أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وجدي وهبه - الإصلاح الديني بين مارتن لوثر والواقع الإسلامي المعاصر















المزيد.....

الإصلاح الديني بين مارتن لوثر والواقع الإسلامي المعاصر


وجدي وهبه
الحوار المتمدن-العدد: 5662 - 2017 / 10 / 7 - 05:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في سنة 2001 أجريت مقابلة صحفية مع الكاتب الإسلامي الراحل خليل عبد الكريم. وفي نهاية حديثنا طلب مني أن أمده ببعض المراجع عن تاريخ ومبادئ الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر. لقد كان تصوره أن الإسلام يحتاج إلى حركة إصلاح ديني شبيهة بتلك التي مرت بها المسيحية الأوربية في القرن السادس عشر. ورغم تحفظي الشديد على فكرة إمكانية اقتباس أو تتبع أثر نموذج ديني معين لتطبيقه في سياق آخر، إلا أنني حتى يومنا هذا كثيرًا ما أفكر في هذا الطرح، وخاصة ونحن نحتفل بمرور خمسمائة عام على أول تجليات حركة الإصلاح الديني البروتستانتي. ففي الحادي والثلاثين من أكتوبر 1517، قام المُصلح الألماني مارتن لوثر بتعليق لائحته الشهيرة على باب كنيسة فتنبرج طلبًا لمناقشة 95 بندًا رأها تعبر عن إشكاليات لاهوتية وعملية عميقة لدى الكنيسة الكاثوليكية. وبعدها أصبح الأمر ككرة الثلج التي تدحرجت حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم في العالم المسيحي.
يخطئ من يظن أن فكرًا دينيًا أو غيره يمكنه أن يعيش لفترة طويلة دون أن يختبر أنواعًا عديدة من التغييرات والتعديلات، على الأغلب يكون ذلك نتيجة لتنوع الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية. وفي بعض الأحيان تسمى هذه التغييرات بالإصلاح أو التجديد، خاصة إذا جاءت في صورة حركة منظمة أو استندت على مشروع عقائدي أو إيديولوجي يهدف إلى تعديل وضع منحرف أو مشوه. وربما تتسم حركات أو مطالب الإصلاح بالرغبة في الإصلاح من الداخل وبصورة تدريجية هادئة في العادة، أو تميل إلى التغييرات الجذرية التي قد تنتهي بالخروج من المنظومة القديمة والإنقلاب عليها بشكل تام بل حتى عنيف. وهذا الأمر ينطبق بشكل واضح على التاريخ المبكر للإصلاح البروتستانتي الذي قام على عدة حركات متوازية ومتشابكة كاللوثرية والمشيخية، واستند على مبادئ عقائدية كانت في جوهرها تشكك في مسار الكنيسة القائم وتدعو إلى تصحيح هذا المسار من أجل الوصول إلى الحالة الدينية المثالية التي انحرفت الكنيسة عنها بحسب هذا الزعم. وبرغم أن معظم هذه الحركات في البداية كانت تسعى إلى الإصلاح من داخل الكنيسة، سرعان ما وجدت نفسها في صدام مباشر مع البابا رأس الكنيسة والقيادات الكنسية الأخرى. ونتيجة للعديد من العوامل السياسية والثقافية لم يكن أمام تلك الحركات الإصلاحية سوى تشكيل كيانات دينية موازية ومناقضة في الأغلب للمنظومة الكاثوليكية.
فيما يتعلق بالواقع الإسلامي، ظهرت العديد من الحركات التي زعمت حملها لواء التجديد، واستخدمت هذا المصطلح أكثر من استخدامها لمصطلح "الإصلاح". فثمة حديث منسوب إلى رسول الإسلام يقول فيه: "يبعث الله على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها." ومن ثم يرى البعض أنه ما من عصر من عصور الإسلام قد خلى من أشخاص أو حركات تنادي بتجديد الفكر الديني، ولكن ما طبيعة هذا التجديد؟
لقد تنوعت هذه المحاولات التجديدية أو الإصلاحية ما بين اتجاه تنويري في فهم العقيدة والنص المقدس مثل محمد عبده، أو محاولات لمزج المقدس بالسياسي والمجتمعي نظير حركة الإخوان المسلمين. وهناك حركات قد يعتبرها الكثيرون رجعية ومتشددة، بينما يرى أتباعها فيها النموذج المرجو للتجديد، حتى أن مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب صار يُلقب بشيخ الإسلام المجدد. غير أن السمة الغالبة على حركات التجديد في الإسلام المعاصر هي الدعوة إلى الرجوع إلى الأصول العقائدية الراسخة للإسلام والتي انحرف الناس عنها بمرور الزمان. بالطبع لم يخل الأمر من دعاة لمواكبة التطورات الزمانية والمكانية وتقديم قراءات معاصرة أكثر للنص المقدس بحيث تحافظ على المضمون الديني الصحيح وتقدمه في سياق ملائم للعصر الحاضر.
ولعل هذه الإشكالية هي جوهر تخوفي من الطرح القائل بإمكانية القيام بحركة إصلاحية إسلامية شبيهة بتلك التي حدثت في أوربا خلال القرن السادس عشر. فبالإطلاع على الإصلاح الأوربي في بداياته وكذا الغالبية العظمى من الحركات الإسلامية المُجددة نرى أن ما يجمع بينها هو ارتكازها على تصور مثالي لمرحلة بزوغ فجر الدين، حيث كان كل شيء في حالته الكاملة بلا شائبة أو عيب. ومن ثم، فإن الحل لكل مشاكلنا المعاصرة هو في إعادة اكتشاف هذا الأصل النقي وتهيئة الأوضاع للعودة إليه وتنفيذه بصورة دقيقة على أرض الواقع.
وبالطبع يصطدم هذا التصور بحقيقة أن ليس بيننا من عاش في حقبة النشأة المثالية المزعومة، وأن ما لدينا عنها هو في معظمه سجلات ذات درجات متباينة في القداسة والمصداقية والموثوقية. وبالتالي فكل فريق ليس باستطاعته سوى تقديم قراءة انتقائية لهذا الأصل بما يخدم في الغالب التوجه العقائدي والإيديولوجي الذي يتبناه. وقد يلجأ البعض إلى إعادة تنقية أو حتى استبعاد الكثير من النصوص والتقاليد عند إدراك استحالة مصالحة طرحهم العقائدي مع تلك النصوص أو التقاليد. وهذا ما فعله مارتن لوثر من خلال طرحه لعقيدة "الكتاب المقدس وحده"، حيث رأى استحالة مصالحة التقاليد الروم كاثوليكية بالمبادئ الإيمانية التي كان ينادي بها. وهذا أيضًا ما يفعله تيارات إصلاحية إسلامية عديدة حاليًا من أول القرآنيين وحتى مهاجمي البخاري وكتب الفقه، الذين يوجهون سهام نقدمهم للعديد من الأحاديث النبوية ولأجزاء من التاريخ والفقه الإسلامي، بينما يتحاشون نقد القرآن أو شخص نبي الإسلام وربما حتى الحقبة التأسيسية المبكرة بمجملها. فعلى سبيل المثال، يتبنى إسلام بحيري نفس هذا الطرح من خلال محاولة غربلة واستبعاد الكثير من الأحاديث النبوية والتقاليد الإسلامية انطلاقًا من قناعته العقائدية عن كمال القرآن وشخص نبي الإسلام. وتظل الفكرة التي لا فكاك منها هي أن ثمة جوهرًا نقيًا وسرمديًا يجب نزع القشور عنه من أجل إحياء الدين الصحيح.
في المقابل، لعل هذه الرؤية الجوهرية نفسها قد تدفع بعض نقاد الفكر الديني إلى التأكيد على عدم جدوى بل عبثية أي محاولات لإصلاح الدين، أي دين. فمثلًا، يجادل المفكر والإعلامي حامد عبد الصمد باستحالة إصلاح الإسلام بناءً على تحليله للأصول التاريخية والعقائدية للإسلام. ففي منظوره، الإسلام في جوهره غير قابل للإصلاح ولا التكيف مع العصر الحاضر، والحل يكمن في التخلي عنه بشكل كامل وجذري. هذا التيار النقدي في القرينة العربية، وإن كان مازال هامسًا في ظل خضم من أصوات تنادي بالإصلاح من الداخل، فإنه يشكل ظاهرة لا يمكن تجاهلها.
وهكذا على الرغم من تحفظي الذي سبق ذكره على محاولة قراءة وتطبيق نماذج معينة خارج سياقها، أرى ثمة إمكانية أن نتعلم من تجارب وسياقات الإصلاح الديني في أوربا ونحاول أن نرى نقاط التشابه والتباين بين الواقعين المختلفين، وهذا ما سأحاول أن أتناوله في كتابات تالية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إلى أي حد يمكن الدفاع عن الإسلام؟
- هل حقًا يكره الأقباط الإسلام؟!
- السخرية في النقد الديني
- الأقباط بين سلطة الكنيسة ومستجدات الواقع المصري
- ألم يحن الوقت لمراجعة تحالف الكنيسة مع السلطة في مصر


المزيد.....




- بعد الاجتماعات العربية والإسلامية...القدس إلى أين؟
- إيقاف شخص في بطرسبورغ لتحضيره متفجرات للهجوم على -الكاتدرائي ...
- الكشف عن لغز عمره 500 عام في الفاتيكان
- المرجعية الدينية تشدد على حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة جدية ...
- امتزاج الوان قاعة الواسطي تبعث الروح مجدداً في عرض مميز للأز ...
- القمة الإسلامية والمستنقع السوري بالصحافة البريطانية
- قرقاش: شراكتنا مع السعودية وجودية ومبدأية وأمانا فرصة باليمن ...
- في الديلي تليغراف: ثلث أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية مصنعة في ...
- قرقاش: حزب الإصلاح اليمني أعلن فك ارتباطه بـ-الإخوان-
- رئيس جامعة القاهرة: لن نحاسب الإخوان على النوايا


المزيد.....

- شاهد على بضعة أشهر من حكم ولى العهد السعودى:محمد بن سلمان ( ... / أحمد صبحى منصور
- الأوهام التلمودية تقود السياسة الدولية! / جواد البشيتي
- ( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وجدي وهبه - الإصلاح الديني بين مارتن لوثر والواقع الإسلامي المعاصر