أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص -3-















المزيد.....



تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص -3-


إبراهيم الوراق
الحوار المتمدن-العدد: 5656 - 2017 / 10 / 1 - 19:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص. ‏
‏-3-‏
سادسا: إن افتراض التسري في زمن نزول القرآن أمر وجيه، لاعتبارات يوجبها الخضوع لما هو سائد بحكم رواسب التاريخ في المجتمع الجاهلي، ‏لكونه يلتزم بما كان إرثا قديما، وواقعا قائما، حمله الإنسان معه إلى فضاء الدين الجديد، لكي تتشكل معها بنية خصوصية حياته في العلاقات، ‏والصلات، لكن لا يمكن إجراءه في مجتمع تقوم روابطه على مبدأ العدالة، والمساواة، إذ استطاع الأرقاء أن يحصلوا فيه على معنى الحرية، وأن يماثلوا ‏غيرهم في الحقوق، والواجبات. ولذا، فإن ملك اليمين تعتريه شبهة العبودية في ذاته، لكونه يعتبر مملوكا بحكم الأعراف لمالكه، وسواء الذكر فيه، ‏والأنثى، فيكون على هذا الاعتبار جزءا من المال المقتنى، كالسلعة، والحيوان، وغيرهما. ومتى احتاج إليه سيده، باع عينه، أو استعاض به غيره، ‏وله الحق في ذلك، ما دامت سلطة رقبته في قبضته، وكينونته بيمينه. فلا غرابة إذا باع الصحابة ما غنموه في الحروب والغزوات من السراري، ‏واعتاضوا بهن المال، والخيل، والإبل، والسلاح، (وإن كان القرآن قبِل الفداء في أسرى بدر.) وهن في المعنى، الإماء المملوكات ملكا تاما للرجل ‏الحر، ويحصل معهن السرور، أو الاسترار بين البيوت، والأكنان، وهو ضرب من صنفي النكاح الذي يلتجأ إليه المتزوج عند تعذر مهر الحرة عليه، ‏وخشي العنت على نفسه، أو عند امتلاكه للنساء بملك اليمين، وكن جزءا من ثروته التي يدخرها، لأن ما عرف في العهد الأول من فنون الاتصال ‏بين الزوجين، لا يتم إلا عن طريق الزواج بالحرائر، والإماء عند عدم القدرة على مهر الحرة، أو التسري بسرية امتلكها بسبب من الأسباب ‏المعروفة في كتب التفسير، والفقه، والتاريخ، لقول عائشة (ض) حين سألت عن المتعة: "والله ما نجد في كلام الله إِلاَّ النكاح والاسْتِسْرَارَ". ومن ‏هنا، فإن وطأ السرية، لا يستوجب عقدا، ولا مهرا، ولا شهودا، وإنما يطلب فيه العلن لتعريف الذرية، لأن فقدانها للأهلية بالتملك، لم يترك لها ‏مساحة للرفض، أو القبول، بل هي خاضعة لرغبة مالكها، وهو الذي يدبر أمرها، ويصرفه كما يشاء. ‏
وحقا، إن القرآن قد جاء لتفكيك جذور هذه البنية الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع الجاهلي، وهي مخالفة لما هو مرسوم طريقه لكلياته، وقواعده، ‏وضوابطه، لأنه بمقدار ما يجاري هذه الظواهر، ويسايرها بمقتضى أخلاقه، ومنتهى آدابه، فإنه لا يؤسس عليها الأحكام المرتبطة بسريانه في الزمان، ‏والمكان، وإنما يعالجها في حدودها الوضعية، وشروطها الاجتماعية، لكي تصل إلى ما يتحقق من نهايتها، ويتكون من فنائها، إذ هي لا تستقر على ‏حالها مع تجدد الوعي، وتغير مِحضن ولادته، ومستقر نشأته، وحينئذ، يؤوب الحكم إلى ما يؤصله بداية من قيم الإدراك، ويؤثله غاية من أخلاق ‏السلوك. وإلا، فلم جاء القرآن بعتق الرقاب بكثير من الوسائل، (المكاتبة، الكفارات، الزكاة، وغيرها.) وجعل ذلك مظنة للعفو عن كثير من ‏الأخطاء التي يقع عليها الجزاء في الحياة البشرية.؟ أليس هذا تضييقا على موارد الرق، ومصادره، ومواقعه.؟ قد يكون هذا غير ملتبس في عقل من ‏رأى القرآن يتضمن إلى جانب كلياته، ما هو راهن في واقع التنزيل من علاقات، وعقود، والتزامات، لأنه يعالج هذه الظواهر المتفشية ضررها في ‏المجتمع الذي يبني أسسه، ويرفع دعائمه، ولكنه إلى جانب ذلك يؤسس للغد الإنساني بما يحتويه من صيرورات ممتدة مع الحياة الإنسانية فوق هذا ‏الكوكب الأرضي الجميل. ‏
ولذا، فإن العودة إلى هذه الأحكام المرتبطة بزمنها، والمقيدة بأوضاعها، لا يفيد في رسم صورة لمطالب القرآن، ومقاصده، ولا لمفاهيمه الأخلاقية، ‏والإنسانية، ولا لعناوينه الكبرى في التشريع، والتقنين، لأنه سيحصرنا في زمن ضيق، ومهد قلق، له خصوصيته الثقافية، ومركباته الاجتماعية، وإذ ‏ذاك، لن نسير إلى الأمام، ولن نتقدم بخطوات نحو ذلك الهدف الذي يؤسس وضعيتنا الائتلافية على مبادئ العدالة، والحرية، والمساواة. إذ ‏الإصرار على الفهم الأول، واستبعاد ما عداه من الأفهام المرتبطة بمركبات التكون، والتكاثر، والتنوع، لن يخفف عنا من أوزار التاريخ الذي لبسنا ‏بزته، ولن يرفع أوضار وضع رعته كتب التفسير، وحمته المؤسسة الفقهية، وهي في كثير من تعاركها على قيود حرية التفكير، وإغلاق باب الاجتهاد، ‏لا تبني إلا ذلك الخندق الذي يحول بيننا وبين التقدم، والتنوير، لأن استكناف رجال الدين عن مسايرة نواميس التطور، ومحاربة التجديد، ومنابذة ‏التثوير، لم يصر في كثير من إكراهاته إلا ثلمة نفذ منها أعداء الأديان إلى ما تراكم فيها من تجارب، وخبرات، يمكن لها، لو أحسن التعامل مع ما فيها ‏من نفحات، ونسمات، أن تساعد في تخليق العالم، وتهذيب شبقه، وتلطيف شهوته، ولو تضمن بعضٌ من هذا التراث تحريفا للمسار، وتزويرا ‏للمدار، وهو ما يحميه العقل الفقهي من أنماط لا تلتزم بالكمالات البشرية، والخصوصيات الإنسانية، وسواء في ذلك من رأى الدين حاجبا للتمدن، أو ‏من رآه حاجزا عن سمو الحياة، وكرامتها. ‏
ولا أظنني أغالي إذا قلت: إن محاربة الأديان، لن يفتت صخرة الجهل، وغباء واقع التخلف، بل ستقذفنا في يم الصراع، والحيرة، وتبعدنا عن ‏المطلقات التي تتأسس عليها حدودنا، وقيودنا، وإذ ذاك، لن نستفيد شيئا مما نريد الوصول إليه، والفوز به، وهو ما نجعله حجتنا القائمة علينا في ‏تاريخنا، ودورنا الوظيفي في صناعة العش الآمن للإنسان المحترق بسعير المادة، ونيران الحضارة الغازية. فلا ضير إذا احترمنا الخصوصية الدينية، ‏والثوابت الاجتماعية، وجعلنا مشترك الحياة السعيدة هدفا نسعى إليها جميعا، وغاية نبحث عن ظلال جمالها بين الموارد الآسنة بالمصالح المتحاربة، ‏والمنافع المتعاركة، لأن ما سنضيعه من عمر في محاربة الأديان، وما سنحرقه من خلايا وأعصاب في حمأة الصراع، لو استثمرنا جهده المبذول سدى ‏في صناعة الإنسان النوعي الخير، والطيب، وصياغة مناخ هادئ لهبوب رياح التسامي بالفعل المسؤول، لكان خيرا على هذه الشعوب البائسة، ‏والأمة الحائرة، وهي تنتقل من وضع سيء إلى ما هو أسوأ منه، وتنفجر منها لغة الاستعداء، وقيم العنف، وسلوك الانتقام. فلا الزواج الموسوم ‏بالشرع مقدس، ولا الزواج المفتوح العلاقات محترم، بل انتهك الإنسان كل ما له صلة برحم العائلة البشرية، وصار تخريب نسله ونسبه وبيئته ‏وطبيعته وكونه مغنما لطلاب الاستقواء، والاستيلاء. فأي مهد يمكن له أن يقي هذا الإنسان، وهو يرزح تحت خفاف طغمة تحرف تاريخه، وتدمر ‏حضارته.؟ ‏
إن العودة إلى ملك اليمين بعد اليأس من وجود العدل في الزوجة الواحدة، يوحي إلى ذوي النيات المعرضة بأن القرآن ما زال مصرا على بقاء ‏ذلك الواقع الذي تفقد فيه الجواري حق الحرية، والكرامة، لأن قراءة النص، وما يستبطنه من مقاصد نبيلة، وهي التفصي من الزنا الذي ينسف ‏طهارة الأرحام، ويفسد نظافة الأنسال، قد أوقع بعضا في الالتباس الذي يغذي نازع النقص، وينمي وازع الحيرة، فزعم أن القرآن يؤصل لقضية ملك ‏اليمين بأحكامه، ويؤسس بأوضاعه لاستمرار العبودية في المجتمع الذي يبني صرحه، ويرفع قلاعه. لكن هل يصح ذلك، وهو متناف مع ما يقعِّده من ‏كليات تتضمن مبادئ الكرامة، والعدالة.؟ إن التركيز على الأحداث العينية، وفصلها عن إطارها التاريخي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، ‏والسياسي، وجعلها أساسا لما يتطور من تجربة الإنسان بين فضاء الزمان، ووعاء المكان، لن يحدث فينا إلا خطل الفكرة، وزلل الرؤية، وخلل ‏الغاية، إذ لا يمكن أن يكون القرآن دستورا متضمنا للقواعد العامة التي تنظم حياة الإنسان في صيرورته المتعاقبة، إلا إذا كان خاضعا في شروط ‏الإصلاح لنواميس التغيير، وقوانين بناء المستقبل. وإلا، فكيف يمكن تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة، وهي اللعبة المقدسة في الذهن، والشيء الذي يغلب ‏فيه نظر العاطفة، ويحكمه دافع الغريزة، وينفذه رافد الشهوة.؟ ‏
إن تغيير نمط السلوك مع النساء، لاسيما في مجتمع يبحث عن كيانه بين الأمم المتحاربة حول حياض الوجود، يستوجب هدم كثير من السياقات التي ‏لها ارتباط بمجال الرغبة، وتفكيك جملة من نظم العلاقات التي تحدد النظر إلى المرأة، وقيمتها الاجتماعية، وأدوارها الإنسانية. وإذا تهذبت النفس، ‏واعتدلت نسب نظرتها إلى الأشياء، كان مجال عاطفتها سليما، ومحال إحساسها قويما، لأن ترسيخ مبدأ الاحترام، وتسييد العقل في الالتزامات ‏الأخلاقية، لا يمكن أن يكون محلا للاتباع، ما لم تنكسر كل الأصنام المصاحبة له، إذ هي التي تمنحه فاعلية تأليه بعض المظاهر المعيبة، وتقديس ما ‏فيها من ضروب المهانة، وتهبه كل الوسائل المسوغة لحماية ذاتها، وخلود قوتها. ولذا، يجب علينا أن ينظر إلى القرآن بهذه النظرة المقصدية، لكي ‏نفهم سر التدرج في كثير من التشريعات التي تحولت من رخصةإلى عزيمة، أو من تشديد إلى تخفيف. ومن هنا، يكون الحكم مرتبطا بالقاعدة الأصلية ‏التي يبنى عليها الارتباط بين الذكر، والأنثى، وهو الزواج المقيد كما قلنا بعدم الخوف من الجور، والمحدد بما في القدرة من مكنة، وطاقة. وإذا كان ‏هذا ملزما بقيمته، ومحرضا بغايته، وهو أس العقد المبيح للالتقاء، والمجيز لتشابك العلاقة بين الأزواج، فإن مطلوبيته في عصرنا أوكد، لأن هدف ‏الشريعة، هو تحقيق المصلحة العامة، وتحديد دور كل فرد في الأسرة، والجماعة، إذ الزواج بذرة لولادة الأسر، والمجتمع، والأمة، وهي كل الكيانات ‏التي ينظمها رابط الدين، والعرق، وهوية اللغة، والتاريخ.‏
‏ ومن هنا، نخلص في هذه المناقشة إلى ما يلي من النتائج: ‏
‏1-‏ إن الآية نزلت في اليتيمة، يرغب وليها في الزواج منها، وهي ذات مال، وجمال، بدون أن يمهرها مهر مثيلاتها. فجاء النهي بطلب الإقساط ‏في صداقها، وإن لم يطق ذلك لخوف الجور في حقها، فله أن يتزوج ما سواها من النساء. وعلى هذا تضمنت الآية حكم حفظ مال اليتيم، ‏وحقه فيه، ذكرا كان، أو أنثى، ثم حكم ما تستحقه اليتيمة من صداق يوافق ما ينحل مثيلاتها، ثم حكم التزوج بما سواها إذا حصل ‏الإضرار بها، وهن أربع، ويحرم الزيادة عليهن، أو بواحدة إذا تعذر العدل، أو بملك اليمين إذا فقد القدرة على صداق الحرة. ومن هنا، نفهم ‏أن الآية لا تتضمن الأمر بالزواج ابتداء، وإنما أرشدت إلى الأوضاع التي عاشها المجتمع الجاهلي، ثم استحالت واقعا يتطلب حلولا تعالج ‏ما خرج عن سياق الدين، وقواعده الأخلاقية، وكلياته الإنسانية. ولذا، يعود الأمر بالتزوج إلى نصه الظاهر فيه، وهو ما طُلب به قصد ‏الزواج أصالة، ورُغِّب فيه لغاية وظيفته في بقاء النوع الإنساني، وسلامة النسب من الاختلاط، وإنشاء الأسر المؤمنة بقيم السماء، ‏والأرض، وأداء دور الخلافة في عالم الطبيعة، والإنسان. ومن هنا، يكون الأمر في هذه الآية لكشف قضية متعلقة بإحدى مصاديقه، وهو ‏ما يكون سببا في حماية اليتيمة بالزواج منها، أو بالزواج من أمها. ‏
‏2-‏ إن الآية ربطت بين اليتامى والتعدد بقرينة الخوف من وقوع الظلم عليهما، فكما يخشى من أكل مال اليتيم، فكذلك يتحرز من عدم العدل ‏بين الزوجات، لأن المقصود هو تحقيق كلية العدل الذي تعرب عن تمام التقوى، وهي العروة الوثقى لتربية دين الضمير، والاستقامة، ‏والحب، والخير، والجمال، والصلاح. وعلى هذا يمكن لنا أن نتساءل: إذا خيف الظلم، هل يباح التعدد.؟ إن ادعاء إباحته، لا يقول به ‏إلا مصر على لي عنق النص، وتحريف معناه، ومعاند لا يفقه مقاصد كلام الله، ولا غايات التركيب في سنن التكوين، والتناسل، والتراكم، ‏لأنه لو شم فوح رائحة البيان العطرة، وخبَّر ما فيه من معان السمو، والكمال، لأدرك تحريمه بالبديهة، لأنه لا يتأتى قيام فعل الزواج في ‏الخليقة، إلا بطلب ما فيه من لطف إلهي، وكمال بشري، إذ المقصود هو ما ينتج عنه من قيود تدبر كسب الإنسان بمقتضى المشيئة الأزلية، ‏لئلا ينحرف السبيل، وينجرف المكلف إلى محاربة ما خلق سويا في كمال الطبيعة. وهذا الرأي هو ما ذهب إليه شيخ المفسرين الطبري، ‏وإليه يميل كل ذي ذوق سليم، وطبع قويم.‏
‏ ومن هنا، فإن الخوف هنا إذا كان يقتضي الحذر، فالمراد به مجرد العلم بوقوع الجور، وحصوله بالظن الغالب، أو بالشك المستفيض، لأن ‏وقوع ذلك في التكليف المحدود بالطاقة، والجهد النسبي المكسوب بمحدودية الفعل، كما يحدث في نقص الصداق، فإنه قد يرد في سوء ‏العشرة، أو في العجز عن إيفاء الزواج حقه، أو في عدم الأهلية لتحمل مسؤولية الرعاية، إذ المقصود به، ليس هو استحلال وطء المرأة، ‏وامتلاكها لوازع الشهوة، بل المرغوب هو ما يترتب عنه من فلسفة الحقوق، والواجبات، وما ينشئ عن صيغته من تأليف للأسرة المنتجة، ‏والفاعلة، وهي الأساس الذي تبنى عليه كل مناحي الحياة الدينية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والحضارية. ‏
‏3-‏ إن العدول عن الزواج بالأربعة إلى الواحدة، ثم إلى الاقتصار على ملك اليمين، يؤكد ضرورة تمام العدل في كل مرتبة، لأن أو هنا، ليست ‏لطلب التخيير، وإنما للتسوية بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر، وسواء في ذلك المادي منه، أو المعنوي، لأن ضرورة العدل لا ‏تعني مجرد النفقة فقط، بل تعني شيئا أوفى من ذلك، وهو ما يحقق تمام فكرة العدالة في كل المناحي الحياتية، إذ ما يخاف من الجور في ‏الحرائر، يمكن له أن يحدث مع ملك اليمين، وهن نساء يمتعن بحق الوجود، وإن اقتضت وضعية المجتمع العربي أن ينقلن من الحرية إلى ‏العبودية بسبب الأسر في الجهاد، ويصرن رقيقا محكوما بنظام ذكوري لا يعبأ بآدميتهن، وبشريتهن. ومن هنا، لا يتحقق العدل بوجود النفقة ‏وحدها، بدون ما يصحبها من عاطفة، ومشاعر، وأحاسيس، ووشائج إنسانية، لكون الاحتياج إلى ذلك موجودا في الصورتين، إذ من ‏المعلوم بالضرورة أن ما يحتاج إليه من ذلك في الحرائر، هو عين ما يحتاج إليه في كسب قلوب الإماء، وإن أصر الفقه على التقسيم ‏الجائر بين النوعين، فأوجب القسم العادل في الحرة، وأباح جريانه على مقتضى المزاج في الأمة، لأنها دون مرتبة المطلوبة بالزواج، أو ‏دون مستوى ما هو مرغوب من رجاحة العقل في الزوجة التامة الأهلية. ‏
وإلا، صار ملك اليمين محلا لإفراغ كبت المسعورين بالشبقية، والمجنونين بالشهوة، لا مرفأ للتواصل الإنساني المتسم بالقيم الروحية، ‏والمعنوية، ولو مع كون وضعه ممزوجا بما تقتضيه الصيرورة من إهانة للكرامة البشرية، إذ لا ينكح أحد امرأة بدون ما تواضع عليه ‏الأسوياء من علاقات سوية، إلا إذا كان بهيميا متغولا، وساديا متوحشا. وهكذا، يكون المقصد من العدل، هو إجراء الأشياء مجراها، ‏حتى لا يقع فيها ميل، وانحراف. وإذا خرجت قضية التعدد عن مقتضى هذه الغاية السامية، وكان الغرض منه استدراك نقص الرجل في ‏بشريته، وكبح جماح نزواته القابلة للخيانة، فإن ما يطرأ عن ذلك مما يُخشى توقعُه أعظم مما يحميه من محنة غريزته، لأن تصوير طبيعة ‏الرجل بهذا المستوى الدنيء، لا يرفع مكانته إلى قيمته الإنسانية، ولا ينمي فيه خلق الاحترام لزوجته، بل يصيره مستهترا بقيم العفة، ‏والاستقامة، ويعرضه للاهتزار، والخطيئة، إذ لا تكون المعصية أثرا مكسوبا بالفعل، إلا إذا كانت مستحوذة على الذات، ومستولية على ‏تصوره لحقيقة الطهارة، والنقاوة. وإذ ذاك ينفعل بها في واقعه، فيتحول إلى وحش كاسر، لا هم إلا حماية نفسه من فتنة النساء بحصن المرأة ‏المقدور على مضاجعتها، ومواقعتها. وكيف سيستقيم هذا في ميزان الإدراك السوي، ما دام الخوف من الزنا، لا يتقى إلا بتقوية دوافعه في ‏صور الذهن، ومركبات العقل.؟
‏ إن النظر إلى الرجل في قضية التعدد دون اعتبار المرأة، لا يسوغه إلا نظر منهزم بصور الرغبات المكبوتة، إذ لا يمكن أن ننظر إلى ‏غريزة الرجل وحدها، ونحن لا نفترض ذلك في المرأة، لأن ذلك مما يهدم قانون البناء في الإنسان، ويدمر كل الخصوصيات التي تشارك ‏فيها النساء الرجال، ويكمل الواحد منهما عضوية الآخر في الجماعة، إذ لا وجود للغرائز إلا في عمق كل واحد منهما، وهما سواء، وإن حدث ‏أن كتمت المرأة ذلك، فلتأثير اقتضاه تركيب المجتمعات العربية، لأنها لا تلوم الذكر فيما فصح عنه من نزوات، ولكنها تعيب الأنثى ما يحصل ‏لها بحكم ضعفها البشري. وذلك مبني على أسس الثقافة السائدة، وهي مماذقة لغريزة الرجل في كثير من أحوالها، ومعادية لمطالب المرأة في ‏جل أحكامها، لأنها حين جعلت بديل سعار شهوته في التعدد، فإنها قد قتلتها في المرأة، وحولتها إلى كائن جامد، لا يلبي إلا رغبات زوجها ‏الشهواني، والجنساني. وفي ذلك استعلاء على قانون التركيب في الإنسان، وتحريف لتاريخ البشرية، ومسار الحضارة القائمة على الإنصاف، ‏والاعتدال، والتوازن، إذ ما ينشأ عن ذلك من متعة للزوج، ومن استقواء غير مطمئن إليه، لا ينفي فعل الزوجة، وإراداتها، وعواطفها، ‏ومتعها، ولذاتها، لأنه كما يتحقق الاكتفاء عند زوجها المتعدد، فإنها تحس في غيرتها برغبتها في شريك يملأ جوانحها بالحنان، والعشق، وربما ‏قد يؤدي ذلك إلى كرهها له، وعدم الاهتمام به، بل ربما يؤثر ذلك على مهدهما الذي يستقبل الأبناء، فيكون ذلك الفعل الذي استطابه ‏بدعوى الحرص على تمام الديانة سببا لما يطرأ في البيت من صراع، ونزاع، يفضي إلى فقد البيت لسكينته، وطمأنينته، وضياع الجانب ‏الإنساني المتجسد في المحبة، والمودة. وفي ذلك تضييع لكل القيم التي تربي الخلف، وتهذب سلوكهم النفسي، والاجتماعي. ولذا، يصير التعدد ‏فعلا يخرب البيوت، والأسر، والأجيال، ويبني علاقات غير سوية، وأخلاق غير مهذبة.‏
‏4-‏ إن راهنية واقع التنزيل، قد فرض تعديل بعض الأحكام التي أنتجتها العادات المترسبة في المجتمع الجاهلي المتحول إلى الدين الجديد بكل ‏محمولاته القبيلية، لكنها وإن لم تعدل دفعة واحدة لضرورة سلوك مسلك التدرج الذي تقتضيه عملية الانتقال من وضع خاص إلى وضع عام، ‏فإن ما جاء به القرآن من كليات، وقواعد، وأصول، ومعان، ومفاهيم، قد تضمنت حقيقتَها السارية مع نزوله منجما لإصلاح الأوضاع، ‏وتغييرها إلى ما يحقق الحياة الكاملة المهاد، والوافرة الجناح، ولو لم تشر آي التنزيل إلى أوصاف كثير من الجزئيات الدالة على مصاديقها ‏في الحياة الإنسانية، لكونها خاضعة للناموس المحدد لنظرة الدين، ورؤيته الكونية إلى كل مناحي الوجود البشري على وجه الطبيعة الثملة ‏بالفتنة، والجمال. ولذا، فإن الزواج بأربع نسوة، كان انتقالا من وضع جاهلي إلى وضع آخر، يضيق فيه على حرية المتزوج بإيجاب العدل ‏في التعدد، والعدد المقدر عند إرادته. وهذا إن عنينا بالعدل مجرد الحكم عند إرادة الزواج، وتقييده في التكليف بمقتضى ما تقوم به الذات ‏على أنه مستقيم. لكن إن قلنا بوجود قيد ثان، وهو ما يحتمله النص من ارتباطه بالأرامل ذوات الأيتام، فإن جواز التعدد متعلق بالتزوج ‏من النساء اللائي فقدن أزواجهن، وليس لهم معيل يحميهن من معرة الفقر، والجوع، ويمنعهن من القهر والاضطهاد الاجتماعي، فيكون ‏التزوج بهن إنقاذا لهن من المعاناة، والآلام، ولما بين أيديهن من أبناء، حرمتهم طبيعة الفراق الأبدي من حنان الأبوة، وعطفها، وتوجيهها. ‏وعلى هذا، فإن النص إذا كان له سبب مذكور، وهو ما ذكرناه فيما سبق، فإن له ظرفا تاريخيا، يحيل بمحدودية حدوده على ضرورة تقييد ‏التعدد بالأيامى، وهو ما حدث بعد غزوة أحد من فقدان كثير من النساء لأزواجهن في الحرب القائمة بين معكسر المسلمين، والمشركين. ‏ومن هنا، يكون استيعاب سبب النزول، ووضع منزله، وغاية إنزاله، مفسرا للآية، على اعتبار خصوصية السبب المعينة على فهم عموميته ‏في المعنى. ‏
‏5-‏ إن النص حين اشترط العدل في هذه الآية، لم يعلقه بتحديد المكلف للمراد به في الدلالة، لكي يكون محلا لتوارد الإرادات عليه، فيتسم ‏بتأويل الذوات لمفهوم العدالة، والاستقامة، بل أقر في تمام سياق السورة بصعوبة تحقيقه في عملية الاجتماع المتصلة بما يلتبس بها من تغير ‏القواعد، والأسس، والشروط، والأسباب، لأنه مرتبط بكدح الإنسان الذي تعتريه عوامل النقص، والاحتياج، فتُضعف ثابت مبدئه ‏الأخلاقي، وتبْدل راسخ رضاه بما يواجهه من ضد في الطبع البشري، وتحول وضع حكمه إلى وصف آخر، يستلزم وقوعه مراعاة ظروفه، ‏وأحواله. وربما قد ترد عليه أشياء تقْعده عن حقيقة ما انبنى عليه حكم العزيمة فيه، فيصير محلا للرخصة التي ترد عليه بلطف التخفيف. ‏ولذا، فإن عدم استقرار حال بنيته على مركب واحد في الذات، والهوية، والوجهة، يغير تبعات الأحكام في التكليف، ولازمها في ‏المسؤولية، لأن تحقيق مناط الحكم البين الدلالة، والظاهر الحجة، لا يتم إلا عند استيفائه لأسبابه، وتجاوزه لموانعه، إذ تطوره، وتجدده، ‏يوجب دقة معرفة مهاد نموه الطبعي بين مداراته التكوينية، والتشريعية.‏
‏ وما دام التعدد مشروطا بالعدل، ومحصورا بمقتضاه في الوجود المتعالي، وهو متوقف على تعقل اختيار الإنسان، وقدرته على تبصر ‏مراتب الأمر الإلهي، فإن ما يتعاقب عليه من أحكام تفيد التضييق أحيانا، والتوسيع أحيانا أخرى، قد امتزجت صيرورتها بنسبية كبده في ‏كسب المعاني الإلهية، والحقائق الكونية، وعلية تقابل الضعف والقوة في إرادته المحدودة، وطاقته الممدودة، وسببية سيره بين مراحل ‏الزمان، ومنازل المكان، لأنه محل التنزيل الذي ينصرف فيه الفعل إلى قصده الجزائي؛ وسواء ما كان جاريا على سنن الإلزام، أو ما كان ‏مرتبطا بالعقود التي تسري عليه أعرافها الوضعية بالالتزام. ولهذا صار حكم العدل فيه غير مطاق على جهة الكمال، والتمام، لأنه لا يتأتى منه ‏في حال نقصه أن يقوم بلازمه المادي والمعنوي وافيا، وثابتا، فيرتبط حال بدئه فيه بحال منتهاه، لأن الزواج غير مرتبط بأحادية خصوصية ‏النظام الفردي، والشخصي، فتغدو الغاية منه تحقيق المتعة الجسدية، واللذة الجنسية، بل هو في علاقة مستمرة مع سائر الأنظمة التي ‏تتحول أوضاعها بين المشقة، واليسر؛ وسواء في ذلك ما هو ذاتي، أو ما هو اجتماعي، أو اقتصادي، أو سياسي، أو كوني. ولذا قال ‏تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم". فهل المقصود به ما هو متعلق بالقلوب كالحب، والمشاعر الخيرة.؟ أم هو ما ‏متصل بالحقوق، كالقسم، والنفقة بالمعروف.؟
‏ إن صرف الآية إلى المعنى الأول، لا يفيده قوله تعالى: "ولو حرصتم."، لأن شدة الحرص تعني المبالغة في إيجاده، وتحصيل معناه، لكن لا ‏يمكن أن يقع ذلك منه البتة، لما يعتري الإنسان من نقص، وضعف، وذل، وعزة، وعسر، ويسر، ولما يتغير من وضعه بتحيز ذاته إلى ما ‏يحدها من قوة اليقين، وهوانِه، واعتدال التزامها بالمبدأ الإلهي، وانحرافه عنه، وإلى ما يربطها بمحضن لا تفارق نواميسه قسرا، وجبرا. وهو ‏كل ما تقوم به ضرورة الحدث الزماني والمكاني في طبعه البشري، وما يتولد عنه من تنوع الأوضاع، والأعراف، والعادات، والقوانين، ‏والتصرفات، والالتزامات. لاسيما والنص قد صرح بعدم القدرة على تمام العدل، لأنه ليس في محمول طاقة الإنسان، ولا مكسوب له في ‏وظيفة التكليف، لنفي الله ذلك عنه بالاستحالة التي لا تنكر مقتضاه في كبد الذات العاقلة، وجهدها في كسب ما هو مطلوب منها في محل ‏تحمل المقدور عليه. ومطلوبية مطلق ذلك منه على جهة الاستيفاء لكل حيثيات مضامينه وفحواه متعذرة، لأنه لا يقع دليله إلا على ما يحتوي ‏ذاته، ويستوفي كل جزئياته. وما دام ذلك غير مكتسب بالحد البشري، لكون القلوب تتقلب بين طوري الشدة، واللين، فإن تأويل ‏ارتباط الميل به، لن يؤدي دور الدلالة على ما هو أعم وأشمل مما حدد به من رسوم، ووسوم، لأن تغير أحوال القلوب، وتبدل مقاماتها ‏بين القبض، والبسط، والمنع، والعطاء، تمنع من صرفه إليها وحدها، دون ما يتضمنه من موارد، واحتمالات، إذ الذي تجاوز هذا الحد ‏المكنون في الطاقة البشرية، وتساوى عنده المقام في سفر الفؤاد بين مغابن طرق الحياة المتعبة، لم يكن مريدا بوضع الفعل المنجز ‏بالتكليف، بل هو مراد في نسبيته للطف الجذب إلى مقام إسقاط التدبير، وما حصل فيه ذلك إلا لعارض طرأ على ذاته تفضلا، وتكرما، ‏فغير سمط نظامها الجامع لقابلية استعداداته، وملكاته، وأحدث فيها صورة البراءة، وصوت الملائكة، وهم غير مكلفين بما ألزم به أهل ‏الأرض من نظم، وقوانين. وهكذا اقتصار الميل على المطعم، والمشرب، والمأكل، والملبس، والمبيت، إذ ذلك تحصيل حاصل، لأنه لا يمكن ‏أن تقوم الأسرة المطلوبة بالخلافة بدونها، وهو أصل في استحقاقها لصفة الوجود، وبدونه لن تتسم بصرف جمالها، ومحض كمالها. ‏
وهكذا، فإن المقصود بالعدل، هو كل معناه بلا تجزيء، ولا تحيز، ولا اقتضاب، إذ لا يمكن أن نحصره في مورد دون أن يشمل ما عداه ‏من المعاني التي يدل عليها، لأن مفهومه يجسد كل القيم التي تجعل الشيء قائما بذاته كما هي عليه في أصله، وتدبيره بما هيئ له من أوضاع، ‏ووظائف، وأدوار، وأطوار. وهذا متعذر لما مر معنا، لكونه من الصفات المتحضة لله، وما يتجلى منها على الخلق، لا تستوعب إلا ‏حدود ما هو كائن بالعلم به، وكامن في القدرة عليه. ولذا، قال تعالى مبينا صعوبة إقامته على مقتضى أصله: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ‏النساء ولو حرصتم"، ثم قال مؤكدا ذلك بطلب توقي الميل عنه بما في البد من وافر العزيمة: "فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة". ‏فالميل هنا يعني العدول عن الشيء، أي الانحراف والعول والحيدة عنه، وهذا لا يتعلق فقط بمعاني الظاهر، لكي يرتبط بالكسب المادي ‏المحدود، بل يتعلق أيضا بالمعاني التي لها ارتباط بالباطن، ولا بد أن يستجمعهما في جماع كليته، لكي تكون تامة في المراد منه بالدلالة. ‏وعلى هذا، فتقصيره على انحراف القلب في الحب، لا يوفي الدلالة حقيقتها في التشريع المرتبط بالخارج عن الذات، وهو ممتزج بالداخل الذي ‏يعتبر صورته الذهنية في العقد التكليفي، لأن المكنون في العمق من نيات الفعل منوط بعلم العقائد، ويعتريها القبول، والرفض، وهما معا في ‏مقام الصحة والبطلان عند علماء الفقه المشتغلين برعاية الجوارج، وكسبها، وتوافقها مع مقاصد السماء. وهكذا ربط الميل بالجماع، إذ ليس ‏المقصود بالغاية النكاح فقط، لأنه يمكن توقي شهوته بالصيام إذا تعذر وجوده، بل المقصود به ما تدل عليه دلالة الزواج، وهو التزواج بين ‏ذكر، وأنثى، تجمعها رابطة الروح، وتدبرهما المادة بكل تجلياتها، لكي يصيرا زوجا في العدد، ووحدة في الكثرة. ومن هنا يكون الاقتصار في ‏مفهوم الزواج على مجرد النكاح، لرغبة التحمي من الزنا، سببا لكثير من الأخيلة التي صيرت المرأة متعة جسدية، لا قيمة معنوية، لأن ‏مقاصد الزواج، ليس هدفها الأسمى، هو حياطة الذكر بسياج الأنثى، لئلا يقع في الآثام، بل مقصده الأعلى، هو إنشاء أسرة يستمر بها ‏النوع البشري، وتكون آهلة للخلافة، والتنمية، والتطور، والتمدن. وهكذا يكون تفسير عدم القدرة على العدل بالميل القلبي ضارا بغيره من ‏المعاني التي يحتملها الكلام في ظهوره، وبروزه، لأن الآية جاءت بعد ذكر النشوز، والصلح، لكي تبين الجانب المكتسب في العلاقات ‏البشرية، وهي مرتبطة بما يستلزمه مخاض ولادة قوتها من نوازع الصراع، والشجار، والخصام. ولذا قد فسر مجاهد الميل فقال: "يتعمد أن ‏يسيء ويظلم". وربما قد يفيد ذلك أيضا قوله تعالى: "فتذروها كالمعلقة". أي لا هي أيم، ولا هي ذات بعل. وهل يعني ذلك مجرد النكاح، ‏فنستدل به على أن أقوى فاعل للتشارك في الحياة الزوجية، هو ما نتطلبه من لذات الجنس المقدس.؟ أم يعني فقدان حميمية العلاقة، ‏وما يدور في مدارها من لمسة الإحساس بالحنان، والرقة، والأمان.؟
‏ إن ربط الآية بسياقها العام، ووصلها بما قبلها، ودمجها مع ما بعدها، يفرض علينا أن نعتبر العدل المورود هنا بمعناه الأشمل لجميع جزئياته، ‏لكي تستقيم وحدته الكلية التي تحدد المناطات، وتفسر المرادات. ومن هنا، فإن اعتبار الميل في هذه الآية شأنا قلبيا، وهو مرتبط في ‏جزئه المتصف بعقل الإنجاز بعامل خارجي، لا وجود فيه لدور الإنسان، وحرده، إذ قلبه ليس ملكا له، لا يفيد القضية شيئا، ولا يفسر ‏كثيرا من العلاقات التي يتفاعل واقعها مع دورة الإنسان المادية والمعنوية في صناعة التاريخ، والحضارة، لأنه تحصيل حاصل، لكونه معلولا ‏لجزمنا بتعذره في الأصل، وعلى هذا تكون المطالبة به مع اليقين في انعدامه حشوا، وعبثا. وحاشا أن يقبل موقن بقدسية القرآن أن يرد ‏فيه ما هو في مقام البدهي، ولا يتأسس عليه حكم في التوجيه، والإرشاد. وهو ما زاد في ألفاظ نصه شيء إلا لدلالته على معنى غير ‏مدرك بالنظر القصير، ومدار مفتوح للتأمل، والتفكر، والتبصر، إذ ما يحدث من ميل القلب غير مملوك للإنسان، ولا مقدور على صده، ‏فاقتضى ذلك أن يراد بالميل ما هو في طاقته، لكي يكون محلا للثواب، والعقاب. لكن، لو حصل الميل القلبي بالإرادة المستلزمة لأثر ‏الفعل، وأضر بالزوجة التي تحت عصمة زوجها، ألا يكون ذلك مظنة للخطأ، ومجلبة للإثم.؟
‏ قد يعسر علينا أن نفصل بين ما يقتضيه الميل من مجال في تكوين صورته، فنجعل ذا معفوا عنه، وذاك مأخوذا به، لأنهما بمعنى واحد، ‏يعتري الإنسان في ضعفه، ونقصه، فيعجز عن التسوية بين النساء في كل المناحي التي تشكل حياة الزوجين، ويلتئم بها ما تتقوم به حقيقتهما ‏من نفقة، وكسوة، ومطعم، ومشرب، وعطية، وصحبة، وحب، ورفق، وبر، وإحسان، ومعاشرة بالمعروف، لأن الميل في ذلك، وعدم ‏خضوعه لما هو مرتبط بمحدودية القدرة، قد صرفه عن العدل غير المطلوب، لكي يلبس قوة الإنسان على الحدث الفاعل في الغاية ‏المكتسبة، أو ضعفه عن تحقيق ذلك المرتجى بالنية، والقصد، لاختلال مستبطن في وضع الموازين، والمعايير، وانحراف عن طريق الأسباب ‏والعلل والشروط الموجبة للتحقيق. ومن هنا يكون أثره مستوجبا لقانون الجزاء، لأنه الفعل المطلوب بالجهد، وإن لم يستوف حتمية إيقاعه ‏على الوجه الأكمل في الالتزام القلبي. ويؤكد هذا قوله تعالى: "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما". لأنه إذا كانت المطالبة ‏بالعدل القلبي كما قلنا متعذرة، وهي غير مملوكة للإنسان في صيرورته المتأثرة بما تنفعل به، ويتفاعل معها، فكيف يذكر الإنسان بالتوبة، ‏والإصلاح، والتقوى، ويمتن عليه بالمغفرة، وهو غير معني بالفعل الذي يحدث بلا إرادته.؟ ‏
‏6-‏ إذا خيف عدم العدل في مال اليتيم، فالأولى أن يتم الزواج بأم اليتيم التي صارت بحكم العادة موضعا للحاجة، والفاقة، لأن إلحاقها ببيت ‏الولي، أو الوصي، أو الزوج، قد يغدو مع نية إصلاح الأحوال من بين الوسائل التي تضمن لولدها حقه في الحرية، والكرامة، لأنه مما ‏يسعف بالعدل في ماله، ويسعده بالأمل في الحياة الكريمة مع أمه. وإذا كان هذا الزواج منها حلا من الحلول المناسبة للقضاء على حاجة ‏الأبناء إلى قيمة الأبوة وعنايتها، ورعايتها، ولو كان ذلك في أقصى وجوده شعورا جميلا يفي بوجود ظلال للخير في الكون، والطبيعة، فإنه ‏يجوز للقادر المطيق للزواج، أن يتزوجها بشروط: الأول: إقامة العدل في القسم بينها وبين من سبقتها بالزواج. والثاني: عدم الإضرار ‏بنفسه، فيسوء حاله، ويتم بذلك عوله. (وهذا مما لم يذكره الفقهاء تحريرا، وإن تضمنه النص.) والثالث: عدم الزيادة على أربع. (وهو مفهوم ‏العدد في رأي) والرابع: أن لا تقدم الأمة على الحرة. (وهو مما أضافه الفقهاء إلى مضمون النص، وهو مرتبط بسياقه المتجاوز.) وكل هذا ‏مما يسوغ التعدد، ويجعله مرتبطا بأم فاقد الأب أكثر من تعلقه باليتيمة، ومالها، وهي لم تعْد بعد مرحلة قصور أهليتها عن الزواج، ولم تبلغ ‏حد الوفاء بلازم بناء البيت المحتضن لآمالها في تربية الأبناء، وتقوية أواصر العلاقات الاجتماعية. وذلك مما يبعد الزواج عن معنى ‏الإشباع الغريزي، ويصيره قيمة كونية، تسهم بسهم في بناء مجتمع إنساني، وأخلاقي. ولعل هذا المنحى في التوجيه، هو الذي تفرضه ‏الإشكالات التي تعترض عدم دقة التأويل في كلام الفقهاء، وهم يقصدون بالزواج اليتيمة، لا أمها، مع كونها لم تبلغ بعد سن الزواج. فكيف ‏يجوز الارتباط بها، وهي قاصر عن التكليف بالفعل المطلوب صوغه في الحياة الزوجية.؟
‏7-‏ من كثرة ما دققت النظر في هذه القضية، ولأسباب موضوعية، وخضت في كتب الأقدمين، والمتأخرين، بدأ رأيي الشخصي يستجمع ‏عدته، لكي يرى التعدد متعلقا بالأرملة، لأنها هي المحتاجة إلى زوج يعولها، ويحميها من الضياع، لاسيما إذا تعلق بذمتها أطفال صغار، ‏يحتاجون إلى قوت يكفي مئونتهم، وإلى تربية، وتوجيه، وتعليم، وصحة، وثقافة، وفكر، وذوق، وإحساس مرهف بالجمال، ووجدان مضمخ ‏بالكمال بين ظلال الروح. لاسيما في زمن يعيشون سبته بين محيط مكان يعاني أزمات مدمرة، ومشاكل مبددة، تخيف نتائجها المنتظرة، ‏وتنذر بحدوث معضلة تقضي على وجودنا الرمزي بين أمم الكون. ولذا، يكون التزوج من هذه الأرملة حماية لها من الولوغ في نتن الذلة، ‏والخسة، ووقاية لأولئك الأبناء من الجنوح، والانحراف، وهم يخبون بين ديار مترعة بالجفوة، والقسوة، وممرعة بالعنف، والجريمة. وإذا كان ‏هذا سببا من الأسباب التي يمكن لها أن تعوض اليتيم ما فقده من حنان، وعطف، وصيانة، وحماية، فإن التخلي عن هذه الأرملة، ‏والبحث عن بكر لعوب، دعوب، لا يعني ما تظهره تلك التسويغات التي يتذرع بها طلاب المتعة المعددين للزوجات، بل يعني شره الذكر ‏في امتلاك محاضن الشهوة، ومكامن المتعة، لأن دافعية البحث عن حياض اللذة، ولو توارت الشهوة وراء ما تحتمي به من تأويل، وتحايل، ‏هي التي تصرف فعل الزواج عن حقيقته، وتنفخ فيه نزاع الذات، وصراعها مع مكوناتها النفسية، والاجتماعية، وتزرع فيه شبقية تغري ‏هاجس ذكورته، وفحولته، وتفجر صديدها في سلوكيات لا تنتمي إلى دين، أو خلق. إذ المقصود بالزواج ما يثري جانب العمل الإنساني، ‏ويتضمن الحرص على قوة المجتمع، وتماسكه، لأن ما نشهده يوميا من أطفال مهدري الكرامة، فقدوا الرعاية الاجتماعية، ومصيرهم الشارع، ‏أو ملاجئ الأيتام، يدل بشدة، وحدة، على أننا تجاوزنا كثيرا من القيم الدينية، والإنسانية، وانجررنا إلى وحشية مفرطة في تقديس المادة، ‏لا تربي ذوقا، ولا تهذب سلوكا. شيء رهيب أن يسوقنا هاجس الرغبة الجنسية، وننسى أننا وجدنا على هذا الكوكب لأداء وظيفة، هي ‏أسمى من أن تكون نكاحا، بل مثير أن لا نمتلك تخطيطا للمستقبل، ولا تدبيرا للمآل الذي ستعود إليه كثير من نتائج سلوكنا البهيمي، ‏والحيواني، ونحن نرى الدين في الفرج، ولا نراه فيما نخلفه من خلف، يحيى يومه بين دروب حياة لا نمتلك فيها توجيها، ولا تخليقا، ولا ‏تأليفا. ‏
يتبع





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ومضات على ضفاف بحرالأشجان
- تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص. ‏- ...
- تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص. -1 ...
- نفض الغبار عما بين الخيال والمثال من مدار
- أسفار سيدي بوهوش (السفر الأول)
- شوارد الفكر -10-
- شوارد الفكر -9-
- شوارد الفكر -8-
- شوارد الفكر -7-
- شوارد الفكر -6-
- شوارد الفكر -5-
- شوارد الفكر -4-
- شوارد الفكر -3-
- شوارد الفكر -2-
- شوارد الفكر -1-
- سوانح البيان (3-4)
- سوانح البيان (1-2)
- موارد العنف -8-
- موارد العنف -7-
- موارد العنف -6-


المزيد.....




- بعد تحقيق سري...القبض على 15 يهوديا متطرفا يستهدفون عربا يوا ...
- موسكو ترفض تصريحات رئيس أفغانستان حول الدعم الروسي المزعوم ل ...
- موسكو: تصريحات رئيس أفغانستان حول الدعم الروسي المزعوم لحركة ...
- مطار النجف يستقبل 1135 رحلة عربية وإسلامية خلال محرم
- الإخوان يجتزؤون تصريحا لمساعد داخلية مصر الأسبق عن "تنا ...
- طارق رمضان: الغرب يتجاهل النماذج الإسلامية الناجحة
- روائع فنية إسلامية بمزاد علني في بريطانيا
- الغارديان : إذا خسر تنظيم الدولة الإسلامية الحرب في العراق و ...
- بالفيديو.. جاستن بيبر يعبر عن معتقداته الدينية في وشم عملاق ...
- بالفيديو.. جاستن بيبر يعبر عن معتقداته الدينية في وشم عملاق ...


المزيد.....

- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - تعدد الزوجات بين فحوى النص المخصوص، وعدوى الواقع المفحوص -3-