أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - رياض الأسدي - دراسات في الفكر الوطني






















المزيد.....

دراسات في الفكر الوطني



رياض الأسدي
الحوار المتمدن-العدد: 1463 - 2006 / 2 / 16 - 11:32
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    




توطئة :

بدأت العمل في هذه الدراسة منذ الأيام الأولى من سقوط النظام الفاشي في العراق . ولذلك يجد القارئ العزيز بان معظم ما يطرحه الكتاب هو منشور في مختلف الصحف المحلية .. ولم أجر تغييرات مهمة على ما نشر في وقتها . كانت فكرة الكتابة في الوطنية العراقية الجديدة قد تمخضت عمليا بعد سقوط النظام السابق مباشرة ؛ بيد أن هذا الأمر لا يعني بطبيعة الحال أن الأفكار المتوافرة بين دفتي الكتاب هي وليدة الأوضاع الجديدة ؛ فقد كانت الحاجة إلى فكر وطني عراقي قائمة منذ مدة طويلة إبان حكم الطاغية صدام الذي لم يدخر وسعا على محاربة النزوع الوطني الطبيعي للعراقيين طيلة مدة حكمه الأسود حتى أصبح من الضروري الكتابة في هذا المجال ، وبعد أن ازدادت التحديات للتيار الوطني من خلال ظهور الدعاوى الرجعية في الطائفية البغيضة والعنصرية المرفوضة .
ولا شك بان هذا الجهد اليومي لمدة أزيد من عامين لم يساو موقفا واحدا لعراقي قال : لا لحكم الطاغية وأودع روحه النبيلة في واحد من المقابر الجماعية التي تمتدّ من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب . لأن تلك الكلمة وحدها كانت تعني العراق . ولا يسعني في هذه المقدمة البسيطة إلا أن أقدّم الشكر والثناء إلى شخص والدي الكريم ( العضو السابق في الحركة الوطنية والتقدمية العراقية ) الذي علمنا مبادئ الوطنية الحق ونحن صغارا فإليه أقدم هذا الجهد المتواضع راجيا من الله تعالى أن يمدّ في عمره حتى يرى عراقا جديدا في أواخر سنيه بعد سنوات من الاضطهاد والسجن والفصل السياسي والتشريد .























هوية وطنية أم هويات مستعرقة؟

إن الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق ابتداء من النظام الملكي 1921 – 1958 والأنظمة الفاشية التي أعقبته 2003-1963 لم تعمل ـ على العموم ـ على إقامة نوع محدد ومدروس لبناء الشخصية الوطنية العراقية ، وإشاعة روح التميّز فيها . وعلى الرغم من إن جميع المعطيات التاريخية والسلوكية والفكرية تقتضي ظهور هذه الحالة منذ بداية القرن الماضي في الأقل إلا إن هوية وطنية للعراقيين لم تظهر على نحو يمكننا تحديد : من هو العراقي؟ فغرس ( الحالة الوطنية ) لدى العراقيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والاثنية والعشائرية والجهوية هي مهمة شاقّة ، وفريدة ,إن لم تكن عسيرة المنال ، وهي تتطلب مجهودات من جهات كثيرة لرسم معالمها وليس من جهة واحدة بعينها ، حيث يكون المثقفون العراقيون في طليعة هذه المهمة .
ولأننا بالطبع لا نتوقّع أن يتعالى غير المثقفين وذوي التحصيلات العلمية والنفوس الكبيرة على القيم البالية الموروثة التي دأب على التشدّق بهاـ للأسف ـ كثير من السياسيين الحاليين وأعضاء (الجمعية ) الوطنية .فأولئك وكما تعلّموا في أحزابهم ومنظماتهم الطائفية والقومية الشوفينية بان التباينات الدينية والمذهبية والعرقية هي الأساس لعملهم السياسي.. وهم يرون في ذلك خدمة لهم او لجماعاتهم ، كما إنها هي الوسيلة الوحيدة للتعريف بإنفسهم . ولذلك فقد وردني ـ قبل مدّةـ كراس هزيل لأحد أعضاء (الجمعية الوطنية ) يدعو فيه إلى ما يسمى ب (الوطنية الشيعية) .. وبغض النظر عما ورد من أفكار سطحية في الكراس تقترب مما يطرحه أقلّ الناس دراية وتعلّما.. لكن ذلك العضو يصرّ على القفز (بلغة سياسية ركيكة فضلا عن لغته العربية الأكثر ركاكة) ودون أن يعلم ذلك (العضو النشط إعلاميا) بأن طرح القضايا الوطنية على هذا النحو سوف يخرجها تماما عن اصل القضية الوطنية نفسها. ولو أردنا أن نأخذ بمنطق السيد عضو الجمعية الوطنية (اللاوطني) فإن الوطنية العراقية كحالة عامة ستتحول إلى حالات جزئية ساذجة(مستعرقة) بعد أن تنزع عنها هويتها العامة. فثمة من يلحق بذاك العضو ويطرح الوطنية الكردية والوطنية السنية وهكذا.. عجبا بأي منطق تفسر الأوضاع والأحداث العراقية ؟؟ وكيف يتسنى لعضو جمعية وطنية أن يتحدث بمنطق لاوطني تماما؟!
كانت النزعة الطائفية،منذ بداية تأسيس الدولة العراقية ،هي السياسة (شبه الرسمية) للنظام الملكي وما رافقها من استبعاد للشيعة عن المناصب الحكومية،ومن ثمّ تحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية تقريبا،على الرغم من انهم كانوا يشكلون الأغلبية من سكان العراق . ولذلك ينبري بعض أولئك الشيعة إلى التحدّث بمنطق المظلومية التجزيئي؛ بل إن أحدهم لا يتورّع عن الإعلان ـوبكل وقاحةـ وهو عضو جمعية وطنية أيضا بأن البصرة عليها أن تستقل ـ كذا!ـ وأن تعلن نفسها فدرالية مع الكويت!!وما نحن ببعيدين عن طروحات السيد رئيس الجمهورية العراقي عام 1992 بإعلان سعي فدرالية كردستان أن تكون جزءا من الاتحاد الأوربي بعد اتحادها مع تركيا التي تسعى طبعا إلى دخولها للاتحاد الأوربي . إذن هو المنطق نفسه . فلننظر إلى عمق خطورة قضية الهوية الوطنية للعراقيين مادام هذا هو منطق أعضاء جمعية وطنية وسياسيين والأمثلة على ذلك اكثر من أن تحصى ..أما من يتوقّع بان المنتمين إلى المذاهب السنية هم وطنيون أو يحرصون على وحدة العراق أكثر من غيرهم فهو واهم أيضا لأن طرحا (فدراليا سنيا) لأقليم المنطقة الغربية موجود ؛ ولا باس أن يأتينا من يطرح اتحادا فدراليا بين السعودية و أقليم المنطقة الغربية ؛ هكذا تحلّ قضايا العراق الوطنية بسهولة مطلقة من موجهة نظر فاقدي الهوية الوطنية العراقية على اختلاف انتماءاتهم .
وتعود تلك النظرة التجزيئية القاصرة إلى طبيعة الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق 1921ـ 2003 فطالما رأت تلك الأنظمة في العراقيين في الشيعة و الكرد وغيرهم من الطوائف والاقليات الأخر مواطنين هامشيين ، وتمّ استبعادهم عن المناصب الحكومية ودائرة القرارات الإدارية في دولة العراق الملكي والعراق الجمهوري ، وكذلك استبعاد قوميات واقليات أخر مما جعل (حاجزا) ماديا ونفسيا منذ بداية في علاقة الدولة العراقية بمكوناتها و بين المواطن والدولة . فأسهمت هذه السياسة وعلى مدى عقود طويلة بإضعاف النزعة الوطنية لدى العراقيين عموما , وأصبح من غير الممكن بعد أكثر من عقدين من الزمن في العهد الملكي معالجة أخطاء تلك السياسة غير الوطنية والمبنية على نظرة ضيقة غالبا . وما انفتاح الملك فيصل الأول الحجازي على بقية الطوائف العراقية إلا دليلا على محاولة تغيير متأخرة جدا، وغير فاعلة طبعا.
أما الأنظمة السياسية التي أعقبت النظام الملكي ، فقد سارت على الطريق نفسه ، بل وقامت بأبشع الأساليب ـ هذه المرة ـ لاضطهاد أكثرية العراقيين الساحقة ، كما أنها عملت على إذكاء روح العنصرية بين العرب و الكرد والاقليات المتآخية على نطاق واسع ما عدا مدة زمنية قصيرة من حكم الزعيم عبد الكريم قلسم ؛ وهي لم تستطع ان تؤسس هوية وطنية للعراقيين على نحو راسخ ، مما جعل ردم (الهوة المصطنعة) بين العراقيين أمرا صعبا للغاية , وكوّن قناعات لدى بعضهم بعدم جدوى البقاء معا أحيانا وعلى أرض واحدة . ولذلك يتطلّب من الوطنيين العراقيين الجدد إعادة النظر في طريقة تفكيرهم وكيفية معالجة المشكلات الخطيرة التي تتهدد العراق على نحو لم يسبق له مثيل .
ادعت الأنظمة الفاشية 1963 – 2003 بان ( النزعة الوطنية العراقية ) هي " حالة قطرية " معادية للتطلعات القومية العربية الشاملة ، و رافق ذلك دعوات إلى (الوحدة العربية الشاملة) التي لم تصمد أية تجربة من تجاربها ( الثنائية أو الثلاثية او الرباعية = مشروعات الاتحادات) طوال القرن العشرين .. وثمة من يرى إن المدة القصيرة والقلقة سياسيا في العهد الجمهوري الأول 1958 –1963 إبان حكم الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم إنها كانت فرصة مناسبة ووحيدة ـ تقريباـ لبزوغ تيار وطني عراقي آنذاك . بيد أن سيرورة الأحداث الكبيرة ، وطبيعة الخلافات السياسية ، والصراعات العنيفة بين القوى الوطنية آنذاك ، لم تسمح ـ بأي حال من الأحوال ـ على ظهور (تيار وطني) واضح المعالم والأسس ،و راسخ ،وقوي، يعتمد بناء الإنسان العراقي بالدرجة الأولى ويؤكّد هويته الوطنية الواحدة. وكانت الأحزاب ما تسمى بالوطنية هي الني تتحمّل بالدرجة الاساس أعباء الأوضاع التي آل إليها العراق حينما بدت تلك الأحزاب السياسية تعمل من أجل مصالحها (الآنية الضيّقة) أكثر من العمل على تنفيذ برامجها السياسية ( ولننظر إلى سلوك الأحزاب العراقية الآن ) فضلا عن هشاشة تلك البرامج وضعف مكوناتها الفكرية والعملية ؛ مما شرّع الأبواب واسعة لظهور التيارات الفاشية التي استولت على السلطة في العراق وحكمته باسم " الشرعية الثورية " تارة و بأسم الرشاش والمدفع تارة أخرى ؛ وهي الصورة الأوضح تماما في التعبير عن هويتها الحقيقية ومكوناتها وأهدافها المعلنة. فهل تقترف الأحزاب العراقية لما بعد الاحتلال الخطأ نفسه؟ هذا ما يقرره قابل الأيام .
عانت الهوية الوطنية العراقية على مدى طويل من (الغربة) شبه الدائمة عن ذاتها وعن المحيط الطبيعي الذي نشأت فيه . وأصبحت العواطف الوطنية البسيطة التي (تجمّل) بها العراقيون الأول في العهد الملكي وعقد الثلاثينات من القرن الماضي بالذات محض خيالات غامضة ، وذكريات قديمة يصعب استرجاعها تحت حكم (ملك حجازي) جيء به ـ على عجالة ـ من خارج العراق. وعلى وفق خطة بريطانية (مدروسة على وفق الاجندة الاستعمارية القديمة) لوضع الشعب العراقي بعيدا عن تطلعاته وأهدافه في الاستقلال والتحرر الوطنيين . أما في العهد الجمهوري ، ومنذ بداية عقد الأربعينات في العراق فقد وقعت (الهوية الوطنية العراقية) في ظلّ سحق دائم تحت شعارات عنصرية حول القومية العربية أو القومية الكردية أو الأيديولوجيات المختلفة ، لتمتدّ إلى نزعات (إسلاموية) في الوقت الحاضر ذات طابع طائفي بالدرجة الأولى ، والتي يراد لها أن تكون ( البديل الجديد / القديم ) الشمولي ـ أيضا ـ للهوية الوطنية .
وكما (جيّرت) ثورة عام 1920 الوطنية التحررية ـ باعتبارها أهمّ معلم للوطنية العراقية ـ لصالح التيارات القوموية سابقا ، فربما يجري تجييرها لصالح التيارات الإسلاموية السياسية في وقت لاحق أيضا ؛ مما يضع التيار الوطني العراقي في موضع حرج. ومن ثمّ سوف توضع الحالة الوطنية العراقية في خانة الجزئيات غير المرغوب فيها ؛ ولسوف نعود إلى مفهوم مسطّح قديم : أنتم (عبّاد) تراب خلقه الله فحسب .. فالأرض العراقية التي تعدّ الركن المكون الرئيس للوطنية قد تتحول من زاوية معينة إلى (ولاء) آخر لتوجّه آخر ؛ وهو في مضمونه النهائي يكون ( ولاء ) إلى أرض أخرى غير ارض الوطن كأرض كردستان الكبرى ، وأرض الشيعة ، وأرض السنة ، فينزع المفهوم الوطني الطبيعي عن هويته الإنسانية والجغرافية .
وهكذا فإن بدائل الوطنية العراقية المتراكمة أسهمت دائما في إبعاد صورتها عن ذهن الإنسان العراقي وتربيته الأسرية المبنية على الولاء للأرض أولا وأخيرا . كما تضخمت في الوقت نفسه " صورة الفرد المنقذ للشعب و الأمة " والولاء المطلق لـه على نحو حال دون بقاء قوة الولاء للأرض العراقية التي تعدّ الأساس في بناء أية علاقات وطنية طبيعية بين الإنسان والبيئة التي انحدر منها و نشأ فيها والتراب الذي ينتمي إليه .
كانت حالة تهميش الأغلبية الساحقة من السكان العراقيين وتضعيف علاقتهم بوطنهم ( بالأرض) قد حدثت منذ عام 1932 حينما صدر ( قانون اللزمة )(*) الذي كرّس النظام الإقطاعي في العراق ، وحول الأغلبية من العراقيين إلى عناصر هامشية في علاقتهم بالأرض والإنتاج الزراعي باعتباره الركن الأساس للاقتصاد العراقي آنذاك .
كانت قوى الاحتلال الأميركية وحلفائها قد درست طبيعة ومكونات الشخصية العراقية على مدى أكثر من مائة عام خلت عن طريق المعلومات التاريخية (غير الدقيقة غالبا) والتي كانت تستخدم في إبقاء حالة الاحتلال قائمة . و كان الاستعمار البريطاني السابق قد جمعها عن مختلف شرائح المجتمع العراقي الحديث . واستشار سلسة من المعنيين بشؤون الشرق الأوسط والشأن العراقي خاصة . و كانت الفكرة الأساسية التي تكونت لدى المعنيين في الجانب الاستخباري الأميركي الوريث لبريطانيا : ان العراقيين سوف يستقبلون الأميركان والبريطانيين المحتلين بالورود والزغاريد باعتبارهم ( المخلّصين الجدد) من أعتى نظام دكتاتوري دموي عرفته منطقة الشرق الأوسط طوال القرن العشرين .. ويبدو إنها (الفكرة) ذاتها التي منحت أيضا إلى آية الله الخميني إبان السني الأولى من مدة الحرب العراقية ـ الإيرانية المدمرة 1981 - 1988 حتى ظنّ بأن العراقيين سوف يستقبلون الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني( البازدران ) بعد معارك شرق البصرة وهزيمة الجيش العراقي في المحمرة عام 1982 بالزغاريد والحلوى !
لاشكّ بان ثمة خللا كبيرا في بناء الشخصية الوطنية العراقية بقي ملازما لها منذ إنشاء الدولة العراقية في عام 1921 ولا يعود ذلك إلى تكوين طبيعي فيها بمقدار ما أسهمت فيه الأنظمة السياسية السابقة من توجهات أبقت ( الحالة الوطنية ) على ما هي عليه من (اعتبارات عاطفية) بحتة تعتمد الشعور اليومي البسيط . وإذا ما استثنينا المدّة القليلة التي حكم فيها الزعيم عبد الكريم قاسم ، وما رافقها من تقلّبات وتطورات وصعاب سياسية مختلفة فإن ما تبقّى من مدة يعدّ بمثابة ثقل فكري وسلوكي كبيرين يصعب النظر من خلالهما إلى تحديد الهوية الوطنية العراقية بأية حال من الأحوال .
يتكون العراق من عديد من القوميات والأديان والمذاهب والاثنيات ، وهذه الظاهرة موجودة في جميع الأوطان ذات الأبعاد الحضارية القديمة وذات المكونات التاريخية المتعددة التي تضرب جذورها عميقا في الماضي . كما أن الأوطان التي كانت جسرا حضاريا بين الأمم والشعوب القديمة ـ كالعراق ـ تجد ذلك التنوع متوافرا فيها على نحو واضح . وتبدو العلاقة بين أفراد وجماعات تلك الأوطان غير واضحة المعالم غالبا بسبب شدة التنوع العرقي والديني والمذهبي ، وتتخذ (الصفة الوطنية) معاني هامشية في العلاقات المختلفة للأفراد والجماعات ما لم يهرع أولئك إلى تعزيزه ، والعمل على وضعها في موضعها الطبيعي باعتبارها الحالة الأولى التي ينبغي عليهم الاحتكام إليها .
وتعمل الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية على فرض ( حالة الوطنية) كحلّ إنساني وحيد للتعايش بين تلك المجموعات البشرية . بيد أن حالة العراق لم تشهد مثل هذه الحروب وتلك النزاعات على نطاق واسع طوال تاريخه القديم والحديث على حدّ سواء . ويعود ذلك من وجهة نظرنا إلى طبيعة المكونات الجغرافية للعراق ، وطرق انتشار الثروات المادية فقد كان يطلق على العراق في العهود الإسلامية (بأرض السواد) لكثرة وجود النخيل و الزروع فيه حيث كان وما يزال العراق نقطة جذب للسكان من أجل العيش الرغيد . كما أن طبيعة توزيع الاثنيات والجماعات الدينية والمذهبية فيه قد كون نوعا من انتشار حالة التسامح الديني والمذهبي قلّ نظيره في بلد آخر في العالم . فمنطقة صحراوية شبه قاحلة كالنجف ـ على سبيل المثال ـ أصبحت واحدة من أغنى مناطق العراق بفعل وجود المراقد المقدسة فيها ، كما أصبحت في الوقت نفسه منطقة جذب سكاني على مدى أكثر من ألف عام خلت . وإذا كانت مدن قد اختفت من الخارطة العراقية كواسط القديمة وغيرها من المدن التاريخية أو التي أنشئت لأسباب عسكرية فإن مدنا أخر أقيمت بالقرب منها أو بديلا عنها وفي حقبة قصيرة من الزمن ، واستطاعت أن تكون حالة ربط جديدة بين مدن العراق .
ويظهر لنا بقاء جماعات دينية أو عرقية كاليهود والازيديين والصابئة(**) والأرمن الآشوريين والكلدان مدة طويلة من الزمن دون حدوث صراعات عامة ضدّهم حالة نادرة في تاريخ الشعوب والأمم قلّ نظيرها في تاريخ شعوب المنطقة . كما أن تبوأ بعض هذه الجماعات مكانة اقتصادية مرموقة كاليهود هو من أكثر الحالات التي ينبغي الوقوف عندها مليا . فإذا كان الأزيديون يلجأون إلى الجبال في حالات محاصرتهم من الدول الغازية للعراق كالدولة العثمانية فإن مثل هذه الحال لم تكن ممكنة لدى الصابئة الذين كانوا يعيشون في مناطق مكشوفة وغير محصّنة ؟ ولذلك كانت تلك الطائفة الدينية العراقية تلجأ إلى عمق الهور للدفاع عن نفسها ، وسط القبائل العراقية الأخرى . ومن هنا يمكننا أن نكتشف مدى التسامح الديني والعرقي الذي جبل عليه العراقيون في مختلف المراحل التاريخية .
إن أكثر الحقب التاريخية عتوا في تاريخ العراق هي القرون التي تلت سقوط بغداد عام 1258 حيث تناقص عدد السكان بفعل المذابح الجماعية التي أقامها الغزاة المغول والتتار للعراقيين القدماء حتى أصبحت أعدادهم بضعة مئات من الآلاف التي تحصّنت بالأهوار أو الصحراء أو الجبال . كما خرّبت في الوقت نفسه شبكات الري القديمة ، وحطّمت الطرق والقنوات المائية التي عكف على إقامتها العراقيون طيلة العصر العباسي . ثمّ انتقل المجتمع العراقي من حالة التحضر النسبي التي كان عليها في عهود الخلافة العباسية المتقدّمة إلى مجتمعات صغيرة يسود فيها طابع البداوة إلى حدّ بعيد . ولذلك نرى على نحو واضح ظهور حالة من السيطرة الاقتصادية التي مارسها رعاة الإبل على الفلاحين وسكان المدن الصغيرة والقصبات ، وكذلك سيطرة الرعاة الجبليون الرحّل على المزارعين الكرد الثابتين بما عرف في العراق ( بنظام الخوة )(***).
أصبح العراق بعد الاجتياح المغولي ـ التتاري ـ العثماني عرضة إلى تباعد سكان العراق عن بعضهم حتى بات من الصعب وجود (احتكاكات حضارية) بين مكونات العراق الإدارية الأساسية من مدن ( الموصل وبغداد والبصرة ) فضلا عن صعوبة المواصلات ، وشدة الفيضانات والأوبئة والجهل والمرض ، ناهيك عن المحاولات الفارسية في غزوه بين مدة وأخرى بعد أن ضعفت قوته إلى حدّ بعيد . ومن هنا فإن القدرة الكبيرة التي كان عليها العراق في العصر العباسي واعتباره اكبر منارة حضارية في العالم الوسيط قد انحدرت إلى أقصى حدّ حتى أصبحت المناطق العراقية التي زارها الرحالة الأوربيون في القرنين الثامن والتاسع عشر مدعاة إلى التأمل العميق للحال المزرية التي آل إليها الشعب العراقي الذي تربّع على أكبر مكانة حضارية عرفها العصر الوسيط وأهم حضارة إنسانية في العصور القديمة باعتبار العراق من أوائل الحضارات ـ إن لم تكن أولها ـ في اختراع الكتابة والزراعة والقانون وتنظيم الري والرياضيات القديمة وفنّ العمارة .
إن الهوية العراقية الجديدة لا ينبغي لها أن تستند في رؤاها على الناحية العاطفية الاعتيادية وحدها ، بل أن تنمو هذه العاطفة لتكون سياقا سلوكيا وعقليا ثابتا . ولن يتحقق هذا الأمر ما لم يعتمد العراقيون على أسس جديدة في التربية الوطنية الجديدة تتناسب وطبيعة المرحلة السياسية الراهنة ، والتحديات التي تواجه الشعب العراقي المتمثلة بالنزعة الطائفية أو العنصرية القومية وحتى الحالة الجهوية أيضا . ولذلك فإن بناء هوية وطنية جديدة للعراقيين لا يمكن أن تقوم بها الدولة وحدها أو مؤسساتها التربوية ، أو مجموعة من حركات سياسية وطنية بعينها ، أو مفكّرين وطنيين ندبوا نفوسهم لهذا الأمر ؛ بل أن الهوية الوطنية هي مخاض تاريخي كبير تسهم فيه جهات عديدة .






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) قانون اللزمة: أصدره النظام الملكي عام 1933 وهو في مضمونه توسيع لقانون ( الطابو ) العثماني الذي صدر في النصف الثاني يمن القرن التاسع عشر حيث تحولت نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية إلى ملك صرف للبيكات والاغوات الكرد في الشمال وكبار الشيوخ القبليين في وسط وجنوب العراق . ويعدّ قانون اللزمة تكريسا لنظام (الطابو ) الإقطاعي وتوسيعا تعسفيا أشد للملكية الزراعية .

(**) الأزيديون ( اليزيديون ) جماعة دينية تسكن في منطقة سنجار إحدى المناطق التابعة للموصل و تعدّ ديانتها خليطا من الديانات العراقية القديمة وبعض الطرق الصوفية المتطرفة في الإسلام يمثلها الشيخ عادي . ويرى الازيديون بان اتقاء شرور الشيطان تكمن في الابتعاد عن نطق أسمه . ومن الخطأ الشائع دائما بأنهم من ( عبدة الشيطان ) على الرغم من إيلائهم لـه دورا خاصا في ديانتهم . أما الصابئة فهم من اتباع يوحنا المعمدان { النبي يحيى زكريا ( ع) } ويسكنون سابقا منطقة الأهوار في جنوب العراق حيث يكون الماء رمزا دينيا كبيرا في تكوين رؤاهم الدينية الخاصة . ويقسمون على العموم إلى صابئة مندائيين وصابئة حرّانيين . لكن المذهب المندائي هو السائد الآن . ولهم كتاب مطبوع بعنوان ( كنزا ربا = كنز الرب ) وهم من الموحدين .

(***) وهو نظام اقتصادي من الحماية العسكرية التي تفرضها القبائل القوية على العشائر والمزارعين الذين يجدون صعوبة في الدفاع عن أنفسهم بقوة السلاح . و( الخوة ) تعني الإخاء وعدم الاعتداء . وبقي النظام سائدا في الجزيرة العربية حتى النصف الثاني من القرن العشرين أيضا . وقد صحّفها الفكر الشعبي العراقي إلى ( الخاوة ) وهي المبالغ التي يفرضها الأقوياء على طرق المواصلات والمعاملات التجارية كضريبة .



(كولاج) لوحدة وطنية

لعب النظام القمعي السابق على حبال الطائفية والقومية والجهوية (ككولاج = لصق) في آن معا ردحا طويلا من الزمن ، منذ أن تسلّم (العروبيون الفاشست) السلطة في العراق عام 1963 وما تبعها من تغييب دائم للفكر الوطني العراقي الحر. وكان النظام يعدّ تلك السياسات المتناقضة في مضامينها واتجاهاتها طريقة مثلى للبقاء أطول مدة ممكنة في السلطة ، ويبدو انه قد (نجح) في ذلك فعلا ، واستطاع على مدى أكثر من أربعين عاما أن يحول المسار الوطني العراقي إلى مسارات جزئية لا تمتّ إلى الوحدة الوطنية بصلة ، كما عمل على طمس (الهوية الوطنية العراقية) على نحو لم يسبق لـه مثيل في تاريخ العراق المعاصر حتى أصبح الحديث عن الوطنية مرادفا (للشعوبية) في العهد العارفي ، وما عرف ب(النزعة القطرية) في العهد العفلقي ـ الصدامي الأخير . بيد أن واقع السياسة الداخلية للنظام انصبّ على إشاعة روح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد ن والعمل ليل نهار على تفكيك عرى الوحدة الوطنية حيث ساد اعتقاد (أمني) بان بقاء الشعب في حالة واحدة من التماسك قد يؤدي إلى زعزعة النظام السياسي القائم على الشمولية . ولذلك كانت خارطة الفسيفساء العراقية حاضرة في معظم المفردات العملية لإدارة الدولة الشمولية منذ عام1963 حيث استولى البعثيون والقوميون على السلطة في انقلاب دموي ، ولم يلبث البعثيون أن استولوا على السلطة من جديد في انقلاب أسود/أبيض مشبوه عام1968.
ومن أطرف التناقضات العامة في السياسة الفاشية أنها كانت تدعو إلى الوحدة العربية الكبرى في حين أنها مارست أبشع أنواع التجزئة الطائفية والقومية والعرقية، ووقفت بحزم عمليا ضدّ جميع مشروعات الوحدة العربية الشكلية . وعدّ النظام السياسي الفاشي ذلك التوجه العام لوضع الحواجز المصطنعة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة جزءا أساسيا من سياسته الداخلية. وعمل منذ الأيام الأولى على العامل الجهوي في إدارة الدولة فاستولى (كولاج التكارتة والدليم والسعدون) العسكريون ـ في البداية ـ على الوزارات ومفاصل الدولة الأساسية . كما أرسلت بعثات حكومية إلى المانيا الشرقية لوضع أسس أجهزة المخابرات ، وتعلّم سبل الحفاظ على النظام السياسي وتلقيحه ضد ّالانقلابات العسكرية التي كانت شائعة في عقد الستينات من القرن الماضي . وبناء على تلك التوجهات هيأ النظام فئات اجتماعية ( قبلية وأسرية) منتقاة من مناطق معينة في العراق . فطبعت مرحلة سياسية كاملة بطابع خاص بقي ملازما للدولة حتى آخر يوم من سقوطها في ربيع2003 حيث كان الحرس الجمهوري الخاص و(قوات حماية بغداد) وقوات الطوارئ وأجهزة أمن ومخابرات النظام تعجّ بالجهويين تحديدا ؛ مما حدا ببعض (المسيسين المتسولين) في شوارع السياسة العراقية الآن : أن يروجوا بان النظام السابق كان ينهج منهجا (طائفيا وعنصريا) بحتا دون أن يتحرّوا الدقة في الوصف السياسي ، وأصبحوا يصرّون على هذه (الفكرة المفتعلة) لتتلقفها منهم فضائيات الأنظمة المدّجنة بعد ذلك ، والفضائيات المدعّمة من جهات معينة والتي تدار بشبه سرّية من جهات رسمية و شركات خاصة .
كان النظام السابق يشيع من وقت لآخر وعلى نحو دائم : أن غيابه عن الساحة بفعل قوة داخلية أو خارجية سوف يودي بالعراق إلى غياهب حرب أهلية ( لا محالة ) منها . وبقيت تلك (الصورة المفترضة) قائمة من خلال التركيز بصورة محددة في هياكل : ( الحزب الواحد) و(القائد الضرورة) و(الخيمة الكبرى) لعموم العراقيين وهي مفاهيم شاع استعمالها على مدى أكثر من ثلاثة عقود ؛ أما في السلوك العملي للنظام فقد كان يعمل يوميا على تمزيق الوحدة الوطنية ، والحثّ على إشاعة القيم الجزئية بين أبناء الوطن الواحد من خلال تقريب أطياف بعينها وإبعاد أخرى حتى أنه اصدر ـ كما أشيع عن ذلك ـ قرارا بفصل جميع أبناء المنطقة الجنوبية من جهاز المخابرات وبغض النظر عن مستوى ولائهم له..
ولا أدلّ على انتهاكه للوحدة الوطنية من إعفاء الجنود الكرد( محافظات سليمانية واربيل ودهوك ) من الخدمة العسكرية أثناء اشتداد المعارك في منتصف عقد الثمانينات وتسريحهم مما فتح الباب على مصراعيه لإحداث أول خلخلة في البناء الوطني العراقي باعتبار ( الخدمة الإلزامية ) واجبا وطنيا في السلم والحرب . وامتدّ (التفريط) ليطال فصل الجزء الشمالي من العراق حيث يوجد العراقيون الكرد بكثافة بعد حرب الخليج الثانية ، وما ترتّب على ذلك من تحديات خطيرة إلى الهوية الوطنية للعراقيين الكرد .
ويبدو أن بقايا النظام الفاشي بقيت تعمل على (النهج) نفسه بعد السقوط أيضا ، ولكن تحت يافطات سياسية متعددة ـ هذه المرة ـ يمكن التحري عنها وتحديدها بسهولة من خلال منهجها الطائفي أيضا .. بيد أن سيرورة الأحداث وما أعقب سقوط النظام من مظاهر جديدة أثبتت بصورة واضحة : أن العراقيين موحدون ليس بفعل وجود نظام سياسي شامل ، ولا بفعل أجهزة ضبطية مختلفة ، ولا حتى بوجود (قوة غامضة تاريخية) تعمل على تنظيم سلوكهم اليومي أيضا .. إنهم موحدون ؛ لأنهم كذلك منذ 6000 عام . فغياب الدولة التي درجوا على وجودها منذ عام 1921 لم يجعل منهم عرضة للتناحر والتقاتل طوال مدة شهرين من سقوط النظام السابق عام 2003 وحلّ جميع مظاهرها : من شرطة المرور والشرطة التقليدية إلى الأجهزة الأمنية العادية التي وظّفها صدام بعناية لحماية نظامه ، وحتى حر س الحدود ، مرورا بمؤسسة الجيش العراقي التقليدية التي تعدّ أول مؤسسة وطنية منذ عام 1921 أكّدت على وحدة العراق .
إن ( الطروحة ) البائسة حول الحرب الأهلية لا تعدو أن تكون مجرد صورة ( خلقها ) ولعب عليها النظام السابق نفسه . وإذا كان ثمة من يلعب على حبال الحرب الأهلية الآن فهي تلك القوى التي جاءت من خارج العراق لكي تتمكن من التنفّس بسهولة وتحقيق أهدافها من خلال إشاعة الفوضى العامة في البلاد .ولذلك أن حركة وطنية لتحرير العراق (حوتع) بالوسائل كافة يمكن أن تظهر من جديد وحدة العراقيين على السطح السياسي كما حدث في عام 1920 مما يزلزل الوجود الأجنبي فيه .
كانت قضية الوحدة الوطنية عاملا أساسيا شغل بال العراقيين منذ الأيام الأولى من سقوط النظام ، وكانت مسألة الحفاظ على الوحدة الوطنية ـ وما يزال ـ الهاجس العميق لعموم العراقيين على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم ؛ ولذلك فإنهم ما برحوا يؤكّدون للمحتلّين رغبتهم في نظام سياسي مبني على أساس وطني ، وعبّروا عن ذلك مرارا على السيد سيرجيو ديميلو ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في معظم زياراته لمناطق العراق . ولذلك كانت العملية الإرهابية التي أودت بالسيد ديميلو لها وقع الصاعقة عليهم . وكون مقتله خيبة أمل كبيرة في إمكانية قيام عراق جديد على نحو سريع ، وبمساعدة من المنظمة الدولية أولا .
لكن الإدارة الأميركية التي قررت أن تحكم العراقيين حكما عسكريا مباشرا من خلال الحاكم العسكري ( جي غارنر ) كانت قد هيأت نفسها لوضع آخر بعيد عن آمال العراقيين ، وبدأت في تهيئة مناخ لترتيب صيغة معينة يمكن من خلالها امتصاص (نقمة) العراقيين وردم الفراغ السياسي الذي خلّفته سياسات الاحتلال بعد حلّ جميع مؤسسات الدولة التي عكف العراقيون على بنائها مدّة أكثر من ثمانين عاما في ظلّ ظروف دولية وإقليمية صعبة . فجاءت صيغة استبدال (الحاكم العسكري) بحاكم مدني بول بريمر: وهو شخصية أمنية عملت في مجال مكافحة الإرهاب ؛ وليقم الأخير بوضع قانون (إدارة الدولة المؤقّت ) الذي جاء هو الآخر تكريسا حقيقيا للنظرة الأميركية المشبعة بالرغبة في إظهار الفسيفساء المختلفة للعراقيين ، وليس إلى ما درج عليه شعب الرافدين من وحدة وطنية طوال 6000 عام من ظهور العراق على خارطة العالم القديم .
عمل بول بريمر على وضع قانون إدارة الدولة المؤقت في محاولة لإظهار جزئيات العراقيين على نحو يحول دون وقوفهم متحدين ضدّ الاحتلال في موقف عام عارم رافض يحدث أكبر هزّة لقوى الاحتلال ويعرض وجودها الأمني إلى الخطر . ويبدو أن بريمر قد نجح نسبيا في مسعاه بعد سلسلة من الأعمال العسكرية القوية ضدّ الجماعات الرافضة ، واختلاط أوراق المقاومة بالإرهاب اليومي للعراقيين حتى بات من الصعب الفصل بين الفعل الإرهابي المبني على أسس طائفية ، والفعل الهادف على تحقيق حالة متقدمة تعمل على طرد المحتل .
كان تشكيل ( مجلس الحكم )من قوى الاحتلال ـ وهو محاولة غير موفقة لإظهار شكل مسخ للوطنية العراقية ـ لم يكن بذي بال في العمل على ترصين وحدة العراقيين ، بسبب طبيعة تكوينه الطائفي والقومي الهش , والآلية المضحكة في التناوب على الحكم كلّ شهر ! وكذلك آليات عمله الضعيفة خارجيا التي أدهشت المراقبين العراقيين والأجانب بشدة ، فوجده معظم العراقيين غريبا عنهم ؛ إن لم يكن مفروضا عليهم ؛ وهم الذين اعتادوا رفض جميع (الفوقيات المفروضة) منذ ثورة عام 1920 تلك (الذكرى الوطنية العظيمة) التي كانت وما تزال تمثّل مستقطبا دائما لتفكيرهم السياسي المعاصر ، ومرتكزا للحنين الدائم والقريب إلى ذهنيتهم المعاصرة .
ويمكننا ، في الواقع ، أن نعدّ مجلس الحكم المنحل نوعا من (التأكيد الشكلي الطارئ) على تعددية الأطياف القومية والعرقية والطائفية للعراقيين ، وهولا يمت بذلك (التأكيد المفتعل الفوقاني) على الوحدة الوطنية لهم بأي حال من الأحوال . ومن هنا فإن وجوده لم يدعم قضية الحفاظ على الوحدة الوطنية وحمايتها بقدر ما أساء إليها ، ناهيك عن أن معظم من تناوب على (حكم) العراق في ظل الاحتلال هم ممن جاء من خارج العراق تحديدا ، ولم يكونوا ـ في جلّهم ـ غير أصحاب دكاكين سياسية صغيرة خارجية ، أو منفيين في دول مجاورة للعراق .
ولم يستطع الشكل السياسي الأولي (مجلس الحكم) بعد سقوط النظام أن يقدم إنموذجا مقنعا وحقيقيا إلى العراقيين في توكيد وحدتهم الوطنية على الرغم من حرصه السطحي على عكس جميع أطيافهم . كما أن شكل الحكومة المؤقتة ( الكولاج الثاني) التي أريد لها أن تتخذ طابعا أكثر تطورا واستقلالية شكلية في نظر العراقيين لم تكن إلا امتدادا طبيعيا لمجلس الحكم المنحل . كما استمرت الحال على ما هو عليه في الحكومة المنتخبة (جزئيا) والمؤقتة أيضا (الكولاج الثالث) وهذه القضية كونت عامل قلق دائم من احتمال استمرارية السياسة التي نهجها بريمر في العراق لتكون ـ فيما بعد ـ شكلا من أشكال الحكم القائم التي يرفضها العراقيون ؟وخاصة إذا ما أصبح قانون إدارة الدولة المؤقت معيارا في كتابة دستور العراق المزمع .
ويبدو أن قوى المحتل تحاول جاهدة الإبقاء على حالة (التشرذم المصطنع) في الوحدة الوطنية كوسيلة بائسة لخلق بديل مشوه عنها ، ومن ثم ترويض العراقيين على حالة جديدة وغريبة عنهم من القبول ب( التوزيع ) المفروض للمناصب الإدارية ، وحصص الجماعات السياسية المبنية على عوامل الطائفية والمذهبية والعرقية . وبات من الطبيعي أن يخرج كلّ (زعيم) لمجموعة صغيرة أو كبيرة نسبيا من (الجزئيات) أن يعلن عن (مظلوميات) جماعته ومدى تمثيلها أو تهميشها في دولة (الكولاج) السياسي التي أعدّها بريمر مسبقا ولم تستطع القوى السياسية العراقية فكاكا عنها ؛ وما أريد لتلك (الزعامات المصنّعة) من دور في تحويل الوحدة الوطنية إلى حالة من توزّع المضامين تمهيدا إلى (لبننة) العراق .
ومن الثابت الموضوعي أن العراق لم يكن قد شهد طوال تاريخه أي نوع من الحروب الأهلية أو النزاعات ذات الطابع العرقي والطائفي العام بأي مرحلة من مراحل تكوينه الطويلة يمكن ان تكوّن نوعا من الجزئيات ذات الطابع الأصطراعي إذا ما قورن ببلدان محيطة به كإيران ( جمهورية مهاباد وحركة تحرير الأحواز وتطلعات الأذريين) والسعودية ( تطلّعات المنطقة الشرقية الشيعية وزعامات أهل الحجاز الدينية و منطقة عسير) وكذلك ببلدان أبعد عن جواره الجغرافي كاليمن التي لما تزل عرضة للتناحرات القبائلية ، ولبنان ، وسلطنة عمان التي عاشت حروبا أهلية عميقة حتى عام 1970 . ويعود تفسير ذلك التوافق العام بين العراقيين إلى عدم وجود نزاعات كبرى بينهم تاريخيا ـ من وجهة نظري ـ بسبب المكونات (المادية الطبيعية ) التي توافر عليها العراق منذ القدم ؛ حيث كان لوجود نهرين عظيمين يمتدان من أقصى الشمال إلى الجنوب ، وما ترتّب على ذلك من وفرة مياه وانتشار الزراعة السيحية إلى جانب الزراعة الديمية ، فضلا عن المساحات الواسعة من الأراضي الصالحة للزراعة والأنهار التي تفرعت عنهما ، والروافد التي تصبّ فيهما ؛ كلّ ذلك الثراء المادي ـ قبل اكتشاف البترول ـ كان يحول على نحو دائم دون حدوث نزاعات كبرى كما هو عله الحال في عمان ـ مثلا ـ إذ كانت (الافلاج = قنوات مائية جوفية ) عاملا أساسيا لقيام الحروب الأهلية فيها . كما أن لشحة المياه في إيران نسبيا ووجود هضبة كبيرة شبه قاحلة عملت على انتقال جماعات بشرية كبيرة من مكان لآخر ، وأشاعت نوعا معينا من الصراعات الدائمة ، فكان العامل الجغرافي دافع فصل دائم ، في حين عمل التنوع الجغرافي في العراق كعامل ربط دائم .
وتعدّ حركة الجماعات السكانية عاملا أساسيا في قيام النزاعات العامة ونشوب الحروب الأهلية ؛ لكن نظرة مبسّطة إلى طبيعة حركة السكان في العراق تثبت لنا مدى التنقّل شبه المحدود للقبائل العراقية ، ونشؤ أحلاف قبائلية كبرى توافقية بين الجماعات البشرية المختلفة ، حتى بات من المعروف أن (حمى) قبائل معينة في القرنين الثامن والتاسع عشر كان محددا مدة طويلة من الزمن . كما أن الاقليات في العراق بقيت في أماكنها غالبا ، فالمسيحيون كان مقرهم في ( القوش ) ونينوى ، ومناطق محددة من بغداد والبصرة . واليزيديون في سنجار . واليهود منتشرون في معظم مدن العراق بغداد والموصل والبصرة والسليمانية وكركوك وتكريت والعمارة . ولم يسجّل التاريخ العراقي القديم والحديث والمعاصر ثمة حملات محلية إبادية منظمة ضدّ تلك الأقليات كما يحدث في بلدان كثيرة تعجّ بالأثنيات . أما الحملات التي شنّت على الطائفة اليزيدية فقد كانت بإيعاز من السلطات التركية المحتلة خاصة وتحت شعار الدين ، وهي على العموم لم تستطع القضاء على هذا المكون القديم للعراقيين على الرغم من اختلافه الديني الكبير .
وإذا كان اليزيديون يحتمون بالجبال الصعبة في (جبال سنجار) للدفاع عن أنفسهم من الحملات الظالمة التي شنّت ضدّهم ، وضربوا بذلك أروع الأمثلة في التصدي ، فإن الصابئة المندائيون كانوا يعانون من حملات عسكرية أخرى أكثر انكشافا في الجنوب حينما هاجمتهم قبائل من هضبة إيران وهم في مقرهم في (قلعة صالح )العراقية قرب الحدود محاولة إبادتهم حيث احتمى الصابئة ـ بأبناء جلدتهم ـ من القبائل العراقية في سوق الشيوخ مقرهم الجديد . فدخلوا في بطون العشائر هناك دون أن يكون اختلاف الدين حائلا كما هو في معظم بلدان العالم في توزيعاتها الأثنية. ومن الطريف أن نذكر بان الصابئة كانوا يعتمرون الكوفيات والعقل لقبائل عراقية محددة دلالة على دخولهم في حمايتها وحتى وقت قريب . وهذه ظاهرة جديرة بالاهتمام في رغبة العراقيين على توكيد وحدتهم في عصر أتسم بالعنف القبائلي الوحشي .
وعلى الرغم من الحركة المحدودة للقبائل العراقية إلا أنها سجلت انتماءات طائفية ومذهبية مختلفة في العشيرة الواحدة أو الفخذ الواحد أيضا . ولذلك تجد أن قبائل عراقية كبيرة تضمّ أطيافا من السنة والشيعة ، وقبائل تضم العرب والكرد أيضا .. ويعد التنوع المذهبي في القبيلة الواحدة عاملا مهما في الحفاظ على الوحدة الوطنية إذا ما (وظّفت) الحالة القبلية سياسيا و في اتجاهها الوطني العام . ومن الخطأ النظر إلى (الحالة العشائرية) نظرة قاصرة دائما باعتبارها منطقة لإقامة الفواصل بين أبناء الشعب الواحد . ويمكن إذا ما واتتها الفرصة المناسبة أن تعبّر عن نفسها وطنيا في حالة توافر (القيادات الوطنية) الواعية التي تعمل في صفوف تلك العشائر من خلال إشاعة الروح الوطنية والتأكيد على وحدة الشعب . بيد أنها يمكن أن تتحول إلى أداة قمعية بيد المحتلين في حالة عدم العمل بين صفوفها وطنيا ، وكما حدث في العهد الملكي .
وحاول النظام السابق إعادة الحياة إلى ( العامل العشائري) بحكم منهجيته التجزيئية ـ كضاغط أمني جديد ـ بعد أحداث انتفاضة عام 1991 وعلى الرغم من فشله شبه الدائم في استقطاب العديد من الشيوخ الوطنيين الحقيقيين إلا انه عمل على ( تفريخ ) (مشايخ 90 ) كما هو التعبير السياسي العراقي . ويعدّ ذلك النوع من ابتكارات ( كولاج ) النظام السابق . وعلى الرغم من ذلك فإن قوى الاحتلال بقيت تعمل على تقريب أولئك (المشايخ 90) منذ الأيام الأولى للاحتلال ،وهي تعلم تماما عدم قدرة أولئك في التأثير على أمن المحتلّين كما كان الوضع عام 1920 وربما تستخدم العديد منهم لأغراض استخبارية بحتة ومما يعني استمرار سياسة (الكولاج) .
إن الوحدة الوطنية للعراقيين حقيقة قائمة وملموسة على أرض الواقع ، وليست (كولاج) مفتعلا ، وهي بنت 6000 عام من البناء التاريخي والسياسي والاجتماعي . ومن الصعب تفكيك عراها على هذا النحو الذي تحاوله قوى تتحرك بدوافع هي من خارج مكونات العراقيين عموما . لكن حماية هذه الوحدة هي من مسؤولية العراقيين أولا الآن .























السياسيون(المستعرقون) ونظام المحاصصة

ولد (نظام المحاصصة) السياسية الحديث عمليا إبان التجربة السياسية الدولية في البوسنة في تسعينات القرن الماضي بعد العدوان الصربي عليها في أقل تقدير ، لكن تاريخ المحاصصات السياسية في الموروث السياسي الدولي الحديث ابعد من ذلك . ولكن تعد التجربة البوسنية خير مثال على المحاصصة السياسية على أساس اثني بحت ولعبت بها الولايات المتحدة وأوربا دورا أساسيا فيها . كما أن مخرجات تلك التجربة وضحت تماما بعد قيام النظام السياسي في البوسنة ، ووقوع الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش في قبضة المحكمة الدولية وإيداعه السجن في لاهاي باعتبارها أول تجربة قانونية دولية بعد (محاكمات نورمبرغ) بعد الحرب العالمية الثانية .
ولنظام المحاصصة على العموم تاريخ سياسي أطول من ذلك في منطقة الشرق الأوسط ، فتمثّل عربيا في النظام السياسي اللبناني الذي نتج عنه فيما بعد أطول حرب أهلية في التاريخ العربي المعاصر 1975 ـ 1989 حيث استخدم فيها أبشع أنواع القتل والجرائم الجماعية في صبرا وشاتيلا وغيرها من الأعمال المشينة ، فضلا عن قيام سلسلة من الاغتيالات السياسية والتدخلات الخارجية التي لما تزل رحاها قائمة إلى الوقت الحاضر . وتعود منهجية الولايات المتحدة في (نظام المحاصصة) إلى طبيعة تكويناتها العنصرية ، وفي نشأتها السياسية فهي لم تمنح الاميركان السود حقوقهم السياسية إلا في منتصف عقد الستينات من القرن الماضي ، كما أنها بلاد أصبحت سيرورتها التاريخية على أساس إثني منذ أن تأسست بفعل المهاجرين الكاثوليك من أوربا .
ويعدّ نظام (المحاصصة السياسية) من أهم الركائز الرجعية التي تحاول إلغاء دور الأغلبية في صنع القرار وتهميش الدور العام للشعوب عموما من خلال تجزئة العمل السياسي وإحداث حواجز مفتعلة بين عموم الجماعات والشرائح السياسية المختلفة في محاولات دائمة لتشتيت المواقف السياسية الاساسية . ولم يعد خافيا على أي مراقب سياسي محايد أو باحث في الشؤون العراقية أن يكتشف سراعا أن (نظام المحاصصة) الذي وضع من قوى الاحتلال هو استمرار للنهج الأميركي للتشتيت وزرع (الكانتونات السياسية) تمهيدا للكانتونات الاجتماعية والجغرافية ذات الطابع الإقليمي .. وفي معالجة قضايا الشعب العراقي من زاوية التجارب السابقة لها في أماكن أخرى من العالم .
وإذا كان (نظام المحاصصة)قد أتى أكله في التجربة البوسنية تحت الخيمة الأميركية ـ الأوربية فإن التشابه في التنوع العرقي والمذهبي والديني بين قضيتي البوسنة والقضية العراقية لا يفترض على العموم أن تكون الحلول السياسية هي نفسها واستخدام آليات مستعارة عن تجارب أخرى ، بيد أن قوى المحتل ـ غالبا ـ تعمل على وفق المعطيات الآنية والمستجدات المباشرة بعد أن ثبت عدم توفر صورة واضحة ودقيقة لوضع ما بعد احتلال العراق من الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا أصبح من الضروري مساهمة القوى الوطنية العراقية الداخلية وليس (المستعرقة) في وضع الأسس لقيام حركة وطنية عراقية تعمل على طرد المحتل من بلادنا .
ويبدو من الصعب توفير قناعات ذات معلوماتية عالية لصناع القرار الاميركي سواء في البنتاغون او وكالة الأستخبارات ، وفي تلك الدول الغازية الاخرى , بضرورة تغيير المناهج في التعامل الستراتيجي مع العراقيين ، ورسم الستراتيجيات الجديدة التي تحترم خصوصيات الشعب العراقي من خلال التأكيد على اختلاف النسيج الاجتماعي له مقارنة بشعوب البوسنة أو الشعب اللبناني ، ناهيك عن طبيعة المكونات التاريخية الموحدة للشعب العراقي والتي يراد القفز فوقها على نحو دائم.. ومن هنا فإن القوى الأميركية المؤسسة للستراتيجية في العراق والشرق الأوسط عموما ( مشروع الشرق الأوسط الكبير ) لا تريد أن تقتنع بذلك الترابط الموحد بين أطياف الشعب العراقي ، وتعد النسيج الوطني العراقي محض (مشاعر عاطفية قديمة تستند إلى التاريخ غالبا) وهي لن تصمد أمام المصالح الطائفية والقومية والعرقية الجديدة المحمومةالتي يدفع بها إلى السطح دائما . كما أن عصر العولمة على الطراز الأميركي American Way لا يأخذ بنظر الاعتبار أهمية العلاقات الداخلية للشعوب والأمم , ويعدّ كلّ مكوناتها ناتجة عن البنى الاقتصادية التي تتحكم فيها . ولكن هذه النظرة لم تلبث أن أصبحت محض وجهة نظر قاصرة بعد أحداث 11 سبتمبر حيث ظهر أن الإرهاب الدولي ليس نتاجا للفقر الاقتصادي أو السحق الاجتماعي والسياسي بقدر ما هو نسيج من شبكات مالية متطورة عقاريا تحمل رؤيا ميثولوجية بحتة .
تكونت تلك القناعات في نظام المحاصصة بدءا من تجربة الحماية الأميركية للكرد في شمال العراق بعد حرب الكويت 1990 ـ 1991 وما قام به (جي غرانر) في شمال العراق من دعم سياسي للعراقيين الكرد ، ومن ثم ظهرت صدقية ذلك التوجّه في تعيينه أول حاكم عسكري للعراق بعد سقوط النظام السابق . ولذلك فإن فكرة (المحاصصة القومية) قد انسحبت في انزياح غير مبرر لتكون في صفحة جديدة هي عبارة عن (محاصصة طائفية) بعد سقوط النظام , وعلى اعتبار أن (نجاح) التجربة مع الكرد كفيلة بإنجاحها مع العرب أيضا من خلال تقسيمهم إلى سنة وشيعة .. وكأن الآلية تشبه استعمال ماكنة (بلندر) في أية خلطة بمجرد تغيير الترس .. هذه النظرة المسطّحة للعملية السياسية وضعت البلاد على حافة هاويات كثيرة جلّها من صنع المحتل وأخرى من تصميم (المستعرقين ) أنفسهم .
ومن اجل بناء صورة معينة في التوجّه الشعبي ، جرى تثقيف إعلامي شبه محموم بوصف النظام الصدامي السابق بالسني .. المضاد للشيعة ! في وقت يعلم كلّ عراقي عاش في الداخل بأن ذلك النظام لم يكن سنيا ولا محابيا للعروبة بل كان نظاما (صداميا) بحتا وإن استخدم من أبناء هذه الطائفة أو تلك من العناصر التي كانت تنفّذ أوامره في سحق القوى الوطنية بالدرجة الأساس ؛ إذ لم تشكل القوى الطائفية والقومية تيارا مضادا له على نحو كبير بقدر ما أشاع النظام عنها تلك الصفة كي ينزع عنها الصفة الوطنية وعن عموم تلك التيارات المناهضة له. ولذلك فقد أشاعت القوى (المستعرقة) وعلى مدى طويل فكرة عدم قدرة العراقيين على إطاحة النظام السابق لكي تمهّد الطريق للمحتل باعتبارها الظهير الصغير وغير الضروري إلا في الأعلام له والترويج لقدراته اللامتناهية ، في حين أثبتت التجربة هشاشة ذلك النظام عام 1991 إبان الانتفاضة الشعبية المسلحة التي سحقت بقوة أمام نظر المحتل نفسه وبالتعاون مع دول الجوار العراقي أيضا .
إن القوى الأميركية الغازية والجماعات ( المستعرقة ) التابعة لها هي التي عملت على ترتيب أوضاع العراق السياسية والعامة بوحي مباشر من المحتلين الاميركان والبريطانيين بعد سقوط النظام في 200049 حيث بدأت تلك القوى مجتمعة وبفعل الرفض العراقي للاحتلال ، ومنذ الأشهر الأولى لـه (عمليات محاصصة بدأت في مجلس الحكم أولا والحكومة المؤقتة وصولا إلى الحكومة الحالية التي تعدّ نفسها منتخبة أيضا) فوضع العراق على وفق ترتيبات معينة تعمل من خلالها القوى (المستعرقة) التي عاشت ردحا طويلا من الزمن في بلدان المحتلّين أو بلدان الجوار ، واكتسبت الجنسيات المختلفة وجوازات السفر العديدة التي تحمل صفة دبلوماسية للبعض المقرّب جدا . وأصبح (المستعرقون) تحت قسم الولاء للدولة المانحة الجنسية دائما حتى بات من الصعب الفرز بينهم وبين القوى الأجنبية ـ الأميركية خاصة ـ في كثير من الأحايين من حيث الطرح السياسي العلني أو التوجهات في بناء العراق ودولته في مرحلة ما بعد الدكتاتورية الفردية .
وتكاد أن تكون الأفكار والخطط والتوجهات (للمستعرقين) الجدد معدّّة سلفا ـ وبلا تحفّظ ـ من قوى الاحتلال الأميركي أو من يدور في فلكها أو من دول الجوار العراقي التي وجدت في غياب شكل الدولة العراقية ، وسقوط النظام السياسي ، وحلّ الجيش العراقي التقليدي ، وحرس الحدود ، وسقوط جميع المؤسسات السابقة للنظام الفاشي فرصة سانحة يمكن أهتبالها بسهولة ما دامت قوى الاحتلال الأميركية والبريطانية عازمة على وضع البلاد في آتون من الفوضى السياسية الشاملة .
ومن خلال النظر في تراكيب القرارات والأحكام وأنماط التفكير التي طبعت قانون إدارة الدولة باعتباره اللبنة الأولى للتنظيم السياسي للدولة العراقية ما بعد الاحتلال , وما تبعه من ظهور (نظام المحاصصة) المرفوض والذي يراد له أن يكون في كلّ مرحلة من مراحل بناء الدولة على الرغم من أن (المستعرقين) لا ينفكّون في كلّ مناسبة سانحة عن الإعلان الخجول ـ وفي أوقات وطنية حرجة ـ عن شجبهم الإعلامي اللفظي (لنظام المحاصصة) السياسية ـ الغريب على العراقيين وتاريخهم السياسي ـ في وقت يطال هذا (النظام البغيض) الدين والمذاهب و الاقتصاد والاجتماع ومن ثمّ إلى الجغرافيا في مرحلته النهائية : وهي المرحلة التي تريدها الولايات المتحدة الأميركية لإخراج أنموذج سياسي مسخ على طريقتها .
إن خطورة الدعوات في (نظام المحاصصة) لا تتأتى من الولايات المتحدة بالدرجة الأساس في الوقت الحاضر بل من (المستعرقين) الذين قدموا معهم ليس على ظهور الدبابات علنا ممن يرتدون الزي العسكري الأميركي ولا الذين كانوا في أجوافها ممن يرتدون الملابس المدنية حاملين معهم حقائب صغيرة تعلّق على الظهر كما هم السياح تماما!، بل أولئك الذين يتبعون خطواتها وسط الغبار المترامي خلفها ـ الآن ـ سعيا وراء غنيمة جديدة أو حصة لم يصل إليها أحد بعد من المتنافسين الشرسين من (المستعرقين) . ومن المهم أيضا أن نقول : إن 0(نظام المحاصصة) يدعو له الآن نفر من غير المستعرقين ممن كانوا في داخل العراق أيضا لأنهم رأوا في حصولهم على حصة هو أمر ضروري بعد أن وزعت الحصص الدسمة على (المستعرقين) غالبا.
ومن المفيد ، منذ البداية ، أن نحدد مفاهيمنا الوطنية ومواقفنا من المحتل على نحو واضح ، لا مراوغة فيه ، مثلما هي كلّ الشعوب التي تتعرض أوطانها إلى احتلال أجنبي ، ويكون من حقّها أن تستخدم الوسائل الممكنة في الدفاع عن وجودها كافة ، وكما هو منصوص عليه في جميع الشرائع السماوية والأرضية وقوانين الأمم المتحدة على حدّ سواء . فمقاومة المحتل لا تنبع من ومواقفنا من النظام السابق الذي كانت ترزح تحته البلاد ، ولا يمكن لأية قوة أجنبية أن تأتي بجيوش جرارة لتحرّر بلادا بدوافع إنسانية أو بمهام ديمقراطية ولا حتى بمشروعات دينية بحتة كما في الحروب الصليبية وغيرها؛ فالتاريخ يعلّمنا دائما بان قوى الاحتلال هي نفسها في كلّ المراحل ، وفي كلّ الظروف ، لأن قوى الاستحواذ والهيمنة والنهب تقف وراء جميع الفاتحين والغزاة مهما كان لونهم أو الشعارات التي يستظلون بظلّها .
(المستعرقون) لا يريدون أن ينتاب المحتل أي ذعر منهم فهم ودودون غالبا و(دبلوماسيون) حدّ النخاع في التعامل مع مختلف المستجدات التي تتعلّق بالقضايا الوطنية العراقية ، وهم غالبا ما يحسبون ذلك على وفق مصالحهم الحزبية ، وما يرشح عن نظام المحاصصة بالذات، كما أنهم سريعو البديهة بازاء ما يتعلّق بوضع جدول زمني لمغادرة الاحتلال : لا يمكن ذلك لأننا سنقع في حرب أهلية ؟ هذه الحجة الدائمة الافتراضية . وعلى الرغم من أن بعضهم قد يطالب بذلك من باب الدعاية الانتخابية ليس إلا ؛ لكنه وبعد الوصول إلى الحصص وإعلانها فإن ذلك (الإعلان) قد يصبح خطرا على المحاصصة نفسها . ولذلك تجده يذعن من جديد إلى الإعلان عن عدم الرغبة في مغادرة قوى الاحتلال . ولو أردنا التعمّق في هذا الرأي الافتراضي فإن دعاوى الحرب الأهلية لم تصدر إلا من أولئك (المستعرقين) وحدهم في البداية، وهي مجرد (بعبع) يراد به تخويف الشعب من مجهول .. في وقت أن الإبقاء على الجيش التقليدي وحرس الحدود وغيرها من أجهزة الدولة السابقة التي لم تشارك في قمع الشعب العراقي كفيلة بإعطاء ضمان لعدم نشوب حرب أهلية مفترضة . ومن هنا فإن حل الجيش العراقي وما لحقه من أجهزة الدولة الأخرى الضرورية قد فتح الباب على مصراعيه أمام نظام المحاصصة الذي هو بمثابة الصفحة الأولى لحرب أهلية باردة .. ويمكن ان تتحول في أية صفحة يعجز فيها المحاصصون عن وضع (حسبة) يقبل بها الجميع من رعاة المحاصصة .
انتقل نظام المحاصصة إلى الانتخابات الأخيرة التي جرت في الثلاثين من كانون الثاني / يناير الماضي في واحدة من اكثر النظم الانتخابية خطورة على حياة العراقيين ، حيث استند نظام التمثيل النسبي إلى القوائم الانتخابية بحجة ضعيفة لا تصمد أمام النقد تتمثل في الحفاظ على حقوق الاقليات ؟ وفي الناحية الأمنية ! وغيرها من الحجج التي لا تستند إلى مشروعية قانونية أو واقعية . ولو أجرينا جردا موضوعيا إلى الأشخاص الذين فازوا في تلك الانتخابات (المنقوصة) والتي قاطعتها فئات مهمة من المجتمع العراقي نجد أن النخب الأولى المعول عليها من القوائم هم غالبيتهم من (المستعرقين) وهذه في مضمونها النهائي امتداد لأسلوب مجلس الحكم والحكومة المؤقتة القائم على المحاصصة السياسية المستندة على القومية والطائفية .
وعلى الرغم من أهمية الانتخابات التي جرت في بداية العام الحالي إلا أن النظام الانتخابي بقي مؤسسا على وفق رؤية المحاصصة (القوائم) أيضا ، حيث بات من الواضح ان القوائم الرئيسة ( الفائزة) كانت تتخذ من صفة المحاصصة على الرغم من أنها قد احتوت على أسماء من خارج تكوينها الطائفي والقومي لكي تبدو (وطنية خجولة) من حيث الديكور العام ليس إلا. وتعدّ القائمة العراقية (أياد علاوي) هي الأبعد عموما عن هذه المنهجية المحاصصية ، ولكنها لم تستطع أن تنال حظا كبيرا من الأصوات كما كانت تتوقّع بسبب أن (المستعرقين) كانوا يشكّلون قيادة هذه القائمة .. فإذا كنا ننهج منهجا ديمقراطيا حقيقيا فعلينا أن نستلهم تجارب الشعوب المتنورة في هذا المجال . وهاهي فرنسا ( مصدر التنوير الديمقراطي الأوربي ) تحظر في قوانينها على حملة الجنسيات الأخرى من الفرنسيين عدم تولّي أي منصب حكومي في الدولة الفرنسية , وكلّ ما يسمح به لهم هو الاستثمار في فرنسا ، أما في العراق فإنه يمكن أن يحظى ( المستعرق ) بمنصب رئيس وزراء أو رئيس جمهورية أو وزير أو أي منصب أمنى أيضا! في حين أن القانون العراقي يحظر ذلك تماما ..
وثمة من يولي أوضاع العراق السياسية ، وطبيعة النظام السابق الذي كان يحظر على (المعارضين العراقيين) نيل أية وثائق عراقية مما اضطرهم إلى العمل بوثائق دول أجنبية شتى ؛ ولكن الآن ، وبعد عامين ، من احتلال العراق ومحاولات بناء دولته الحديثة ألا يجدر بأولئك (المستعرقين) الإعلان رسميا عن إسقاط جنسياتهم الأجنبية علنا كي يخرجوا عن دائرة القسم في خدمة مصالح تلك الدول التي يحملون جنسياتها.. أم أننا سنضطر إلى تذكيرهم بقسمهم إلى تلك الدول الأجنبية في الدفاع عنها ب( السلاح ) والدفاع عن سياساتها الداخلية و ( الخارجية ) ولننتبّه مليا إلى السياسية الخارجية ( أطلعت على القسم الأميركي في منح الجنسية ، ولا احسب بان قسم دول أخرى أقل أو اكثر التزاما منه ).
ويبدو ان بعض أعضاء القوائم قد بدأوا يشعرون بقوة بمدى الضعف والهزال في تركيبة القوائم الانتخابية حيث تجري جميع المحاصصات في ( غرف خاصة ) لا يعلم بتسوياتها إلا الله ومخابرات الدول الأجنبية والمجاورة . ومن هنا فقد أعلن بعض أولئك عن انسحابهم من قوائمهم كما حدث لدى النائبين عن قائمة التحالف ( الشمعة ) الرئيسة وهما السيدين علي آل يوشع وعبد الكريم المحمداوي .. وبغض النظر عن الدوافع التي حدت بهما إلى اتخاذ هذا الموقف إلا أن رفض نظام المحاصصة الطائفية والقومية هو من أهم الأسباب من وجهة نظرنا .. وكان يجدر بعدد أكبر من هذين النائبين القيام بذلك ، لتوكيد الهوية العراقية الأصيلة ورفض ( الاستعراق ) الهزيل بكل أشكاله السياسية والاجتماعية لأن تشخيص ذلك هو البداية الحقيقية لرفض الاحتلال وسياساته المبطنة والظاهرة في آن .
ومن المناسب القول في هذا المجال بان كتابة الدستور (القانون الأساسي للعراق ) يستوجب أول ما يوجب في فقراته وصف القائمين بالعملية السياسية : هو الرفض قطعيا لما ما يعرف بازدواجية الجنسية ، واقتصار ذلك على النشاطات الاقتصادية فقط ، وكما هو معمول به في الديمقراطيات المتقدمة التي تسهر دائما على مصالح شعوبها ودولها . كما أن الانتخابات القادمة بلا شك ستفرض على العراقيين استحقاقات جديدة تتمثل بالدرجة الأساس التصويت على ( البرنامج الانتخابي) وليس على وفق الهوية القومية والطائفية التي تقود إلى نظام المحاصصة المرفوض شعبيا ، وصعود (قيادات قوائمية) تحمل جنسيات دول أجنبية .. ولعلّ هذا العامل هو الذي حدا بالأميركان المحتلين على ( فرض نظام القوائم ) بدلا عـن الدوائر الانتخابية واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة ـ على وفق تعليمات السيد بريمر الحاكم المدني السابق وفي قانون إدارة الدولة المؤقت ـ وترشيحات الأشخاص ضمن حشد كبير من الأسماء لا يعرف جلهم الناخب العراقي ، ولكي لا يأتي إلى ( الجمعية الوطنية ) باعتبارها أعلى هيئة تشريعية في البلاد عناصر عراقية (أقحاح)من غير أولئك ( المستعرقين ) وتطالب المحتلّين بالانسحاب الفوري من العراق .. ولذلك نجد ان المستعرقين أول ما يصرّح به بعد تسنّمه المنصب في ( دولة المحتل ) : أنه لا يطالب المحتلّين بالانسحاب في وقت يجب أن يكون هذا المطلب من أوليات برنامجه .
























الليبراليون العراقيون: طريق غير ممهّدة وسير متعثر


التيار الليبرالي في العراق واحد من أهمّ مظاهر السياسة العراقية الحديثة في القرن العشرين. ومن الصعب أن نرى بعد نهاية القرن المضمخ بحربين عالميتين شرستين، واكثر من ثمانين حرب اقليمية واهلية على مستوى العالم ثمة قوى استطاعت ان تحدث مقدارا من الشرخ السياسي و الاجتماعي في الحياة العراقية المعاصرة مثلما احدثته تلك القوى الليبرالية على الرغم من المدة الزمنية القصيرة التي عملت فيها بشكل فاعل.
ويكاد ان يكون عقد الثلاثينات الحاضنة الرئيسة لليبراليين العراقيين. لكن التيار الليبرالي بقي مستمرا كتيار "فردي" غالبا في عهود العسكرتاريا العراقية 1958-2003 وهي حقبة كبيرة تقترب من نصف القرن، أنعدمت فيها الحريات الفردية والعامة على حدّ سواء. وإذا ما أستثنينا الاشهر القليلة التي اعقبت ثورة تموز 1958وما رافقها من احداث.. فإن جميع المدد الاخرى لم تشهد تطورا بأزاء الحريات على نحو دائم.
ظهرت في العراق التيارات الليبرالية في وقت مبكّر من القرن العشرين. وكانت جماعة (الأهالي) التي ظهرت في عقد الثلاثينات من القرن المنصرم من أهم الحركات الليبرالية التي عملت في الحقل السياسي العراقي. وكان جعفر أبو التمن وعبد الفتاح إبراهيم من رواد الفكر الليبرالي في العراق المعاصر. ثمّ نتج عن وجود تلك الحركة الكبيرة تأسيس (الحزب الوطني الديمقراطي) المنبر اتلكبير لليبراليين عام 1946 وفي مناخ تكون من فسحة سياسية قصيرة من الحريات النسبية التي منحت إلى الشعب العراقي بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945
بقيت تلك الفسحة في حالة انحسار دائم حتى عام 1955حينما أعلن (عرّاب) السياسة الاستعمارية الشرق أوسطية نوري باشا السعيد عن ولادة حلف بغداد، وما رافقه من تضييق واضح على الحريات العامة والفردية السياسية، وتمثل في غلق الصحف ذات الاتجاه الحرّ نسبيا، ومنع الأحزاب التقليدية بحجة "مكافحة الشيوعية الهدامة!" والسير بالمجتمع نحو حياة المركزة المستمرة.
ولذلك من الخطأ الكبير أن يتصور البعض ان الديكتاتورية في العراق كانت وليدة النظام الجمهوري؛ بل أن عام1955 كان هو البداية التاريخية لها حينما حلّت الأحزاب وبدأت حالة الطوارئ في البلاد.. لتبدأ واحدة من أكثر مراحل العراق السياسية صعوبة وقسوة حيث مهّد الطريق تماما للعسكرتاريا الصاعدة والطامحة لتسلّم دفة الحكم فيه. كانت العسكرتاريا العراقية قد بدأت التدخل في الشؤون السياسية في وقت مبكر بعد التأثر الكبير بالتجربة الاتاتوركية القريبة أقليميا، فكان انقلاب بكر صدقي 1936من أهم المظاهر لذلك التوجه في وقت مبكر في العالم العربي.
وعلى الرغم من ذلك، فأن الاوضاع السياسية في العراق لم تنسحب الى الحالة التركية بسهولة حتى قيام الحرب العالمية الثانية، حيث أسهم الضباط القوميون علم 1941 في زعزعة الكيان السياسي بما عرف بحركة مايس آنذاك. لكن نهاية الحرب اسهمت بنوع من الانفراج السياسي النسبي, مما جعل المناخ مواتيا لظهور الحزب الوطني الديمقراطي بشخصياته التقليدية من أمثال كامل الجادرجي ومحمد حديد و الليبرالي المعروف عبد الفتاح ابراهيم وغيرهم غلى جانب احزاب وطنية وقومية اخر عملت على الساحة العراقية بقوة وجهد واضحين حيث أفرزت شخصيات ليبرالية معروفة لعبت دورا كبيرا في السياسة بعد ذلك وهم من
أهم رموز التيار الليبرالي في العراق.
ومن الصعب أن نرى يعد ذلك، أن التيار الليبرالي العراقي قد تمخّض عن حركة ثقافية واجتماعية واضحتي المعالم إذا ما قورنتا بالحركة الشيوعية فيه، وما نتج عنها من ظهور تيارات ثقافية و أدبية واجتماعية محدودة. وعلى الرغم من المنع المتواصل والقمع الشديدين الذين تعرضت له الشيوعية في العراق الملكي غلا انها أرست نوعا من المعالم السياسية المهمة تتعلق بتطور الفكر السياسي العراقي وربطه بهذا المقدار او ذاك بحركة الفكر العالمي؛ وهذا ما لم يستطع الليبراليون العراقيون القيام به عموما. وتكاد أن تكون الأفكار الليبرالية والدعوات إلى الحرية السياسية والاجتماعية ومظاهرها الثقافية هي واجهات اخر للماركسية في أوقات كثيرة؛ بل أن كبار الليبراليين الأواخر كمحمد حديد - وهو من مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي- قد أعلنوا عن "ماركسيتهم" في نهايات حياتهم السياسية الحافلة.
ومن هنا فإن مفهوم الليبرالية من الناحية العلمية في العراق لم يستطع على العموم ان يؤسّس اطارا واضحا لها، فضلا عن غياب التقاليد الليبرالية التي حظيت بها البلدان التي ظهرت فيها؛ وهو وضع رافق معظم بلدان العالم العربي. فلم تكن الليبرالية تتخذ شكلا واضحا تماما في ذهن عقلية عديد من السياسيين العراقيين بما في ذلك الليبراليين أنفسهم على نحو كاف.
وكان الزعيم عبد الكريم قاسم1911-1963 من اقرب العسكريين إلى الفكر الليبرالي الشعبي المبسط؛ على الرغم من انه لم يكن كعسكري تقليدي يؤمن بالعمل السياسي إلا أنه وخلال مدة حكمه التي قاربت السنوات الأربع كان من اقرب الحكام العسكريين إلى الليبرالية الممزوجة بالنزعة الشعبية الساذجة احيانا؛ إذ لم تكن لدى الزعيم عبد الكريم قاسم أيديولوجيا سياسية محددة، كما لم تكن لديه نظرية عمل سياسية ذات جذور فكرية، ولعل هذا الموقف هو الذي دعاه إلى الإعلان التقليدي المتكرر له في كونه: فوق التيارات السياسية!.
بيد أن الأحزاب السياسية العراقية الساعية للقفز إلى السلطة لم تكن بطبيعة الحال لتسمح بنمو ذلك الاتجاه اللامسؤول حيال قضايا الانتماء الفكري والايديولوجي التي كانت سائدة يشدة وقتذاك. كما أن الوعي السياسي لعبد الكريم قاسم كان أقلّ من ذلك بحكم شروط المرحلة التاريخية وملابساتها وما رافقها من احداث وتقلبات لم تسمح على العموم بظهور(تيار قاسمي) كما هوعليه الحال لدى اتاتورك الذي أنشأ حزب الشعب الجمهوري او جمال عبد الناصر الذي عمل على إقامة ما يعرف بالاتحاد القومي او الاتحاد الاشتراكي بعد ذلك وهما تجميعين هشّين لعموم الحركات السياسية القومية بمختلف أتجاهاتها تحت عباءة الناصرية كما هو معلن.
ولذلك بقي الزعيم عبد الكريم قاسم يتعكّز على الحزب الوطني الديمقراطي طوال مدة حكمه تقريبا، دون أن يمنحه فرصة سياسية واحدة في إعادة الحياة السياسية الطبيعية إلى العراق. كما أن ذلك الحزب على العموم لم يكن يمتلك القدرة على تكوين تحالف سياسي واسع لقيادة البلاد بسبب الضعف الكبير في قيادته السياسية وعدم تماسكها الفكري والتنظيمي، فضلا عن الصراعات الحزبية التي خاضها كلا زعيميه التاريخيين كامل الجادرجي ومحمد حديد ضدّ بعضهما، وما نتج عنه من أضرار ليس على مستوى التنظيم فحسب بل على مستوى الفكر السياسي للحزب أيضا.
ويعدّ نجاح ( البعثيين والقوميين) في الاستيلاء على السلطة في العراق يوم 8 شباط عام 1963 ضربة قوية للتيار الليبرالي العراقي، وعموم التيارات السياسية الأخرى حيث ساد مفهوم (الحزب الواحد) او ( الحزب القائد) بعد ذلك على نطاق واسع. ثمّ بدأ في العراق استنساخ بليد للتجربة الناصرية الدكتاتورية في ما عرف ب(الاتحاد الاشتراكي) وهو تنظيم حكومي فوقي أنشا بقرار حكومي مهمته الإبقاء على السلطة الحاكمة وقمع كلّ تحرك سياسي معارض لها. كما انه في الوقت نفسه وصفة جاهزة لمنع أي حراك سياسي و اجتماعي على نطاق حرّ أيضا. فمن الصعب بأية حال من الأحوال أن نجد التيار الليبرالي يترعرع في ظلّ تقييدات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية.
انكفأ الليبراليون العراقيون في بيوتهم طوال مدة الحكم الفاشي في العراق 1963- 2003 ولم تعد "صالوناتهم" السياسية والثقافية قائمة كما كان عليه الحال في العهد الملكي او الفسحة الهامشية من حكم عبد الكريم قاسم. ولذلك فإننا لن نفاجأ إذا ما رأينا ان لا وجود لليبراليين داخل العراق الآن! وان الجماعات التي جاءت من خارج العراق وهي تحمل طليبراليتها التنظيرية" لا جذور اجتماعية وسياسية لها؛ وهذا ما يفسّر صعود (اليمين الديني الاسلاملوجي) إلى الجمعية الوطنية بعد التحرير والاحتلال الاميركي - البريطاني، وحيازته على نسبة كبيرة من الاصوات فيها دون ان يتعلم أسس العمل على وفق الديمقراطية كخيار ستراتيجي لا حياد عنه.
فالتيار الإسلامي العراقي طائفي النزعة مما افقده قدرة على التكيف والمواصلة والعمل على أستنهاض العوامل العاطفية فحسب، دون ان يحسب بان تلك العوامل لا يمكن ان تكون دائمة في ظل تفاقم مشكلات داخلية مستعصية كالامن والبطالة والسكن وضحايا الحروب والتنمية المتوازنة والفجوة الجيلية وتوزيع الثروات وتلوث البيئة وغيرها من المشكلات .. ومما أفقد الحركة الوطنية - والقوى الليبرالية الشكلية- في الوقت نفسه مقدارا كبيرا من فاعليتها وصدقيتها أيضا. فالوضع لا يشمل الإسلاميين وحدهم إذ يكطال جميع القوى الوطنية في عدم تفهم مسألة الحريات على نطاق اوسع؛ ولعل هذا الوضع ناتج عن طبيعة التغيير الذي رافق السلطة في العراق والذي تمّ من قوة خارجية مما أفقد القوى الوطنية والإسلامية العراقية توافر كوادر سياسية قائدة ومضحية ودينمية على نطاق واسع. وعطل العمل بالتجارب السلمية التي تعقب معظم انهيارات الانظمة الدكتاتورية في العالم الثالث.
ويمكننا على العموم ان نجد العوامل التالية التي تحول دون ظهور تيار ليبرالي إسلامي في العراق ذي طابع ليبرالي فيحدث تغييرا أساسيا في الحياة السياسية :
1- مازال الإسلاميون العراقيون منكفئين في اطار النزعة الطائفية بكلّ أشكالها والتي هي منافية تماما لعموم الفكر الحر, مما يفقدهم على المدى البعيد قواعدهم الاجتماعية التقليدية. وان الحركات السياسية التي تحاول الخروج من هذه الشرنقة هي قليلة وضعيفة التاثير.
2- لا تمتلك الحركات والاحزاب الإسلامية في العراق ميراثا سياسيا محددا، وجلّ العمل الذي جرى بناءه يتعلق غالبا بالقضايا العقدية واصول الدفاع عن الدين من الشبهات التي تلحق به والردّ على الماركسية خاصة. اما كنموذج لبناء دولة على وفق اسس حديثة فهو لم يتوافر على نحو يتلائم وطبيعة المهمات الملقاة على عاتقه بعد التحرّر من نظام صدام. يظهر هذا الوضع جليا في البرامج السياسية المعلنة لهذه الاحزاب والتي تتسم بالضحالة الفكرية والتشابه والتبسيطية والإعلانية المحضة غالبا.
3- ما زال عديد من الحركات الإسلامية يلجأ إلى مفاهيم " الثورية والجهادية والتكفير" وغيرها من أساليب النضال السري. وان معظم القيادات الإسلامية لم تعمل كتكنوقراط، بل هي وليدة الألتزام الحزبي وقصور التجربة السياسية. ومن هنا فإن القيادات الأسلاملوجية ينبغي عليها العمل وبجدية لتكوين قدرات خاصة بها وأبتكار رؤى عمل لبناء الدولة على وفق الأسس العلمية الحديثة، وليس على وفق الاجتهادات الفردية التي تقدم من هنا وهناك، وصولا إلى تقديم أنموذج متميز وحافل بالاجتهاد السياسي.
4- ثمة ضعف شامل في جوانب الثقافة السياسية لتلك الحركات والاحزاب والمجموعات او التجمعات. فما زالت تنظر إلى قضايا (الثقافة) و(التحولات الديمقراطية)على أنها مجرد حالة لاحقة للمجتمع وليست قائدة له، مما يجعل الطريق ممهدا لتسلق العناصر الأنتهازية والجاهلة والباحثة عن فرصة عمل في السياسة والتي تشكل علىالمدى البعيد جماعات ضغط ذات حلول مليشياتية لمعظم المشكلات التي تجابه تلك الحركات.
والليبراليون العراقيون من غير الأسلاملوجيين لا يلجأون إلى العمل السرّي، لأنهم بطبيعة تكوينهم لا يحبون حياة الخفافيش؛ إنهم أبناء شمس النهار، يتنفسون من خلال الشرعية ـ أية شرعية كانت ـ وحدها. وهم بذلك لا يكونون جماعات ضغط بل أفراد مميزون غالبا فيفقدهم هذا الوضع قدرات العمل بين الجماهير. كما أنهم لا يمتلكون نظرة واضحة أزاء دور الدين الاجتماعي والسياسي، ولا يستعيرون في فكرهم المبسط إلا معاني التجارب الغربية ذات البعد التاريخي فقط. وهي اجتهادات لا تتلاءم والوضع التاريخي للعراق. ويعود سبب ذلك إلى طبيعة المكونات الفكرية (التقليعة) لليبرالية الوافدة، وغياب الطبقة الوسطى المشجعة للفكر التنويري الذي يعدّ بمثابة الأنطلاقة الاولى لأية ليبرالية جادة.
وعلى الرغم من وداعتهم ومسالمة الليبراليين، فهم يشكّلون إذا ما واتتهم فرص العمل اكبر المخاطر على اليمين الديني والقومي والعرقي والطائفي بكلّ أشكاله. ويعود سبب ذلك إلى طبيعة الشخصيات القوية والمؤثرة ذات الثقل الثقافي والمعرفي التي تنضوي تحت هذا التيار عموما. كما أنها في الوقت نفسه تكون واجهة كبيرة إذا ما واتتها الفرصة على النهوض بالواقع الثقافي للبلاد. ولذلك لا يمكننا ان نرى ثمة قوى ليبرالية فاعلة بلا قاعدة حضارية واجتماعية ثابتة ونمو اقتصادي يتناسب ودور الطبقة الوسطى في المجتمع. فضلا عن شيوع مناخ من السلم الاجتماعي الدائم بعيدا عن التعامل المليشياتي السريع للمشكلات والتحديات اليومية لعموم الحركات السياسية. ومن هنا فإن اختيار "الطريق السلمي" هو واحد من خيارات الليبرالية في كلّ مكان من العالم. فهل يمكن لهذا المسار من التقدم في ظل نمو متواصل للميليشيات المختلفة؟! وكيف يمكن للمجتمع ان ينمو سياسيا ويتطور فكريا إلى جانب تفاقم مستمر للقوى المسلحة، او التهديد بها؟
ان خيار الليبرالية السياسي لا يستطيع ان يقدم حلوله في آتون اوضاع شاذة لا يمكن تبريرها. ولذلك تجد هذا التيار بيقى محصورا في النزعات الفردية حتى في ظل الممارسات الانتخابية ذات الطابع الديمقراطي الشكلي لأيضا. فالدعاية السياسية معدومة تحت فوهات الكلاشنكوفات او التهديد بها. وطرح البرنامج السياسي يكاد ان يصبح ضربا من الخزعبلات في حالة فتاوى أعمل ولا تعمل أيضا. كما يسهم هذا الوضع على نمو قوى مشحونة بالعاطفة الدينية وقادرة على استخدام السلاح على وفق أي اجتهاد لشيخ دين صغير. ولدينا في تجارب منظمة ابو مصعب الزرقاوي خير دليل. ومن الخطا ان نحسب بان هذا التيار مقتصرا على هذه الشخصية العدمية وحدها فقد تلجيء الاحداث غير المتوازنة وتعثر العملية السياسية إلى ما هو أسوأ من ذلك.
فأين يعمل الليبراليون العراقيون في اوضاع كهذه؟!!
لكن الخيار الليبرالي وبحكم النزعات الشمولية في الشرق عموما قد وضعهم في خانة "النخبة المعزولة" غالبا عن الحياة السياسية في البلاد. فهم من أقل الناس مجازفة بحياتهم. وبسبب هذه الحال فإن الليبراليين العراقيين هم أفراد دائما طوال حقبة النظام الفاشي السابق وحتى الوقت الحاضر أيضا. وتكشف ذلك نسبة المصوتين القليلة لقائمة الحزب الوطني الديمقراطي في انتخابات الجمعية الوطنية المؤقتة: كانوا قد حصلوا في عموم العراق على اكثر من ألف صوت فقط!!
اما في الانتخابات الاخيرة 15 كانون الاول 2005 التي جرت لأختيار جمعية دائمة فإن الليبراليين على الرغم من اصطفافهم مع الوطنيين والشيوعيين في قائمة ( اياد علاوي) فهم لم يستطيعوا ان يكونوا على العموم تيارا واضحا ذا وزن سياسي.
ومن الصعب أن نرى الليبراليين العراقيين جماعة موحّدة أو متماسكة لغياب تقاليد العمل الحزبي الرصينة، وتفاقم النزعة في معرفة كلّ ما هو قائم بينهم دون وضع بدائل مناسبة، وسيادة النزعة الفردية دائما. ربما يكون مثل هذا (المرض المزمن) قليل التأثير في الغرب لأن تقاليد الليبرالية قد تأسست منذ وقت طويل، لكنه مستفحل هنا على نحو كبير.
كانت ظاهرة عدم التماسك الفكري والتنظيمي قد وضعت الليبراليين العراقيين عرضة لتناهب الأحزاب الشيوعية والقومية على حدّ سواء؛ إذ كان بإمكان الليبرالي أن يتحول إلى أي تيار دون أن يجد في مثل هذا المر حرجا فكريا أو شخصيا. فالليبرالية صفة أقرب إلى الثقافة منها إلى السياسة. وعلى الرغم من أن "التمركس" الستيني العراقي كان يتعارض مع الليبرالية إلا أن معظم الليبراليين العراقيين هم ماركسيون بهذا المقدار أو ذاك؛ وهذا هو صلب الأزمة .
وعانى الليبراليون العراقيون – كما هو عليه حال معظم الليبراليين في العالم – من ظاهرة التوزّع بين الحركات السياسية المختلفة، فان ترى ثمة ليبرالي في الحركة الشيوعية وليبرالي في الحركات الإسلامية وليبرالي وطني وليبرالي اشتراكي وليبرالي مستقل ..الخ. وإذا كانت المسيحية بحكم ليبراليتها الظاهرة (بعد البروتستانتية) قد تبدي نوعا من التسامح مع الليبراليين إلا أن مثل هذا الوضع يكاد أن يكون غريبا لدى الليبراليون الإسلاميون؟ فكيف يمكن التملّص من أحكام الشريعة الإسلامية الصارمة وحملها على الفكر الحرّ؟ تبدو ليبرالية الإسلاميين على اختلاف مشاربهم وصنوفهم هي مجرد تزويق ثقافي مطلوب، وليست منهجا في المعرفة السياسية والاجتماعية.
تتسرّب الليبرالية في العراق كما النقود، وتحطّ على الأيدي المختلفة، لكنها ليست قوية وغالبا ما يتصرّف بها أصحابها. لكن الليبرالية ما زالت موضع عداء كبير من السلفيين بمدرستيهم السنية التقليدية والشيعية المتطرفة. فالليبراليون في كلّ مكان, وخاصة العراق في هذه البحبوحة من الحرية الناقصة. وهم "أعداء" خطرون إذا ما نظّموا صفوفهم على مختلف التيارات التقليدية. فالليبراليون الإسلاميون - إذا جاز التعبير- هم لوثريون من طراز آخر. وربما يمكنهم إذا ما احسنوا العمل والتوفيق من أن يحدثوا شرخا كبيرا في جدار الماضوية الإسلامية الصلد. تلك هي مهمتهم إذا ما عبروا حالة (التزويق) بنجاح وبدأوا عملا جادا جديدا.
لكننا حتى هذه اللحظة لم نشهد هذا النوع من الليبراليين الإسلاميين - كالنموذج التركي والاندونيسي- في العراق على أية حال. وقد يعود ذلك إلى الضعف الشامل في الثقافة التي تهيئ لليبراليين غالبا مناخا صحيا. فإن صعود الاسلاميين الليبراليين الترك ولد على ارضية من الحريات الفردية والعامة التي تمحورت حول الحدّ من الطبقة العسكرية المتحكمة والسلطة التنفيذية والعمل بالدستور والسعي بدخول الأتحاد الأوربي الذي طالما فرض نموذجه الديمقراطي على تركيا، وترك بصمة واضحة على سياستها الداخلية. ولم تكن تلك الحالة - بالطبع- صناعة إسلامية بمقدار ألتزامها بالنموذج الغربي.
كما أن النزعة الليبرالية ستجد لها مكانا أولا في أوساط الشيوعيين الذين تحولوا في العراق إلى الليبرالية من خلال إسقاط مفهوم الثورة الجذرية, ودكتاتورية البروليتاريان وديمقراطية الطبقة، والأيمان بالعنف وسيلة مثلى لتحقيق "أهداف الجماهير".إن الجماهير هذا المفهوم الواسع العريض والتاريخي ليس لها اهداف محددة غالبا تتعدى الإصلاحات الاقٌتصادية الملموسة واليومية.
إن أزمة الليبراليين العراقيين ليست تنظيمية فحسب، بل هي أزمة فكرية وثقافية في آن. وهي لا تتعلّق بانحسار مدّهم السياسي في الحقبة العسكرتارية بقدر ما هي البحث عن طرق عمل جديدة. فالليبراليون العراقيون منتشرون في حركات مختلفة لكنهم - كما هو مرضهم المزمن غير متعاونين! - وتعدذ ظاهرة ألتفافهم حول القائمة العراقية الوطنية التفاتة مهمة قد لا تتجدد غالبا.
ومن هنا فإن "النزف التاريخي" لليبرالية العراقية سوف يبقى مستمرا مكا دامت تبقي على الوسائل القديمة في الاتصال. كما انه سوف يهيئ مناخا جديدا لعودة الدكتاتورية بهذا الشكل أو ذاك خاصة أن مؤسسات الدولة المزمع إقامتها في العراق لم تتضح على نحو محدد، والدستور كمسودة لم يقدّم "ضمانات كافية" لصون الحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان - انجيل الليبراليين العتيد- بعد الإعلان عن التخلّي عن الالتزام بمواد حقوق الإنسان في الدستور وهي خطوة، فضلا عن وجود حركات (ثورجية) سابقة يمكن أن تستعير ما تشاء من موروثها السرّي للتحول بالاتجاه الآخر المناقض للفكر الحر تماما.
إن الخشية من توجيه ضربات غير متوقّعة للعمل الليبرالي العراقي بدا واضحا في مناقشات أعضاء الجمعية الوطنية من حملة الفكر الأحادي المعادي ضمنا للديمقراطية. فقد استطاعوا تقديم نماذج سيئة بعد انحسار الليبراليين العراقيين عن الساحة وانكشاف أوراقهم..وبدأوا حملة شعواء على المعاقل الأساسية التي يدافع عنها الليبراليون عادة، وهي حرية المرأة وحقوق الإنسان العراقي على وفق المعايير الدولية، وضمان الحريات الفردية، وبناء مؤسسات سياسية لدولة قانون..
وإذا كانت الطبقة الوسطى الأوربية والأميركية هي الضامنة الكبيرة لاستمرار الفكر الحرّ في الغرب، فما الضامن بالنسبة لنا في ظلّ غياب دائم للطبقة الوسطى في العراق؟! يظنّ بعض الليبراليين العراقيين الجدد والقدامى أو من أولئك( الثورجية القدامى) الذين عاشوا ردحا من الزمن في الغرب: بان الولايات المتحدة هي ضمانة الليبرالية في العراق، وأن (رسالتها الجديدة) في نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب كفيلة بإنعاش وإبقاء الليبراليين على قيد الحياة السياسية في العراق؛ وهو خطأ فادح. فالولايات المتحدة راعية أعتى الأنظمة الدكتاتورية التقليدية في الشرق الأوسط لن تتحول إلى راع طيب للحريات بين ليلة وضحاها, ولسوف تضحي بكلّ حريات الآخرين من أجل مصالحها الدولية الوليدة التي لم تلتقٍ يوما مع مصالح الشعوب المضطهدة. فليس ثمة ما يجعل مصالح الشعوب المضطهدة تلتقي مع قوى مستغلة وغاشمة؛ وان ما يقال عن لقاء تلك المصالح هو هراء صحفي. ولذلك فإن سحق الليبرالية العراقية الجديدة قضية وقت ليس إلا..




















مدرسة (الكوارث) الأميركية المصنّعة
من يكتب التأريخ القادم ؟

في خطاب الرئيس بوش لمناسبة مرور عامين على الاحتلال الأميركي للعراق أعاد فكرة ( النبل الأنكلوسكسوني ) في نشر (الديمقراطية) بين شعوب الشرق الأوسط والعالم الإسلامي خاصة . وربط خطابه ـ وفي خطابات أخرى قريبة أيضا ـ بين أوضاع (الأمن الأميركي) و(الأمن في الشرق الأوسط) والعالم ، ونشر المثل والقيم الديمقراطية في الأرض كلّها باعتبار نشر الديمقراطية وسيلة لتحقيق الأمن على مستوى العالم. وأوحى الرئيس بوش للعالم بان الديمقراطية وحقوق الإنسان يمكن أن تسهم بهذا القدر أو ذاك في كبح جماح الإرهاب في كلّ مكان في محاولة جديدة للخروج من الأزمة التي تحيط بالإدارة الأميركية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 .
وإذا كان من الصعب على أية حال التعويل الأولي على (إعلانات) الولايات المتحدة الأميركية بسبب التاريخ الطويل والمروّع في دعمها للأنظمة الدكتاتورية والرجعية والموغلة في الدماء في العالم طوال حقبة الحرب الباردة 1945 ـ 1991 فإن ثمة ما يستوقف الباحث المحايد عند هذه (الإعلانات) المتكررة التي تظهر في المناسبات الرسمية وغير الرسمية أيضا ، والتي تحاول أن ترسم صورة جديدة للولايات المتحدة من خلال موقعها كدولة عظمى ووحيدة يمكن أن تهتمّ بشؤون العالم كله ؛ وهي توجّه الخطاب إلى العالم والعالم الإسلامي بخاصة وبمظهر جديد وربما يكون ( مغايرا ) أيضا عما عرف عنها إبان الحقبة الباردة . فهل أن (السياسة الجديدة ) تمتلك المصداقية الكاملة أم أن عوامل الاضطرار الدولية تكمن وراءها ؟
كان الرئيس بوش قد أعلن غير مرة إن ( أخطاءُ ) ما قد حدثت في عمليات (الحرب على العراق) تتمثّل بالدرجة الأساس في (النقص الخطير) في مصادر المعلومات عن العراق ، ووقوع الولايات المتحدة في (أكبر) عملية (خداع معلوماتية) يصعب الاعتراف بها على نحو واضح حول ما عرف بأسلحة الدمار الشامل والتي كانت بحوزة النظام العراقي السابق . وإن الأشخاص الذين قدموا لها معظم تلك (المعلومات الخاطئة) أو المبالغ فيها في اقل تقدير هم من العراقيين الذين يشغلون الآن مناصب مهمة في الحكومة العراقية المنتخبة جزئيا .
وبعد سلسلة من الظواهر المهمة في ( الحرب على العراق ) أعترف الرئيس بوش في تصريحه لجريدة (نيويورك تايمز) في مقابلة معه : "بأن الولايات المتحدة وادارته قد وقعتا في ( خطأ ) " ولم يوضح بوش على نحو دقيق ماهية هذا الخطأ التاريخي الذي بني وبقوة على (أخطاء) السيد الوالد بوش الأب حينما سمح لصدام بسحق الميليشيات الشيعية الغاضبة وغير المنظّمة التي أسقطت ( 14 ) محافظة إبان حرب الخليج الثانية ، تاركا هذا الأمر إلى حكم التاريخ ؟؟
ولا نعرف هل يقصد بوش الابن التاريخ كعلم مبني على (الوثائق) الدامغة التي تدين مواقف الإدارة الأميركية وما تلاها ؛ أو تلك الأحكام المصنّعة التي سيصدرها البنتاغون كأحداث وقعت فعلا ؟ وعلى وجه الخصوص تلك (الإعلانات المباشرة) شديدة الحساسية عن أسباب شن الحروب ومدى صدقيتها أمام الشعوب على الاقل ؟ فلم تكن أدارته ـ كما يبدو من ظاهر اعترافه ـ على (دراية كاملة) بنتائج سقوط النظام الصدامي المدوي ، والسرعة القياسية غير المتوقّعة لـه أيضا ، وعلى وفق خطة ( وولفويتز ) مساعد رامسفيلد القدير الذي منح منصبا ماليا مؤخرا باعتباره رئيسا ( للبنك الدولي ) نظير خدماته الحربية ، مع إنه لا خبرة له في الاقتصاد والمالية العالميين . يعرف بوش الابن كيف يكافئ كقيصر جديد اتباعه الدائمين .
إن عدم ظهور أية بوادر لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل ـ السبب المباشر للحرب ـ أوقع الإدارة الأميركية في حرج كبير ، وربما يكون ( تصريح) كوفي عنان في عدم (شرعية) الحرب على العراق أحد عوامل الخلاف بين المنظمة والإدارة الأميركية الحالية ؛ وكما هو التصريح المعلن و الأولي الذي أخذ على عاتقه عدم تريث المنظمة الدولية في توقيتات إعلان أحكامها وما تبع ذلك من أسباب في إعلان الحرب على نظام صدام .. فهل إن الإدارة الأميركية لم تحسب لكل شيء حسابه حقا ؟ ، وأن جورج تنت مدير ال CIA)) السابق والذي خدم تلك المؤسسة الكبيرة أكثر من غيره ـ 7 سنوات متواصلة ـ كان غير جدير بذلك المنصب الذي يعد من أهم المناصب في الولايات المتحدة ؟! وكيف يمكن لبضعة معارضين عراقيين خرج معظمهم منذ عقود من العراق أن يوفروا معلومات لأكثر الدول اهتماما بالمعلوماتية ؟!
إنه لأمر لا يمكن تصديقه لأبسط مراقب محايد ، ومبتدئ ، ولن تكون أحداث 11 سبتمبر ـ في أغلب الأحوال ـ هي المحرك الوحيد لهذه الحملات الأميركية التي لم يلح في الأفق أية إشارة للتخفيف من أوارها حتى هذه اللحظة ؛ بل إن التطورات الدولية تشير إلى إمكانية أتساعها يوما بعد آخر لتشمل حملة الحرب على الإرهاب قائمة جديدة من البلدان التي تقف في قائمة الانتظار كإيران وسوريا وكوريا الشمالية وكوبا .. وما يمكن أن ينتج بعد ذلك من دول أخرى ليست في الحسبان أو من تلك الدول المحسوبة على قائمة الدول الحليفة القديمة .
ومن المفيد أن نذكر في هذا المجال : أن الجهود التي بذلتها المعارضة العراقية في الخارج ، وبخاصة في مؤتمرات لندن وصلاح الدين ، للخروج بصيغة معينة للأتيان بحكومة عراقية مؤقتة تتشكّل في المنفى ، وتتسلم مهامها بعد اليوم الذي يلي سقوط النظام ؛ وهو الحد الأدنى للحد من حالة الانفلات الأمني الشامل التي أصابت العراق على مدى اكثر من عامين ، وحملته أفدح الخسائر وأشنع الأحداث ؛ هذا ( السيناريو المفترض ) قد رفض من الإدارة الأميركية جملة وتفصيلا ، منذ البداية ، على الرغم من صوابيته ومنطقيته و دون أن تقدم الولايات المتحدة أي تفسير مقنع لذلك أيضا ؟ اللهم إلا وقوعها في ( الخطأ ) .. والأخطاء التي تترشح عنها الكوارث دائما .
ولكن إدارة الرئيس بوش التي تعرف الآن بإدارة ( حرب من طراز أول ) في الولايات المتحدة لم تأخذ بذلك السيناريو المعقول ؟؟ وعملت وبجهد ذاتي على أن تكون هي ( المرجع الوحيد ) للعراقيين منذ الأيام الأولى للاحتلال . فهل إن الإدارة الأميركية كانت تنظر إلى العراقيين محض (جماعات) سكانية مختلفة لا روابط حقيقية بينها , كما زودها بذلك (السادة) العراقيون من حملة المعلومات الكاذبة ؟ وورثة المخابرات البريطانية القديمة ؛ ويمكن أن تساس تلك (المجاميع المهلهلة) من حاكم عسكري على طراز الجنرال (جي غارنر ) الذي أدار العراق في الشهر الأول من احتلاله ؟! لقد كانت تجربة ( غارنر ) في شمال العراق ماثلة للعيان منذ البداية في سياسة (الجماعات) الكردية المتناحرة ، والتي أفضت سياساتها الحزبية المتصارعة تحت نيران عشائرية إلى حرب أهلية في شمال العراق 1994 ـ 1996 حتى اضطر السيد مسعود البارزاني بالاستعانة بالحرس الجمهوري الصدامي لكبح جماح ( جماعة اليكتي = الاتحاد الوطني الكردستاني) المدعومة من البازدران الإيراني. ويبدو أن تلك السياسة الغارنرية المشوبة ب( المنظمات الإنسانية في الملاذ الآمن ) كانت تعدّ (النموذج) الذي يعول عليه أيضا ، والذي لما يزل ـ يلعب بورقته محللو البيت الأبيض والبنتاغون من خلال التلويح من وقت لآخر بإمكانية ولوج العراق في حرب أهلية قصيرة أو طويلة نسبيا. وهذه (الطروحات) المعدّة سلفا بالطبع هي من وحي ( السادة ) القادمين في أعقاب ضجيج السرف الحديد من (المستعرقين) الجدد. وهي تطال أحيانا طروحات خجولة لمعارضين (فندقيين) أو أصحاب دكاكين سياسية وغير سياسية صغيرة يظهرون على الشاشات الفضائية المحمومة بالشأن العراقي غالبا.
لماذا كل هذه (الأخطاء) الكبيرة التي ترقى إلى الخطل الستراتيجي ؟! ولم كلّ هذه الحملات الإعلامية المسعورة حول أسوأ الاحتمالات حول القادم العراقي ؟ ومن الذي يمكنه أن (يحاسب) أكبر قوة في العالم على أخطائها الستراتيجية ؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية بعد ذلك؟ هذا ما يصر عليه الرئيس بوش في أن يكون للتأريخ ـ والتاريخ وحده ! ـ الحكم النهائي . أما ما دفعه العراقيون من أثمان باهضة جدا فهو محض (تاريخ) يسجل لهم أيضا دون أن يدون منه شيء ـ يا للأسف ـ سوى دماء الاميركان التي اهرقت في (تحرير) العراق من دراكيولا صدام المزمن .
لقد بقي العراقيون بلا سلطة مدة أكثر من شهرين منذ دخول القوات الأميركية إلى بغداد في وقت حلت فيه جميع مؤسسات الدولة ـ ما عدا وزارة النفط ! ـ دون ان يظهر للإرهاب قرن . وحينما جيء بمجلس الحكم المنحل أصبحت الأوضاع تنذر بخطر مروع ، وبخاصة بعد أن بدأت الأعمال الإرهابية بالظهور على نحو دفع بهذه الإدارة إلى تقاسم المسؤولية مع القادمين (المستعرقين) ليس إلا.. ومن الطبيعي أن يكون الشعب العراقي هو الذي تحمّل أعباء هذه الأخطاء الكارثية قبل أية جهة أخرى كما أن الأخطاء استمرت بالتضخم في عهد الحكومة الانتقالية المعينة من سلطة الاحتلال على وفق ( توافقات ) قومية وطائفية ولسوف تبقى في عهد الحكومة ( المنتخبة ) جزئيا أيضا .
إن (السيناريو) الذي كان يفترض أن تقوم به الولايات المتحدة بدعم العراقيين المعارضين في الداخل والخارج معا لإسقاط النظام الصدامي يبدو ماثلا للعيان الآن أكثر من أي وقت مضى . وهو من أفضل ما كان يمكن أن يحدث (لولا) تعارضه مع المخططات الأميركية الجديدة للشرق الأوسط عموما . وعلى الرغم من ذلك فإن الإدارة الأميركية لم تكتشف أخطاءها التقديرية المقصودة والمخطط لها إلا بعد فوات الأوان ، أي بعد فشل السيناريو الذي
أعدته سلفا والذي كان يعتمد على إدارتها المباشرة أو غير المباشرة للعراق من خلال حكومة على طراز حكومة فيتنام الجنوبية والذي أثبت التاريخ السياسي القريب عدم جدواها و كارثيتها أيضا . ولا يمكن ان تكون نهاية الحرب الباردة مدعاة على تغيير قوانين كفاح الشعوب في التحرر والانعتاق ؛ إنه الوهم الأميركي مرة أخري في صياغة العالم على طريقتهم .
وهذه الحال على العموم ليست ( أخطاء ) تتعلق بالمعلومات أبدا، وبالتبريرات الخجولة الملحقة بها ، فللولايات المتحدة ما يكفي من المعلومات الدقيقة حول العراق والشعب العراقي ومكوناته القومية والطائفية؛ لكنها (أخطاء) في طريقة التعامل مع الشعب العراقي نفسه ، والنظر إليه من منظار آخر، وتقدير إمكاناته وعمقه الحضاريين ووحدته الوطنية . كما أن للولايات المتحدة بعد ذلك ثمة أخطاء قاتلة جديدة ـ في الطريق ـ تتعلق بالنظر إلى المعارضة / الداخل لنظام صدام ، وقضية تشكلها السريع ( العسكري والتنظيمي ) فإن الاعتقاد السائد بأن ليس ثمة معارضة في الداخل على نحو منظم في عهد النظام السابق هو محض خدعة أخرى مارسها مرسلو (المعلومات الخاطئة) الذين كانوا يتسكعون بين عواصم العالم ؛؛ وهو خطا آخر ـ لن يغتفر للإدارة البوشية الحالية ـ ولسوف تدفع الولايات المتحدة ثمنه لاحقا أيضا ، ما لم تسارع إلى تفهّم طبيعة الشعب العراقي ومكوناته الخاصة على نحو واقعي بعيد عن واضعي المعلومات الناقصة وغير السليمة ؛ فليس من الحكمة أعتماد أكبر قدر من المعلومات عن حالة واحدة بمقدار ما يربط منطقيا وواقعيا بين ركام المعلومات المتنوعة؛ وهذه الأخيرة لن يوفرها للإدارة الأميركية أولئك (الجالسين المدججين بالمعلوماتية في فنادق واشنطن أو العاصمة بغداد التي تحولت إلى ثكنات عسكرية ) أو من الخبراء والباحثين والأكاديميين ( المستعرقون و المستعربون وتجار السلاح ومقاولو شركة هالي برتون واليهود ورجال الأعمال القذرة ) أو أولئك الذين يجلسون خلف الكومبيوترات الكبيرة ( ملفات الدول الخاصة ) في واشنطن .
إن (الأخطاء) القاتلة في السياسة الأميركية لا تأتي غالبا من عدم وجود (إحصاء) دقيق لمفردات الواقع الحقيقية ؛ بل إلى تلك الطريقة الفجة والمحاولات المستميتة في رصف تلك المعلومات والمعطيات ، كي تصبّ في مجرى السياسة الأميركية المعلنة وغير المعلنة في آن . ولم تستطع الإدارة الأميركية على أية حال أن تستوعب (الدرس الفيتنامي) بعد وةلا الدرس الأفغاني ، وربما هي لن تحاول استيعاب ( الدرس العراقي ) أيضا ؛ بل هي في اغلب الأحيان توهم نفسها ـ وعلى طريقة (رامبو القتّال) في افتعال معارك لم تحدث ـ وفي أن يكون ما (تريد) أهم من أي شأن آخر . .
ومن هنا فإن السياسة الأميركية هي ( نصف واقعية ) و( نصف حالمة ) وأحيانا تحاول أن تجعل من النصف الحقيقي لديها طريقة للتعامل مع النصف الآخر الذي تفترض إمكان وجوده أو خلقه في الأقل : وهذه هي الطريقة الأميركية في النظر إلى الأشياء غالبا ، ولذلك فإن اعتراف الرئيس بوش جاء على نحو يتغافل عن 70 % من الحقيقة التي لن يكون التاريخ على أية حال منصفا لها مادام سيكتب على الطريقة الأميركية ـ من وجهة نظره ـ باعتبار القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا شئنا أم أبينا !؟ لكن خيارات التاريخ لن تكون محصورة في إرادات الأفراد أو الجماعات وحتى الإمبراطوريات القديمة أو الجديدة .




























سياسات دمقرطة الشرق الإسلامي
طروحات الولايات المتحدة حول (الفوضى البنّاءة)

النزوع القديم في الغرب نحو تفسير انهيار الإمبراطوريات العظمى التي شغلت اكبر مساحة من الجغرافيا والتاريخ والسكان وقوة دوي الانهيار تذكرنا بدراسة غوبون Gobon حول سقوط الإمبراطورية الرومانية وسقوط الإمبراطورية المقدسة ، وكتاب (أزولد شبنغلر) الشهير حول (سقوط الحضارة الغربية) أو ( سقوط الغرب ) فضلا عن كتابات المستشرق (أرنولد توينبي) المطلع الكبير على أعظم وثائق العالم في مكتبة المتحف البريطاني وفي نبؤته الخطيرة في سيادة الفوضى في العالم .. وليتبع كلّ هذا الرهط المحموم بالسقوط المدوي المفكر والأديب البريطاني كولن ولسون في كتابه المهم ( سقوط الحضارة) حيث كانت له زاوية أخرى جديدة في دراسة السقوط الحضاري . وكان (الجيل السبعيني) في العراق والعالم العربي قد (تتلمذ) بهذا القدر أو ذاك على رؤى ولسون الخاصة ونظرته للحضارة الإنسانية عموما بسبب كثرة الترجمات لكتبه وغرابة طروحات أفكاره عما عرف بالإنسان اللامنتمي ، وما يعتور من فوضى فكرية وروحية في داخله . ويبدو أن المفكرين الاميركان البرغماتيين قد تلقفوا تلك (الأفكار) من جديد في محاولة سريعة وغير جادة غالبا في إعادة إنتاج (عملية الفوضى)التي تسبق غالبا معظم الانهيارات الكبرى في التاريخ .
وليس هناك ما هو أكثر (مظلومية) و(عدم دقّة) من مفهوم الفوضى في التاريخ الإنساني ، فقد كانت معظم الثورات الكبرى توصف غالبا من أعدائها بالفوضى أو الخروج على القوانين النافذة . ثمّ ارتبط أسم الثورة بالفوضى دائما حتى بات من الصعب الفصل بينهما طوال حقب كثيرة من التاريخ الطويل ؛ ويعود سبب ذلك إلى أن مؤرخي الدول والملوك كانوا يعكسون وجهة نظر الحكومات غالبا ، وأن من يكتب التاريخ هم موظفي البلاطات والمرتبطين بعجلة الدولة . كما أن الملوك على اختلاف أماكنهم الجغرافية ومشاربهم الحكمية , كانوا يصفون كلّ من يخرج على نظامهم بالفوضوي وقاطع الطريق ، والخارج عن القانون ، والشرير المتنطّع ، والمطلوب حيا أو ميتا من أجل التاج .. ثمّ انسحبت ببساطة تلك التهمة الفوضوية إلى الأنظمة الجمهورية الحديثة ، وكذلك إلى الأنظمة الملكية الدستورية ، حيث اصبح كلّ من يخرج على الملك الدستوري و الرئيس الحاكم أو الحزب الحاكم فوضويا يحكم في محاكم خاصة ، وكذلك من يخرج مطالبا بحقوقه الفردية أو العامة فوضويا متمردا يستحق المحاكمة ونيل الجزاء وفقا للدستور النافذ في البلاد . وهكذا اصبح كلّ مخالف فوضوي وإن لم يقصد ذلك .. وكلّ ذي وجهة نظر مغايرة (يساريا) يستحقّ السجن في الصحراء أو في سجون حجرية عالية أو الإعدام ..
ولكننا لم نسمع بالفوضى البناءة ـ كمصطلح سياسي متداول ـ إلى وقت قريب . وكان علماء الفكر السياسي قد حسبوا أن هذا المصطلح الفريد في صفته ، والغريب في نحته ، لن يعود إلى السطح السياسي للتداول من جديد بعد موت ( الفوضوية) كمذهب سياسي ظهر في القرن التاسع عشر ، وله رواده ومعجبوه ، وفلاسفته أيضا . فمن أيقظ تلك الأفكار القديمة من سباتها التاريخي ؟ ومن بعث فيها الحياة ثانية لتتبوأ مكانا مهما في عالمي السياسة والفكر؟
كان (بومارشيه) قد قدّم نصيحة ثمينة على لسان بطله (فيغارو) في رائعته (حلاق أشبيليه) تتعلق بكيفية التخلص من (الآخرين) المناوئين بقوله : " إذا أردت ردع الآخرين عن التدخل في شؤونك ، فما عليك إلا أن تجعلهم ينشغلون في شؤونهم الخاصة " ولا شكّ بأن تلك النصيحة البسيطة والصعبة في آن قد قدّمت على طاولة الآداب الأخلاقية (العتيقة) ووجدت ـ من حيث لم يقصد الساسة الكوسموبوليتيون الجدد ـ طريقها بسهولة خارقة إلى ساحات العمل السياسي في العلاقات الدولية . وكأن علم السياسة في عالم ما بعد الحرب الباردة قد نضبت جعبته ، وخلت أدواته فطفق يستعير من الأدب ما يقوّي أزمته الحالية ويعضّد من فراغاته الفكرية . هكذا يسهم الأدب في حمل العالم الجديد على التفكير بحلول بعض المعضلات الدولية دون أن يكون لـه ثمة مخططات معينة مسبقة . حسنا أنها محاولات أخر .
وكيف يمكن جعل (الآخرين) يدورون في حلقات مفرغة من المشكلات والأعباء والكوارث الدائمة حتى يمكن (نسيان) أعدائهم الحقيقيين وهم يرونهم على شاشات التلفاز كلّ صباح ، وعندما يفتحون نوافذ منازلهم يجدون عجلاتهم ودباباتهم وهي تكسّر ما تبقى من أرصفة الشوارع المحطمة سلفا . إن تلك هي مهمة (الأذكياء الحسّابين المناورين) الباحثين عن كلّ مؤشر مفيد يمكن من خلاله إبقاء ( الآخر ) مشغولا عما يجري من حوله ؛ ووحدهم أولئك ممن يجلسون ليل نهار ـ الآن وفي أي وقت قادم ـ وراء كومبيوتراتهم الخاصة لتحليل وجمع وتخزين وتبويب وترتيب أكبر ما يمكن من المعلومات الشعيرية عن أولئك (الآخرين) المزعجين لهم في العالم كلّه ؛ والذين لا يستحقون من الساسة الجدد غير تصميمات مسبقة ومحسوبة بعناية من أجل وضعهم في فوضى مبرمجة ومفيدة ؛ لكنها فوضى جديدة على العالم ؛ إنها (الفوضى البناءة) مرة أخرى التي يكمن من خلالها ـ فقط ـ الخروج من قمقم 11 سبتمبر المزعج جدا ، والذي لم يحسب له حسابا صحيحا !
ومن الصعب أن نجد ـ في هذه المدّة بالذات ـ ثمة رؤية أميركية واضحة بازاء قضايا عالمية مهمة وساخنة تتحول إلى (بعبع) دائم على مستوى الإعلام العالمي. ولا تعدو تلك الأفكار الفوضوية السريعة والمعلّبة ـ غالبا ـ عن أن تكون مجرد (آراء) لأشخاص من تيار المحافظين الجدد يعملون في الإدارة الأميركية حاليا , أو من أكاديميين مولعين بوضع نماذج مبسّطة تقترب من التسطيح الفكري غالبا لتفسير حركة العالم الرأسمالي الجديد ما بعد الحرب الباردة ، وهم دأبون على الترويج لمنطلقات فكرية غير دقيقة تتناسب تماما وتوجّهات الساسة في البيت الأبيض بالدرجة الأساس أولا ، وكبار أصحاب الشركات المهتمة بالتصنيع العسكري . ثم يتحول بعد ذلك كلّ ما هو كائن إلى محض خطط على (دسكات سرّية) ثمّ إلى أرض الواقع حيث تقوم (الكارثة) بعيدا عن (دوائر) السادة المخططين لها .
يحاول الساسة المحافظون الجدد ( صقور البيت الأبيض) أن يستعيروا ـ على الأقل الآن ـ بعض تراث الراديكاليين الميتين في أواخر القرن التاسع عشر من أجل تغيير العالم . لكن تغيير العالم أصعب بكثير من تهديمه كما هو معروف ؛ وهذا ما يثبته أنموذج العراق بشدة . إنه المأزق الفكري نفسه الذي أحاط النظام الرأسمالي منذ ظهوره في أعقاب (الانقلاب الصناعي) في أواسط القرن الثامن عشر وإلى يومنا هذا . كما انه المأزق نفسه تقريبا في عصر التوجّه العولمي الحاضر . وإذا كان الفوضويون القدماء من فلاسفة القرن التاسع عشر، الراديكاليين الحالمين بالثورة الكبرى المفاجئة والدائمة حتى انهيار آخر معقل للرأسمالية في العالم قد رأوا أن العالم يمكن أن يتحول في ليلة واحدة من الرأسمالية إلى الاشتراكية ! وفي هبّة واحدة صاخبة من الإضرابات العامة والتمردات الكبرى على مستوى العالم كلّه ، وفي هيئة اعتصامات فوضوية عارمة وغير منظمة غالبا تجتاح أوربا الرأسمالية من أولها إلى آخرها ـ الأوربه دائما هي التي تحمل كلّ ما هو جديد ! ـ فإنهم الفوضويون المتقدمون بقوة هذه الايام لكنهم يرتدون زي اليمين هذه المرة ؛ فلنتأمل طرائف ومفارقات الزمن . ومن اجل (الحقيقة الطبقية العالمية وحدها) كانوا يرون أن العالم : هو محض أوربا آنذاك ، ومن اجل الحقيقة العولمية وحدها ايضا هو ما يزال كذلك !؛ وما زال المحافظون الجدد الأميركيين و بعض الغربيين يرون الرؤية نفسها على الرغم من تبادل المواقع بين اليمين واليسار.
لكن ما حدث في الأصل هو مجرد تحول في المواقع الجغرافية وهو انتقال القطب المركزي من أوربا العجوز إلى الولايات المتحدة . ولذلك فإن المحاولات الأوربية في استعادة الموقع القديم لن تهدأ بدءا بالاتحاد الأوربي وانتهاء بدستوره الذي لم يتفق عليه . وهذا المرض (الأورَبَي) الأصل هو الذي حدا بفيلسوف (دكتاتورية البروليتاريا) كارل ماركس أن يقدم في أواخر عمره مبحثا (خجولا) ومقتضبا عن طريقة الإنتاج الآسيوي .. ولكن جاءت فكرة (الفوضى البناءة) هذه المرة من القطب الآخر عبر الأطلسي ؛ أو ليس للولايات المتحدة قصب السبق في كلّ شيء منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا ؟ إذن فإن مركزة الفكر تتبع القوى العسكرية ، ولا حاجة بنا إلى التدقيق مليا في هذا الفرض القسري مادام الفكر قوة في ذاته فمن المنطقي أن يلحق بمصدر القوة الوحيد في العالم ـ الولايات المتحدة ـ واي محاولة اخرى للحيلولة دون بقاء هذا القطب وحيدا هي طعن في ظهر الإمبراطورية !
وتعدّ منطقة الشرق الأوسط ، والعراق على وجه الخصوص ، هي المحور الأساس في طروحات ( الفوضى البناءة ) حيث أن هذه المنطقة كانت ومازالت مصدر قلق محوري للولايات المتحدة ، وليس اعتباطا أن حدد الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه الأخير إبان زيارة رئيس الوزراء العراقي في يونيو / حزيران 2005 بان العراق هو الجبهة المحورية لمواجهة الإرهاب العالمي وكجبهة عالمية . ولذلك فإن تغيير منطقة الشرق الأوسط ـ على وفق النموذج العراقي ـ هي مسألة في غاية الأهمية ، فضلا عن أن فشل السياسة الأميركية في إنتاج هذا النموذج سوف لا يعرض وجودها العالمي إلى الخطر ؛ بل ربما يقود العالم ـ من وجهة نظرهم طبعا ـ إلى الدخول في برزخ مظلم لا يقل أهمية عن ضرب هيروشيما وناغازاكي أو خانق خليج الخنازير عام 1961 إن لم يكن أشدّ خطورة منه بدرجات عديدة . ومن هنا فإن الإدارة الأميركية تصرّ إصرارا دائما على أن انسحابها من العراق مرهون باكتمال (المهمة) ولو نظرنا على الإعلانات الرئيسة للإدارة الأميركية قبيل إعلان الحرب على العراق عام 2003 فإنها كانت محصورة في اتجاهين أساسيين :
1 ـ القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية.
2 ـ الحيلولة دون اعتداء العراق على جيرانه .
ولو نظرنا ببساطة إلى كلا الهدفين فإنهما قد تحققا تماما لأول وهلة من سقوط النظام الصدامي حيث أثبتت التحقيقات الدولية والأميركية خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل ، وتمّ حل الجيش العراقي ( الحرس الجمهوري ، والجيش التقليدي ) باعتبارهما نقطة الانطلاق في العدوان على الجيران ؛ في وقت كانت الولايات المتحدة من أكثر البلدان دعما لهذا الجيش منذ عام 1986 وفي إثر فضيحة إيران كيت وما رافقها من صراع ـ في العلن تقريبا ـ بين مجلس الامن القومي ووزارة الخارجية .. بيد أن الولايات المتحدة عادت هذه المرة إلى وضع (أهداف جديدة) أكبر وزنا وأبعد ستراتيجية ولم يسبق لها أن أعلنتها من قبل على نطاق رسمي ، وهي :
1 ـ وضع خطة كبرى لما يعرف بالشرق الأوسط الكبير وما رافق ذلك من الدعوة إلى إصلاح الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط بخاصة ، وضرورة الالتزام بحقوق الإنسان ( دمقرطة الشرق الإسلامي ) .
2 ـ انتهاج مفهوم (الحرب الاستباقية ) وتحويل تلك الستراتيجية إلى ميدان السياسة الخارجية على وفق رؤية كوندا ليزا رايس ، حيث تكون ثمة (تطابقية) غير معلنة بين العسكر والسياسيين وصناعيي الأسلحة في آن ؛ ولتذهب تلك المصادمات التقليدية (الريغانية) في أفضل صورها بين مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية إلى سلّة مهملات طويلة الأمد نسبيا ، فهي لم تعد تتناسب والتحديات في عصر الحرب العالمية الثالثة ( الحرب على الإرهاب العالمي) ومادامت تلك الحرب شبه الدائمة وغير التقليدية والتي يمكن أن تستمر أكثر من عقد من الزمن في اقل تقدير لخبراء البنتاغون الجدد و حيث لا يمكن رؤية العدو على شاشات طائرات U2)) فائقة التخفي ، فإن على السادة في البيت الأبيض أن يعدوا العدة المناسبة لهكذا حرب مفروضة وغير واضحة المعالم وليست لها جغرافية ثابتة ومن أطراف قليلة العدد شديدة التدريب ، ثمّ مفعمة بالكراهية الدينية .هذه الحرب هي الأطول في زمنها من كلا الحربين العالميتين السابقتين حيث لم تكن التكنولوجيا عاملا حاسما في تقصير أمدها كما حدث في عمليتي هيروشيما وناغازاكي . فالإرهاب يكون ( حربا عالمية ثالثة ) في مفهوم صقور البيت الأبيض بلا شك هو يسعى في المدّة القادمة إلى امتلاك أسلحة دمار شامل ، تماما ، كما هو سعي صدام إلى امتلاك تلك الأسلحة المزعومة ؛ أولم يهدد صدام بتلك الحرب قبل سقوطه محذرا الولايات المتحدة منها ؟!
وهذه الحرب ـ من وجهة نظر المحللين الأميركيان ـ تحتاج إلى عدة عقود ولا بدّ للولايات المتحدة من أن تنتصر فيها؛ فليس أمامها إلا النصر وحده ، لأن هزيمتها سوف تكون هزيمة لأوربا أولا ، وللعالم المتحضر أيضا كما أنها سوف تضع العالم الغربي كلّه على شفير هاوية وربما تشبه الهاوية الغريبة التي وضعها لـه الفيلسوف الألماني شبنغلر في كتابه الشهير " "سقوط الحضارة الغربية " . ومن هنا فإن الرئيس بوش يؤكد في خطاباته إلى الأمة الأميركية : بان الإرهاب العالمي يرغب في خططه إلى تغيير مثلهم وقيمهم الاجتماعية أولا وليس سياساتهم الخارجية وحدها . وهكذا فإن هجمة شرسة على المسلمين في أوربا والولايات المتحدة لن تتوقف منذ أحداث 11 سسبتمبر ويبدو أنها سوف تتصاعد كلما أشتدّ أوار الحرب الجديدة وكثرت العمليات في عقر دار الأميركان والغربيين حيث تتخذ الفوضى منحى آخر من الكراهية والنبذ .
لم تستطع أفكار الفوضى البناءة أن تقدّم حلولا مقنعة وعملية للعالم ، ويبدو أنها ستبقى مجرد طروحات للإعلام العالمي ولتسيير ماكنة الفضائيات التي درجت (كوندي) على الظهور فيها من حين لآخر دون أن تضيف شيئا جديدا عما درجت عليها خطابات الرئيس بوش الأسبوعية أو تلك الخطابات الفصلية الموجّهة إلى الأمة الأميركية من حين لآخر في ظل أزمات عامية متتالية قد تؤدي بالعالم إلى الانهيار فعلا .





















العراق مركز العمل الستراتيجي

ستراتيجية الأرض المستوية الأميركية


عندما وقف قيصر روسيا الكسندراثناء الزحف النابليوني وأعلن سياسة "الارض المحروقة " كان يعلم جيدا أن خسارته فادحة، لكنه واصل العمل للوقوف بوجه الغازي نابليون بونابرت. وعلى الرغم من الخسائر التي مني بها الجيش الروسي عام 1807 في معركة فريد لاند freidland وهي منطقة الآن في ليتوانيا، حيث تكبد 25 الف قتيل و80 مدفعا لكنه واصل العمل على وفق ستراتيجية "الأرض المحروقة". ثم انتهى به المطاف عام 1807 لعقد معاهدة تيليست Tilsit التي تم بموجبها الصلح مع نابليون. لكن نابليون عاد إلى روسيا عام 1812 لتشهد ستراتيجية الأرض المحروقة افضل صورها في حريق موسكو الشهير.
كانت تلك الستراتيجية الروسية قد اتت اكلها، فاستطاع القيصر المحافظة على الكيان الروسي، من خلال إنهاكه لجيش نابليون، ولينل الاخير بعد ذلك أقسى هزيمة له تمثلت في معركة( واترلو) التي اخرجته بفعل سياسية "الأرض المحروقة" والحلف الاوربي من التاريخ الحي للعالم، وليشهد نهايته في جزيرة سانت هيلانه بمر ض المعدة عام 1821 منفيا، حزينا، يعيد امجاد (معركةاوسترليتيز) وحدها بعد واحدة من اكثر مآسي التاريخ الأوربي ظلاما وعنفا وهمجية.
لكن سياسة "الارض المحروقة" آنفة الذكر بقيت مسطرة في تاريخ الحروب والستراتيجيات وهي لا علاقة لها من قريب او بعيد تقريبا- كستراتيجية قديمة ودرس يدرس في معاهد الحربية- بستراتيجية "الأرض المستوية" التي تعتمدها الولايات المتحدة الآن بازاء منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. اللهم إلا تلك الرغبة بالاندفاع على الأرض بأعتبارها المنطق الوحيد في التكون الستراتيجي.
وعلى الرغم من ان الستراتيجيات تتألف وتتوالد من رحمين مختلفين: الدفاع والهجوم. فقد كانت ستراتيجية قيصر روسيا دفاعية بالدرجة الاساس، لتعقبها بعد ذلك ستراتيجية هجوم كاسح على جيش نابليون الغازي. اما ستراتيجية "الأرض المستوية " فهي ستراتيجية هجوم بحت وشبه مباغت أيضا، إذا ما قورنت بالأعراف الدولية الجديدة.
لكن ستراتيجية الولايات المتحدة الحالية هي خطط هجوم بالدرجة الاساس كماا يراد منها في مضامينها النهائية. وكما اوضح ذلك الرئيس بوش غير مرة: الحفاظ على النظام الرأسمالي، وامنه من أية هجومات كالحادي عشر من سبتمبر2001، وكذلك الإبقاء على طريقة الحياة الغربية ماثلة امام العالم، والوقوف بحزم امام محاولات "غزوها" اسلاميا بأية وسيلة دفاعية. فأعلن الرئيس بوش غير مرة بأن هدف الارهاب النهائي هو تغيير طريقة الحياة الغربية.. ولذلك فإن (الربّ) قد أختاره للدفاع عنها! المشكلة الاساسية لدى معظم سياسي العالم بان (الرب) هو معهم دائما. ألم يطبع هتلر على أحزمة جنوده( امانوئيل= الرب معنا) أيضا!
وبات من الواضح تقريبا، إن الإعلانات "البوشية " لا قيمة لها بإزاء التحولات السياسية في العراق، وبما عرف بتطور العملية السياسية، وبعد احتمال قيام حكومة دائمة مائة يتبادر إلى الذهن سؤال عن مصير مائة وعشرين الفا من المدنيين العراقيين الذين سقطوا قتلى من جراء العمليات الاميركية، وما زالت آلة الارهاب تحصد في كلّ يوم أعدادا منهم وكان العراقيين ما زالوا يعملون على الجبهة العراقية الإيرانية.
إن "حكومة وحدة وطنية مزمعة" منتخبة من اكبر قطاعات الامة العراقية، وما نتج عن ذلك من احتمال مشاركة "الجماعات السنية" في تلك الحكومة التي سبق ان عارضت الأشتراك في "العملية السياسية السلمية" من قبل في التشكيلة الجديدة والمزمع قيامها في وقت ربما يستغرق وقتا أطول من ذي قبل اثناء اختيار حكومة مؤقتة بسبب كثرة القوى التي يتوجب عليها المشاركة على نطاق واسع؛ وربما هو زمن هو ضعف تشكيل الحكومة الأنتقالية المنتخبة السابقة.
فهل يعي الساسة العراقيون حقيقة فداحة التحديات التي يواجهها الشعب العراقي يوميا؟ وما المهام الملقاة عاى عاتقهم في درء الاخطارالأقليمية الجديدة المحدقة به؟
وهل هم على استعداد بوضع اثقالهم الطائفية والعرقية والجهوية مرة واحدة؟ ومن ثمّ الإنطلاق عمليا نحو بحر الوطنية المنقذ؟
لا شك بان التحديات القادمة والمشكلات التي بات الأفق الاقليمي يلوح بها تنذر بالشؤم، فهل ان السياسيين العراقيين على دراية كاملة بحجم المخاطر القادمة؟ وهل يمتلكون من الخطط ما يكفي لدرء اخطارها والخروج بالبلاد بعيدا عن اهوالها، ام انهم سينغمسون فيها، كما فعل سلفهم صدام من قبل في ثلاث حروب شبه متوالية وحرب حصار رابعة لم تبق ولم تذر. ولم يحصد الشعب منها بعد ذلك إلا مزيدا من الموت.. والموت الجماعي وحده؟! هل يقدم "القادة الوطنيون العراقيون" الجدد المتلفعون برداء العرقية والطائفية والجهوية و"التفدرل" من الحكام على الخطا القاتل السابق نفسه، فيرمون بالشعب في الآتون نفسه؟؟
هل لدى الساسة العراقيين بعد ان أصبح العراق مركز العمل الستلراتيجي الاميركي ستراتيجية عراقية؟؟ الجواب واضح تماما من السلوك السياسي القادم في تشكيلة الحكومة الدائمة المزمعة.
فالساحة الاقليمية لا تبشر باي نوع من الأنفراج السياسي، وخطط الولايات المتحدة سائرة على قدم وساق، ومن الصعب تبيّن الرؤيا على مسافة قريبة أيضا. إنه الهوس الإميركي في مواصلة الاندفاع شبه الأهوج نحو المجهول.. والخوض في مسارات مختلفة وصعبة وسط سيل من الاحتمالات غير الصحيحة غالبا. مع ركام من المعلومات لا تستطيع " خزائن المعلومات thinking tanks " تقديم ما يكفي من حلول عملية سوى إحصاءات وأرقام ومعلومات لا معنى كبيرا لها في منهج علم الاجتماع السياسي الحديث..
وإذا كانت مجمل التطورات على الساحة الاقليمية تشير على ان الولايات المتحدة تسعى إلى تحويل منطقة الشرق الاوسط والعالم الإسلامي إلى مزرعة اميركية هادئة من النوع التكساسي في افضل تقدير؛ فإن العالم الإسلامي يموج بما هو أشد عنفا واكثر قسوة، فهل ان الولايات المتحدة قادرة على المواجهة غلى ما لا نهاية؟ وهل حسبت جيدا نتائج الهزيمة التي ستلحق بها إذا ما أتخذ الأرهابيون دولا ومجموعات سياسية من قنابل قذرة لتهديد العالم؟ ام أنها واثقة من النصر النهائي؟ أنها غير هزيمة فيتنام على أية حال. وان نتائجها ستعم على العالم كله بكوارث شاملة.
ومن الصعب حقيقة، حتى الوقت الحاضر، ان نرى ثمة توجّهات واضحة للسياسة الاميركية على مستوى معالجة التكتيكات والخطط المرحلية طويلة الامد نسبيا. فقد اثبتت التجارب فداحة الاخطاء(المتعمدة) في مجمل عملية غزو العراق. كما ان المبرر الرئيس للغزو "أسلحة الدمار الشامل" الذي هو بمثابة السبب الاول والرئيس لشنّ الغزو على العراق، ثبت بطلانه وعدم صدقيته، فضلا عن كارثة المعلومات الكاذبة (المتعمدة ايضا!) التي أستندت لها الولايات المتحدة واجهزتها الأستخبارية في تبرير الغزو.
فما الذي ترمي إليه الولايات المتحدة في تكتيكاتها المرحلية الغامضة لتثبيت وضع ستراتيجيتها غير واضحة المعالم أيضا؟ هل هو الإعلان السطحي والدائم الذي درج على ترديده الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس وبقية الطاقم الرئاسي في ما عرف بعد ذلك : نشر الديمقراطية، ومعاقبة انظمة الاستبداد في الشرق الاوسط " ضمن ما عرف بمنطق التحولات الديمقراطية" وكذلك مراعاة حقوق الإنسان - وعلى سكة واحدة- في هذه المنطقة التي كانت ومازالت من اكثر مناطق العالم انتهاكا لتلك الحقوق؟ ثم ظهور الولايات المتحدة كواحدة من رعايا عمليات الاصلاح السياسي من خلال إشراك اكبر مقدار ممكن للشعوب المهمشة في الحكم في الشرق الاوسط.
هل يمكن للشعوب المضطهدة والمقهورة ان تؤمن بذلك بعد عمق توغل التاريخ الاميركي الاسود في دعم الانظمة الرجعية والدكتاتورية في العالم الإسلامي والتي مارست أبشع الجرائم ضد الإنسانية في الشرق الاوسط؟ وما الذي جرى من تغييرات حقيقية في البنى السياسية الاميركية؟ هل جاء اليسار إلى السلطة في البيت الأبيض - مثلا!- فتغيرت عجلة التوجه؟! أنها الألاعيب الساذجة التي لا تنطلي على احد. ام ان اليمين المتشدد الاميركي قد وقع معاهدة "كيوتو" لمنع اتساع دائرة الأوزون؟؟ هذه المشكلة الدولية هي أبسط ما يقدمه سياسي نحو الإنسانية بالتضحية ببعض المصالح الأقتصادية؟! لا يستطيع اليمين الاميركي ان يضحي بمصالحه الإقتصادية من أجل شعب الولايات المتحدة وشعوب الغرب، لكنه ياتي إلى منطقة الشرق الاوسط والعالم الإسلامي من اجل حقوق الإنسان!! والاصلاح السياسي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل: هذه المعادلة الصعبة في الأرض المستوية.
يمكننا ان نلحظ ذلك بوضوح شديد في الضغوط المتواصلة التي تبذل تجاه انظمة الخليج العربي التقليدية والرجعية، وعلى مصر بنسبة أقل، من خلال وضع دساتير مكتوبة، او اشراك النساء في الانتخابات او الحكم، او الـتأكيد على وجود أكثر من مرشح لمنصب الرئاسة، وكذلك تحسين صورة تلك الانظمة من خلال إظهار تلك (الإصلاحات) الفوقية على أنها تغييرات مضمونية باتجاه بناء الديمقراطية وإقرار حقوق الإنسان؟ أنها ديمقراطية بلا تقدم كما أشار إلى ذلك المفكر اليساري المصري الكبيرالدكتور سمير امين.
لماذا تلجأ الولايات المتحدة إلى هذه " الدعايات السياسية" وهي من اكثر البلدان رعاية للانظمة التقليدية والرجعية طوال تاريخها؟ وهل ثمة مصالح لها في إيقاظ الشعوب النائمة والمكبوتة في عالم ما بعد الحرب الباردة؟! وهل اصبح لتجار الحروب واصحاب شركات التصنيع العسكري من أمثال دك تشيني نائب الرئيس وبنوك التعامل المالي الكبير "ايديولوجيا" بقيادة وولفووتز المخطط الرئيس لغزو العراق؟ وهل هي سياسية معينة بعد الفراغ الايديولوجي الكبير والمروع الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي صاحب اكبر (نظرية في أيقاظ الشعوب المضطهدة) في القرن العشرين؟! إذا كان الفكر السياسي هو نتاج الاوضاع الدولية وليس قائدا ومستشرفا لها فإننا من الصعب بطبيعة الحال ان نركن إلى ستراتيجية واضحة المعالم. وهذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة في ما سميناه بستراتيجية الأرض المستوية.
فالولايات المتحدة غير راضية عن تقسيم العالم القديم الشرق اوسطي بتلك الكتل الجغرافية الكبرى كإيران والسعودية والجزائر والعراق والسودان. إنها في تقديرها قد اخضعت الأقليات إلى حالة الاضطهاد.. تتناسى الولايات المتحدة دورها في كبت الشعوب حفاظا على مصالحها مع الأنظمة الرجعية والدكتاتورية وتجعل من القضية برمتها مجرد "أقليات مضطهدة" وليس شعوبا مستعبدة باكملها؛ هذا ما يعرف بمنطق إثارة الجزئيات من اجل ضياع القضية الأساسية والكلية. ليس ثمة معنى للكليات في المنطق الاميركي.
ووجدت الولايات المتحدة في تفتيت انموذج الاتحاد السوفيتي ماثلا في معظم سياساتها في منطقة ما يعرف بالشرق الأوسط الكبيرالممتدة من حافات المحيط الاطلسي حيث سواحل موريتانيا إلى كراجي.. ففي ظل تلك الكتلة الإسلامية الكبرى لابد من أن تزال تلك النتوءات الجغرافية الكبيرة التي لا تتلاءم وسياسة "الباب المفتوح" الأميركية المعلنة. يجب إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد بما يضمن عدم ظهور بؤر إرهابية مؤثرة: وهذا ما لن تستطيع الولايات المتحدة تحقيقه عن طريق القوة العسكرية اطلاقا.
لا شكّ بانها سلسة من الأسئلة المترادفة التي تخطر على بال اي محلل سياسي او مراقب محايد وهي تتعلق بالطرق والنتائج عن عمليات التفتيت المزمع أقامتها ومدى الاضرار الإنسانية الناتجة عنها ؛ ولصالح من اقليميا يجري كلّ ذلك؟..
من الصعب ان نجد لها اجوبة في القريب العاجل على الرغم من ان عديدا من منظري "المؤامرة" من امثال السيد عبد الباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس العربي في لندن لديهم اجوبة سريعة وجاهزة تقريبا لعموم التحولات الكبرى وهم يمتلكون ما يكفي من التبريرات المعلبة دائما.
ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى عدم توفر قدرات كبيرة في حسابات اليمين الاميركي المتشدد نفسه وصعوبة ملاحقة المعنيين للاحداث المتلاحقة فضلا عن المفاجآت المنتظرة على الطريق. تجد مثل هذا الامر واضحا في تكرار كلمة "لا ادري أو لا ندري " في عموم المقابلات التي تجرى مع الساسة العرب اوصناع القرار في المنطقة : هم فعلا لا يدرون.. فمن ذا الذي يدري إذا؟!
ان مخططي السياسة الاميركية ومنذ الحادي عشر من سبتمبر وهم يخوضون في مسارات مختلفة. . ربما هذا هو الذي شجع ارهابيا متمرسا كأسامة بن لادن على تقديم عرض مخز للهدنة مع الولايات المتحدة اخيرا.. هذا الامر بطبيعة الحال لا يعود إلى مجرد "ضجة إعلامية" يرغب بها بن لادن في هذه المدة بالذات؛ بل إلى إمكانية الولايات المتحدة على التعامل الحرّ( البرغماتي) مع مختلف الظواهر.. أليست هي من تحاول التفاوض - كما ترد الانباء بين حين وآخر- مع الجماعات الإرهابية المسلحة في العراق؟! فإذا كان الامر كذلك فلم لا يعرض بن لادن هدنة مع الولايات المتحدة أيضا؟ اوليس ذلك مصداقا على غياب الخطط المرحلية لما بعد غزو العراق وأفغانستان؟
إن الولايات المتحدة ليست كالاتحاد السوفيتي على أية حال، والمرحلة التاريخية غير عالم الحرب الباردة باي شكل من الاشكال. وعلى الرغم من ان الاتحاد السوفيتي كان في كثير من الاحيان يغلّب العوامل الدولية ذات المصلحة الفائقة والحيوية على حساب الشعوب والاحزاب الشيوعية العاملة فيها؛ ويمكننا ان نكتشف ذلك بسهولة في العلاقات التي كان يقيمها السوفييت مع نظام صدام في وقت صفى الاخير ماديا قواعد الحزب الشيوعي العراقي على سبيل مثال قريب.. فالبرغماتية في مضمونها النهائي لدى الولايات المتحدة لا تقف حيال أية أيديواوجيا مطواعة موقفا ثابتا.. هكذا تتحكم العلاقات الدولية بأيديولوجيا الدول الكبرى.
ولذلك من الطبيعي في الوقت نفسه ان تقدم الولايات المتحدة على التضحية بحلفائها التقليديين مقابل كيانات جديدة اكثر مطواعية لها وأقل دوغمائية: تجد مثل هذا الامر واضحا في التضحية بشاه إيران السابق 1941- 1979 للحيلولة دون قدوم نظام يساري إلى أيران يمهد الطريق إلى ما عرف بمياه الخليج العربي الدافئة آنذاك من خلال البوابة الإفغانية.
الارض المستوية كما نراها سياسة تفتيت وتجزئة تنوي الولايات المتحدة نهجها بعد ان حسبت حساب البيدر في النتائج المترشحة عن انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وما آلت إليه في ما عرف بعد ذلك بدول الاتحاد السوفيتي السابق المستقلة. فستراتيجية الولايات المتحدة في معظم مناطق العالم قائمة على نتائج انهيار الاتحاد السوفيتي دائما وحتى الوقت الحاضر باعتبارها الأنموذج الامثل للقطب الواحد الذي ساد العالم وإلى مرحلة قد تمتدّ إلى الربع الاول من القرن الحادي والعشرين حيث يبدا المخزون الاحتياطي النفطي العالمي بالتناقص التدريجي..
ومن هنا فإن من المبكر جدا معرفة نوايا الولايات المتحدة على المدى القريب؛ بيد اننا يمكننا ان نكتشف خططها بسهولة على المستوى الستراتيجي وهي معلنة في كثير من صفحاتها؛ ولكن في الوقت نفسه من الخطأ دائما قياس سياسات آنية بمقياس ستراتيجية معلنة ليس هذا هو عصر بسمارك البروسي ولا هاوسهوفر الالماني؛ لأن مفهوم "الحرب على الارهاب" كستراتيجية و كحرب جديدة غير خاضعة لقوانين وقواعد الحروب المتعارف عليها في القرت العشرين التي ترشحت غالبا عن رؤى ستراتيجيات الربع الاخير من القرن التاسع عشر. لا مفاهيم ثابتة او معينة او محددة لها، تماما مثلما هو التعامل مع الجماعات الارهابية التي يصعب التحكم في مساراتها ومعرفة الاماكن والخطط والاهداف التي ستنفذها في ضرباتها القادمة بعد كلّ مرة.
لقد اسقط مفهوم الحرب على الارهاب قواعد الحرب القديمة التي وضعها حكيم الحرب الصيني ( لاو) منذ مئات السنين.. ولم يعد ثمة من يهتم للقواعد الاساسية والمنطقية التي يتوجب على اي قائد عسكري اتباعها لحيازة النصر, لأن مفهوم النصر في الحروب قد تغير أيضا في مفهوم الستراتيجية "البوشية" الجديدة وجماعة اليمين المتشدد في البيت الابيض.
ويمكننا على أية حال سراعا ان نقدم الملامح الاساسية لستراتيجية الارض المستوية للولايات المتحدة الاميركية وكما يأتي:
1- تعمل الولايات المتحدة على دعم منطق التجزيئية الجديدة من خلال وقوفها إلى جانب المطالب المشروعة للأقليات المضطهدة ليس دعما لتلك الاقليات كما حدث في دعم الكرد في شمال العراق او الجنوبيين في السودان من اجل تعزيز ستراتيجيتها الكبرى في الارض المستوية التي تحاول تفتيت الكتل الكبرى.
2- تستعمل الولايات المتحدة في تطبيق منهجها في الأرض المستوية على عامل الضغط الدولي من خلال إسناد قوى المعارضة الخارجية بغض النظر عما إذا كانت لها جذور اجتماعية أوسياسية ام لم تكن. وهي تحاول في الوقت نفسه تكوين تحالف دولي واسع بقيادتها.
3- تعتمد الولايات المتحدة في منهجها اللوجستي والعملياتي على اجهزو الكومبيوتر والتكنلوجيا العالية التدمير والمحدودة في آن. وكذلك الاتصالات اللحظية التي خلقها عصر المعلومات. وإذا كان ثمة حواجز كبيرة وجديدة ستكون بين القاتل والمقتول فإن النتيجة النهائية هي: قاتل واحد مقابل آلاف من المقتولين جماعيا.
4- تحاول الولايات المتحدة الإبقاء على أساليب الحرب العالمية الثانية (الحلف) لكنها لن تتوان عن القيام بمفردها لتنفيذ مهامها أيضا. نجد ذلك في قراراها شبه المنفرد لغزو العراق عام 2003 دون أعارة أهمية لحلفائها التقليديين ممن لم يوافقوها الرأي او الامم المتحدة على حدّ سواء .
5- أفترضت ستراتيجية الأرض المستوية ( الأسلامفاشية) حسب تعبير (البوشية): وهو مصطلح غير دقيق ونحت بعجالة واضحة من خلال محاولة تركيز الرد والتمييز بين ما يعرف بالأسلام السياسي والأسلام غير السياسي. ويكفي ان نذكر في هذا المجال بان الفاشية مصطلح حديث والأسلام مفهوم يضرب جذوره في عمق التاريخ ولا يجوز عقلا ان نصف الماضي بالحاضر كما هو منهج النحوت الفكرية المنطقي.
6- تحاول الولايات المتحدة من إعلان ستراتيجيتها ان تجد لها حلفاء من داخل بلاد المسلمين كالاحزاب والجماعات والمنظمات والمؤسسات والاشخاص. وهذه الحالة فرضت عليها بعد أن ذهب بعض المعنيين بالشؤون الستراتيجية شأوا كبيرا في الأعتماد على التكنلوجيا العالية في جمع المعلومات وصناعة القرارات. وقد ثبت ذلك التوجه خطأه الفادح بعد ان لاحظ العسكريون في الميدان خاصة صعوبات متواصلة في رصد الحركة الاجتماعية وما يتخللها من ردود افعال غير محسوبة غالبا.
7- تحاول ستراتيجية الأرض المستوية ان تجعل من قضية محاربة الإرهاب موازية في عمقها التاريخي لقضية محاربة الشيوعية على نطاق العالم إبان حقبة الحرب الباردة 1945- 1990. ولذلك فهي حرب طويلة الأمد تمتد إلى عشرات السنين من وجهة نظرها. ومن الصعب الركون إلى وجهة النظر هذه باي حال من الاحوال. وللأسباب التالية:
أ‌- إن الحرب الباردة كانت بين قطبين دوليين واضحين: الولايات المتحدة والأتحاد السوفيتي. وستراتيجية الأرض المستوية تفترض عدوا من الصعب معرفته ومعرفة امكاناته ووسائل ضرباته. وكما يكتب في الادب الاميركي السياسي "عدو شبحي" فكيف يمكن حساب الوقت طوله من قصره في ظل ذلك؟ إنه التخمين وحده وغالبا ما يصعب حسابه في مثل هذه الظروف..
ب‌- إن طول مدة الحرب على الأرهاب، وستراتيجية الارض المستوية ستضع العالم من جديد في آتون من الصراعات الكبرى غير الواضحة في أهدافها المرحلية والنهائية. مما يتطلب في أبسط الصور قيام منظمة دولية كالامم المتحدة لوضع صيغ جديدة من العلاقات بين الدول لتركيز جهودها في الحد من انتشار ظاهرة الارهاب العالمي. لكن الولايات المتحدة تقوم بتلك المهمة وحدها ودون الرجوع إلى العالم؛ وهذا يعني مزيدا من الهيمنة على العالم التي يرفضها رفضا قاطعا بأعتبارها "قيصرية" جديدة.
ت‌- تعمد الولايات المتحدة من خلال ستراتيجيتها إلى التقليل من وتائر العنف في العالم تمهيدا لفرض نفوذها الاقتصادي المعزز بهيمنة القطب الواحد. لكنها في الواقع هي تسهم إلى حدّ كبير على أنتشار العنف العالمي وترسيخه في منطقة الشرق الاوسط والعراق بالذات بحجة الدفاع عن نفسها وشعبها في الداخل. ومن هنا فإن ستراتيجيتها في الأرض المستوية ستصاب باحباطات تكتيكية دائمة مما يجعلها ستركن إلى وسائل أشد في التضييق على الحريات الفردية في داخل الولايات المتحدة نفسها وستشيع هذه الحالة نوعا من العزل للفئات المسلمة والآسيوية فيها. وإذا ما استمرت في المضي بسياستها: هل ستقيم على سبيل المثال نوعا من الكانتونات او المعسكرات الخاصة للمسلمين فيها على غرارمعسكرات اليابانيين في الحرب العالمية الثانية وكذلك في الدول الأوربية؟ ام أنها ستعمد إلى سياسة التهجير القسري للمسلمية والآسيويين بعد ان شددت على قوانين الهجرة..؟
لم تكتمل رؤية ستراتيجية الأرض المستوية بعد حول العالم. وربما ستلجأ الولايات المتحدة إذا ما أشتدت الهجمات الأرهابية إلى أنتهاج سياسة الارض المستوية في داخلها أيضا. ويبدو ان الولايات المتحدة غير معنية كثيرا بالجانب الأيديولوجي لها إلا من خلال التوجه الدعائي المنظم. وهذا الأمر هو نتاج طبيعي للفكر البرغماتي الأميركي الذي لا يقيم للعمق الفكري وزنا، ويخضع مختلف المظاهر إلى فلسفة السوق مما سيضيف اعباء جديدة على العالم لم يسبق لها مثيل وليس على العراق بأعتباره مركز هذه الستراتيجية.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ستراتيجية (الأرض المستوية) نحت خاص بالكاتب ولم يستقه من أي مصدر.








مستقبل الإرهاب في العراق

( مقدمات نظرية وحلول متوقّعة ورؤية ميدانية)


من المفيد في معالجة قضايا الإرهاب في العراق خصوصا دراسة إمكانات التحول إلى الحالة الطبيعية فيه والسبل الملائمة لذلك ، ما يمكن أن يقدّمه المجتمع العراقي والمجتمع المدني فيه من اقتراحات نظرية وعملية تعمل على مساعدة دولتنا الديمقراطية الناهضة الجديدة . ومن هنا فإن دراسات جادة حول مســتقبل الإرهاب في العراق يمكن أن تسهم ـ إلى حدّ ما ـ في التعجيل بوضع نهاية قريبة لـه . فإن الإرهاب لا مستقبل له ـ من وجهة نظرنا ـ لأنه حالة طارئة على السياسة والاجتماع في العراق بالذات.
وتعدّ قضية الإرهاب مسألة تتجاوز الأديان والقوميات والأعراق والجغرافيا ، ولا يمكن أن توصم بها أمة بذاتها ، أو دين بعينه ، كما أن الإرهاب لا يرتبط بمرحلة تاريخية محددة ، فقد شهدت البشرية وفي مختلف المراحل قضايا متنوعة من الإرهاب، وأشكال متعددة بحكم المرحلة التاريخية التي ظهر فيها . ولكن من الثابت علميا وتاريخيا : أن قضية الإرهاب طارئة على المجتمعات عموما ، وهي محكومة بعوامل وظروف متغيرة في اغلب الأحيان. ولذلك يجد العديد من الباحثين ثمة صعوبات نظرية وتاريخية في وضع تعريف محدد ومتفق عليه للإرهاب كظاهرة في علم الاجتماع السياسي .
التاريخ الحديث للإرهاب :
ظهر ( الإرهاب الحديث ) في نهاية القرن التاسع عشر تقريبا بظهور الجماعات الإرهابية في عموم أوربا من خلال ( المذهب الفوضوي ) الذي أفترض مسبقا إمكانية الأفراد القلائل في المجتمع إحداث تغييرات حاسمة بالعمل العسكري السرّي الذي سيقود ، حسب تصوراتهم ـ إلى حدوث هياج عام يفضي إلى إسقاط النظام السياسي وقيام نظام عادل ؛ بل هم تمادوا في خيالاتهم السياسية حتى انهم اعتقدوا بأن تتحول أوربا إلى قارة متحررة ( في ليلة إرهابية عنيفة واحدة !) لكن تلك الرؤية غير الواقعية لم تلبث أن انحسرت في العقود الأولى من القرن العشرين ، وبعد تطور فكر نقدي مضطرد في حقول العلوم السياسية .
وترى القوى الإرهابية هذه في المجتمعات بأن العنف ، ومن خلال العنف الفردي ، والعمل السري ، والتهيئة لوضع قائمة بالاغتيالات للشخصيات السياسية المهمة حيث يسود اعتقاد لدى العناصر الإرهابية على اختلاف منابعها : بان تصفية الأفراد المهمين في المجتمع كفيل ـ وحده ـ بتحقيق الأهداف السياسية ،ومن هنا فإن وضع الخطط المناسبة للإطاحة بالأنظمة القائمة من خلال عمل ( الطليعة ) التي ( نذرت ) نفسها من دون بقية الشرائح الاجتماعية الأخرى للاضطلاع بهذه المهمة الخلاصية ـ كذا ! ـ لصالح الطبقة العاملة أو تطلّعات أمة ، أو لتحقيق أهداف جماعة دينية ، أو نصرة مذهب معين ، محققة بذلك آمال الجماهير السياسية والاجتماعية والفكرية على حدّ سواء ؛ والتي نصّبت نفسها مدافعة عنها بلا أي سند شرعي واضح إلا مواقفها السياسية فقط .
وقد اهتبلت الأحزاب الراديكالية التي تطمح إلى إحداث تغييرات شاملة في البناء السياسي والاجتماعي ( الاشتراكية والماركسية والقومية والعرقية والدينية الأصولية الشرقية ) الفكرة ، وشرعت في التأكيد على دور (النخب السياسية ) من جديــد ، و تحت مسميات أخر ( كالطلائع الثورية ) و( القيادة التاريخية ) في إقامة ( الدولة الشعبية ) تارة أو ( دكتاتورية البروليتاريا ) أو ( الدولة القومية الواحدة ) تارة أخرى . بيد أن تلك الأهداف العامة ـ على العموم ـ لم يكن بالإمكان تحقيقها إلا من خلال الثورة والعمل العسكري المنظّم واستخدام العنف على أية حال .
واستطاع الإرهاب أن يستحوذ على طرق التفكير السياسي على مدى عقود عديدة في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين . ولم يحاول ـ على حدّ علمنا ـ أن يقدّم الإرهابيون أية مشروعات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية تستند إلى الواقع أو طرق التفكير العلمي ؛ وكانت جلّ جهودهم محصورة في الشعارات والمبادئ التي ينادون بها ، ولم تتطور إلى مستوى البرنامج السياسي أو الاجتماعي . ويمكننا أن نعرّف الإرهاب في أبسط مفاهيمه بأنه : ( جميع أعمال العنف المادي والمعنوي التي تقترف ضدّ المدنيين في وقت الحرب أو في حالة السلم دون أن يكون لأولئك المدنيين علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالأعمال العسكرية) كما يمكننا أن نقسّم الإرهاب إلى أنواع مختلفة على وفق أهدافه وتوجّهاته وفلسفته السياسية و الاجتماعية :
1. إرهاب إجرامي خارج عن القانون :
و تقوم به عناصر إجرامية من أعضاء الجريمة المنظمة ـ غالبا ـ والتي تتسع لتهدد البنائين السياسي والاجتماعي في آن ، ومن أفضل الأمثلة على هذا النوع من الإرهاب ما قامت به منظمة ( بادر ماينهوف ) في إيطاليا في نهاية عقد الستينيات وبداية عقد السبعينيات من القرن العشرين وما تبعها من تهديد جاد وحقيقي لوجود المجتمع والدولة الإيطاليتين .ثمّ ظهرت فيما بعد ( الألوية الحمراء ) ذات التوجّهات اليسارية العنيفة الإرهابية في إيطاليا مما تطّلب وقتا طويلا لكبح جماحها . وكذلك ما تقوم به عصابات مافيا المخدرات في بوليفيا في الوقت الحاضر والتي كان لها أثر كبير وخطير على العملية السياسية فيها على نحو أضحى من الصعب الفصل قبل وقت قصير نسبيا بين العمل السياسي وتجارة المخدرات .
2. الإرهاب السياسي :
وهو من أكثر أنواع الإرهاب شيوعا في القرن العشرين ، وتقوم به دول وأحزاب وحركات و منظمات عسكرية أو شبه عسكرية ذات أهداف سياسية محددة ومن خلال القيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق أو محدودة . وهو يهدف إلى الحدّ من نفوذ الخصم السياسي أو تغييبه عن الساحة السياسية إن أمكن ذلك . ويستخدم الإرهاب السياسي وسائل عديدة بدءا من شنّ الحملات الإعلامية وانتهاء باستعمال العنف المادي .
3. إرهاب الدولة :
ويعدّ من أكثر أنواع الإرهاب فتكا بالسكان المدنيين خصوصا الخاضعين للدولة أو أولئك السكان الذين يقعون تحت وطأة الاحتلال المباشر أو غير المباشر . وظهرت أشكاله على نحو واضح أثناء الحرب العالمية الثانية 1945- 1939 وما أعقب ذلك إبان الحرب الباردة 1991-1945 بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة , وفي بلدان عديدة كان يحدث فيها ما عرف ب( الحرب بالنيابة ) بين القوّتين العظميين ، ويمكن أن يقسم على العموم إلى نوعين أساسيين :
أ ـ ويشمل جميع الأعمال التي تتسم بطابع العنف التي تقوم بها الدولة ضدّ سكانها المدنيين ، ومن أشدّ الأمثلة وضوحا : ما قام به النظام السابق في العراق ضدّ أبناء الشعب العراقي ، وما نتج عنها من أعمال وحشية تمثلت في المقابر الجماعية ، وقصف ( حلبجة ) بالأسلحة الكيميائية ، وتسميم مياه الأهوار في الجنوب وتجفيفها بما عرف بالعنف المنظّم ضدّ البيئة الطبيعية ، فضلا عن إعدام مئات الآلاف من المعارضين وعدم تقديمهم إلى أية محاكم علنية وعادلة .
ب ـ ويكون النوع الآخر من الإرهاب : ما تقوم به الدولة ضدّ الشعوب التي تقع تحت الاحتلال وعدم الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بمعاهدة جنيف عام 1948 والملحقات التابعة لها . ومن أدقّ الأمثلة على ذلك ما تقوم به إسرائيل ضدّ الفلسطينيين ، وما نتج عنه من خروقات كبيرة لحقوق الإنسان .

4. الإرهاب النووي :
وهو من أحدث أنواع الإرهاب الذي ظهر بعد إلقاء القنبلة النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان في الحرب العالمية الثانية , وما خلّفته من كوارث على الإنسانية والبيئة والتشوّهات الخلقية لدى الأجيال التي تعرض آباؤهم إلى العصف النووي . وتعدّ (أزمة خليج الخنازير ) التي حدثت بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية في عام 1961 من أكثر المواجهات خطورة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة والتي كان التهديد باستخدام السلاح النووي واردا فيها كنوع من الإرهاب الشامل . ويعدّ هذا النوع من أخطر أشكال الإرهاب في المستقبل ، إذ إن حصول بعض الدول على قدرات نووية كإسرائيل التي تملك ( بالإعلان شبه الرسمي ) عن حيازتها لأكثر من مائتي رأس نووي يمكن أن تمحق بها ستّ عواصم عربية في غضون ساعات . وكذلك حكومة كوريا الجنوبية التي تعلن وعلى نحو واضح عن إمكانية استخدام السلاح النووي في الحرب ، وتطوير صواريخ يمكن أن تطال سواحل فلوريدا . ثمّ سعي بعض دول من العالم الثالث كليبيا وإيران وسوريا والعراق سابقا لامتلاك قدرات نووية غير خاضعة للرقابة الدولية .
وتعدّ المواد النووية التي اختفت من موقع عسكري في العراق ـ زهاء 400 طن من المتفجّرات يصلح قسم منها في صنع أسلحة دمار شامل ـ بعد حرب الخليج الثالثة عام 2003 من اخطر أنواع التهديد على السلم والأمن الإقليمي والعالمي لما تكونه تلك المواد من حالة مناسبة لتطوير أسلحة شاملة في دول ذات نزعة إرهابية أو انتقالها إلى الجماعات الإرهابية الدولية وتحول الأخيرة إلى ما يعرف بتملّك ( قنبلة قذرة ) تهدد بها العالم أو مناطق إقليمية معينة .

5 . الإرهاب الاثني :

وهو نوع متطور عن إرهاب الدولة حيث يتداخل فيه إرهاب الدولة مع الإرهاب الذي تمارسه الجماعات العرقية أو الدينية أوالطائفية والتي تجد في إثارة النعرات الضيقة وسيلة للعمل السياسي ؛ وظهر في أشدّ حالاته وضوحا في نظام جنوب أفريقيا العنصري السابق وحكومة بريتوريا العنصرية ، والممارسات العنيفة التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني من خلال انتهاج سياسة التهجير القسري ، وهدم البيوت ، وإزالة المزارع ،والعقوبات الجماعية ، فضل عن انتهاج سياسة العزل متمثلا في إنشاء ( الجدار العازل) وكذلك في الممارسات المشينة التي قام بها الصرب وحكومتهم ضدّ مسلمي البوسنة عام 1993 . كما كان النظام العراقي السابق يمارس هذا النوع من الإرهاب ضدّ الكرد والشيعة في العراق على مدى أكثر من ثلاثة عقود متواصلة .
وتعدّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 من أهم المحطات التي استطاع بها الإرهاب أن يجد لـه مساحة اكبر ومرونة أكثر في العمل العنيف والمنظّم على الخارطة الدولية . كما أنها في الوقت نفسه عملت على تغيير ستراتيجية الولايات المتحدة بما يتعلّق بمواجهة التحديات العالمية لسياساتها على نطاق أوسع . ووضعت السياسة الدولية أمام مخاطر من نوع جديد . ومن الجدير بالذكر في هذا المجال أن الولايات المتحدة تسعى إلى بناء نوع من العلاقات الدولية الجديدة ، ومن سيادة نمط التحالفات يختلف عما كان هو الوضع عليه في حقبة الحرب الباردة تماما .
ونتج عن أحداث 11 سبتمبر / أيلول أن قامت الولايات المتحدة وحليفاتها بالعمل على احتلال أفغانستان والعراق تحت عنوان مكافحة الإرهاب . وهذا يعني بالدرجة الأساس تطورا نوعيا ليس في العلاقات الدولية فحسب ، بل قيام نوع من الهيمنة الجديدة على العالم في الوقت نفسه . ولذلك فإن قيام سلسلة من الدراسات الجادة والعلمية يعدّ من الضرورة بمكان في قيام نوع جديد من الوعي العالمي والإقليمي والمحلّي لمواجهة التحديات الجديدة التي تواجه الشعوب ليس لما يحمله الإرهاب العالمي إليها من مخاطر ؛ بل لتكوين مستوى جديد من الوعي المسؤول على نطاق العالم لمواجهة الحالات الطارئة المتوقّعة . ومن المؤكّد بان الاعتماد على تحليلات وجهة النظر الغربية والأميركية سوف يؤدي إلى خلط كبير في المفاهيم والعلاقات ، وهو لا يخدم في النتيجة النهائية إلا المصالح المتعلّقة بالقوى الغربية خاصة .
ويجدر بالبحث العلمي العراقي ـ في هذه الآونة بالذات ـ أن يكون معنيا بقضايا الإرهاب أكثر من أي وقت مضى بسبب وقوع العراق في مركز الإرهاب الدولي ، وما تتحمّله الأمة العراقية من أعباء بشرية ومادية من جراء العمليات الإرهابية التي تقوم بها قوى الظلام على أرضه المحتلّة ، وبعد أن أصبح العراق الساحة المناسبة لتنفيذ العمليات الإرهابية على نطاق واسع لم يسبق لـه مثيل . كما أن الولايات المتحدة ـ وبفعل الأخطاء الستراتيجية التي قامت بها بعد إطاحة النظام السابق ـ قد وضعت العراق في مركز الصدارة للإرهاب العالمي ، وتحمّل العراق من المشكلات والصعوبات على نحو لم يسبق لأمة أن تعرّضت له من قبل ، ودون أن يكون لهذا الشعب في الوقت نفسه أية مصلحة في ذلك . ومن هنا فإن تكوين وجهة نظر عراقية بازاء قضايا الإرهاب يعود بالنفع على الوعي السياسي العراقي الجديد و طرق بناء الدولة الديمقراطية الحديثة .
ويمكن لأبناء الأمة العراقية العظيمة في هذه المرحلة الشائكة أن يواجهوا الإرهاب بأنواعه كافة بعد أن أثبتت التجارب التاريخية لهذه الأمة العريقة إمكانية وضع الحلول لمعظم التحديات التي واجهتها على مدى سبعة آلاف عام خلت . وإذا كانت الأمة الأميركية قد أنتجت ما يسمى ب( الحرب المانعة ) التي تحول دون تعرض شعوب الولايات المتحدة لمخاطر الإرهاب العالمي ، فإن من حق الأمة العراقية أيضا أن تبني إستراتيجيتها على حماية شعوبها والحيلولة دون تعرض مئات الآلاف من المدنيين إلى مخاطر الإرهاب . ومن المفيد التذكير في هذا المجال بأن العراقيين كانوا قد مروا في ظروف تاريخية أشد قسوة وأكثر عنفا ، وأعمق تعقيدا ، وعلى الرغم من كلّ ذلك إلا إن الأمة العراقية بقيت صامدة ومتماسكة وحية على أرض الرافدين . ولا يعود ذلك إلا إلى القدرات الخاصة التي أتسمت بها الشخصية العراقية وسعيها الدؤوب إلى بناء حياتها الحالية على وفق أحدث المعطيات ، والتأكيد على وحدة الأمة العراقية .

مكوّنات الشخصية العراقية والإرهاب :

تتشكّل الشخصية العراقية عموما من عوامل مختلفة بحكم تربيتها الأخلاقية التقليدية والدينية باعتبارها من الشخصيات القديمة في التاريخ الإنساني والتي أسهمت بقدر كبير في التقدّم البشري في معظم ميادين المعرفة والعلم والثقافة العامة . وإذا كان من الصعب اكتشاف ذلك بالنسبة إلى العراقيين في القرن التاسع عشر وما سبقه على سبيل المثال بسبب طغيان حالة الجهل ، فإن بدايات القرن العشرين قد رسمت إلى العراقيين طريقا واضحة في اكتشاف وكشف ( هويتهم الوطنية ) من خلال العمق التاريخي والإنساني للشخصية العراقية نفسها . وتعدّ ثورة عام 1920 الوطنية التحررية خير وسيلة استطاع بها العراقيون أن يعبّروا عن وطنيتهم وأن يؤكّدوا هويتهم الوطنية باعتبارهم أمة لها خواصها ومميزاتها من دون الشعوب والأمم الأخرى في العالم .
عاشت الشخصية العراقية قديما في ظلّ نوع من الرخاء الاقتصادي قياسا بما كانت عليه الأوضاع في البلدان المحيطة . ومن هنا فإن العراق كان محطّ أنظار القوى الخارجية الطامعة فيه على مدى آلاف السنيين . ولذلك فإن الشخصية العراقية أتسمت على الدوام بصفة الدفاع عن مكوّناتها وأرضها على نحو دائم . وبما أن الإرهاب يتطلّب على العموم شخصيات تحتمل الكثير من الطابع الهجومي والعدوانية فإن الشخصية العراقية غير مؤهلة للقيام بتلك الأعمال . ولا تعاني الشخصية العراقية من الازدواجية في هذا المجال ؛ بل هي متماسكة بسبب العوامل التاريخية التي كوّنت تلك الشخصية على مدى قرون عديدة . كما أن للعوامل الطبيعية المتمثلة بالفيضانات ، والحصاد الجماعي ، والأوبئة والحصارات العسكرية الخارجية التي تعرض لها العراق قد أسهمت إلى حدّ بعيد في صياغة الشخصية العراقية على نحو محبّ لوضع الدعة والآلفة والسلام ؛ مما جعل منه شخصية أميل إلى حالة الائتلاف منه إلى التباعد والتباغض . ولعل هذا العامل هو الذي يفسّر عدم حدوث حروب أهلية ونزاعات داخلية وعلى نطاق واسع .
وعلى الرغم من التنوع الإثني في العراق إلا إنه لم يشكّل عامل اختلاف بقدر ما هو عامل توحّد ، وهذا هو حال معظم الأمم التي تضرب جذورها الحضارية عميقا في التاريخ الإنساني . ولذلك فإن الأنظمة الفاشية التي توالت على حكم العراق 2003-1963 لم تستطع ـ على العموم ـ أن تؤسّس لها قاعدة جماهيرية حقيقية كما كانت تعلن عن ذلك في جميع خطاباتها السياسية ؛ ولا يعود ذلك بطبيعة الحال إلى عدم قدرتها على فعل ذلك أو ضعف في إمكاناتها الثقافية والفكرية فحسب ؛ بل إلى عدم إدراكها طبيعة المكونات الحضارية التعددية للأمة العراقية ومحاولة صبغها بصبغة واحدة مما خالف تكوينها الحضاري و التاريخي عموما .
وفي فلسفة الإرهاب المعاصرة ثمة اعتماد كبير على مكونات الشخصية وانحدارهـا الاجتماعي وتكويناتها الفكرية ، ومن هنا فإن الإرهاب الدولي الذي تقوده منظمة القاعدة وحلفاؤها الجدد (التكتيكيون ) من أجهزة النظام السابق ، في هذه المدّة ، تجد صعوبات كبيرة في إنشاء قواعد لها ( مستيقظة أو نائمة ) في عموم أنحاء العراق . واقتصرت في ذلك على مناطق محددة في غرب العراق بخاصة وفي مناطق معينة من بغداد العاصمة ومدينة الموصل وبعض مناطق ديالى وسامراء . وهذا يعني بالدرجة الأساس فشلا ستراتيجيا لتلك العناصر التي لا تمتلك قدرات كبيرة على إدراك طبيعة الأرض والشعب الذي يراد أن يكون حاضنة للإرهاب العالمي .
إن اعتماد القوى الإرهابية على عناصر أساسية في عملها من خارج العراق هو دليل آخر على عدم توافق الشخصية العراقية مع قضية الإرهاب على الرغم من كلّ الشعارات التي ترفعها والمتعلّقة بما يعرف ب( الحرب على الصليبية الجديدة ) . ولا تطال هذه المسألة في مرجعياتها ـ في الرفض ـ منظمة القاعدة وحدها ؛ بل جميع الحركات التي تنحو المنحى نفسه من مرجعيات مختلفة أخر أيضا . وفي الواقع أن فهما خاطئا مستديما يتربّع في أذهان القيادات الإرهابية في العراق يتعلّق في عدم تقييم موضوعي للشخصية العراقية من حيث توجهاتها واعتقاداتها . ولذلك ووفقا للمعلومات المتوفّرة فإن الجماعات الإرهابية تعتمد في معظم العمليات التي تقوم بها على عناصر من خارج العراق ، أو تتعامل مع عناصر ( إجرامية عادية ) عراقية في تنفيذ عمليات الخطف والقتل على سبيل المثال مقابل مبالغ مالية محددة . ومن هنا فإن الإرهاب لا يمكن أن يجد لـه أي مستقبل على أرض الرافدين ومن خلال شعبها ، وأن أية قضية ـ مهما كانت مرجعيتها وأهدافها ـ لن تفلح بلا مساندة أو دعم من السكان المحليين العاديين ، ولسوف تبقى في إطار المفاهيم (الفوضوية) ثمّ تموت بفعل قوة النظام السياسي وتنامي مؤسسات الدولة .
ومن أجل أن نعزز الجانب الإيجابي في الشخصية العراقية الرافضة لمفهوم الإرهاب يمكننا أن نفعّل ذلك من خلال ما يأتي :

أ ـ دور الأحزاب الوطنية والدينية في تطويق عمليات الإرهاب :

للأحزاب الوطنية والدينية في جميع البلدان التي تنهج منهجا ديمقراطيا دور كبير في تطويق الإرهاب كفكر وتوجّه دخيل على المجتمع ، وحركة معادية للديمقراطية والحريات عموما. ولا يشمل ذلك من خلال تثقيف أعضاء تلك الأحزاب بمخاطر الإرهاب علــى
الحياة السياسية في البلاد ، بل في العمل على اكتشاف أنجع السبل على مقاومته وتطويق أساليبه ، ومن ثمّ نقل سبل المكافحة إلى الحياة الاجتماعية ، ووضع برامج عمل لذلك ، فلا يكفي التثقيف ضدّ الإرهاب وحده ولا بدّ من قيام نوع من التفاعلات العملية مع العديد من الشرائح الاجتماعية ، وتفعيل أخرى لضمان نهوض حملة قوية ضدّ الإرهاب بكل أشكاله . ولا يمكن أن تقوم بهذا الأمر حركة سياسية وحدها أو حزب بعينه ، ولا حتى جهة حكومية أو من منظمات المجتمع المدني ؛ بل أن تعاونا جادا ومثمرا كفيل بوضع حدّ للإرهاب من قوى اجتماعية وسياسية ودينية متضامنة ومتفقة على برنامج معين .فإن خطورة الإرهاب تكمن بالدرجة الأساس في الوقوف من موقفا محايدا تارة أو عدم ايلائه الاهتمام المناسب ؛ لأن الإرهاب إذا ما استفحل في منطقة معينة تظهر صعوبات مركبة في مكافحته ، وقد يجد لـه من المبررات الكافية للعيش على الأخطاء التي يمكن أن تقترفها أجهزة الدولة أو الأحزاب المتحالفة مع السلطة بخاصة مما يخلق مناخا مناسبا لنمو وتشجّر الجماعات الإرهابية . فالإرهاب إذا ما بقي مدّة طويلة في بلد ما دون أن تظهر مؤشرات على تراجعه أو قرب نهايته يكوّن على المدى القريب خطرا ماثلا وقد يتحوّل إلى تيار في حالة اتخاذه وضع التاريخية مما يجعل منه ( بعبعا أو مشكلة ) غير قابلة للحل أو مستعصية في أقل تقدير . كما هو البعبع الذي تثيره الصحافة والمحللين الغربيين من حين لآخر حول ما يعرف ب " مستقبل الشيعة السياسي في الشرق الأوسط " حيث يقوم أولئك الباحثين بتضخيم موضوعات هي في الأساس من صلب التكوين الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط نفسه ، ومن ثمّ محاولة إعطائها وزنا ووضعا لا يتناسب وحقيقة حجمها الطبيعي على الأرض .
ويحاول الإرهاب ـ بعد اكتسابه صفة الدوام النسبي ـ أن يتسلل إلى مؤسسات الدولة والأحزاب العاملة في المعارضة أو تلك التي تعمل ضمن السلطة في الوقت نفسه . كما أن أحزاب (غير ديمقراطية ) قد تجد في تطور الإرهاب وسيلة مثلى لجني مكاسب سياسية معينة ، فتعمل على تغيير بعض تكتيكاتها السياسية باتجاه لا يخدم العملية الديمقراطية عموما ، مما يمنح القوى الإرهابية المتمرسة فرصة مهمة في توسيع دائرة عملها التخريبي أو القيام بتحالفات مؤقتة مع هذه الحركة أو تلك ، وقد يصل الأمر إلى التنسيق بينها في عمليات مشتركة أيضا إذا ما تطور الوضع على نحو أكبر وتخلخل الوضع الأمني على نحو كبير . وفي الواقع تحاول القوى الإرهابية التعامل مع بعض (الأحزاب أو الحركات الدينية ) في العراق لأنها تجد فيها من العوامل ما يكفي لإثارة العنف ، وبخاصة إذا كانت تلك الأحزاب أو الحركات ممن ترفض ( العملية الديمقراطية ) أو تشكك بهذا القدر أو ذاك في جدواها .. ولكن هذا الأمر لا يمنع من أن تحاول القوى الإرهابية أحيانا ـ وكما في بلدان أخر ـ أن تتحالف مع أحزاب يسارية أو علمانية أو قومية ( مثلما هو عليه الحال في ايرلندا الشمالية ، أو تداخل الجماعات الإرهابية العادية مع حركات اليسار وتجار المخدرات كما في تجربة بوليفيا ) .
ومن الضروري أن تكون لدى كل حركة سياسية ( مجازة على وفق قانون إجازة الأحزاب الذي سيصدر بعد انتخاب الحكومة الدائمة ) أن تثبت موقفها الصريح والواضح من قضية استخدام العنف الفردي أو الجماعي ، والعنف المنظّم أو غير المنظّم ، للوصول إلى السلطة أو تحقيق مكاسب سياسية . فإن التزام أية حركة أو حزب مجاز يتطلّب إثبات ذلك في برامجه المعلنة ، ونظامه الداخلي أيضا . وتعدّ تلك الضرورة القانونية معيارا مهما للحدّ من ظاهرة الإرهاب أو اللجؤ إليه .
وللحدّ من ظاهرة الإرهاب على النطاق الفردي والجماعي يمكن للدولة والأحزاب والحركات السياسية أن تتبادل المعلومات فيما بينها وبين الدولة من جهة وصولا إلى تكوين صورة واضحة عن مجمل التحرّكات التي تقوم بها الجماعات الإرهابية . وبدون قيام مثل هذا التعاون الأمني سوف تتعرض الأحزاب والحركات السياسية وأجهزة الدولة على حدّ سواء إلى هجمات إرهابية منظمة . فمن الطبيعي أن تشعر الجماعات الإرهابية بنوع خاص من العداء إلى جميع قطاعات المجتمع والدولة لأنها لا تستطيع بحكم تكويناتها العقدية والسياسية أن تفصل بين الدولة والمجتمع والأحزاب السياسية عموما لرؤيتها الثابتة إلى الجميع من منظار واحد تقريبا فضلا عن عدم الشعور باقترابها من هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك لاستشراء حالة الشك الدائم بالآخر . بيد ان تلك الحالة تتمحور في حالات التضييق الأمني ، ولكن الإرهاب قد يجد مساحة من العمل مع بعض الجماعات السياسية في حالات الانفلات الأمني الكبير أيضا . ومن هنا فإن من الضروري على الدولة والقوى السياسية أن تكثّف جهودها للحيلولة دون تفاقم العمليات الإرهابية ، ووضع حلول عملية للقضاء على مناطق نموها جغرافيا ، فضلا عن تجفيف منابع الإرهاب ماليا ولوجستيا .
إن تطويق الإرهاب هو عمل جماعي منظّم من الدولة والمجتمع في الوقت نفسه ، ومن الصعب ان تقوم به جهة بعينها مهما توافرت لديها من إمكانات مادية ومعنوية أو حشدت لهذا العمل من طاقات بشرية مدربة . ويعود ذلك إلى طبيعة مواجهة القوى الإرهابية وقدرة الأخيرة على التأقلم والتخفي الدائم ، مما يستوجب دائما عملا جماعيا وتبادلا متواصلا للمعلومات بين مختلف قطاعات الدولة والمجتمع . وبهذه الوسيلة وحدها يمكن ان نستنفر جميع القوى الخيرة والسلمية في المجتمع للعمل على ردع مخططات الإرهاب السرّية . لكن مثل هذه الجهود لن تكون مثمرة ما لم تكن مدروسة وبعمق من النخبة السياسية ، والقادة الاجتماعيين متمثلين برجال الفكر والرأي ، وعلماء الدين ، ورجال العشائر، وبالتعاضد مع القوى السياسية وأجهزة الدولة القائمة .

ب ـ منظمات المجتمع المدني والوعي المضادّ للإرهاب :

تجد الجماعات الإرهابية في منظمات المجتمع المدني خطرا حقيقيا ودائما . ولا تعود تلك الظاهرة إلى التشكّكات التي تحملها الجماعات الإرهابية ضدّ العمل في المجتمع المدني وحده ، بل إلى الرغبة العارمة لدى الجماعات الإرهابية في عدم وجود أي استقرار سياسي أو اجتماعي في البلاد . فالجماعات الإرهابية تنظر إلى منظمات المجتمع المدني في كونها ( خلايا ) تتعامل مع ( المحتل ) وهي بمجملها عناصر استخبارية لـه ..كما أنها تكوّن عائقا أمام تغلغلها في البنيان الاجتماعي بما تحمله من أفكار وتطلّعات في وحدة المجتمع . وأن المنظمات الإرهابية لن تستطيع العمل في ظل أي سعي مهما كان بسيطا لرصّ الصفوف والتأكيد على روحية الجماعة . وبما أن منظمات المجتمع المدني تعمل من خلال الارتباط بمنظمات دولية أو أنها تتلقّى مساعدات من خارج العراق غالبا فقد أصبحت من أوائل الأهداف للإرهاب . وهكذا نجد إن أولى المنظمات التي تعرّضت للإرهاب هي : الأمم المتحدة لأنها بحكم وظيفتها الأممية تدعم منظمات المجتمع المدني ودورها الاجتماعي والإنساني . ثمّ تلت تلك العملية مهاجمة مؤسسات الأمم المتحدة الأخرى ذات الطبيعة الخدمية الإنسانية ، حتى استطاع الإرهاب الدائم أن يعطّل من دور تلك المؤسسات التي تقدم الخدمات إلى أبناء الأمة العراقية وفي مجالات شتى للتخفيف من معاناتهم ، ووصل به الأمر إلى مهاجمة تلك المنظمات ذات الطابع الإنساني ( الطبي ) البحت أيضا . فالإرهاب في العراق لا يرغب دائما في التخفيف بأي حال من الأحوال من معاناة الشعب العراقي لأنه يرى في عودة الحياة الطبيعية إلى العراقيين خطرا علية وعلى برنامجه الخاص .
فما الذي يمكن أن تضطلع به منظمات المجتمع المدني في تكوين وعي اجتماعي مضاد للإرهاب ؟ وللإجابة على هذا التساؤل لابدّ لنا من أن نتفهّم طبيعة عمل وتكوّن منظمات المجتمع المدني في العراق . فمن الواضح إن العراق لا يمتلك أية منظمات للمجتمع المدني فاعلة وذات تقاليد قبل عام 2003 بسبب طبيعة النظام الفاشي السابق الذي حوّل كل منظمات المجتمع المدني إلى أبواق خاصة به ، وعطّل جميع أشكال الحراك الاجتماعي نسبيا إلا بما يخدم أهدافه السياسية . وإن المنظمات التي أنشئت بعد التاريخ المذكور لا تمتلك الخبرة والقدرة على إحداث تأثيرات مهمة وأساسية فضلا عن أن العديد من العاملين في هذه المنظمات قد وجدوا في وظيفتها بابا للارتزاق ، وكأنها دوائر حكومية ! ولذلك من الصعوبة أن نرى ثمة دور مهم يمكن أن تلعبه هذه المنظمات في تطويق الإرهاب في هذه المدة بالذات ، لكن تأسيسها على وفق ما هو صحيح وتفعيل دورها في المستقبل سيؤدي إلى قيام قدرات اجتماعية مهمة في تطويق الإرهاب والحدّ من تناميه وفضح أساليبه وادعاءاته .
ج ـ أثر النمو الاقتصادي في خلخلة مناخ الإرهاب :
تشير الإحصاءات المستقلّة على أن العراق يحتوي على ما يزيد عن 60% من العاطلين عن العمل ، وهذه الظاهرة ورثها النظام السياسي الجديد عن النظام السابق الذي رزحت في البلاد تحت تباطؤ في النمو الاقتصادي منذ عام 1980 بسبب قيام الحرب العراقية الإيرانية وتوجّه البلاد إلى ما عرف بالتصنيع العسكري الذي لم يكن في مخرجاته العامة إلا وبالا على الحياة المدنية العامة ، ولم يقدّم للامة العراقية غير الدمار وتفاقم نزعة العدوان . ثمّ أعقب ذلك دخول العراق للكويت عام 1991 وما أعقبه من فرض عقوبات دولية صارمة طالت الطبقات الفقيرة والمعدمة في العراق حصرا ، ودفع العراقيون في إثر ذلك أكثر من مليون ونصف من أطفالهم بلا مبرر مما سيحدث بلا شك نوعا من الفجوة في الأجيال القادمة فضلا عن موت ( على وفق تقرير مجلّة طبية عالمية ) أكثر من مائة ألف مدني منذ احتلال العراق وحتى منتصف عام 2004 . فهل ثمة إرهاب تعرض له شعب مثلما تعرض له الشعب العراقي ؟
وعلى الرغم من إن الدول المانحة في ( مؤتمر مدريد ) قد خصصت عدة مليارات من الدولارات لمساعدة العراق إلا أن ما تسلّمته الحكومة المؤقتة في هذا الميدان لا يتعدى المليار الواحد فقط . ويعود سبب ذلك إلى انفلات الوضع الأمني وصعوبات العمل في العراق بفعل الأعمال التي تقوم بها الجماعات الإرهابية في تهديد الشركات والأشخاص للحيلولة دون القدوم إلى العراق أو العمل فيه ، بل طال الأمر في الآونة الأخيرة تهديد السائقين الأتراك العاملين في برنامج : النفط مقابل الغذاء . وهذا يعني بطبيعة الحال إدراك الجماعات الإرهابية إلى أهمية استقرار الوضع الاقتصادي في العراق . كما أن سؤ الأوضاع الاقتصادية يسهّل وعلى نحو دائم ارتماء العديد من العناصر العراقية الضرورية للعمل مع الإرهاب : وهو من أهم أهداف الإرهاب القصيرة المدى .
إن التطور الاقتصادي في العراق يعدّ بمثابة ( العصا السحرية ) التي يمكن من خلالها الحدّ إلى أقصى ما يمكن من عمليات الإرهاب ، كما أن خلق فرص عمل مناسبة للعاطلين عن العمل ، وزجّ شرائح منهم في المؤسسة العسكرية الجديدة ومؤسسات الشرطة والامن سيؤدي إلى تراجعات دائمة للعمل الإرهابي عموما . لكن العامل الأساس الذي يمكن من خلاله تطوير الوضع الاقتصادي في العراق يكمن في تنامي ( الاستثمار الوطني ) الذي يستطيع أكثر من غيره حماية نفسه وامتصاص البطالة المتفاقمة في البلاد . لكن هذه الفرصة تجد صعوبات جمّة في الوقت الحاضر بفعل عامل المنافسة للسلع الأجنبية التي تدفقت إلى أسواق العراق بعد 2003 وما نتج عنها من غلق كثير من المعامل العراقية ، وتوقّف آخر عن العمل ، ناهيك عن هروب الرأسمال الوطني إلى خارج العراق ؛ فقد كان معظم أصحاب رؤوس الأموال من المقرّبين إلى النظام السابق . ولذلك من الصعب أن نرى نموا اقتصاديا حثيثا ومتوازنا ما لم تضع الحكومة الدائمة المنتخبة خطّة لذلك يمكن من خلالها النهوض بالأوضاع الاقتصادية المتردية ، وحلّ العديد من المشكلات التي تواجه الاقتصاد العراقي حاليا من الصعوبة أن نجد نهاية قريبة للإرهاب بدون تطور اقتصادي متسارع ن كما أن تحسنا في الأوضاع الأمنية لن يحدث بدون دوران عجلة العمل . وإذا كان العراق يتربّع على هذا الحجم الكبير من الثروات المادية فإن إمكانية نهوضه الاقتصادي السريع قابلة للتحقق في المدى المنظور. ومن الظروف الملائمة أيضا في هذا المجال إن الإرهاب ـ على العموم ـ لا يملك برنامجا اقتصاديا يمكن من خلاله أن يحقق التفاتة اجتماعية تساعده في تحقيق أهدافه ، وهو يتطفّل على العناصر الاجتماعية المحدودة التي لا تمتلك رؤية واضحة للحياة ، وقد أعدت نفسها سلفا على مغادرتها . ومن هنا فإن عملا وطنيا جادا ومخلصا ومنظّما يمكن أن يطوق الإرهاب في منابعه المادية ، وأن يعمل على خنقه قبل استفحاله . فليس ثمة قضية اجتماعية للإرهاب ولا برنامجا اقتصاديا محددا ، ولا رؤية للمستقبل مثمرة ، فكيف يمكنه كسب أي وجود اجتماعي له بدون عنف ؟! ومن هنا فإن تفعيل منظمات ومؤسسات المجتمع المدني وما يعرف ب( الأمن المدني ) من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها ان نجد بعض الوسائل للعمل على تحجيم وضع الإرهاب والحيلولة دون تفاقمه .
د ـ الإرهاب والأمن المدني :
يعدّ العراق من البلدان القليلة التي لم تتهيأ اجتماعيا إلى نشؤ قاعدة فكرية و اجتماعية للإرهاب كما هو عليه الحال في المملكة العربية السعودية مثلا والتي عمدت على تهيئة مناخات كاملة لثقافة العنف وإلغاء الآخر ، ولا توجد في العراق حاليا ما يعرف بثقافة الدم وإفناء الذات مثلما هو عليه الحال في إيران بعد الثورة فيها . فالعراق لم تسد فيه ثقافة البعد الواحد حتى في اعتى مراحل الحكم الفاشي فيه 2003-1963 وبناء على ذلك فإن خطوات اجتماعية مدروسة ، وعمل سياسي جماعي ، وتطور اقتصادي مضطرد سيساعد في القضاء على ظاهرة الإرهاب الطارئة على الحياة في العراق العظيم .
ومن أجل معرفة المزيد من المؤشرات حول الإرهاب أجرينا استفتاء عاما ( انظر الملحق) يتكون من ألفي عينة داخل العراق وفي المنطقة الجنوبية وبغداد ، فأظهر النتائج الآتية :
نتائج الاستفتاء المتعلّق بالإرهاب في العراق والذي أجري في بداية يناير عام 2005 وانتهى في 15 منه :

ـ حول السؤال المتعلق : ما توقّعك للإرهاب في العراق مستقبليا ؟ أجاب المستفتون بنسبة 82% بإمكانية زوال الإرهاب وهو آيل إلى الأفول ، وأجاب 8% بعدم إمكانية زواله ، في حين أجاب 10% بأنه باق إلى الأبد . وتظهر لنا آراء العراقيين من الذكور والإناث عموما بأن قضية الإرهاب قابلة للحل على نحو واضح . ومن المفيد الذكر في الوقت نفسه أن نسبة 95% من الإناث قد اجبن بضرورة زوال الإرهاب ؛ وهذا يعني أن المرأة هي من أكثر الرافضين للإرهاب في العراق .
ـ أما في السؤال المتعلّق : هل تساهم في الكشف عن العناصر الإرهابية من خلال : الأحزاب ، أجهزة الدولة ، أعيان المنطقة , أخرى ، أجاب المستفتون على النحو الآتي : أن أجهزة الدولة قد كونت النسبة الأكبر في الكشف عن العناصر الإرهابية فأجاب 92% بأن التعاون مع أجهزة الدولة متمثلة بالشرطة وقوى الأمن العراقي الجديد هي الجهة الأكبر التي يمكن التعامل معها في الكشف عن العناصر الإرهابية قبل غيرها ، وهذا يعكس الرغبة العارمة للعراقيين في عودة أجهزة الدولة الأمنية للعمل . وجاءت النسب في الإجابات الأخرى ضئيلة حيث حصلت الأحزاب على نسبة 4% فقط و 1% بإخبار أعيان المنطقة ، وفضّل 3% اختيار ( أخرى ) دون أن يفصحوا غالبا عن تلك الجهة .
ـ والسؤال المتعلّق : هل تعتقد أن الإرهاب في العراق قامت به عناصر من : خارج العراق ، داخل العراق ، معا ، أخرى ، فقد أجاب المستفتون وبنسبة كبيرة بلغت 81% بأن الإرهاب مصدره من داخل وخارج العراق معا ، وهذا يثبت الوعي الكبير للعراقيين حيث ان المتابعة السياسية لقضايا الإرهاب تشغل العقل العراقي بشكل كبير . أما خارج العراق فقد حصل على نسبة 6% فقط و3% للداخل . وكون حقل أخرى نسبة 10% دون أن يفصحوا عن طبيعة تلك العناصر .
ـ وفي السؤال المتعلق حول تصنيف الدول المسؤولة عن الإرهاب حسب أهميتها في العراق : حصلت إيران على نسبة 72% من إسهامها في الإرهاب في العراق ، كما حصلت سوريا على 25% والسعودية 2% الكويت 1% ، ومن المفيد أن المستفتين لم يوردوا الولايات المتحدة في الاستفتاء ( ؟ ) على الرغم من الدعايات الإعلامية التي تشنّها عديد من الفضائيات في ذلك الاتجاه . ولعلّ هذا الوضع يعكس بوضوح عدم خضوع الإنسان العراقي إلى الإعلام الخارجي .
ـ وحول الدور الذي يقوم به المواطن العراقي في قمع الإرهاب والعمل على كبحه عن تحقيق غاياته أجاب نسبة 44% بان دورهم إيجابي في حين أجاب22% بان دورهم سلبي : أي بأنهم لا يستطيعون العمل على كبح الإرهاب ، وقد احتلت نسبة الإناث حوالي 20% من المستفتين وهذه الحالة تعكس خوف المرأة العراقية من العمليات الإرهابية ونكوصها عن تأدية دورها الاجتماعي في هذه المرحلة الشائكة والصعبة من تاريخ العراق السياسي المعاصر . وتوزعت النسب الأخرى بين لا علاقة لي 12%وغير مهم 2% ، ويظهر التفاوت في النسب مدى القلق المحلي في مواجهة الإرهاب وصعوبة تكوين موقف واضح على مواجهته ، فضلا عن عدم قيام الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بتقديم وعي مناسب حول الإرهاب الذي يجتاح العراق على نحو لم يسبق له مثيل طوال تاريخه المعاصر .
ـ وبعد معرفة دور المواطن العراقي في قمع الإرهاب يأتي السؤال الطبيعي حول مدى قيام الإرهاب بعرقلة العملي السياسية في العراق حيث أجاب النسبة الأعظم من المستفتين 95% بأنه له الدور العظم في ذلك ؛ وهذا يعكس مدى التناقض في الشخصية العراقية ونكوصها بازاء مسألة مصيرية كالإرهاب ففي الوقت الذي تفاوتت فيه الإجابات حول الدور في قمع الإرهاب يأت الإجماع على كون الإرهاب يعرقل العملية السياسية مما يضعنا أمام تساؤل دائم في معرفة الأسباب الكامنة وراء رغبة العراقي في وضع حلول لعموم مشكلاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون أن يبدي دورا له في حلّها . ثمّ أجاب 4% بأن الإرهاب لا يعرقل العملية السياسية في العراق ، في حين أجاب 1% غير مهم .
ـ وفي السؤال حول : ما مستقبل الإرهاب على مستوى العالم ؟ وحول ما إذا كان سوف يدمّر العالم أم أن لا مستقبل له ؟ أجاب 32% منهم بأن الإرهاب سوف يدمر العالم ، وهذه يعكس بقوة مدى الخوف من العمليات الإرهابية واحتمال انتشارها في أماكن عديدة من العالم ، وفي الوقت نفسه فقد أجاب 54% بأن لا مستقبل للإرهاب على مستوى العالم.
وترك 14% الإجابة على هذا السؤال حيث كونت الإناث في الترك نسبة 12% .
ـ وفي السؤال المتعلّق : هل ستنتصر الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحرب على الإرهاب في العراق ؟ أجاب 55% منهم بان الولايات المتحدة سوف تنتصر على الإرهاب في حين أجاب 36% بأنها لن تنتصر . ثمّ تركت البقية الإجابة على هذا السؤال 8% ووضع 1% تعليقات مختلفة دون وضع علامة معينة .. وتعكس هذه النتائج البون الكبير في التوقّعات حول نهاية الإرهاب على مستوى العالم،وانغماس الشخصية العراقية في التفكير في وضع نهاية للإرهاب .
تبدو لنا قضايا الإرهاب في العراق هي من أهم مشاغل الإنسان العراقي في الوقت الحاضر . ومن الجدير بالذكر في هذا المجال : أن الرئيس الأميركي جرج دبليو بوش قد أكّد في خطاباته الأخيرة إبان حملته الانتخابية عام 2003 وخطابه الأخير في تنصيبه الرسمي على ربط أمن الولايات المتحدة وشيوع الحرية في جميع أنحاء العالم ؛ وهي ستراتيجية جديدة يصعب تحقيقها على أية حال بسبب ان الولايات المتحدة لها من العلاقات الدولية بأكثر من 90 دولة لا تعنى بالحرية وحقوق الإنسان في العالم ، وهي تتركز في معظمها في منطقة الشرق الأوسط حيث توجد الحكومات التي كانت متحالفة مع الولايات المتحدة إبان حقبة الحرب الباردة . ومن هنا فإن الإرهاب ومحاربته سوف يستدعي ـ فيما يستدعيه ـ إعادة النظر في علاقات الولايات المتحدة بتلك الدول . ولا يمكن التغاضي عن هذه القضية على المدى القريب والبعيد في آن . وإذا كان ثمة ما هو جدير بالاهتمام في هذا البحث المتواضع فهو يكمن في الاهتمام الذي لقيه الباحث من المستفتين عموما ورغبتهم الشديدة في الإدلاء بخياراتهم فضلا عن مناقشاتهم الجادة للعديد من الحقول واقتراحاتهم حولها مما عكس حقيقة اهتمام الإنسان العراقي بمصيره وضرورة قيام بحوث أكثر عمقا في ذلك .

بعض الهوامش :
1 ـ مقالات توماس فريدمان Thomas L . Friedmanحول الإرهاب ، جريدة الحياة اللندنية ـ فبراير 2004، سبتمبر 2003 .( انترنيت ) مقابلة خاصة 23|10| 2003مع قناة (العربية)
2 ـ خطابات الرئيس بوش في حملته الانتخابية 2003 .
3 ـ خطاب الرئيس بوش أثناء تنصيبه يناير 2004 .
4 ـ د. سهيل حسين الفتلاوي ، الإرهاب والإرهاب الدولي ـ دراسة في القانون الدولي العام ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ـ ط1 ـ 2003 )
5 ـ حياة أسامة بن لادن ، وخطاباته ( انترنيت )
6 - U. S Departement of State , Future of Iraq , Alan P . Larson , Under Secretary for Economics , Bisiness , and Agricultural Affairs ( Internet)
7 ـ مازن الراوي ، فوكوياما : الإرهاب ، العراق ، أوربا ( انترنيت )
8 ـ د. برهان غليون ، من الحرب الدولية إلى التحالف الدولي من أجل السلام ( انترنيت )
9 ـ محمد حسين الحلو ، مراجعة في كتاب ( الصراع الحضاري والعلاقات الدولية ) للدكتور سمير سليمان ( الموسوعة الإسلامية ) ( انترنيت )
10 ـYikhak Nakash , Jullay, The Shiites and the future of Iraq , Foreign Affairs, August , 2003 ( Internet )














زوايا رؤية وطنية




























الفاشيون القدماء
الفاشيون الجدد

ارتبط مصطلح الفاشية بالفكر الاستعلائي قبيل الحرب العالمية الثانية وظهور شخصية بنيتو موسليني ، ثم أصبح ظاهرة ممقوتة على نطاق العالم كله ، على الرغم من أنّ العديد من الأفكار المعاصرة هي أشدّ وقعا ووحشية على الشعوب من الفاشية الإيطالية أو النازية الألمانية ، فالستالينية على سبيل المثال تتعملق أمام الفاشية الموسولينية والنازية وحكم الجنرال فرا نكو الإسباني، ويبدو الجميع أقزام أمام الجبروت الصدامي الأخير..
ومن الأنصاف أن نذكر بأن الفاشية هي بنت شرعية لعموم الهيمنة والعنت والتسلّط والحسد الذي رافق الإنسانية منذ فجر التاريخ ؛ فموقف الأخوين قابيل وهابيل وجرأة أحدهما على قتل أخيه هي البداية الأولى للفاشية لو أردنا إمعان النظر .. فما الذي فعله قابيل بنفسه حينما أقدم على تلك الفعلة الشنيعة والمروّعة بقتل أخيه ؟ وتروي الكتب المقدّسة تلك الحادثة على نحو تفصيلي دقيق لأنها بداية التوغّل الإنساني بالدماء . فقال الربّ مخاطبا قابيل : ماذا فعلت ؟ دم أخيك يصرخ إلي من الأرض ؛ والآن لأنك قتلته ، فأنت ملعون من الأرض التي شربت دمه من يدك ، فهي لن تعطيك غلتها إذا فلحتها ، وطوال أيام حياتك ستبقى شريدا بلا مأوى . وهكذا فإن الإنسانية القديمة قد رفضت القتل بكل أشكاله ودوافعه غير السليمة في محاولة لكبح بني البشر عن أداء الشر وتوابعه جميعا . ثم جاءت الوصية الموسوية في ( لا تقتل ) ـ كواحدة من عشر وصايا ـ بيانا على رفض ذلك الفعل في سلب النفس التي خلقها الله سبحانه حتى عدّ بعض العرفانيين القتل نوعا من الشرك الخفي أو الأصغر .. وقد أشار القران الحكيم في غير موضع إلى تلك الحقيقة الكبرى حينما قال في محكم كتابه : " ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا " ولو تأملنا الحكم الإلهي في قتل جميع الناس منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة لعظم هول الجريمة ولما أقدم شقي على هذا العمل الرهيب قط .
ويبدو أن التاريخ العربي والإسلامي مليٌ بالفاشيين على اختلاف ألوانهم وتعدد مشاربهم وتباين مراحلهم ؛ فقتلة الخلفاء الراشدين الثلاثة هم من أولئك الموتورين الاستعلائيين والمرضى ، وهو نوع قديم من محاربة العدل الإنساني من خلال هوس الاستعلاء الأرعن ، أما خلفاء بني أمية فهم من الفاشيين الأصليين ـ ما خلا عمر بن عبد العزيز (رض ) ـ وكذلك خلفاء بني العباس لما عرف عنهم من اضطهاد مرير لأهل العلم والفكر والرأي والعرفان الذين خالفوهم في النظر إلى قضايا المسلمين الأساسية . . ثم تبع ذلكم الرهط رهط آخر لا يقل عنتا ولا سطوة تمثل في حكم سلاطين آل عثمان وما نتج عنه من انهيار آخر دولة إسلامية في التاريخ الحديث .
ومن المفارقة أن يكون ( بنو الأصفر ) في هذا الزمان ممن يدعوننا إلى الأخذ بوسائل الحرية والمشاركة والرأي في الحكم ؟! وكأننا أمة لا سابقة لها في ذلك ؟! ولا عجب لأن ما قرأه الغربيون عنا لا يعدو أن يكون تاريخ الحكّام فحسب ؛ أما تاريخ الشعوب وثوراتها التي هزّت تاريخنا الوسيط والحديث فهي محض أعمال شغب قام بها خارجون عن الشرع والحكّام من ظلال الله على الأرض ليس إلا !
وفي العراق ثمة فرصة تاريخية لإظهار جانب من الأمة على حقيقته في هذه الآونة بالذات من خلال الفسحة المسموح بها هذه الأيام في التعبير عن الرأي نسبيا ، ومع ذلك فإن قبائل جديدة من الفاشيين الجدد تسجّل في كلّ يوم حضورا أعمى للتاريخ وفرزا أهوج للحاضر وعدم وجود نظرة للمستقبل ؛ أولئك لا يرون إلا ما يرى أحبارهم ولا يرددون إلا أقوالهم حرفا فحرفا ، تماما مثل ببغاوات صدام من قياداته العسكرية الذين لم ينطقوا بالحقّ إلا بعد عام من سقوط النظام البائس على يد الأمير كان ، فأين كانوا ؟؟ وماذا فعلوا بازاء أولئك الصبية المدنيين الذين قادوهم وقادوا العراق إلى أسوأ كارثة حلت به في تاريخه الحديث و المعاصر ؟ هذا ما لم يستطع أيا منهم الإجابة إلى القنوات الفضائية التي وجدت بغتة في أولئك الرجال المهزومين فرصة لملٌ ساعات غير مثيرة ؛ فما أبشع أن ينشر المرء غسيله الفاشي بعد عام من التحميض !؟ أما أولئك الفاشيين ممن اختبأوا وراء ( باينباغات ) جديدة أو تحت عباءات شتى أو تحت بزة كتب عليها (US Army أبو غريب ) فإنهم لن يطالوا أبو علي ولا مسحاته ! ـ كما هو المثل العراقي الدارج ، ولن يحصدوا إلا العار التاريخي ، ولسوف يقعون في الأخطاء القاتلة نفسها التي أولغ فيها النظام السابق من عدم احترام الآخر ومحاولة ثنيه عن رأيه من خلال القوة المادية أو المعنوية .
ويمكن لأي مواطن عادي أن يكتشف أولئك الفاشيين الجدد من خلال الدخول معهم في حوار بسيط حول المرأة ! وليس حول أي شأن آخر في الوقت الحاضر في الأقل ، فهذا النصف الجميل الذي ذاق وبال فقد الابن والزوج والأب والأخ والحبيب لما يزل الفاشيون الجدد يناقشون ما له وما عليه ؛ وهل المرأة العراقية تصلح لقيادة المنزل أم الدولة ؟! سبحان الله أو لم يتحرر العراقيون ومعهم المرأة من هذه القيم البالية عام 1958 ؟ ولماذا هذه الطروحات المستوردة من أنظمة دون العراق حضاريا؟ ويا ترى هل يناقش أولئك فصل البنيين عن البنات في الجامعة أيضا ،وفي العام الدراسي القادم ؟؟
إن للفاشيين الجدد رائحة خاصة يمكن شمّها عن بعد وفي أثناء السير وسط أطلال المقابر الجماعية . جرّبوا ذلك أيتها السيدات ـ أولا ـ ويا أيها السادة .



















أيها الصامتون ... ممّ تخافون ؟

شاع في الآونة الأخيرة مصطلح (الأغلبية الصامتة) على نطاق واسع . ويمكنني أن أجزم بأن عمر الصمت العراقي هو سبعة آلاف عام بقرونها وعقودها وشهورها وأيامها ولياليها وساعاتها التي هي بلا نهارات حقيقية دائما . فعمر الصمت عندنا هو عمر الظلام مذ كان العراق مهدا للحضارة الإنسانية ، وإلى يومنا هذا بكل إعزاز وتقدير عميقين ! ، وأننا (الأمة الولود) التي لم تذق طعم الحرية والسعادة والأمن ساعة واحدة في حياتها وفي تاريخها الحافل الذي ما أنفكّ الطغاة يذكروننا بعظمته ، وكأنهم هم صناعه لا نحن الشعوب المقهورة والمعذبة . نحن الذين لم ننل من الحضارة البطولية غير النواح على الإله تموز منذ بداية وجودنا على أرض الرافدين ( ميسوبوتيميا ) وحتى يومنا هذا: رجالنا يبكون ونساءنا مجللات بالسواد ، وكأننا عرفنا ب( أرض السواد ) ليس لوجود الزروع والنخيل الكثيف في هذه الواحة الوحيدة بين صحراء عربية عارمة وهضبة إيرانية قاحلة ، بل للكم العظيم من الآلام والأحزان فينا ؟
ويرى بعض المعنيين في تاريخ العراق السياسي بأن العراقيين عاشوا بضعة أشهر ربما لا تتعدى أصابع اليد الواحدة نوعا من (الحرية) بعد ثورة 14 تموز عام 1958 ، لكنني ومن أجل الحقيقة وحدها ، أرى بأن تلك الحرية المزعومة التي نالها العراقيون كانت مجرد تخبّط أهوج ، صنعه بضعة ضباط وطنيين مغامرين ،لا تخطيط لهم , ولا تدبير , ولا دراية بالسياسة وبواطنها ، ولذلك سرعان ما تحول (حلم الحرية) إلى كارثة عامة طامة لما يزل العراقيون إلى يومنا هذا يحصدون نتائجها جيلا بعد جيل ، موتا وحزنا ومكابدة ، وغناء شجيا مشوبا بالنحيب من أقصى الجنوب على أعالي المناطق الجبلية الحزينة .
وشاعت لدى العراقيين (مواريث فولوكلورية) واسعة في تمجيد (الصمت العام) وإجلال السكوت للجماعات والأفراد ن والحضّ على عدم مواجهة الشرور الكبرى ، حتى قالوا : إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ، ومصرع الرجل في لسانه ، وأبو اللسان الطويل ! ، ولسانك حصانك ، وأمش بجانب الحائط ، و أبعد عن الشر وغن لــه !، وغيرها من الأمثال الرديئة و (الحكم) البالية التي تمتدّ جذورها إلى آلاف السنين ..
وفي عهد العسكرتاريات السوداء ساد تصور بأن أولئك العسكر المزدانون بالرتب الذهبية والمتمتعون بالامتيازات الدائمة يعرفون أكثر من أي عراقي آخر في شؤونهم السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والثقافية ، وهم من خريجي ( اليس يم ) و( يمينا تراصف ) فقط . ثم ليثبت المهيب الركن ( الفيلد مارشال ) الذي لم يخدم يوما واحدا في الجيش الوطني : بأن القضية لا تحتاج إلى جهد كبير أو تنظير خطير ، وما على المرء إلا أن ينادي الشعب كما ينادي الجنود في ساحة العرض فيصطف الجميع إلى اليمين . وبعد نهاية التدريب الصباحي والمسائي يأوي الجميع إلى أفرش زوجاتهم مذعورين وجلين من السيد ( الآمر ).
الأغلبية الصامتة هم سرّ بلائنا ـ يا سادة ـ وهم العمود الفقري لنهوض التخلّف فينا، وهم المسؤولون عن بقاء العسكرتاريا كل هذه السنين يحكموننا بالحديد والنار ، ولم تعبّر هذه الأغلبية الحجرية عن غضبها الذي أمتدّ 7000 عام إلا في عام 1920 حينما كانت خيول وعربات الإنكليز و(أطوابهم) تخترق العراق من الشمال على الجنوب . وربما يجد بعضنا إننا قد كسرنا الصمت في عام 1991 عندما عاد الجيش العراقي والنشامى من (القادة والآمرين) حفاة جياع تجد رتبهم ملقاة على طول الطريق العام صفوان ـ أم قصر وهم يقدمون من صحراء الكويت ، وجيوش الحلفاء على الأبواب والشبابيك .
هل كتب علينا ـ نحن العراقيين ـ الصمت والسكوت ، والهدوء والسكينة ( وهي العبارة الجليلة التي كان يخاطب بها الملوك الحجازيون أبناء العراق في مدة حكمهم السابقة ، وكذلك العسكر الذين جاءوا في إثر كل انقلاب دموي في الستينيات ) والتي لم نجد تلك السكينة يوما حية تسير على الأرض العراقية قط . فلا هدوء ولا سكينة بين مقابر الشهداء والضحايا من المقابر الجماعية . ولذلك فقد عمد الملايين من العراقيين إلى الهجرة بسكوتهم وصمتهم من العراق إلى كل بقاع الدنيا كافة حتى وصل بعضهم بصمته إلى إسرائيل طالبا حق اللجوء الإنساني فيها ، في حين راحت أمواج المتوسط والأطلسي تغرق أجساد آخرين في صمت البحور العميقة .
ولا مناص من القبول بالأغلبية الصامتة لأنهم يشكلون الرأي العام الخفي والمواقف التي تغيب عن (التأريخ) ولا تغيب قيد أنملة عن ( التاريخ = ما يحدث حقا ولا يكتب وهو الذاكرة الإلهية أيضا ) ولأننا ببساطة لا رأي عام ظاهر يمكن التعبير عنه قبل 200349 فهل أن المحتل هو الذي سيفكّ الطوق عن هذه الأغلبية ، ومن ثمّ سترى نفسها حرّة سعيدة ! بعد 7000 عام من الصمت التاريخي الجليل ؟!
يا لها من مفارقة تاريخية غريبة ؟! ويا للصمت العام الذي حلّ بنا كل هذه الآلاف المؤلفة من القرون . ثم تأتي أمة غريبة بعيدة مدججة بالاسلحة الفتّاكة ، وعلى بعد 1500 ميل بحري ، وعبر المحيطات ، ومن وراء البحار over seas لتمنحنا هذا العدد من الصحف ، وهذه الآلاف من الدبابات وناقلات الجنود وسيارات الهمر التي تشبه خنازير برية سائبة في الشوارع : كل ذلك من أجل (كسر الطوق) عن صمتنا العظيم وهدوءنا الذي يقترب منم الموت العام ؟
يا لنا من أمة مسكينة سيذكرها التاريخ بأغرب النعوت وأعجب الصفات ، وحتى هذه اللحظة بعد أن تحول العراق إلى مسرح لمن هبّ ودب يأتي من يقول لك : يا أخي لماذا تتحرش بالآخرين ؟ لديك أطفال ـ يا للأطفال الذين قضوا بسبب عدم وجود مضادات حيوية ـ ألا تخاف عليهم ؟ إنهم هم أنفسهم ممن كانوا يقولون لنا إن صدام باق باق باق













الأس و الأساس


كان العراقيون الأول وما زالوا يعتقدون بأن أساس أي بناء ما لم يكن قويا فإن البناء لن يصمد طويلا ، وبما أن العراقيين من أقدم الأمم الحية الباقية على وجه الأرض؛ فسرّ استمرارها يكمن في أساسها قبل كل شيء . ويجد أي عراقي ثمة متعة خاصة وغريبة وهو يتأمل البنايات والأسوار والقصور واللقى القديمة وما تبقى من آثار لهذا البلد العريق العراق . ولشدّ ما أغاض العراقيين وهم يرون أسسهم التاريخية وهي تتناقلها الأيادي السارقة في وضح النهار وتحت سرف الدبابات القادمة من وراء البحار حيث ضاعت في غياهب البلدان كنوز من الحجارة لا تقدر بثمن . .
وطالما ضرب الطغاة على وتر الماضي العريق للعراقيين وصولا إلى إيهامهم بأنهم منهم ، وما هم منهم قط ؛ لأن العراقي ـ بطبعه ـ أنف لا يقبل أن يتحكم به كائن من يكون بالقوة المادية أو المعنوية ؛ أما عندما تحاوره فهو من أكثر الشخصيات مرونة ما لم تشعره بأن هذا الرأي مفروض عليه أيضا .
وللعراقيين أكثر من وسيلة في للتذكير بالأساس سواء في الأمثلة الشعبية المتداولة أو القصص الموروثة، وحتى عندما يريدون أن يهينوا أحدا ما فهم يسبون ( الساس ) بلا أدنى حرج ! وهم حتى الوقت الحاضر يدققون في أصل المرء وفصله ومن أي أرومة هو ؟ لكنهم وعلى الرغم من كلّ تلك الدقداقية لا يعيرون أهمية إلا إلى عمل الإنسان وأخلاقه و دينه . والشخصية العراقية غير متعصّبة على العموم لكنها ترى في المنبت الطيب ضرورة في التزام المثل والقيم الإنسانية النبيلة ؛ أما إذا خرجت عما هو معروف فهي تعود إلى النظر من جديد إلى أن ثمة ( دغش) ما في التكوين السلالي لتلك الشخصية ! والعياذ بالله .
وكان أستاذنا الكبير الدكتور علي الوردي رحمه الله يرى بأن الشخصية العراقية ازدواجية ، ولم يكن يرى في ذلك مثلبة ـ كما يظن بعضنا ـ إذ تتنازعها قيم البداوة والتحضّرأو القيم المدنية ، بل هي حالة من التناغم في التكوين الشخصي فليس كلّ ازدواجية صراعا ؟ ، فما الضير أن نجد في العالم الفيزيائي أو المخترع الكيمياوي أو الطبيب أو عالم اللغات وهو يحمل بين جوانبه نوعا من القيم الصحراوية التي تتعلق بالنخوة وإكرام الضيف والعزة بالنفس والأثرة ؛ ولو دققنا في الأمر جيدا لوجدنا أن ليس ثمة تناقض في ذلك ، لأن تلك القيم لم تخرج من جلد البداوة كما يحلوا لبعض المستشرقين ذلك ، بل هي قيم إسلامية بحتة ، وهي ستبقى بحكم الأيمان الديني وهذا ما أفتقده الغرب وما بقي قائما فينا.
والشعب العراقي بقي حيا وسط كل هذه الأهوال والخطوب والكوارث المتواصلة والمتنوعة ، وسيبقى مقاوما بإذن الله كلّ أشكال التحدّيات لأن أساسه الوطني قويا وقدرته على التحمّل عالية وخزينه من الحياة ثرّا، وما حدث فيه من تقتيل وحروب ومقابر جماعية ربما هو أقل مما حدث له إبان الغزو المغولي عام 1258م حيث لجأ ما تبقّى من العراقيين إلى الصحراء هربا من الهمجية والفناء الجماعي القديم ، و شاء الله سبحانه لهم أن يعودوا إلى مدنهم وقراهم وهم قلة تكاد الشعوب المحيطة بهم أن تجتثهم عن بكرة أبيهم وتأخذ أرضهم الخضراء المعطاء التي تحوّلت بعد الغزو المغولي إلى قاع صفصفا . ثمّ عادوا بعد سبعمائة عام بالتمام والكمال عام 1958 م لينهضوا من جديد وقد آثروا على أنفسهم إلا أن يكونوا مستقلّين أحرارا .لكنها الفرحة التي لم تتم ! فقد عاد أعداء الوطنية العراقية من جديد وفي ثياب جديدة وشعارات جديدة ومؤامرات جديدة حتى أصبح البحث في أساس العراقي جريمة قطرية وحبه لوطنه طعنا في القومية حتى لقنوا أطفالنا نشيد : أنا جندي عربي !!ولا أعرف ماذا يلقّن أبناء الكورد والتركمان والآشوريين الآن ؟! هل يعلمون أبناءهم نشيد : أنا إنسان عراقي!
لقد آن الأوان كي نضع عن كواهلنا كلّ الأعباء القديمة وكلّ الأدلجة المريضة التي لم تورثنا إلا ما نحن فيه ..فهل نفعل ذلك أم أن ثمة من ينفخ في بوق الشيطان من جديد لكي يضع العراقيين في أرض أخرى غير أرضهم ويبحث لهم عن أساس من صنعه هو ، وعن شعارات تجزيئية أخر؟ ولعب ما انزل الله بها من خبر. الريح عاتية قوية وجارفة وليس ثمة لنا غير العراق الأس والأساس .


































ثقافة السوق
ثقافة العم سام الجديدة


هل يمكن أن نعرض الثقافة والإعلام على قوانين العرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والحاجة الملحة مثلما هي السلع الأساسية والكمالية ؟ إنها قضية شائكة تواجه الدول النامية ، أو تلك التي تحاول أن تتحدّث ديمقراطيا .. كانت الأنظمة الشمولية القديمة تعمل على وضع الثقافة ـ على العموم ـ في خانة الدعاية السياسية ، ونحن لا نلومها على ذلك ، لأن طبيعة التكوين الداخلي والتوجّهات العامة لها تفترض هذا السلوك مسبقا , كما ان الكوادر العاملة في حقول الثقافة والإعلام درّبت على ذلك . فما بالك لو أن الأمر أستغرق أربعين عاما أو أكثر ، ثم جيء بأشخاص كي تدير دفة الإعلام والثقافة 180 درجة ؟ إنها مهمة شاقّة تشبه أولئك الذين تدربوا على ركض المسافات الطويلة ، ثم قيل لهم : تعالوا إلى تقديم عروض لأداء حركات جمناستية وعلى الحصان الطائر !
ومن المفيد أن نذكر في هذا المجال بان الدول الرأسمالية قد كونت على مدى مئات السنين قاعدة إنتاجية للثقافة والإعلام ، وبنت إمبراطوريات إعلامية مثل إمبراطورية مردوخ ، وشركات هوليود ، ومؤسسات الإعلان ، ودور النشر من بنجوين إلى مؤسسة فرانكلين المعنية بترجمة الفكر الغربي إلى الثقافة العربية ، وإلى إذاعة ( BBC ) التي لا تزال مصدرنا المفضل في سماع الأخبار عن العالم العربي والعالم ، ثم ( CNN ) التي أسهمت في تغطية الجانب الأميركي التفوقي المتذاكي للحرب علم 1991 وأهملت بالطبع ما حلّ بالشعب العراقي من دمار وبؤس بعد الإبقاء على نظام الطاغية عقوبة لـه ! . وتلك المؤسسات كان يمتلكها ـ وما يزال ـ بضعة أشخاص وتدار عجلة الإعلام فيها على وفق مصالحهم . وهكذا فإن الثقافة والإعلام تتحول إلى سلعة قابلة للتداول ، وتخضع لقوانين العرض والطلب وقانون تناقص الغلة و الإشباع وربما لفائض القيمة أيضا . إنها ثقافة السيدة العولمة .
وفي العراق لم يكن المستر أبو ناجي ( الاستعمار البريطاني ) معنيا بالثقافة والتعليم ، فقد كانت الثقافة البريطانية نابعة من ( أصحاب دكاكين ) وأولئك ما كانوا يجدون أية أهمية في تعليم الشعوب المستعمرة ؛ إن لم يجدوا في نشر الثقافة والتعليم خطرا عليهم . أما الاستعمار الفرنسي فقد كان معنيا تماما بنشر ثقافته الاستعمارية منذ حملة نابليون على مصر وحتى رحيل آخر جندي عن الجزائر عام 1961 بعد مواجهات دامية كلفت الجزائريين مليون ونصف شهيد آنذاك . ويتبارى المؤرخون اليعاريب المحدثون في معرفة من هو أشد خطرا على الأمة : الإنكليز أم الفرنسيين أم الطليان ؟ وأرى بأن كل أولئك لم يكونوا خطرا على الأمة الإسلامية بقدر الاستعمار الاستيطاني الصهيوني . فالأخيرون يعملون سرا وعلنا على تقويض بنى الثقافة المحلية التقليدية من خلال تفعيل نقاط الخلاف الطبيعية وتحويلها إلى معالم ثقافية ؛ ففي القدس ثمة مركز إسرائيلي معني بجمع المخطوطات الشرقية عن الديانة اليهودية ، ويقال إن الموساد الإسرائيلي قد استولى على سرداب سري في المخابرات العراقية يحتوي على مخطوطات نادرة للتوراة العراقية تعادل اكتشاف توراة البحر الميت التي لم يعلن عنها لأسباب( أمنية ) إسرائيلية واعتبرت من الثروات القومية السرية مثلما هي المائتا رأس نووي التي تحتفظ بها ، ولا حاجة بنا إلى معرفة الدوافع (الأمنية ) المزعومة تلك لأن ما فيها يشير على ظهور نبي الرحمة والسلام محمد ( ص) . كما ويقوم المركز بطبع مخطوطات تاريخية نادرة أيضا خدمة للثقافة الشرق أوسطية التي بشّر بها شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق في كتابه الشهير : الشرق الأوسط الجديد ، والذي ترجم إلى العربية بسرعة البرق .
وتعد بيروت مكانا مناسبا لطبع النتاج الشرق أوسطي القادم لإشاعة الثقافة الغيرية الانفصالية : من العلويين إلى الموارنة إلى الشيعة ، والشيعة الإسماعيلية ، والزيدية اليمانية إلى أصحاب الطرق الصوفية ومجتهدي المذاهب القديمة إلى الكرد السورانيين والبهدينانيين والهورمان ..وحتى الأنساب القبلية والانحدارات العرقية البسيطة ؛ إنها الثقافة الإسرائيلية القائمة على (الأشكناز = اليهود الغربيين ) و ( السفارديم = اليهود الشرقيين ) وحتى (الفلاشاه = يهود أثيوبيا ) و ( الجوييم = الأغيار من العرب والفلسطينيين والناس أجمعين ) فسيفساء لا نهاية لها ، ولكن لها بداية .
ويحرص العم سام كما هو عليه الحال لدى رفيق دربه العتيد أبو ناجي على تقديم نفسه ـ هذه المرة ـ بالمنقذ الثقافي بعد أن أصبح المنقذ العسكري للعديد من الشعوب في العالم الإسلامي.
وعلى الرغم من أن المستر أبو ناجي ـ لما يزل ـ يعتقد بأن الثقافة مضيعة للجهد مع شعوب شبه بدائية لا تستحق إلا خطف ما بأياديها عنوة إلا ان العم سام يرى بان (الحيلة) أفضل من غيرها في هذا المجال ، ويمكن أن تنطلي على الجميع من خلال تصدير الثقافة الأميركية American Way التي أصر عليها صامويل هنتنغتون عراب الثقافة الأميركية في العقد الأخير من القرن العشرين ، ومن ثم ما أسهل ما يجدون الدعاة والمبشرين ونافخي جمر البخور الجديد . وهكذا يمكن أن يتعولم العالم الإسلامي على طريقتهم ما دام ثمة من يروج لذلك الأمر .
إن ثقافة السوق ليست بدعة غربية أو أميركية ، فهي متوافرة لدينا وبكثافة منذ أن كان السادة الشعراء يقفون بين يدي الممدوح يكيلون له الألقاب ويسبغون عليه الصفات العاليات فيحولون الجهلة إلى أنصاف آلهة : تلك كانت ثقافة سوق المتنبي.. ! ويا لرنين الدراهم الذهبية !


















قضية (هلوكوست) عراقية مستمرة

منذ ما يقرب من ربع قرن تقريبا ، والعراقيون يتعرضون إلى إبادة جماعية مستمرة ، يمكننا أن نتذكر الآن تلك الصفة التي تمنح دائما إلى الحرب العراقية ـ الإيرانية بأنها الحرب المنسية ! حسنا : إنهم ينسون الموت الذي يلحق بالشعوب على نحو يبعث على التقزز ، و( هم) أيضا ممن أصدروا تلك القرارات الدولية في معاقبة النظام الدموي السابق ، ولم يعاقبوا بطبيعة الحال غير الشعب العراقي البسيط والفقير والمعدم ؛ فلم يسمع عن موت ابن عضو قيادة أو ابن وزير أو مدير عام أو أي مقرب من صدام عرّاب أكبر هلوكوست بعد الحرب العالمية الثانية ؛ إذا هي هولوكوست الفقراء والمعدمين فقط . وليست هلوكوست لعموم الطبقات كما حدث إلى اليهود في العهد النازي . و لم يمت أبناء الأغنياء والميسورين وضباط الجيش الكبار أيضا في النظام السابق بسبب عدم توفر أكياس الأرواء الفموي ( دكسترولايت ) وهو من أبسط أنواع العلاجات للإصابة بالإسهال عند الأطفال ، أو من سؤ التغذية . مات أطفال الأمهات العراقيات الفقيرات . كانت الدموع الحرى والأطفال الموتى يتاجر بها النظام من على شاشته المريضة : إنهم يقتلون أطفال العراق . وتلك هي القضية الأساس في هلوكوستنا .
على من وقعت الهلوكوست العراقية أذن ؟؟
إنها طالت أبناء الفقراء والمعدمين والكادحين وحدهم بلا استثناء ، وتلك هي الحقيقة كاملة وغير منقوصة . أما من فرض كل تلك الهلوكوست(المحرقة) فهي الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة والنظام الصدامي . ولسوف يبقى الشعب العراقي يطالب بمحاكمة عادلة ضدّ كل معذبيه ، وكل من أحدث تلك الشنائع الجماعية ، فإذا كانت المقابر الجماعية ظاهرة للعيان فإن موت اكثر من مليون طفل عراقي أكثر بشاعة وأشد وطأة وأعمق جرما في الوقت نفسه. ولن يكتفي العراقيون بالطبع بمحاكمة صدام وزمرته مطلقا ، فالقضية أوسع وأكبر وأشنع من صدام وقيادته وحدهما . وحتى هذا الأخير حاولوا أن يبعدوه عن طائلة العقاب حينما منحوه غير مرة فرصة اللجؤ السياسي لـه ولعائلته في هذا البلد العربي أو ذاك البلد الأجنبي .. لكنه ـ وكما جبل على عناده المرضي في التعلق بالكرسي ـ رفض أن يتصور وحتى اللحظات الأخيرة من حكمه الأسود بأن ( الأكسباير ) لنظامه قد انتهى ، ولم يعد ثمة زمن جديد بعد شوطه الثاني الإضافي ، فليس ثمة ضربات جزاء في السياسة قط ؛ بل هي ضربة واحدة ينفذها الأقوى دائما ، وذلك ما لم يكن يدركه عبقرينو العوجة على أية حال .
ولم تتوقف الهلوكوست العراقية منذ زمن طويل ، وكل ما في الأمر أنهم ( السادة الكبار العاملون في المحارق الدائمة للشعوب ) قد بدأوا في نقل تكتيكاتهم إلى الخلف مثلما هي على الأمام !! فالمعركة هي المعركة ، والموت هو الموت ، وليس ثمة فارق سوى أن الموت كان يطال الرجال في الخطوط الأمامية والخلفية والأرض الحرام وكذلك المدنيين في بعض المدن التي تقصف بالمدفعية ، و( هم ) نقلوا جبهتهم اللعينة الآن إلى الشوارع والأزقة والفنادق والبيوت والأضرحة والميادين العامة ، وأن كمية الموت أصبحت أكبر ، والجرائم أكثر ، وصولا إلى ما حدده بول ادامز (المتخصص في الحروب الأميركية القذرة ) لتجد نظريته وعملياته مكانا لها على نطاق أوسع في العراق هذه الأيام .
لماذا هلوكوست العراق دائما ؟!
لماذا يموت أطفالنا دائما ؟!
لماذا نحن المستهدفون من النظام الدولي والإقليمي ونظامنا السياسي أيضا ، دائما ؟!
هل ثمة خطا في التاريخ أم في الجغرافيا ؟!
هل لأن العراقيين هم أول و ( آخر ) من أطلق قذائف المدفعية على تل أبيب عام 1948 ؟!
هل هو عقاب لنا عن معارك جنين وكفر قاسم وتشرين ؟!
هل لأن صدام أطلق 39 صاروخ سكود سقط جلها في صحراء النقب ؟!
لماذا كان قرار حلّ الجيش العراقي والشرطة هو أول قرار لسلطة الاحتلال ؟!
لماذا يستمر الموت في العراقيين وليس ثمة رادع أو مانع ؟!
وهل فشل(وا) حقا في أن يجعلوا من العراقي يلغ في دم أخيه العراقي ؟!
أكتب لكم أيها الأخوة وأنا أحدق في صور الرجال الذين قدموا من وراء الحدود ومن جنسيات مختلفة .. وصور الجنود الغرباء .. وما زلت أسأل نفسي لماذا نحن بالذات يستمر قطار الموت فينا ربع قرن ، ومتى يتوقف ؟ متى؟؟؟
































ظاهرة الإنقسامية العراقية:
من تنتخب؟ كيف؟ ولماذا؟

يعدّ عالم الاجتماع الألماني دركهايم من اكثر العلماء المهتمين بظاهرة (الانقسامية) في المجتمع الإنساني، وقدّم دراسات مهمة في هذا المجال مبينا مدى فعالية (الإنقسام) في الحياتين الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من الإسهام الكبير الذي بذله العلماء الالمان في دراسة العلوم الاجتماعية وتقعيد مناهجها إلا ان خسارة ألمانيا للحرب العالمية الثانية، وانقسامها إلى شرقية وغربية بعد الحرب، قد وضع كثيرا من تلك البحوث المهمة في طي الناحية الاكاديمية البحتة.
ونحن في العراق خاصة نحتاج – في هذا الوقت بالذات – إلى دراسة طبيعة المجتمع العراقي الإنقسامية.. وما يترتب على تلك الدراسات من نتائج تفيد الباحثين والدولة والمجتمع وعموم المهتمين في هذا المجال الحيوي، وخاصة السياسيين الذين يعملون بتماس دائم مع الناس.
ومما لاشكّ فيه ان الآراء التي أطلقها عالم الاجتماع العراقي المرموق الدكتور علي الوردي من الاهمية بمكان في هذا الصدد. بيد ان تلك الآراء على الرغم من أهميتها القصوى –حتى أنها أصبحت في الآونة الاخيرة اكثر شعبية- إلا أنها تعدّ من الناحية العلمية موروثا علميا في الوقت الحاضر. فالمجتمع العراقي الذي درسه الوردي واقام نظريته في ما عرف بازدواجية الشخصية العراقية ، وأصطراع عاملي البداوة والتحضر فيها؛ كلّ ذلك أصبح في حكم الماضي..
ولذلك لا بدّ ان ينهض جيل جديد ليواصل ما بدأه أستاذنا الكبير الوردي قبل أكثر من نصف قرن. فإن مدة نصف قرن كافية بإحداث ما يكفي من تطورات شاملة على مختلف الصعد. وما أصيبت به الشخصية العراقية من انتكاسات علبى مستوى التحضر تارة وعلى مستوى الإنهيار الأخلاقي العام. فقد مرّت في العراق طوال تلك الحقبة تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية وقيم ومثل جديدة قد تدخل نظرية الوردي في هامش التاريخية إلى حدّ بعيد.
ومع ان النظام الفاشي في العراق1963- 2003 قد عمل في التضييق على البحوث الميدانية الاجتماعية العراقية لأنها تكشف جانبا من حياة المجتمع العراقي فقد كان النظام السابق يرى فيها بسذاجة(خرقا أمنيا)! يمكن (للعدو) ان يفاد منه.. لكن طبيعة المجتمع العراقي بقيت تستهوي كثيرا من الباحثين. ولعلّ ما كتبه الباحث المهم (حنا بطاطو) في سفره عن طبقات المجتمع العراقي وفي الجزء الاول منه خير دليل على ذلك.
وفي مقال كتبه الأستاذ الدكتور سيار الجميل حول المجتمع العراقي، لاحظ بقوة غياب البحوث العراقية المتعلقة (بالانقسامية) على الرغم من جميع الظروف التي تعتمل في الانقسام العراقي. فهل ان ظاهرة (الإنقسام) إيجابية ام سلبية؟ وما مدى تاثيرها على الوحدة الوطنية؟ وكيف يمكن للإنقسام الديني والمذهبي والقومي والطبقي والجهوي ان يعمل على صياغة مجتمع عراقي جديد مبني على التعددية؟ وما مدى عمل ظاهرة الإنقسامية في الانتخابات الماضية والانتخابات القادمة بعد أيام قليلة؟ فظاهرة الانقسام - كما اشار الدكتور الجميل- انتهى البحث فيها على نحو واضح منذ نهاية العقد الخمسيني، حيث توقفت البحوث الجادة في هذا المجال، واقتصرت الدراسات الاجتماعية العراقية على الجانب النظري؛ مع الاشارة إلى ان قسم الاجتماع في العراق كان من الاقسام الرائدة في جامعات الشرق الاوسط والعالم العربي، ولكن النظام السابق قد حيده وهمشه منذ بداية عقد السبعينات، حتى أصبح يقرن بقسم التدبير المنزلي!
ومن المفيد ان نذكر هنا، ان بحوثا علمية جادة يمكن ان تطور من جديد الحياة السياسية والاجتماعية العراقيتين، دون ان نضطر من جديد إلى استخدام يستخدم باحثين( اجانب) للخوض في المياه ( الانقسامية) العراقية العكرة. ولذلك تحتم الوطنية العراقية –أخلاقيا- مرة اخرى على الباحثين العراقيين في حقل علم الاجتماع العراقي، وكذلك المهتمين بهذا الجانب ان يولوا هذا الامر أهتماما خاصا؛ فقد سبق للولايات المتحدة ان اولت آراء الدكتور الوردي اهتماما خاصا قبيل الحرب الاخيرة ؛ بل تشير الانباء -بعد ذلك- إلى وجود (جماعات علمية اميركية Growbs ) للعناية بفكر و شؤون المجتمع العراقي، وتقديم استشارات محددة لقوات الاحتلال في ذلك.
إن العلاقة بين الشعب العراقي كأمة موحدة روحيا وتاريخيا واجتماعيا منذ اكثر من الفي عام، وحكام هذه الأمة في تاريخها القديم قبل الفتح الإسلامي من الذين سطروا اروع الاعمال المجيدة في ذلك؛ تلك العلاقة أصبحت ذات وضع جديد وخاصة منذ 2003 على وجه التحديد. ولا يعود ذلك إلى ما جاء به الاحتلال من قيم (ديمقراطية) بمقدار ما هو توق عراقي دائم لحياة التحرر والتعددية والبحث عن الذات العراقية في آن. ولذلك فإن من الخطأ التاريخي تماما أن يظن بعض الباحثين أو المحللين السياسيين بان عهد البحث الحرية قد بدا بعد 2003 فهو عهد بدأ منذ عام 1920 حينما أعلن العراقيون عن رغبتهم في قيام دولة ومجتمع موحدين خاصا بهم.
ويرى كثير من العاملين في الحقل السياسي أن العلاقة مع الشعب العراقي بسيطة للغاية, وهي لا تحتاج إلى كبير عناء للوصول إلى قلوب وعقول الجماهير المغلوبة على امرها والتي عاشت محنا قلما شهد لها التاربخ مثيلا في هذه المدة من تاريخ العراق السياسي؛ والباحثة عن حلّ لكمّ مشكلاتها المزمنة في الامن والاقتصاد والخدمات العامة وشكل الدولة .. وهم بسبب تلك الاوضاع الشاذة التي يعيشها العراقيون يرون إن بالإمكان قيادتها بيسر، وتعبئتها بسهولة، لما تعيشه الشعوب من عنت وقسوة في ظل انظمة عسكرتارية ودكتاتورية, خاصة في دول العالم الثالث التي أعتادت شعوبها على تلقي الاوامر العليا، والقبول بالفتات من الحياة، والكبت السياسي والاجتماعي.
فما (أسهل) دغدغة المشاعر الطائفية او العرقية او الدينية او الجهوية او العشائرية فتتمكّن من انقياد الناس إلى ما تعلن وتهدف.. وما (أيسر) العبث بالشعارات المختلفة والإدعاءات المتنوعة والتغطيات الفوقية لوضع الجماهير في خانة ضيقة من الاختيار..إنها الروح الإنقسامية التي يمكن ان تطل برأسها من حين لآخر. ويرى أولئك السياسيون أن كلّ ما يحتاجه احدهم في طرح برنامجهم الانتخابي: هو بضع كلمات مرصوفة بعناية قليلة تشجب الأرهاب، وتلعن شبح البطالة، وتضفي العدالة على البرامج الممجوجة المكررة. إنها (لعبة) سهلة يمكن لكلّ عاطل عن العمل والتفكير العميق ممارستها بأقصر سبل التعلّم. وبمكن على العموم مراجعة البرامج الأنتخابية حيث تسود ظاهرات التعميم، والتلخيص، والطروحات المتشابهة إلى حد بعيد. وربّ سائل يسأل: غذا كانت تاط الطروحات الوطنية والأسلامية على هذا المقدار الكبير من التشابه فعلام كلّ هذا التشتت؟ وربما تكون قائمة الائتلاف (الشيعية) هي الاكثر لملمة لشعث الشيعة من عديد القوائم الاخرى , وكذلك القائمة (السنية) المؤتلفة من جماعات وأحزاب.. لكن هذا الامر لم يطل بطبيعة الحال القوائم الوطنية والعلمانية التي عرف عنها التكاثر حدّ النشرذم؛ في حين ان المنطق السياسي البسيط يقتضي تعاونها وائتلافها اكثر من أية قوائم دينية او طائفية..؟؟
وبناء على تلك الفكرة, فإن الناخب يجد صعوبة في (فرز) هذا الكم الهائل من الشعارات، والكيانات السياسية، والشخصيات، والفضائيات، والدعايات المستمرة، والبيانات المليئة بالاخطاء الاسلوبية غالبا؛ إنْ لم تكن مليئة بالأخطاء النحوية والإملائية أيضا.. إنه زمن السياسيين الاميبيين الجدد..ويمكن ان يحدث هوما أسوا من ذلك بكثير مالم يتم تدارك الامر من النخب السياسية على نحو جاد.
كانت الكيانات السياسية في الانتخابات الاخيرة من هذا العام (111)كيانا مسجلا؛ وكان بعض المراقبين يظنون ان تلك الارقام كبيرة على شعب يبلغ تعداد سكانه(30) مليون نسمة. ولسوف تتقلص تلك الكيانات من خلال التحالفات في اية انتخابات قادمة كما كان متوقّعا، وكما اعلن كثير من المحللين والمراقيبن في الداخل والخارج. ويظن بعض المراقبين والمحللين السياسيين البعيدين عن الشأن العراقي الداخلي خاصة إن ما يحدث من تجارب سياسية في بلدان اخر يمكن ان تطال الشأن العراقي أيضا؛ وهذا خطأ فادح آخر.. ليس للخصوصية التي تعتمل في التجربة العراقية الديمقراطية فحسب؛ بل إلى الطريقة الغريبة التي تتعامل بها الكيانات السياسية مع بعضها؛ وفي نظرتها إلى مستقبل العملية السياسية في العراق. وقد اظهرت الساحة السياسية لانتخابات الجمعية الوطنية لحكومة مؤقتة في بداية العام الحالي عكس ذلك تماما. و الانتخابات المزمع أقامتها في منتصف شهر كانون الاول حيث جاز عدد الكيانات السياسية الرسمية المسجلة على ما يربو على 300(كيانا)!! أي ان ظاهرة (الإنقسامية) أزدادت بنحو 200% عن الانتخابات السابقة؟!!
فكيف يمكن للناخب ان يختار الافضل وسط هذا الركام السياسي الكبير( الاميبي) وغير الممنهج؟!وهل ان الظاهرة (الإنقسامية) هي حالة صحية كما يحلو لبعض المراقبين قول ذلك؟ وكيف يمكن للناخب ان يميز بين برامج العمل المطروحة؟ من الطبيعي أن يلجأ الناخب إلى الحل الاسهل ألا وهو التصويت على أساس الطائفة وليس البرنامج السياسي المطروح. ومن الطبيعي في الاوقت نفسه ان تحمل غلى الجمعية الوطنية نخب سياسية غير كفؤة وتحمل بذور الانقسام مهما أعلنت عن رغبتها في الوحدة الوطنية. أو ان يطرح (احد هؤلاء) مفهوما ممسوخا وساذجا عما يعرف (بالوطنية الشيعية) وبالمقابل ثمة من يطرح مفهوما آخر هو( الوطنية السنية) على الرغم من ان هذا المفهوم لم يطرح بعد. وكذلك يمكن في السياق نفسه طرح مفهوم الوطنية الكردية أيضا؟ إنه ظاهرة الانقسامية السياسية.
لاشكّ بان الناخب العراقي سواء كان رجلا ام إمراة سوف يلجا في ظل هذا التعدد الهائل في الكيانات إلى ظاهرة الإنقسامية، فيصوت على اساس الطائفة او العشيرة او العرق ليس إلا، فنخسر بذلك واحدا من أهم مرتكزات الديمقراطية الا وهو التصويت على البرنامج والفكر السياسي المطروح فيه. ومن هنا فإن الأنقسامية ستلعب دورا حاسما في تكوين الرأي العام.. على الرغم من ان مفهوم (الراي العام) ما زال في طور التكوين وبدائيا ويتخذ حيزا اكثر عمومية مما يجري في العراق. في وقت ان الراي العام يتوجه في دول المؤسسات إلى قضايا هي أقرب إلى الجزئية فيحولها إلى قضية راي عام: أي ينقلها من الخاص إلى العام ؛ وليس كما يحاول بعض السياسيين العراقيين المبتدئين من اصحاب ( البسطات) في الخارج - المستعرقون- عمل العكس تماما.
ولذلك فإننا في الواقع نعاني من صعوبات بالغة في العملية السياسية, وفي تكوين صورة واضحة بازاء الراي العام العراقي في مشكلات كقضايا المراة وقوانين الاحوال الشخصية، والموقف من الاحتلال ووضع جدول زمني للإنسحاب، واوضاع ما بعد الانسحاب؟ والموقف من شكل الدولة العراقية بالدرجة الاساس؟
ومن الملاحظ بشكل أولي ان العملية السياسية ستتخذ بعدا آخر إذا ما أستطاع الفرقاء العراقيون حلّ مشكلاتهم في مؤتمر القاهرة. على الرغم من إن ذلك المؤتمر سوف لن ينهي بطبيعة الحال حالة الإرهاب في العراق؛ إن لم يوجد مكامن اكثر عنفا بعد ذلك؟ لأن معظم الجماعات الإرهابية غير مرتبطة بهذا المقدار او ذاك بالاحزاب العراقية المعارضة للعملية السياسية، مما سيؤدي إلى عرقلة العملية السياسية بشكل دائم، ويشيع جوا من التوتر بين مكونات الامة العراقية نفسها؛ مالم يوضع برنامج عمل واضح للوحدة الوطنية الطوعية. كما انه في الوقت نفسه يحتّم وجود كتل سياسية كبيرة متماسكة، لا تعمل بروح المصالح الحزبية الضيقة او الطائفية التقليدية أو القومية القديمة. وتتفق على برنامج عمل وطني ؛ وليس على تقاسم للمصالح الحكومية المترشحة عن اية انتخابات قادمة.
إن الدول الديمقراطية الراسخة وذات التجارب العميقة أظهرت عددا اقل من الاحزاب، ربما لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة؟ فإسرائيل منذ تاسيسها - باعتبارها من أقدم الديمقراطيات في الشرق الاوسط – إن لم تكن الوحيدة بقي يقودها حزبان (الليكود والعمل) وهما يتناوبان على الحكم منذ عام 1948 وإلى يومنا هذا حتى أعلن أرئيل شارون عن نيته الانسحاب من الليكود وتاسيس حزب وسط جديد تحت عنوان ( المسؤولية الوطنية). وفي الواقع ان اسرائيل تحتوي على أعداد أخر من الاحزاب الصغيرة. لكنها لم تستطع غالبا ان تكوّن ثقلا انتخابيا مهما. وعاشت على الدوام تحت طائلة الأستقطابات بين اليمين واليسار.
أما في العراق فإن الحركة الإسلامية (الشيعية: قائمة الائتلاف) المؤتلفة من(16)كيانا سياسيا لم تستطع ان تؤلف كيانا واحدا او كيانين على أقلّ تقدير على الرغم من جميع المشتركات التي تجمع بينها؟! وهي تجتهد على العموم في العودة بأغلبية جديدة إلى الجمعية الوطنية. لكنها على العموم لن تستطيع تحقيق تلك الأغلبية -كما نتوقع- بتلك النسبة التي حققتها في الانتخابات السابقة لدخول أطراف( سنية) كانت رافضة للعملية السياسية, وبسبب ضعف برامج (الائتلاف) السياسية وانحسار غطاء (المرجعية) العلني عنها نسبيا. ما لم تحدث ثمة مفجآت قبيل الاتنخابات لرفع رصيد القائمة عاليا.
وظاهرة (الإنقسامية) تتجسد على نحو اوضح في الحركات والاحزاب الليبرالية العراقية بعد ان عملت ظاهرة الإنقسام الحزبية والزعاماتية عملها في هذا الإتجاه، مما ينذر بعدم حصول تلك القوائم على أغلبية في الجمعية المقبلة أيضا. ولا يعود الوضع الحالي إلى عدم وجود شخصية كارزمية على الساحة العراقية – كما يصف الحالة السيد زلماي خليل زاد سفير الولايات المتحدة في العراق- بل إلى ضعف شامل في تفهّم العملية الديمقراطية والتحول إلى النظام التعددي فبل ان يطال ذلك العملية السياسية برمتها.
ويعود تفسير (الظاهرة الإنقسامية) المترسخة في الحياة السياسية العراقية الآنية إلى قصور كبير لدى القيادات السياسية على العموم لإنشاء تحالفات صلبة. وغياب العامل الوطني في التصريف العملي، وحضوره بقوة في الشعار والإعلان النظري للبرامج السياسية المطروحة. فليس هناك ثمة حركة او حزب يعلن بصراحة انه يعمل لأجل طائفة او عرق ما بما في ذلك الحركات القومية الكردية ايضا التي تحاول احيانا الإعلان بتردد عن رغباتها الانقسامية الموصلة إلى حالة الاستقلال عن العراق؛ على الرغم من ان مثل هذا الامر يهدد وحدة الامة العراقية والدولة العراقية في
آن.. وهم في الجانب العملي يعملون - ما عدا استثناءات قليلة – لصالح انقسامياتهم الطائفية تارة والحزبية اخرى ، وقد لا يقتصر الوضع على الحركات القومية الكردية وحدها. فعن أي طريق موصلة يمكن للناخب العراقي ان يوصل رغبته في الوحدة الوطنية في ظلّ هذه الظروف الشائكة التي ال يجد فيها من يمثل تطلعاته العملية في الحفاظ على شكل الوطن والدولة العراقيين؟!
إن تلك طريقة الأساليب الانقسامية هي فرصة جديدة وملائمة لقوى المحتل لفرض دكتاتوريات مجتزأة مرة اخرى, ولكن بلون آخر يتلاءم وطبيعة المرحلة السياسية الدولية أيضا. ويمكن تحقيق الاهداف- بالنسبة لأولئك المتخبطين الانقساميين- باقل ما يمكن من جهد ومال وتخطيط. تلك الحالة تنتاب كثيرا من السياسيين المبتدئين والقدماء على حدّ سواء من الذين يحاولون العمل بين صفوف الجماهير من منطق تحقيق الاهداف الشخصية او الطائفية او الحزبية أو المؤقتة. إنهم لا يظهرون ما يبطنون على أية حال، ويمكن للجماهير اكتشافهم- ولكن بعد تجارب متعددة وخسارات فادحة طبعا- ومن هنا تبدو مسألة تحديد السلوك السياسي لتلك الجماعات مهمة جدا في عملية أختيار ممثلي الشعب. فاولئك الذين اتخذوا من السياسة مهنة للإرتزاق بعد ان أشتدت البطالة في العراق،أو جيء بهم من وراء الحدود، وكثرت ذيول (الادعياء) من كلّ حدب وصوب، وبعدت الشقة بين التحول إلى نظام اقتصادي مستقر.. كلّ اولئك وغيرهم يعملون عل إزاحة العملية الديمقراطية عن مساراتها الصحيحة، حتى لتبدو احيانا مجرد تزويق لأرضاء المحتل ليس إلا.. وليست سلوكا يوميا وممارسة حقيقية. فالعراقيون ديمقراطيون قبل الاحتلال وبعد الاحتلال، وهم ليسوا بحاجة غلى ديمقراطية مستوردة طبعا؛ لأنهم بحاجة إلى أن يثبتوا لأنفسهم والعالم أنهم احياء بما فيه الكفاية بعد حقبة من الموت الجماعي المنظّم، وبعد عهد كامل من أغتيال الحريات الفردية والعامة في العراق.
ولكن، تمتدّ جذور (الحالة الإنتهازية) في العراق من طبيعة النظام السياسي السابق الذي عمد على تكوين (ولاءات لفظية) واستبعد (الحالة الوطنية) بدعاوى مختلفة كالقطرية والشعوبية والانغلاق, ودأب على حماية الافراد السيئين دائما، ثمّ تقديمهم على آخرين اكثر كفاءة ووطنية منهم. فالتيار الانتهازي ليس وليد اللحظة، ولم يكن سمة قاسم مشترك للنظام السابق وحده؛ بل هو حالة تصاحب معظم المجتمعات التي اتخذت من ( الشمولية) منهجا. كما أن الدول والمجتمعات التي تشهد تحولات عميقة تصاحبها جماعات الانتهازية اكثر من تلك المجتمعات التي تعمل على وفق نظام سياسي ثابت، ووضع اقتصادي مستقر، ووحدة اجتماعية دائمة.
إن الناخب العراقي سيقع في حيرة جديدة على مدى أربع سنوات قادمة مالم يحزم أمره في أختيار الاصلح وطنيا وليس على أساس الإنقسامية.










فهرست

ـ توطئة
ـ هوية وطنية عراقية جديدة
ـ ( كولاج ) لوحدة وطنية
ـ السياسيون ( المستعرقون) ونظام المحاصصة
ـ سياسات دمقرطة الشرق الإسلامي
طروحات الولايات المتحدة حول (الفوضى البنّاءة)
ـ العراق مركز العمل الستراتيجي
ستراتيجية الأرض المستوية الأميركية
ـ مستقبل الإرهاب في العراق
ـ الليبراليون العراقيون: طريق غير ممهدة وسير متعثر

(*) زوايا رؤية وطنية :
ـ الفاشيون القدماء الفاشيون الجدد
ـ أيها الصامتون مم تخافون ؟
ـ الأس و الأساس
ـ ثقافة السوق
ـ قضية هولوكست عراقية مستمرة
ـ ظاهرة الإنقسامية العراقية






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,717,822,852
- الأوتجية واللوكية
- سياسات دمقرطة الشرق الإسلامي،طروحات الولايات المتحدة حول (ال ...
- شعارات القطيع الاسمنتية - سياسات إفراغ المحتوى الإنساني- الع ...
- توماس فريدمان: قناعاتنا الأميركية بازاء عالم متغيّر
- الأغلبية الصمتة في العراق دراسة سياية وميدانية
- قراءة في كتاب ( علي ومناوئوه) المنهجيتان العلمية والتقليدية
- الليبراليون العراقيون: طريق غير ممهّدة وسير متعثر
- تكرار فولتير،دراسة أولية في النظرية الأجتماعية الوردية


المزيد.....




- صحف العالم: ازدهار زراعة الحشيش بلبنان وانتقادات صينية لواشن ...
- اشتعال جبهة دمشق والمعارضة تتصدى للجيش
- لأول مرة منذ "الجرف الصامد"... إسرائيل تقصف أهدافا ...
- «سالامبو» لفلوبير: التاريخ في بهائه كما في عنفه المقزّز
- خلاف حول اقتراض خارجي بـ 5 مليار دولار والمركزي يصر على تخفي ...
- 5 سنوات سجن لكل من يتحكم بشريك حياته
- جرح ثلاثة شرطيين في تفجير في قرية شيعية في البحرين
- فتح تهنئ الجبهة الشعبية بالمحافظة الوسطى بذكرى انطلاقتها
- أمريكا تحذر مواطنيها حول العالم من "الذئاب المنفردة&quo ...
- استعادة لوحات قيمتها 24 مليون دولار بأميركا


المزيد.....

- العدالة الانتقالية الطريق الامثل للتحول الديمقراطي / علي مهدي
- الفساد السياسي ( أسبابه ومكافحته )* / صاحب الربيعي
- كيف نعيد بناء العراق ونكسب ثقة المواطن / احمد موكرياني
- حوار مع المعقبينَ على الرسالةِ المفتوحةِ.. / صباح كنجي
- آفاق المتغيرات في العراق ودور التيار الديموقراطي في تقديم ال ... / تيسير عبدالجبار الآلوسي
- دراسة في حركة الضباط الأحرار4-6 / عقيل الناصري
- اليسار العراقي الاشكاليات والآفاق / جريدة -الأخبار - البصرية
- سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق!* / كاظم حبيب
- برنامج الحزب الشيوعي العراقي - المؤتمر الوطني الثامن / الحزب الشيوعي العراقي
- هل من دور للنفط في إسقاط حكم البعث في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - رياض الأسدي - دراسات في الفكر الوطني