أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح حسن - الرابطة التي لا تتزعزع















المزيد.....

الرابطة التي لا تتزعزع


كفاح حسن
الحوار المتمدن-العدد: 5655 - 2017 / 9 / 30 - 01:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في منتصف الستينيات كنت طفلا صغيرا, لا يعنيه سوى اللعب و اللهو بين دكاكين سوق العلاوي في محلة باب النجف في وسط كربلاء. و كان تجمعنا غالبا عند مدخل جامع ماهي وسط السوق. و في مقابل الجامع كان هناك منزلا صغيرا تستأجره عائلة فقيرة. كانت العائلة تعمل بصغارها و كبارها طول اليوم في تصفية الدهن الحر الذي كان ينفرد ببيعه في السوق الحاج علي أكبر الدهان و الذي يلاصق دكانه الجامع.
و في ظهيرة قائظة, وقف على باب بيت العائلة مجموعة من العسكريين. وبعد حديث قصير مع رب البيت, إرتفع الصرلخ و العويل داخل البيت. و تجمع الناس حول رب البيت و هو يجهش بالبكاء. و كان في مقدمتهم جارهم التاجر الورع الحاج تقي القباني و لحق به تجار السوق محاولين مواساته بمقتل إبنه البكر, الجندي المكلف في معارك الشمال. لم نفهم وقتها ما هي معارك الشمال!
لقد غير هذا الحدث من وضع العائلة و جديتها في العمل. و لكن بعدها بفترة.. و ذات صباح خرج أهل السوق فرحين و ضمنهم والد الجندي المقتول.. ما الخبر.. إنتهت معارك الشمال, حيث توصات حكومة البزاز الى إتفاق هدنة , إعلان مشروع الحكم اللامركزي. و لما سألت مستغربا ما هذا الشمال و ما هذه معاركه.. فشرح لي عمي المرحوم أبو صلاح إن هذه حرب غير مقبولة بين إخوة أبناء وطن واحد.. و فيها عرفت إن العراق يتكون من عدة قوميات أكبرها العرب و الكرد إضافة إلى قوميات أصغر منهما عددا. و كلنا شركاء في العراق.
و يوم 11 آذار 1970 خرجنا بدون إتفاق مسبق فرحين إلى شارع العباس لنعلن فرحتنا بإعلان الأتفاق بين الحكومة المركزية و القيادة الكردية على وقف الإقتتال و التحضير لإعلان الحكم الذاتي للمحافظات الكردية. لقد كانت فرحتنا لا توصف كلنا كنا نعتبر الإتفاق نصرا للعراق.
و أعقب الأتفاق تطورات مهمة في البلد, كان من ضمنها تأميم النفط و تحسن علاقة البلد بالإتحاد السوفياتي السابق و إعلان الجبهة بين البعث و الشيوعيين. و لكن أستغربنا رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني الإنضمام لهذه الجبهة بحجج غير مفهومة. و تصاعد التوتر مجددا مناطق سيطرة الديمقراطي الكردستاني. و تعرقلت المفاوضات لتنفيذ مشروع الحكم الذاتي. و إعلان الحزب الديمقراطي الكردستاني قطعها و رفع السلاح ضد الحكومة المركزية. و تسارعت الأحداث, و خلت الجامعات و المعاهد من الطلبة الأكراد و الذين إلتحقوا بنداء القيادة الكردية للقتال. و لم يمضي وقتا طويلا حتى سارع نظام الحكم إلى عقد إتفاقات إقليمية قدم فيها تنازلات كثيرة. و أدت هذه الأتفاقات إلى رفع الدول الداعمة للحركة التحررية الكردية من دعمها و إسنادها. و هذا أدى إلى إنهيار الحركة و نزوح المقاتلين عن المنطقة مع عوائلهم. و قام الحكم البعثي الشوفيني بتسفير و تهجير العوائل الكردية إلى مناطق الوسط و الجنوب.
و بحب و حنان كبيرين إستقبلت العوائل العراقية إخوانهم من العوائل الكردية المنكوبة و تعززت علاقة الإخوة بين أبناء الوطن الواحد. لقد قامت كل عائلة في ريف كربلاء في منطقة بحمل الأكل و الملبس إلى العوائل الكردية المنكوبة المهجرة. و بنفس هذا الحب إستقبلنا الطلبة الاكراد العائدين إلى جامعاتهم و معاهدهم. لقد حاولنا بكل ما نستطيع إلى مساعدة إخوتنا الطلبة الأكراد لتجاوز أزمتهم.
و سرعان ما قام النظام البعثي الدموي بتوجيه ضربته إلى المعارضة في الوسط و الجنوب. و شن حملة منظمة لتصفية قواعد الحزب الشيوعي. و هنا أجد إن قوة البعث و بطشه جاءت بسبب من عدة عوامل منها الموقف الخاطيء للقيادة الكردية برفضها الإلتحاق بالجبهة ما بين البعث و الشيوعيين و إسستعجالها برفع السلاح ضد الدولة معتمدين على دول و وعود خارجية غير صادقة.
و في العمل الجدي ضد الطغمة البعثية, وجدت نفسي وسط أهلي الأكراد. لقد كنت فخور بهم و كانوا المدرسة التي تعلمت منها. و أكتفي هنا في ذكر حادثتين من مئات الحوادث التي تشدني إبى أهلي الأكراد الطيبين..
في منتصف 1987 تجمعت عدد من سرايا الأنصار في قاطع أربيل حول قرية كوري الواقعة في وادي مابين شقلاوة و صلاح الدين. في وقتها كان عدد الملتحقين بفصائلنا في تزايد. و كنت قد أعرت سلاحي إلى أحد الملتحقين و بقيت بدون سلاح. و كانت ملابسي وقتها متسخة و لم أحلق لحيتي. و جاء موعد توزعنا على بيوت القرية. و شاهدتنا إمرأة عجوز و أصرت على أن نكون ضيوفها. و لبينا طلبها, أنا و إثنين من الأنصار المسلحين. و أبدت إهتمام شديد بي. و طلبت من رفيقي المسلحين أن يسمحوا لي بالإستحمام و تبديل ثيابي. حيث إنها ضنت إنني أسير في يد الأنصار. و خافت علي من بطشهم. و ضلت الوقت كله تحاول خدمتي. و تسأل إن كان والداي على قيد الحياة, و هل يعرفوا بحالي.. و عند العشاء قدمت لي صحن يحوي على نصف دجاجة على البرغل و طاسة من الماستاو. بينما إشترك رفيقي الأخرين بنصف الدجاجة الأخر. لقد إخجلتني هذه العجوز الطيبة بحنانها و عطفها.
و الحادثة الأخرى كانت عند سفح كوسرت المطل على بحيرة دكان.. حيث كنا وحدنا, أنا و رفيقي النصير الشجاع بختيار من قرية خرابه في سهل كويسنجق..و مع سكون الليل, دخلنا بيت مام جمعه, الفلاح الشهم و الطيب. و كان دهشته أن يجدني أنا بكرشي و نظارتي الطبية..
و إغرورقت عيناه بالدموع و هو يستقبلنا و يردد..
- أ ليس غريبا أن يخون الكرد و يخدموا سلطة تعاديهم.. و يأتي هذا العربي مضحيا بكل شيء من أجل الدفاع عن التراب الكردي.
لقد أقسم أن نبقى عنده و نختفي في النهار في مزرعته المزروعة بثمرة عباد الشمس و في الليل عند ديوانه المتواضع. و حمايته لنا خطوة شجاعة لا توصف. فإن إنكشاف أمرنا سيهدد حياته و حياة عائلته. و لكنه أصر على موقفه و تضحيته و هو يجدني أنا و بختيار وحيدين في العراء.
و لا أنسى ذكر الترحيب الكريم بنا من العوائل البارزانية التي سكنت بارزان و هي تتذكر بقخر الترحيب و الحب الذي قابلهم بها فلاحي الفرات الأوسط خلال فترى تهجيرهم إلى هناك.
إننا أبناء وطن مشترك يجمعنا تأريخ مشترك و هموم مشتركة.. و لا تهمنا مؤامرات الأحزاب و الحكومات.. فلطالما عرفناها على مر التأريخ..
و من المضحك تبريرات أعدائنا بأن عيشنا المشترك أصبح صعبا و غير ممكننا.. و نحن عشنا مع بعض مئات السنين.
فإلى كل أبناء الشعب الكردي نحن معكم في كل خطوة تخطوها كما كنتم معنا في كل خطوة.. و نعلن برائتنا من كل الذين يحاولون خلق العداء ما بيننا من الساسة الفاسدين و السراق..

كفاح حسن
أيلول 2017





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ساهر.. صحفي بارع من تلاميذ طريق الشعب
- في رثاء الشيوعي الاخير في عينكاوة .. سليم بولس
- ذكريات كربلائية
- عن الاستفتاء في الاقليم
- الارهاب يوجه ضربته الغادرة إلى ستوكهولم
- للخيانة طعم مر
- مام صالح..نموذج للنقاوة و الوفاء
- احمد الهاشمي..و ذكريات الزمن الغابر..
- حاجي جمال..نموذج نادر للإنسان الطيب
- في ذكرى وضاح
- ما بعد تحرير الموصل
- في ذكرى بطلة كربلاء
- المعركة المصيرية في الحانة الشامية
- لماذا أحرقت الكرادة
- من ذاكرة الأيام .. حاجي بختيار
- وجوه لاتنسى
- ليلة ليست كبقية الليالي..
- اعتداء مرفوض على شروق العبايجي
- شكر..و توضيح
- تأريخ نضالي حافل..لابد له أن يستمر


المزيد.....




- بحر من البلاستيك في صور صادمة!
- تقدم للجيش السوري على ضفة الفرات الشرقية
- تيلرسون: ثمة مكان في الحكومة الأفغانية لـ-الأصوات المعتدلة- ...
- بالفيديو... ثاني ظهور للرئيس الجزائري في أقلّ من أسبوع
- لقاء مغلق بين أردوغان ووزير خارجية قطر
- القوات الجزائرية تفكك خلية -داعشية- خططت لعمليات استعراضية ف ...
- قافلة عسكرية تركية تضم 8 شاحنات ودبابات -أوبوس- تتجه إلى الح ...
- مسؤول بالخارجية الأمريكية: بإمكان الجزائر حسم الموقف في ليبي ...
- زعيم حركة -عصائب أهل الحق-: على الولايات المتحدة الاستعداد ل ...
- بابيش.. ثاني أغنى رجل في تشيكيا رئيسا للحكومة


المزيد.....

- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كفاح حسن - الرابطة التي لا تتزعزع