أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيام محمود - تامارا .. 9 .. القصّة .. - كاملة - مع - مقدمة - و- خاتمة - - صغيرتين - ..















المزيد.....



تامارا .. 9 .. القصّة .. - كاملة - مع - مقدمة - و- خاتمة - - صغيرتين - ..


هيام محمود
الحوار المتمدن-العدد: 5656 - 2017 / 10 / 1 - 01:38
المحور: الادب والفن
    


القصة في أصلها طويلة قمتُ باختصارها وحذف الكثير من الأحداث منها لكي يُسمح بنشرها أوّلا ولكي لا تصدم القارئ ولا "تزدري" "سردينه المُعلّب" - كثيرا - ثانيًا .. يظن الكثيرون أنهم بتجاوزهم لأوهام الآلهة والأديان تحرّروا من كل الأغلال وانطلقوا نحو فضاء الحياة الرحيب فعاشوا وأعاشوا كثيرين ، هؤلاء كانت الأديان في حياتهم "كل شيء" وعندما تحرروا منها ظنوا أنهم بإلحادهم ولادينيّتهم فهموا وصاروا "كل شيء" .. هؤلاء خرجوا من قطيعٍ إلى قطيعٍ آخر .. من سجنٍ إلى سجنٍ آخر .. من وهم إلى وهم آخر .. من بداوة إلى بداوة أخرى .. وكل حرفٍ سأكتبه في الحوار سيكون هدفه الأول : البداوة ..

تامارا لم تكن "ملحدة" ولم تكن "متديِّنة" ، أخذت من كُلٍّ وهي تمشي في طريقها ، عاشت وأعاشت .. ماتت ولم تمت وفي داخل كل إمرأة ورجل تعيش مسجونة .. أطلقوها ولا تسجنوها ربما ساعدتكم بمؤمنيكم ومؤمناتكم وبملحديكم وملحداتكم على الخروج من قطعانكم .. والحياة بسلام مع أنفسكم ومع الآخرين .. حياة القطيع موت وفناء .. هذه دعوة إلى الحياة ..

***


الرّاوية : أنا ، "عجوز" فى التاسعة والثمانين أمشي وأجيء على الركح ، أروي .. عنّي .. عندما كنتُ في التاسعة والعشرين .. كنتُ جميلة وكانت تامارا أجمل ..


بداية القصة ..


هل تريدون أن أقصّ عليكم قصّة ؟ .. أنا أريد ..

القصّاصون يريدون جمهورًا وأجورَا ، أنا أريد فقط أن أتكلم .. عنها .. سأتكلم وإن غادرتم جميعكم فلا أجر أنتظر ولا تصفيق .. النقود التي دفعتموها للدخول ذهبت لجيوب صاحب المسرح ، كذا إتفاقنا : هو يسمح لي بالكلام وأنا أسمح له بأخذ نقودكم ، هو سعيد بذلك وأنا أسعد .. أسعد لأن المسرح الآن ملكي لأتكلم .. كلّكم ستغادرون بعد إنتهاء العرض وأنا أيضا ، لكنها هي باقية .. روحها ترف في كل مكان ، ذكراها لم يستطع الزمان محوها ولن يستطيع .. قريبا تلتحق بها روحي فاذكروني واذكروها كلّما تذكرتم ليلة الشتاء هذه التي قصصتم عليكم فيها شذرات من قصتنا .. لمن سيحبونها أقول : جيّد ولمن سيبغضونها أيضا أقول : جيّد لكن .. لا تقتلوها ، دعوها تعيش عندما تبحثون في داخلكم وتعثرون عليها .. لا تُبلّغوها شيئا عنّى فهى عالمة .. بكلّ شيء .. لها المجد .

تقف تامارا شامخة شموخ عقلٍ لم ينحني يوما حتى عندما كان كانت تمشي مع القطيع ، كان مشيُها هويةً إجتماعية موروثة لا غير ولحظة تفكّرت تامارا فى ذلك الموروث لم يأخذ منها إلا سويعات قليلة لتكشف رموزه وتُلقيه وراءها مُواصلةً سيرها نحو أفقها البعيد نحو الحياة الكريمة والسلام مع نفسها ومع الآخرين وإن كان سلامها معهم "حُبّا" من طرف واحد فهم لا يزالون لإرثهم الثقيل يحملون ويقدّسون .

عندما فكّرت تامارا لم يكن عندها ما عندكم اليوم من نات وقنوات وشبكات تواصل وإتصالات ، كان عندها فقط بعض كتب في بيت الجلوس ، كتب لم تر أحدا يقرؤها فقد كانت موضوعة للزّينة فقط ، كانت مجلّدات ضخمة لا تشجّع على قراءتها والإقتراب منها لكن تامارا قرأتها .. كلها .. ليالي كثيرة تلك التي لحقت بها أمّها إلى غرفتها لترى سرّ ضحكها فتجد تامارا تقرأ كتابا من تلك الكتب فتطمئن الأم .. لم يكن ضحك تامارا بسبب أصوات رياضتها الليلية ، كانت أم تامارا وأبوها رياضيين بمستوى عال .. جدا .

تامارا والكتب الكبيرة ، إستمرّت القصة أعواما طويلة حتى بعد إتمامها دراستها الجامعية ومباشرتها العمل . فكانت كلما زارت منزل والديها وأمضت الليل عندهما وكأنّ الزمن قد توقّف .. تامارا والكتب الكبيرة والضحك .. الأم والأب و .. الرياضة .

ولكي لا أطيل عليكم فتقولوا "ثرثرة عجائز" أدخل مباشرة في القصة ومع بدايتها ذات يوم جميل مُشمس على ضفاف بحرٍ هادئٍ ساحرِ السكونِ والإمتداد ، غيرَ آبهٍ بما يصفه ويقول عنه العباد ..

في ذلك اليوم طلب منّي "كريم" الذهاب في فسحة قصيرة نرى البحر نتحدّث نأكل نشرب ونمضي وقتا طيبا ثم يرجع كلّ إلى عمله ففرحتُ لدعوته .. كنت أشتاق إليه كثيرا في اليوم حتى صار رفاقُ ورفيقات عملي يتندّرون عند الكلام عنّي فيقولون لي متعجّبين : من يسمعكِ يظن أنكِ لم تريه منذ دهر في حين أنكما لا تغيبان عن بعضكما إلا ساعات العمل فقط ، ومن الحب ما قتل وخلّف الهَبَلْ ! .. رفيقات عملي كنّ "يحسدنني" ولا يخفين ذلك ويقلن ذلك لي صراحة : أعطاكِ الله كلّ شيء ولم يدّخِر لنا شيئا ، فأجيبهن : سيأتي نصيبكن فالله كريم ، فيضحكن ويقلن : الحب يخلّف الشرك أيضا فاحذري ..

في ذلك اليوم قلت لهم أن "كريم" سيحضر بعد قليل لنذهب معا فسألتني رفيقة عمل جديدة : منذ متى تعرفينه ؟ فأجبتها : أنا أتذكّر ذلك وعمري ثلاثة سنوات أما أمي فتقول أنني قبّلتُه عندما كان عمره شهرا وأنا عشرة أشهر ، أجابت : كم أنتِ محظوظة .. فردّت عليها زميلة أخرى : اللهم لا حسد .. في الأثناء وصل "كريم" ولم أشعر به فوقف خلفي يستمع وطلب من رفاقي عدم إشعاري .. سألني أحدهم : أنتما توأم روح إذن ؟ .. أجبتُ : في بدء الخليقة وعندما كنت أنا و "كريم" "أَنْدْرُوجين" ، ثُرنا على "زيوس" فغضب وأرسل علينا الشرّير "أپولون" فقسمنا إلى "بَشَرَيْن" وفرّق بيننا لكننا سُرعان ما كسرنا مشيئته وقدره وإلتقينا ، ملايين البشر يمضون أعمارهم يبحثون عن توأمهم ولا يجدونه ، أنا وجدتُ توأم روحي منذ أن كنتُ رضيعة وهو أيضا ..

"كريم" يُقاطعني ، يحظنني من خلفي ويقول : عزيزتي كلّ يتكلم عن نفسه رجاءً .. يُظيفُ مخاطبا رفاقي : أنا ولإغاظة الحاسدات والحُسّاد سأقول قولا آخر :

عجب الناس كيف تهواني حبيبتي وأَهْوَاهَا ..
ونسوا قول ربّهم لنفسٍ كيف سَوَّاهَا ..
وألهمها حُبَّ حبيبٍ هو في العروق دِمَاهَا ..
توأمُ روحي هي وحياتي التي أَحْيَاهَا ..
وهديّتي من ربّي منذ الأزل كتبها وأَهْدَاهَا ..
أأرفض قدَرَ ربّي فأفنى في سَقَرَ وأذَاهَا ..
أم أرفضُ حياةً دنيَا هي فيها الرّوح ومُنَاهَا ..
دونها أنا أرض حُرِمَتْ أمطارها وسَمَاهَا ..
وفُلك هامت في البحار جهلت أينَ مَرْسَاهَا ..
ويسألني المحرومون من هذه التي تهواها ! ..

زميلُ عملٍ يجيبه : أحمد الله أن خطيبتي ليست هنا وإلا كانت قتلتني ، يا أخي لماذا تُنكِّد الحياة علينا ؟ لا لغلاء الأسعار .. نُريد أن نعيش معكم .. الله يهديكم ويهدينا جميعا !

نضحك جميعنا .. نستأذن أنا و "كريم" ونُغادر ..

إلى البحر ..
ودون أن نعلم ...


إلى تامارا ..


بعد وصولنا جلستُ في مكاننا المعتاد وذهب "كريم" ليقتني شيئا يُأكل وآخر يُشرب ، وأنا أنتظره نظرتُ إلى البحر طويلا فتذكّرت أشياء كثيرة جميلة معه وكلّ شيء كان جميلا .. كنت دائما أسأل نفسي هل سيدوم هذا الحلم ؟ فتجيبني إلى الأبد .. كم أُحبّه ! وكم أحب هذا البحر الذي شهد أجمل لحظات عمري معه !

لله درّكَ يا بحرُ آنَسْتَ قلوبنا كلّمَا زُرناكَ حِينَا ..
فيكَ قال العشّاق وزادتْ لمجدِكَ غَنَّتْ قوافينَا ..
ثالثنا أنتَ وشاهدُ حُبِّنَا باركتَنَا وكلّلتَ أمَانينَا ..
إليكَ إشتياقنا كعبةَ حبّنَا أنتَ ونحنُ المُصلِّينَا ..
كيفَ نُجازيكَ وقد أحببتنا دون وعدٍ لتُغرينَا ..
أحببناكَ وسعدنا بلقياك دومًا تَؤمُّنا وتُناجينَا ..
حتى صرنا لودّكَ الأصحابَ الغُرَّ الميامينَا ..
وقلنا لعُذَّالك لمّا زعموا أنك تُدمينا وتُبكينَا ..
وقالوا رجس تنآهُ القلوب فلنُحطّمه بأيدينَا ..
خسئتم بل يبقى "التَّداني بديلاً عن تنائينَا" ..
قلب رحيم وأب كريم وإن لم تقولوا آمينَا ..
وحبّه الذي لا نخون نُقِش في القلوبِ دينَا ..
هذه أنغامنا التي عن كل أَراجيفكم تُغنينَا ..
وعليها نزيدُ كلَّ يومٍ رقصًا وغناءً وتلحينَا ..
فقرّ عَيْنًا يا بحرُ عن قُربِكَ ليس أمر يُثنينَا ..

حبّي للبحر كان منقطع النظير حتى أن "كريم" قال لي مرّات عديدة أنه منه صار يغار لكنه يعشق البحر مثلي وربما زاد عليّ .. عاد "كريم" فأيقظني من تأملاتي وذكرياتي .. خُذي بورگر صغير لكِ وبورگر كبير لي ، عصير لكِ وكولا لي .. لم أكن أكولة ، كان القليل يكفيني رغم أن صديقاتي كنّ يقلن أني أتعمّد ذلك للمحافظة على رشاقتي .. أكلنا وتكلمنا قليلا حتّى ..

نزلت من فوقنا .. بيننا وقالت دون سلام أو مقدمات : أفسحا المجال قليلا .. جلست بيننا ونظرت إلى "كريم" .. أنا جائعة .. خطفت من يديه أكله وشرعت تأكل بنهمٍ غريب وهي تنظر لي وتقول : لا تأكلي .. أظن أن بورگر هذا الشاب الوسيم لن يشبعني .. أكملَتْهُ ثم خطفت ما بيدي فأجهزت عليه ثم إلتفتت إلى "كريم" وقالت : كنتُ أحبّذ بيرا لكن لا مانع عندي من الكولا .. وشربتها كلها .. نفس الشيء فعلت مع عصيري .. كل ذلك وأنا و "كريم" لم ننطق بحرف .. كنا مذهولين من هول ما يحصل أمام أعيننا من غريبة لم نرها قطّ .. إستلقت إلى الخلف بعد ذلك ووضعت يدها اليسرى على كتف "كريم" واليمنى على كتفي وقالت : من عنده سيجارة ؟ .. ضحك "كريم" وأعطاها واحدة .. بدأت تدخّن وهي تنظر أمامها إلى البحر ونحن ننظر إليها .. قالت : أحب البحر .. وأحب أكثر إزعاج المُحبين .. إلتفتت إلى "كريم" وقالت : عزيزي أريدُ قهوة .. أجابها : "عزيزي" !! .. ردّت : بلا سكر وأسرع من فضلك سأعود إلى العمل .. قام وقد إختلط عليه مثلي الإندهاش والغضب وقال : حاضر "عزيزتي" دقائق معدودات وأعود !

كانت من عادة "كريم" إذا وصل غضبه الحد يسكت أو ينسحب فظننتُ أنّه إبتعد عنها كي لا يتصرّف تصرّفا غير لائقٍ ، لكنه عاد بعد قليل ومعه القهوة ! .. قبل عودته وبعد أن تجاوزتُ وقع الصدمة ، إبتعدت عنها وسألتها : من أنتِ ومن أين لكِ كل هذه الجرأة والوقاحة ؟! .. فقالت : إسمي غير مهم وأعملُ "عاهرة" لذلك أنا "وقحة" ، في مجتمع نفاقٍ كهذا إمّا أن تكوني "شريفة" فتموتي أو "عاهرة" فتعيشي وأنا إخترتُ الحياة ! .. هرعتُ من مكاني ، لم أستطع أن أقول شيئا وكأنّ لساني قد قُطع ! كنتُ أفكّر في الفضيحة .. قد رآنا كثيرون وهي تجلس بيننا ! .. مع عودة "كريم" أخذت منه القهوة ، شربتها بسرعة وقالت له : شكرا "عزيزي" ، عليّ الذهاب الزبائن ينتظرون .. سألني "كريم" : زبائن ؟ .. أجبتُ : عزيزي ، مصيبة ! قالت إنها تعملُ "عاهرة" وقد رآنا الناس معها !!


مضى يومان على ذلك اللقاء الغريب ، لم نستطع أن ننساها خوفًا من أن يكون أحد قد رآها معنا ولأنّنا تكلّمنا كثيرا عنها حتّى غضبتُ من "كريم" ، كان يقول أنه لا يظنّها "..." كما قالت عن نفسها والذي أغضبني .. حُجّته ! - جميلة جدا ورقيقة جدا لتكون "..." رغم أنها "متوحّشة" عندما تأكل - ! .. فقلتُ له : أريدك أن تتصرّف بشكل غير متحضّر في المستقبل كأن ترميها في البحر مثلا خير من أن تتكلّم عن "رقّتها" المزعومة !

في اليوم الثالث ذهبتُ لمكان عمل "كريم" وبقيتُ أنتظره في الخارج ، كان يوم جمعة وفي الغد كان يوم زفاف أحد أقاربي ولم يكن عندي ما ألبس للمناسبة ! .. كانت تلك الليلة آخر أجل لأشتري شيئا ، كم أكره الأعراس ! كل عرس يلزمني فستان جديد لا نُتِم دفع ثمنه إلا بعد أشهر ! .. هذه المرّة أعجبني فستان رأيته قبل أيام لكن ثمنه باهض جدا ، ولم أستطع إعلام "كريم" لأنه لن يرفض لكن شراءه سيكلفنا أنا وهو تقريبا سنة عمل !! .. المحل الذي رأيتُ فيه ذلك الفستان فيه ماهو فخم جدا وفيه المتوسط فقلت في نفسي أشتري على قدرِ إمكانيّاتي ولا أقترب من الرواق الفخم ..

وأنا أنتظر "كريم" وأتحسّر لظروفي المادية المتواضعة ، مرّت بخاطري تلك "الجميلة" "الرقيقة" فازداد غيضي : لن تجد أي حرج في إقتناء ما تريد تلك "..." أما أنا فلا ! من درست وسهرت الليالي تعيش في الأدغال ومن "..." تعيش في العلالي ! أهذا عدل يا وطني ! .. فاجأني "كريم" قائلا : لماذا لم تصعدي ؟ ومالكِ تُتمتمين ونيرانكِ موقدة ؟ سنذهب لشراء فستان على حدّ علمي أم أننا سنقتل أحدا الليلة ؟ .. أجبتُه : هناك بعض الأشياء لم نعشها معا إلى الآن .. منها هذا .. علينا أن نفكّر في الأمر .. سيكون حتمًا جميلا ما دمنا معا ..

ذهبنا إلى المحل واخترت سريعا فستانا يفي بالغرض .. وعندما خرج "كريم" ليدخن هرعتُ إلى ذلك الفستان أنظر إليه وأتحسّر .. بقيت دقائق ، كل من رآني يومها كان سيفهم مأساتي ! كنتُ كتلك الطفلة الصغيرة التي لا تستطيع شراء شكولاطة أو آيس كريم فتأكل حتى تشبع في خيالها .. قمتُ بجولة صغيرة بعد ذلك إقتنيتُ فيها بعض الأغراض الأخرى وإلتحقتُ بالكاسة لأدفع ثمن مُشترياتي .. فأعلمتني العاملة أن كل مقتنياتي قد سُدّد ثمنها ومعها "هدية" أيضا ! وعندما فتحت "الهدية" وجدت فيها الفستان الذي أردتُ ! .. تساءلتُ كيف عرف "كريم" ؟ هل رآني من الخارج وأنا أمام ذلك الفستان ؟ وكيف سندفع ثمنه !! .. كنتُ حريفة عندهم وكلمة "هدية" كانوا يستعملونها كي لا أُحرج أمام باقي الحرفاء .. "هدية" يعني الدفع بالتقسيط !! مصيبة ! سنة عمل !!

غادرتُ المكان ، بحثتُ عن "كريم" فلم أجدهُ .. جلستُ أنتظر عودته وفي أذنيّ أسمع كلمتين فقط : سنة عمل !! سنة عمل !! .. عندما عاد صرختُ في وجهه : كيف سندفع ثمنه ؟ ومن طلب منك شراءه ؟!! .. فأجابني مستغربا : ندفع ثمنه ؟ شراء ماذا ؟ .. أريته الفستان فتغيّر لون وجهه عندما رأى ثمنه وقال : عزيزتي كيف تشترين هذا ؟ أجُننتِ ؟ هذا سيرهن راتبي وراتبك قرابة السنة .. هذا قرض من بنك النهب الدولي وليس فستانا ! .. قلتُ له : إنتظر .. وعدتُ إلى المحل لأسأل من دفع .. العاملة أجابتني أن هناك من دفعت الثمن لكنها لا تستطيع أن تقول من وإلا طُردت من عملها ! .. فسألتها : قلتِ "دفعت" ، إمرأة أم رجل ؟ .. أجابت : أرجوكِ آنستي أنا لم أقل شيئا ، أنا قلتُ أن كل مُشترياتكِ دُفع ثمنها ، فقط .. في الأثناء إلتحق بي "كريم" وسمع كل شيء .. وبعد أن غادرنا قال لي أنه رأى تلك الفتاة التي أغارت علينا منذ ثلاثة أيام تخرج من نفس محل الفستان ثم إلتحقت بإمرأة قد تكون أمها فتبعهما لذلك لم أجده عندما خرجت .. فتأكّدنا أنها هي من "أغارت" علينا مرة ثانية !

بعد نقاش طويل مع "كريم" قررنا إرجاع الفستان وعدم قبوله وأن ندفع ثمن بقية مشترياتي .. عدنا إلى المحل مرة أخرى فطلبت منا العاملة بعد أن قامت بإتصال هاتفي الإلتحاق بالمديرة في مكان آخر وأعطتنا عنوانا .. المحل الذي كنتُ حريفته كان واحدا من سلسلة متكونة من ستّة محلات في المدينة وكنت أشتري منه دون الخمسة الآخرين لأنه كان الأقرب .. إلتحقنا بالعنوان فأدخلونا مكتب المديرة التي ألحّت علينا أن نقبل فرفضتُ وسألتها عن هوية الفتاة فقالت لي مبتسمة : هي كما قالت لكِ .. فسألها "كريم" : هل أنتِ أمّها ؟ رأيتكما معا في المحل الآخر ..

جاء الجواب من خلفنا .. باب خلفي وراءنا فُتح : نعم ، أمي .. إلتفتنا .. وجدناها هي ..

قالت المديرة .. الأم .. لنا : عذرًا عندي شغل ، الجميع يخرج .. نظرت لي : أنتِ إقبلي ، ل "كريم" : أنتَ لا تحشر أنفك في متاهات النساء ، لإبنتها : وأنتِ لا تُدخليني مرة أخرى في مغامراتكِ .. اغربوا عن وجهي جميعكم ! .. لا أعلم كيف ضحكتُ وقتها ومثلي "كريم" لكننا ضحكنا وقمنا ، فقالت هي لأمها : قُبلتي ومباركتكِ قبل أن "نخرج" ؟ .. فقبَّلَتْها الأم وهمست في أذنها .. ثم .. خرجنا ..

"كريم" : أريد أن أعرف ما الذي يحدث ؟
هي : لا تحشر أنفك في متاهات النساء ..
أنا : من أنتِ ؟ وماذا تريدين منا ؟
هي : ألم أقل لكِ المرّة السابقة أن إسمي غير مهم .. المهم الآن أن تلبسي الفستان بسرعة لأراكِ وننتهي من هذه القصة .. وأنتَ راقب من بعيد ولا تتدخّل وفكِّر لنا في أقرب مكان من هنا يُأكل فيه لأني جائعة .. جدا !
"كريم" : أنا سأسكت ..
هي : وأنتِ أدخلي هنا لتقيسي الفستان .. أسرعي وإلا خطفتُ حبيبكِ ..

لا أعلم كيف حدث كل ذلك وبتلك السرعة ، أشياء كثيرة دارت في بالي وقتها لكني كنتُ مطمئنة لوجود "كريم" معي .. ولبستُ الفستان ...

هي : لا تسأَلْ كيف عرفتُ مقاسَها .. متاهات نساء إحذرها ..
"كريم" : أنا ساكت !
هي : لسنا في حاجة أن تقول لها أنها أجمل إمرأة فهي وأنا نعلم ذلك ..
"كريم" : "لسنا" ؟
هي : أين ستدعونا للعشاء "عزيزي" ؟
"كريم" يكلمني : قولي شيئا ، صبري قد ينفذ في أي لحظة !
هي : تستطيع أن تغادر إذا أردتَ ستدعوني هي ..
"كريم" يكلمني : عزيزتي يجب أن أخرج ، سيجارة ! وأعود .. أو إلحقي بي !
هي : هناك باب خلفي ، سنخرج منه ولن تجدنا ..

عندما خرج "كريم" خفتُ ..
سألتها : ماذا تريدين مني ، منّا ؟ ..
أخذت يدي وقالت : وهل ستُصدّقينني ؟ ..
قلتُ : لا أعلم ..
قالت : كل خيرٍ لكِ ، لكما .. هل تُصدّقينني ؟ ..
قلتُ : لا ..
قالت : أظن أن جوابه سيكون مثل جوابك ..
أنا : أكيد ..
هي : أريد أن أطلب منكِ طلبا أخيرا لن يكلفكِ أي شيء ؟
أنا : وهو ؟ ..
هي : إقبلي الفستان ..
أنا : بشرط ..
هي : ما هو ؟
أنا : ألا تقتربي منّا أبدًا ..
هي : وإذا إقتربتما أنتما مني ؟
أنا : لن نفعل ..
هي : ستفعلان .. تُصبحين على خير .. سأخرج لأقول له ما قلتُ لكِ ..

غيّرتُ لباسي بسرعة وخرجت فوجدتها مع "كريم" .. تقول نفس ما قالت لي فيقول نفس ما قلتُ لها .. ثم غادرت وغادرنا المكان ومعنا .. الفستان ..


لمّا عدنا إلى المنزل لم ننم تلك الليلة ، تكلّمنا كثيرا بشأنها .. كنتُ قلقة ولم أفهم كيف قبلتُ الفستان منها وكيف حصل كل الذي حصل ، "كريم" كان مثلي في البداية لكنه بعد ذلك تراجع ورأى أننا قسونا عليها وكُنّا غير لبِقين معها ، فتاة غنية أهدت لي فستان ما الغرابة في ذلك ؟ ولماذا نهوّل الأمر ؟ ثمنه باهض بالنسبة لنا لكنه عندها مثل بورگر عندنا ! .. لم أقتنع بكلامه لكنّي لم أعترض عليه وبقي عندي شعور غريب أنها ستعاود الظهور في حياتنا قريبا .

في الغد ذهبنا كل إلى عمله ، كان يوم عمل ككل الأيام .. في المساء سنحضر زفاف قريبي ، كنت أرجو ألا تتعطب السيارة فقد عانينا منها الأمرين في مناسبات أخرى .. أذكر أني كنت سعيدة ولم أشعر بأي تعب بالرغم من أني لم أنم طوال الليل .

بعد ساعة ونصف من بدئي العمل إتصلوا بي ليعلموني أن "كريم" قد أُصيب في رجله بإلتواء طفيف وهو في عيادة مَدُّوني بعنوانها .. إستأذتُ .. غادرت عملي بسرعة .. وصلت إلى العيادة .. دخلتُ .. وجدت عددا كبيرا من المرضى في قاعة الإنتظار ، السكرتيرة كانت تنتظر حضوري ..

هي : سيدة إيلان ؟
أنا : أين هو ؟ هل هو بخير ؟
هي : أنا من إتّصلتُ ، لا تقلقي .. إلتواء بسيط .. إقتربت مني وهمست في أذني : ستدخلين معي مكتب الطبيبة الآن .. عندها مريضة .. ستتبعيني بهدوء دون أن تنظري .. زوجكِ في غرفة تفتح على مكتب الطبيبة .. إتبعيني ..

تبعتُها وعندما دخلنا المكتب ، مررنا وراء الطبيبة ، إسترقتُ النظر فرأيتُها تفحص إمرأة مستلقية على ظهرها ، فتحت السكرتيرة الباب .. أدخلتني وقالت : رجاءً لا تخرجي .. إنتظري قدوم الطبيبة ..

طمأنني "كريم" على حالته ، قال عنده بعض ألم في ساقه فقط .. وسيبقى إلى حين إكتمال الأدوية التي حقنوه بها في الوريد .. بعد دقائق طرق الباب عدة مرات ، لم أهتم لذلك ، كنت أعاين ساق "كريم" والضمادة التي تُغطيها .. تواصل طرق الباب ولم يدخل أحد ! .. طلب مني "كريم" أن أفتح الباب .. فتحتُ ..

قالت الطبيبة : هل أستطيع الدخول ؟
أنا : صُعقتُ ولم أستطع الكلام ..

أخذت بيدي ، أجلستني عند رأس "كريم" وجلست هي عند ساقيه على حافة السرير .. سأَلَتْه : هل ذهب الألم فأجابها أن نعم .. لم أستطع أن أنطق بحرف ، بقيتُ أنظر إليها فاقتربت مني مسكت يدي بين يديها وقالت لي : أردتُ مفاجأة أبي في عمله صباح اليوم ، كان ذلك سيسرّه كثيرا ، لكن إعترضني في مدخل الشركة هذا الشاب المسكين يتكئ على أحد زملائه ليحمله إلى المستشفى فأشفقتُ أن ينتظر ساعات في الطابور متألما فجئتُ به إلى هنا ، في البداية رفض لكنه قبل بعد ذلك ، ربما خاف لأن زميله أعلمه أني إبنة صاحب الشركة ، لا أعلم .. طبيبة قدّمت العون إلى مُصابٍ .. فقط وانتهت القصة .. فلماذا تنظرين لي هكذا وكأنني "ملك الموت" ؟ .. ثم ألم تقولي لي البارحة أنكِ لن تقتربي مني ؟ فماذا تفعلين هنا في غرفتي الشخصية التي لا يدخلها أحد غيري ؟ .. ثم نظرَتْ إلى "كريم" وقالت : الدواء الذي وضعته لك فوق فيه سحر ، سأختطفك منها أيها الشاب الوسيم .. تركَتْ يدي قامت وقالت : ممنوع الخروج حتى أنتهي من كل "زبائني" ثم إقتربت مني وهمست في أذني : أنا "عاهرة" كما قلتُ لكِ .. عادَت إلى مكتبها وأغلَقَت الباب .. علينا .

بقينا "محبوسين" نوشوش قرابة الساعتين والنصف إلى أن أتمّت عملها وفتحت الباب ودخلت .. قبل ذلك شرح لي "كريم"ما حصل فتكلمنا كثيرا في شأنها لكننا لم نصل إلى قرار ! .. عندما دخلَت قالت : أكملتُ عملي وطلبتُ من السكرتيرة المغادرة ، أنتما الآن أسيراي ولا أنوي الإفراج عنكما إلا بشروط تُنفَّذ ولا تُناقَش .. نظرنا إليها دون جواب .. وهي تتكلم أشعلت سيجارة وأخرجت من دولاب زجاجة خمر كبيرة جعلت تشرب منها .. كانت غريبة الأطوار ! تمشي وتجيء أمامنا ، في اليد اليسرى سيجارة وفي اليمنى زجاجة الخمر وكأنها صعلوك خرج للتوّ من السجن ! .. تذكرتُ ما حكى لي "كريم" عنها وتساءلت أهذه طبيبة ؟ أهكذا تكون إبنة المليونير الوحيدة ؟ أيّ مصيبة هذه التي سقطت علينا من السماء ؟

هي : شروطي .. أولا : أنتَ ، إنسى أني إبنة رئيسك .. ثانيا : أنتِ ، أنا لا أريد إختطاف صديقكِ .. مفهوم ؟
أنا : لو كنتِ تريدين خطفه لهان الأمر عليّ .. على الأقل كنت عرفتُ نواياكِ ، أما الآن أنا .. نحن لا نعرف ماذا تُريدين ونريدُ منكِ جوابا صريحا ؟
هي : وهل ستُصدّقاني ؟
أنا : لا أعلم ..
"كريم" : نعم ..

هي : أكيد أنكما ترياني إنسانة "غريبة" وتتساءلان كثيرا عن "ماذا أريد" .. أريدكما أن تسألا الأسئلة "الصحيحة" : هل أنا "غريبة" حقًّا أم أنّكما "نمطيّان" كالسردين في العلب ؟ .. ولماذا يجب أن يكون عندي "هدف" أو "غاية" من وراء ما حدث إلى الآن ؟

أنا : تُريدينَ القول أنكِ لم تُرتِّبي الذي حصل وكله حدث "صدفة" ؟

هي : العالم الذي أعيشُ فيه ميّت ، أحاول دائما أن أُحييه للحظات لأُحسّ به ويُحسّ بي ولأواصل الحياة فيه فلا يقتلني ولا أضجر منه فأهجره فأُفني نفسي بنفسي .. تلك اللحظات موجودة دائما في داخلي فهي القلب الحقيقي النابض في جسدي ودونها تصير حياتي "سَرْدِينْ" وخروجها للنور يأتي من توفّر الظروف الموضوعية لذلك ومن رغبتي في الحياة الموجودة دائما .. قد تسبقُ رغبتي توفّر الظروف الموضوعية فأكون عندها "خالقة" الحدث فأبحث له عن الظروف اللازمة وقد تحضر الظروف الموضوعية فتوقض رغبتي فيكون الحدث مجرّد "صدفة" ..

أنا : ومعنا نحن ؟

هي : "صدفة" دون "غاية" .. رغبتي في حياةٍ غير حياتكما تُنير طريقي اللامتناهي .. لم أُفكِّر يومًا في "نهاية" الطريق لكن دومًا في الطريق نفسه .. "الرغبة في الحياة" هي المشي في الطريق و"الغاية" هي المشي في الطريق فقط لإدراك نهايته وفيها تُنفى كلُّ قيمةٍ عن الطريق .. أنتِ تسألينَ عن نهاية ، أنا لا أسأل عن نهاية ولا أبحث عن بداية ، أنا فقط أسير في طريقي وأنتُما الآن : "الطريق" ..

"كريم" : "الأميرة" ملّت حياة "القصور" وتُريد أن تُجرِّب حياة "العامة" ؟

هي : قسّمتنا أوهام البشر وأنانيّتهم إلى طبقات تتصارع كالوحوش .. أنا تجاوزتُ أوهامهم وخلعتُ عنّي لباس الأميرات وأيضا لباس العوام .. ومشيتُ طريقي "عارية" .. لن تستطيعا رؤيتي ما دُمتما تُدمنان أكل السردين المُعَلَّب .. أنا أصطاده "حيًّا" وآكله "نيِّئًا" فلا يضيع من طاقة حياته ولا من حُريته شيء كما عند طهيه أو تعليبه ، في البحر إصطدتُه "حيًّا" "حرًّا" فزادتني حياتُه "حياةً" وحرّيته "حريةً" .. أما أنتما فاعتدتُما أكله "ميتا" "مُعلّبا" فلم يزدكما إلا "موتا" و "نمطيّة" ..

أنا : ماذا تقصدين ب "نحن الطريق" ؟
هي : سأطلبُ منكِ شيئا أنا متأكدة أنكِ لم تفعليه طوال حياتكِ ولا طُلِبَ منكِ ، إفعليه الآن .. لن يُنقص منكِ شيئا لكنه سيزيدكِ الكثير ..
أنا : ما هو ؟
هي : ارقصي معي ..
أنا : ماذا ؟
"كريم" : يضحك .. أنا لا أستطيع ، حالة رجلي لا تسمح ..
هي : تعالي ..
أنا : لم أرقص أبدا مع أحد حتى مع "كريم" ، أتكون أول رقصة لي مع "إمرأة" .. ارقصي مع زجاجتكِ أحسن ..
هي : أقبل إقتراحكِ .. انظري لي ..

وضعت زجاجة الخمر على صدرها كأنها رضيع تحضنه وبدأت ترقص وتُغنّي بلغة لم أعرفها .. "كريم" كان ينظر ويضحك أما أنا فكنتُ أفكّر في .. الرقص ! .. ولماذا لم أرقص لأُغيض هذه السكّيرة كما تُغيضني هي الآن ! .. ولكن كيف أرقص معها وهي "إمرأة" ! .. وما المشكلة في ذلك ؟ حتى "كريم" أبدى موافقته ؟ أتُراهُ "خائف" لأنها إبنة مديره ؟ .. أم أراد أن يسخر مني لأني لا أعرف الرقص ! .. إزداد غيضي عندما عدتُ إلى الأربعة أيام التي مرّت من حياتي فوجدتُ أن هذه السكّيرة المتكبِّرة هي المُحرّكة الوحيدة لكل أحداثها ولا أعلم هل سيستمرّ هذا القدر ولا أظنه سيتوقف عند هذا الحد ! .. خنقتني تساؤلاتي فقفزتُ من مكاني نحوها وصرختُ في وجهها : ماذا تقصدين ب "نحن الطريق" ؟ ..

أنقذها مني صوت هاتف مكتبها .. سمعتها تقول : أمي اليوم وغدا لا أستطيع ، لا تغضبي عزيزتي .. سأتصل لاحقا ..

لم أتحرك من مكاني ، بقيتُ أنتظرها .. عادت ووقفت ورائي وقالت : أنظري .. علبة شكولاطة سويسرية .. فيها أشكال كثيرة .. لكن أحذّركِ هناك التي بداخلها خمر وأخرى لا .. خمر أو لا خمر هذا هو السؤال الآن .. إختاري ..

إستدرت .. فكانت البداية ! .. هي كانت تمشي في طريقها أما بالنسبة لي فكانت تلك اللحظة .. البداية ... فسكتُّ وليتني لم أفعل ..


لم تكن تلك اللحظةُ "البدايةَ" الحقيقية لأن البداية كانت قد بدأت منذ البدء كما هي عادتي ، لكنها كانت لحظة الإعتراف لنفسي .. كم أنتِ مُنافقة يا نفسي ! دائما تسقطين ثم تهربين فتكذبين وتدّعين كلّ إفكٍ وبهتانٍ لتُبعدي عنكِ الحياة فتموتين وأموتُ معكِ ! لكن هذه المرة ليست كالسابقات ولا أراكِ قادرة على الإفلات !

همست تامارا في أذني : حظكِ سيء عيناكِ فضحتاكِ ، ربّما إستطعتِ أن تخدعي ال "عاهرة" لكنّكِ لن تستطيعي خداع الطبيبة .. منافقة لماذا تُعيدينَ طرح سؤالٍ تعلمينَ جوابه ؟ ..

ثم قالت : سأختارُ لكِ ، هل تسمحين لي ؟ .. لم أُجب ونظرتُ إلى "كريم" فحبستُ دموعي .. أخذت من يدها الشكولاطة ، كنتُ أحبّ الشكولاطة ! كثيرا ! .. رنّ الهاتف مرة أخرى فناوَلَتْ "كريم" كل العلبة وذهبَتْ لترد ..

هرعتُ إلى "كريم" وقلتُ لهُ : هل تُحبني ؟ ..
ردّ مستغربا : بالتأكيد ، ولماذا تبكين ؟! ..
أجبت : عزيزي أريدُ أن نخرج من هنا ، ثم كيف سنذهب إلى الزفاف ! أنت لا تستطيع قيادة السيارة .. دخلت تامارا : أنا أستطيع قيادة كل "من" يسيرُ على وجه الأرض .. السيارة والجرّار والحافلة والقطار أيضا فمن يريد ؟ زفاف من ؟ ..
"كريم" : إبن خالة إيلان ..
تامارا : أين ؟
أنا : في البادية ..
تامارا : أين ؟
"كريم" : "الوادي" ..
تامارا : ستين كيلومترا من هنا وعشرة كيلومترات عن "الجبل" ..
"كريم" : تعرفين "الوادي" ؟
تامارا : أبي أصيل "الجبل" ، عندنا ضيعة هناك ومنزل كنّا نمضي فيه بعض الأيام عندما كنتُ صغيرة وإلى الآن نزوره أنا وأبي .. إيلان إذا دعوتني إلى زفاف "الوادي" سأدعوكما إلى منزل "الجبل" ما رأيُكِ ؟ .. وأزيدُ على ذلك قيادة السيارة والإعتناء بساق "كريم" .. قولي نعم .. هيّا لن تندمي ..

نظرتُ إلى "كريم" فرأيتُ الرضا في عينيه والراحة على وجهه ، ألم ساقه ذهب ، مستلقٍ على سرير طبيبته ، يأكل شكولاطة سويسرية ، يتكلم وكأنه يعرفها منذ سنوات ، رفَضَ طلبي في الخروج من هذه الغرفة ، لم يكفه يوم كامل في عيادتها ويريد زيادةً على ذلك أن يذهب إلى منزلها الذي في ضيعة ! .. طيب ليكن كما تريد عزيزي ! .. لم أعهد "كريم" هكذا ، كان دائما سندي عندما أحتاج له وقوتي عندما أضعف ، هذه المرّة لم أجده ! لم أعرفه ! .. مع كل لحظة تمرّ كانت تقترب منّا أكثر وتسيطر علينا أكثر ، كل الرياح كانت تجري مجرى سفنها .. و"كريم" لم يلاحظ أي شيء ، ربّما عمل بوصية أمها عندما قالت له "لا تحشر أنفك في متاهات النساء" .. صدقَتْ ، حقا إنها متاهات وصدق الله عندما قال أن كيدنا عظيم !

تامارا : إيلان ! أين ذهبتِ ؟ .. هل سكوتكِ يعني الرضا ؟ .. هل أعتبر نفسي مدعوّة ؟ ..
أنا : نعم !
تامارا : شكرا على الدعوة ، لكن أقبلها بشرط ..

"كريم" ضحك ! .. لأنه لم يكن يعلم ماذا ستشترط .. ولن يضيره شيئا عندما يسمع الشرط .. بل سيدفعني للقبول وسيقول لي كوني "لبقة" ! ..

تامارا : ما بكِ ؟ لماذا لا تردّين ؟ .. قلتُ عندي شرط لأقبل دعوتكِ .. منذ قليل رفضتُ دعوة أمي وقد سمعتي ذلك بنفسكِ فهل تظنين أني سأقبل دعوتكِ أنتِ ببساطة هكذا ؟
أنا : ماهو ؟
تامارا : هل تُريدين أن ترقصي معي ؟
أنا : لا أستطيع ..
"كريم" : أنا موافق وإن إستطعت سأرقص معكما ..
تامارا : قلتُ هل تُريدين لم أقل هل تستطيعين ..
أنا : لا أقدر ! ..

بعد لحظات وجيزة شعرت بضيق شديد ، كنتُ غير مرتاحة في تلك الغرفة ، كنتُ أغرق ولا أمل لي في النجاة ، لا أحد يسمع صوت إستغاثتي ويهرع لإنقاذي .. قلتُ : "كريم" يجب أن نخرج من هنا ولا أريدُ أن يذهب معنا أحد إلى الزفاف .. الآن نخرج .. هيّا ! .. إختنقتُ .. يجب أن أخرج .. وأنتِ كفّي عن مُغازلتي .. اللعنة ! أنا إمرأة متزوجة وأحبّ زوجي ! .. قمتُ من مكاني وحاولت الخروج بسرعة من الغرفة لكني لم أستطع تجاوز الباب ..

عندما أفقتُ ، وجدتُ نفسي مكان "كريم" .. هو جالس عند رأسي عن يميني وتامارا عن شمالي ..
تامارا : "مبروك" .. إذا كانت أنثى سمّيها على إسمِ مُكتشفتها ..
أنا : ماذا ؟
"كريم" : عزيزتي أنتِ حامل ..
تامارا : وعصبيّة بعض الشيء بسبب ذلك ..
"كريم" : أُغمِي عليكِ ..
أنا : نعم .. كنتُ أشعر بذلك منذ البداية ، تمنّيتُ أن تكون بجانبي عندما سقطتُ .. أكره أن أسقط على الأرض .. لكن لا ألومك عزيزي على ذلك .. لو بقيتُ بجانبك لم أكن لأسقط على الأرض أمام عينيك ..
"كريم" : عزيزتي لا تهتمي ، أمر بسيط قد يحدث لأي إمرأة حامل .. أنا سعيد جدا ..
أنا : وأنا أيضا عزيزي .. وأنا أيضا ..
تامارا : هل الدعوة لا تزال قائمة أيتها "الإمرأة المتزوّجة" ؟ أم أني سأُعاقب ل "مُغازلتي" لكِ أمام زوجكِ ؟ .. أعلمكِ أن زوجكِ أعطاني مُباركته بخصوص ذلك ..
أنا : أنظر ل "كريم" الذي كان يضحك : مُباركة بخصوص ماذا ؟
"كريم" : الزفاف ..
أنا : .. .. تامارا .. أعتذر منكِ ، لا أعلم كيف قلتُ ذلك ..
تامارا : .. .. أنا أعلم كيف ولماذا .. .. والزفاف ؟
أنا : .. .. تُشرّفينا إذا حضرتِ ..
تامارا : .. .. و"المغازلة" .. .. أعني الرقص ؟
أنا : .. .. أُريد ! نعم أُريد ذلك !


الرّاوية : أنا ، "عجوز" فى التاسعة والثمانين أمشي وأجيء على الركح ، أروي .. عنّي .. عندما كنتُ في التاسعة والعشرين .. كنتُ جميلة وكانت تامارا أجمل ..


بقية القصة ..


هل تريدون سماع بقية القصّة ؟ .. أنا أريد .. وسأوجز فأُخلّ ! .. سامحيني تامارا .. صاحب المسرح أرسل لي يُعلمني أن وقتي شارف على الإنتهاء .. القصّاصون يريدون جمهورًا وأجورَا ، أنا أريد فقط قليلا من الوقت .. لقول ما سأستطيع إظافته .. عنها ..


مرّت الأيام حُلُما لم نستيقظ منه .. بعد أشهر وجيزة إلتحق بنا "كريم" .. وبعده بثلاثة أشهر إلتحقت بنا تامارا الصغيرة .. كانت شقية وغريبة الأطوار كأمها .. كانت وحيدتنا ولم يرد أحد منّا إهداءها أخا أو أختا .. "ماما تامارا" ، "ماما إيلان" و "بابا كريم" كانت تُنادينا .. في عيد ميلادها السادس إلتقينا جميعنا وإحتفلنا في منزل جدّها وجدّتها في ضيعة "الجبل" .. بعد الباكالوريا رفضت تامارا الصغيرة رغبة جدّها في أن تدرس تجارة وإلتحقت بكلية الطب كأمها .. في سنة الباكالوريا تلك وقبل وفاته طلب أب تامارا من "كريم" إدارة كل شركاته .. بعد سنتين تُوفيت أم تامارا .. بعد عشرٍ .. مرضت تامارا .. أذكر في عيد ميلاد تامارا الصغيرة الثاني طلبتُ منها وعدا ففهمت ما أريد كعادتها وقالت لي : اليوم يوم فرحٍ وليس يوم وعودٍ .. فقلتُ ودفعتُ تامارا الصغيرة في حضنها : عدي إبنتكِ أن تُقلعي عن التدخين ؟ .. فاحتظنتها وقالت وهي تنظر لي : ماما تُحبّكِ من كل قلبها وستُحبُّكِ إلى الأبد .. .. .. .. مرضت تامارا ، ولم يتركها السرطان طويلا .. .. .. .. وقبل وفاتها بشهرين فاجأني حضور المحامي إلى المنزل ومعه أوراق .. .. .. .. طلبت مني تامارا أن أمضي دون أن أقرأ ، إعتدتُ أنا و "كريم" فعل ذلك في كل الشؤون التي تخص تامارا الصغيرة .. بعد خروج المحامي طلبَتْ مني أن أقرأ فوجدتُ أنها ملّكتني كل ما تملك .. سألتها لماذا أنا وليس "كريم" أو تامارا الصغيرة فقالت : أنتِ الأصل وهما الفروع ، أنتِ الأصل ..

***


تنتهي القصة "القصيرة" هنا لمن قرأها كأي "شيء" يُقرأ ويُنتهى منه إلى غيره .. ربّما ستكون "شكولاطة البداية" عند آخرين أو "شدًّا على أيدي" من "يمشون في طريقهم" الآن .. ربّما ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تامارا .. 8 .. القصّة .. فصل 5 .. الأخير .
- تامارا .. 8 .. القصّة .. فصل 4 ..
- تامارا .. 8 .. القصّة .. فصل 3 ..
- تامارا .. 8 .. القصّة .. فصل 2 ..
- تامارا .. 8 .. القصّة .. فصل 1 ..
- تامارا .. 7 .. أنتِ ..
- تامارا .. 6 .. أنا وأنتِ .. وهُم .. جُنون !
- تامارا .. 5 .. أنا وأنتِ .. وهُم .. لماذا يكذبون ؟
- تامارا .. 4 .. أنا وأنتِ .. وهم ..
- تامارا .. 3 .. أنا وأنتِ ..
- تامارا .. 2 .. عن صلب المسيح وصلبى ..
- تأملات .. 6 .. عن العلمانية والبداوة : كُلّنا بدو ! (السيد ن ...
- تأملات .. 5 .. عن العلمانية والبداوة : كُلّنا بدو ! (السيد ن ...
- تأملات .. 4 .. عن الربوبية واللا أدرية وأصل فكرة الإله الواح ...
- تامارا ..
- تأملات .. 3 .. عن بداوة الإسلام .. عن لاوطنية الدول العربية ...
- إسلام !
- رُفعت الأقلام وجفّت الصحف ..
- كلمتى .. 10
- كلمتى .. 9


المزيد.....




- يصدر قريبًا -ألبوم صور قديمة-، للكاتب الصحفى إبراهيم عيسى
- خوسيه ليون سانشيز، أشهر كاتب في كوستاريكا محروم من تقدير بلد ...
- عمان: افتتاح الملتقى الثقافي الخامس، بعنوان “الدولة المدنية” ...
- مقاربة عربية لشعرية الأمثال الصينية للشاعر شاكر لعيبي
- أسبوع الحسم في كاتالونيا..كلُّ السيناريوهات مطروحة
- تفاوت في مستويات تعليم اللغة العربية كلغة أم
- نسخة جديدة من “رسائل كافكا إلى ميلينا” باللغة العربية
- لندن: مخطوطات اسلامية نادرة في مزاد سوذبيز
- منع الكتب يزيد اهتمام القراء بها
- دعد أبو جابر والشيف الشربيني ضيوف معرض الشارقة للكتاب


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيام محمود - تامارا .. 9 .. القصّة .. - كاملة - مع - مقدمة - و- خاتمة - - صغيرتين - ..