أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الدين رائف - حيٌّ ما دام الناس يذكرونه





المزيد.....

حيٌّ ما دام الناس يذكرونه


عماد الدين رائف

الحوار المتمدن-العدد: 5666 - 2017 / 10 / 11 - 16:21
المحور: الادب والفن
    


في قاعة احتفالية واسعة مصمّمة على شكل خيمة قرغيزيّة تقليديّة، يقف آسان أخماتوف – ابن اخت جنكيز أيتماتوف – ليتحدث عن ذكريات روزا أيتماتوفا عن عائلتها وأخيها. تقع القاعة في منتجع قرغيزي يقع على أحد السفوح المطلّة على العاصمة بشكيك، ويحمل اسم "سوبارا". وتتركّز فيه عناصر التراث القرغيزيّ، من الدروب المتعرّجة والأسلحة إلى لباس العاملين... وصولًا إلى المأكولات والمشروبات المتنوّعة.
يقدّم أخماتوف عرضًا موجزًا عن كتابه الأخير، الذي جمع فيه مقابلات أجراها مع روزا، والذي خصّصه للاحتفال بالذكرى التسعين على ولادة جنكيز أيتماتوف، ويحمل عنوان "الإنسان حيّ ما دام الناس يذكرونه". ولعله من نافلة القول إن الناقل الأمين للأفكار هنا يتمثل في اللغة الروسية. ولعلّ أحد وجوه عظمة هذه اللغة أنها كانت ولا تزال الحاضنة الوفيّة لأفكار شعوب وآمالها، تحملها وتبثّها إلى العالم لما تختزنه من عناصر قوّة. عبر هذه اللغة الناقلة للإنتاج الفكري تعرّفنا إلى العناصر الحضاريّة لشعوب آسيا الوسطى والاتحاد السوفياتي السابق وشعوب الدول المنضوية في روسيّا الفدرالية نفسها بالإضافة إلى إمكانيات هائلة للتلاقي مع النتاج الأدبي والفكري لشعوب أوروبا الشرقيّة.
وبدون هذه الحاضنة ما كان بإمكاننا اليوم أن نقف على معالم الإبداع في أدب جنكيز أيتماتوف وسماته العالمية، إلى جانب مئات الأدباء والشعراء من أوراسيا. ذلك تمامًا كما كانت اللغة العربية قبل قرون تشكّل الحاضنة الوفيّة لأفكار شعوب تلك المنطقة وآمالها، حين كانت بغداد محجة العلماء والأدباء وما أكثرهم. وبفعل التفاعل بين هاتين اللغتين، إبداعًا ونقلًا وترجمةً وتعريبًا، يمكننا اليوم أن نتلمّس مدى الروعة في نصوص الشرق القديمة والحديثة، ويضمن هذا التفاعل المستمر أن تبقى هذه النصوص حيّة ما دامت البشرية على وجه البسيطة.
في الكتاب، تتخطى الذكريات المدوّنة والمجموعة في الكتاب حدود اللقاءات العائلية إلى رحاب فلسفة الكاتب الكبير، وفهمه العميق لثقافة شعبه، وانطلاقته نحو العالمية والتخاطب مع شعوب الأرض بلغة القضايا المشتركة، التي تشغل بال الناس العاديين خلف كل حدود. وهنا يكون الحديث عن "أيتماتوف الذي عرفناه وما عرفناه" كمقدمة، أو كمنطلق بحثي في دقائق فهم أيتماتوف لنواحي التثاقف الحضاري والإيكولوجيا وشجونها، ومستقبل البشرية ضمن أطر التنوّع واحترام الآخر. وتتركز هنا بؤرة الضوء أكثر فأكثر على ظاهرة أيتماتوف الإنسان.

شحنة الأسطورة

ومن الذكريات التي ترسخ في البال حكاية تقول: في إحدى المرّات كان الماناستشي العظيم سايقباي كارالايف يتلو جزءًا من ملحمة ماناس، وكانت قد تشكّلت حوله حلقة من المستمعين في البريّة. كان جنكيز توركولوفيتش حاضرًا ومن حوله يجلس الناس مذهولين بتلاوة كارالايف غير التقليدية. وفجأة اسودّت السماء بغيوم داكنة، وظهرت عاصفة في الأفق وقصف الرعد وانهمر مطر شديد. وقد ابتل جنكيز لحظة من رأسه على أخمص قدميه، فركض ليحتمي بشجرة من سيل المطر. وقد تفاجأ جنكيز كثيرًا حين رأى أن سايقباي وحلقة المستمعين من حوله كانوا لا يزالون في أماكنهم. كما لو أن العاصفة لم تكن.
في تلك اللحظات، يقول جنكيز، أحسستُ بقوّة الكلمة – كلمة الماناستشي، كان الجميع في أماكنهم كما لو أنهم مسحورون وهم يستمعون إلى أبيات تلك الملحمة.. كما لو أنّ ماناس حاضرٌ بشخصه بينهم، متجسّدًا عبر تلاوة سايقباي. وقد شعرت بالحرج الشديد عندما أدركت أني الوحيد الذي يحتمي بشجرة، وقررت العودة إلى الحلقة. اختفت العاصفة فجأة كما ظهرت، كما لو أن المطر لم ينهمر.. ولغاية اليوم لا يمكنني أن أفهم ما جرى آنذاك.. كيف لم يشعر الناس من حول الماناستشي بشيء أبدًا؟

منطلق السرد

ولا بد للسرد من منطلق، حيث تشرع روزا في تلمّس درب أخيها الراحل، فهل الزمن هو ما يفصلها عنه، وهو الذي دفع بها صبيّة إلى ترك القريّة نحو عاصمة الشمال السوفياتي – لينينغراد بحثًا عن العلم.. العلم الذي يشقّ الطريق نحو النّور، حسنًا، فليكن الزمن هو المنطلق، تقول روزا:
عبثًا تحاول الإمساك بالزمن مهما حاولت، ومهما شددت قبضتك. الزمن كما الرمل سيتسرّب من بين أصابعك، ولن يبقى في القبضة المضمومة حبّة رمل واحدة.. يبدو وكأنّ كل شيء يختفي بلا أثر. لكن لا. جميعنا نعرف أن لا شيء في العالم يمكنه أن يختفي لا بد أن يترك أثرًا ما. حتى تلك الكلمة التي تفوّهت بها يومًا، أو تلك الفكرة الصغيرة التي طرأت في ذهنك لا يمكن أن تختفي بلا أثر. لن تضمحلّ. ستعود إليك حتمًا في لحظة صفاء خيِّرة، إن كنت منذ البداية قد شحنتها بالخير. يبدو لي أن الزمن كما الطاقة لديهما خاصيّة مشتركة، تتمثل في عدم الاختفاء، أعتقد أنه يتحوّل لدينا إلى ذكرى فحسب.. ذكرى تستلقي بطريقة أنيقة لتحتلّ سطرًا على صفحة كتاب حياتنا.
وعندما نبدأ بتقليب صفحات ذلك الكتاب، يعود الزمن بنا إلى الوراء بدفع الذكريات واحدة تلو الأخرى. والإنسان مفطور على استعادة كلّ ما هو خيّر ومضيء مما اختزنه من أفكار وذكريات. خاصة تلك اللحظات السعيدة المكنوزة في الذّهن، اللحظات التي أمضاها مع أناس يحبّهم.. مع عائلته وأقربائه وأحبته، وأعتقد أن تلك اللحظات كثيرة لديّ.
وتبدأ حكاية ستبقى حيّة في أذهان المستمعين إليها، وما داموا يتناقلونها سيبقى صاحبها حيًا كذلك.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,810,764
- أيتماتوف يجمع الكتّاب في ملتقى حوار الثقافات
- قرغيزيا جنكيز أيتماتوف: الماضي الحاضر أبدًا
- في حضرة ماناس برفقة جنكيز أيتماتوف (1)
- حبيبات إيفان فرانكو.. بين حياته وأشعاره الحميمة – 2 –
- ميخايلو هورلوفي ينحت لبنان حبًّا وشعرًا
- صرخة امرأة.. أرقى ما نظمت مارينا وما غنّت تمارا
- حبيبات إيفان فرانكو.. بين حياته وأشعاره الحميمة - 1 -
- صخر عرب مجسّدًا صراع الأجيال والقيم في روايته -نسيم الشمال-
- لا تقترب من -هاوية- زينب مرعي قبل النوم!
- أوديسا، كييف، موسكو... رحلة الستين عامًا
- أتأبّطُ تمساحًا برتقاليًّا وأعانقُ أغنية
- الأرضُ خاويةٌ بدونك مظلمة.. فارجعْ إلىّ
- حلم باجنيان الأحمر.. بين ضفتي الحرب والحُبّ
- هذا المطرُ لنا يا فيتيا
- رؤيا شاب قوزاقي تطيحُ رأسه
- عصفورة إيفان الجريحة بصوت ديانا الملائكي
- ليف أوشانين: سأنتظرك - عيون الشعر الأوراسي المغنّى (1)
- ليو تولستوي في مدينة زحلة
- ستيبان كوندوروشكين حيٌّ من جديد - 2 -
- ستيبان كوندوروشكين حيٌّ من جديد – 1 –


المزيد.....




- سينما الزعتري للأطفال السوريين
- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار
- فيديو لمدحت شلبي حول -اللغة الموريتانية- يثير موجة سخرية عبر ...
- بالفيديو: فنان أفريقي يجسد أسلافه في العبودية
- حول مؤتمر البحرين... وزير الثقافة الفلسطيني يوجه رسالة للشعو ...
- صدر حديثًا: كتاب -من برج بابل إلى أبراج نيويورك-
- بداية ونعي وأتباع -فشي شكل-!!


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الدين رائف - حيٌّ ما دام الناس يذكرونه