مظهريَّاً: حقِّ (الدُّول القوميَّة) في صون وحدتها وسيادتها، من جهة، وحقِّ (الجَّماعات القوميَّة)، التي تشكِّل أقليَّات داخل هذه الدُّول، في (تقرير مصيرها)، بما يشمل خيار (الانفصال)، من جهة أخرى. فإذا لم تكشف هذه الموازنة عن وجه (الحقِّ) في أيٍّ من هذين الاحتمالين، كأن يقع ذلك، مثلاً، لاعتبارات تتعلق بتدخُّل مصالح أجنبيَّة مؤثِّرة، أو ما إليها، فسيبقى الطَّرفان المتنازعان يصطرعان حول الاحتمالين، ردحاً طويلاً من الزَّمن، بلا نتيجة حاسمة، مِمَّا سيرتِّب على كليهما، جملة آلام عريضة.

(4)
تطلُّع الأكراد إلى دولة مستقلة قديم هو الآخر، وقد أفصحوا عنه في مناسبات مختلفة. لكنه يقترن، الآن، بالأزمة النَّاشبة بين الحكومة الاتِّحاديَّة في بغداد، وبين السُّلطة الإقليميَّة في أربيل، حول مسائل شتَّى، لعلَّ أهمّها تفسير كلٍّ منهما لبسط سيطرتها السَّياديَّة على المنافذ الحدوديَّة، وعلى النفط والغاز في كردستان، وعلى المناطق الأخرى التي أُتبعت لها، فضلاً عن حدود هذه السَّيطرة. كما يكمن وجهٌ مهمٌّ للأزمة في كون سلطة الإقليم تتعامل مع بغداد كما لو كان الرَّابط بينهما نظام (كونفيدرالي)، على حين ترغب بغداد، الآن، في التَّعامل مع الإقليم وسلطته كما لو كان محض (محافظة) في حكم محلي!
من جهة أخرى صرَّح كلا الطرفين بتعويله على (الحوار) كحلٍّ أمثل للأزمة، غير أن ذلك لم يبرح، في ما يبدو، محض مضمضة شفاه إعلاميَّة lip service ، حيث أنهما لم يتقدَّما خطوة واحدة للاتِّفاق على مرجعيَّة واضحة لـ (الحوار)، فضلاً عن أن حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، ضيَّق واسعاً بتعليقه هذا (الحوار) على شرط إلغاء الطرف الآخر نتائج الاستفتاء، وإعلان التزامه بالدُّستور! فلئن كان الدُّستور صامتاً، عمليَّاً، عن بيان ما إن كانت المسائل الخلافيَّة خاضعة لسلطة حصريَّة أم مشتركة، وأن المحكمة الاتِّحاديَّة العُليا التي منعت إجراء الاستفتاء، ابتداءً، غير مقبولة، بطبيعة الحال، في مقام الفيصل، لدى الحكومة الإقليميَّة، وأن تهديد قوى دوليَّة وإقليميَّة باتخاذ إجراءات عقابيَّة ضدَّ الإقليم يمثِّل إهانة لحكومة مسعود برزاني أمام شعبها، فإن مطالبة الحكومة المركزيَّة في بغداد لحكومة الإقليم بـ (إلغاء) نتائج الاستفتاء، كشرط لـ (الحوار) معها، يبدو، عندئذٍ، كمحاولة تركـيع يصعُب على حكومة الإقليم أن تستجيب لها.
مهما يكن من أمر، وحتَّى لو بدا الحلُّ العقلانيُّ في التَّوصُّل إلى صيغة دستوريَّة جديدة تسمح بإعادة هيكلة النِّظام السِّياسي على نحو مرضٍ للطَّرفين، فإن مجريات الأحداث، في ما يبدو أيضاً، قد تجاوزت مثل هذا الحلِّ، حيث ما تنفكُّ الأمور تنزلق، بسرعة الضَّوء، في سكَّة الانفصال، في أهدأ الأحوال، أو على طريق المواجهة الحربيَّة، في أعنفها، حيث ستوقف المنطقة، بأسرها، على شفا جرف هار، وأولى محطات ذلك ملابسات هذا الاستفتاء نفسه! أمَّا إذا جاز لنا أن نستخدم شيئاً من النَّظر الميتافيزيقي في التَّحليل، فسنتطيَّر، دون شكٍّ، من وفاة جلال الطالباني، أوَّل رئيس كردي للعراق، غداة تصويت الأكراد للانفصال بمثل هذه الأغلبيَّة السَّاحقة!

(5)
ليست بغداد وحدها، كما ألمحنا، هي التي ستتأذَّى من هذا الانفصال، فثمَّة ضوار خارجيَّة ترقب المستجدَّات، وترصد التَّطوُّرات، وتكاد لا تخفي قلقها على مصالحها وأولويَّاتها الاستراتيجيَّة، كأمريكا، وروسيا، وبريطانيا، وتركيا، وإيران. وقد أعلنت الأخيرتان، بالفعل، في بيان مشترك صادر عن مباحثات روحاني وأردوغان، لدى زيارة الأخير لطهران في 4 أكتوبر الجَّاري، عن تكوين آليَّة ثلاثيَّة، بالاشتراك مع العراق، للتَّعامل مع الاستفتاء وتداعياته. وتشير كلَّ المعطيات إلى أن هذه القوى لن تلبث أن تتدخَّل في مقام البديل، حال عزَّ الاتِّفاق على حلٍّ داخلي، دون أن يعوزها المبرِّر، على غرار ما فعلت أمريكا، عام 2003م، في العراق .. وهنا الخطر!

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا!
- مَا يُضْمِرُ التَّفكِيكِيُّونَ لوُحْدَةِ السُّودَان!
- الرُّوهِينْغَا: مِنَ الدَّلاي لامَا ودِيزمُونْد تُوتُو إِلَى ...
- أَنتُونِي دُويتْ: عِبءُ الامْتِيَازِ الأَبْيَض!
- تَطْبِيعُ مُبَارَك أَمْ تَطْبِيعُ التُّرَابِي؟!
- تَصْريحَاتُ العُتَيْبَةِ بَيْنَ العَلْمَانِيَّةِ والعَقْلانِ ...
- الاعْتِرافُ لَيْسَ دَائِمَاً .. سَيِّدَ الأَدِلَّة!
- فَاطِمَة: تَلْويحَةِ الوَدَاعِ الأَبَدِيِّ
- عَاقِبَةُ وَضْعِ السِّياسَةِ مَوْضِعَ القَانُون!
- لِلمرَّةِ الأَلفْ: الليبْرَاليَّةُ بَيْنَ الاقْتِصَادِ والسّ ...
- لَمْ تُعَالِجْهَا القِمَّةُ التَّاسِعَةُ والعِشْرُونْ: مُعِي ...
- ع ع إبراهيم واستخدامات المنهج الماركسي
- الدرس الماليزي
- الأَنَا والآخَرُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ
- 30 يونيو: منهج الأخوان في رواية التاريخ
- تقنية الكذب
- وًبَدَتْ كَأْسِي بَقَايَا مِنْ حُطَامْ!
- عِبْرَةُ الزَّاكِي
- السُّودانيُّون والاستِعْمَارُ: القَاعِدَةُ والاِستِثْنَاءُ
- مَنْ يَقُلْنَ نَعَمْ لِقَهْرِ النِّسَاء؟!


المزيد.....




- السيسي عن سد النهضة: لا أحد يستطيع المساس بمياه مصر
- حزب الله: لبنان استطاع تعطيل "المخطط" السعودي وتجا ...
- زمر دم محددة ترفع خطر النوبات القلبية
- زيمبابوي.. الحزب الحاكم يستعد لإقالة موغابي يوم الأحد
- مصر..بلاغ للنائب العام يتهم الكاتبة فريدة الشوباشي بـ-فعل فا ...
- علماء يحددون عمر أقدم جمجمة بشرية مكتشفة على الأرض
- إسرائيل تقصف موقعا للجيش السوري في الجولان
- شكرا روسيا.. ولكن مع السلامة
- الموقف المصري من ملف الأزمة السورية
- مدمرة أميركية تتعرض لحادث قبالة سواحل اليابان


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - إسْتِفْتَاءُ كُرْدِسْتَانِ: حَلٌّ أَمْ مُعْضِلَة؟!