أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بودهان - حراك الريف وميلاد -الهومو زفزاف- المغربي















المزيد.....

حراك الريف وميلاد -الهومو زفزاف- المغربي


محمد بودهان
الحوار المتمدن-العدد: 5651 - 2017 / 9 / 26 - 04:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على مقربة من إكمال حراك الريف لعامه الأول (28 أكتوبر 2016 ـ 28 أكتوبر 2017)، يتساءل الكثير من المتتبعين والمهتمين: ماذا حقّق الحراك للريف في عامه الأول؟ وهل سينتهي ويموت بفعل القمع والاعتقالات والمحاكمات، كما تراهن الدولة المخزنية على ذلك؟
في الحقيقة، الأجوبة على هذه الأسئلة لا تهمّ، مثل الأسئلة المطروحة نفسها، لأنها تنصبّ على ما هو آني وقصير في عمره (مدة عام)، وعلى ما هو جغرافي محدود ترابيا (الريف)، وعلى هو ظاهر وحاصل (القمع). ولهذا فحتى على فرض أن الحراك لم يحقّق شيئا للريف في عامه الأول، وهو ما ليس صحيحا طبعا، فسيكون قد حقّق، وبعيدا عن الريف حيث نشأ، وبعيدا عن المدة المعتبرة (سنة تقريبا)، الشيءَ الكثير، الذي لم يكن يخطر حتى على بال نشطاء الحراك أنفسهم، الذين كانت مطالبهم مقصورة جغرافيا على الريف، لينتهي زمانها بمجرد الاستجابة لها. فالإنجاز العظيم والتاريخي الذي حققه حراك الريف، هو أن مطالبه تجاوزت جغرافية الريف، وزمان هذه المطالب تجاوز، كذلك، فترة 2016 ـ 2017 حيث اندلع الحراك، ليصبح زمانا مستداما يؤسس لعهد جديد يشكّل مرحلة تاريخية ممتدة في الزمان، تدشّن لعصر جديد مع ميلاد إنسان مغربي جديد. هذا الإنسان هو ما سمّاه المفكر الأمازيغي الأستاذ براهيم عيناني بـ"الهومو ـ زفزاف" Homo-zafzaf، وذلك في تحليل رائع وثاقب بعنوان «الهُمو- زفزاف: فيما وراء "المُقدَّس" المستباح و"الأمن الروحي" المُسيّس»، الموجود على رابط amazighworld: http://amazighworld.org/arabic/news/index_show.php?id=6013. ويشرّفني أن أقترض منه هذا المصطلح الغني لاستعماله في تحليل وفهم تداعيات ودلالات حراك الريف، المعبّرة عن بداية عصر جديد من تاريخ المغرب، يصنعه (التاريخ) إنسان مغربي جديد.
كلمة "الهومو"، التي تعني الإنسان في أصلها اللاتيني، تُستعمل للدلالة على عصر معيّن من العصور التاريخية لتطوّر وتقدم الإنسانية، وذلك عند اقترانها بكلمة ثانية تشير في معناها إلى خاصية بارزة تميّز ذلك العصر. وهكذا، مثلا، تعني عبارة Hom - erectus (الإنسان المنصب القامةُ) العصرَ الذي أصبح فيه الإنسان يمشي واقفا على رجلين، مع تحرير يديه لتخصيصهما لأعمال أخرى غير المشي؛ وتعني عبارة Homo- faber (الإنسان الصانع) العصر الذي أصبح فيها الإنسان قادرا على صنع واستعمال الأدوات (الحجرية والخشبية)؛ وتعني عبارة Homo- sapiens (الإنسان العاقل، الذكي) العصر الذي أصبح فيه الإنسان يفكّر ويستعمل العقل، ومعه ستظهر اللغة. ولنلاحظ أن كلمة :"هومو" (الإنسان) تتكرر في كل العصور التاريخية المختلفة التي مر منها الإنسان، لأن ما يميّز هذه العصور بعضها عن البعض، ليس هو الإنسان بصفته إنسانا، وإنما السمة المميزة لكل عصر (قامة منصبة، صنع الأدوات، العقل...)، والتي هي أساس اختلاف هذه العصور بعضها عن البعض. والأهم في هذه العصور، التي مرّ منها تطوّر الإنسان، أن كل عصر جديد هو مرحلة جديدة لا يمكن معها العودة إلى التي سبقتها، وخصوصا أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يكون قد استغرق عشرات ـ وحتى مئات ـ آلاف السنين.
وبالنسبة للمغرب، يمثّل "الهومو ـ زفزاف"، نسبة إلى قائد حراك الريف الصنديد ناصر الزفزافي، فكّ الله أسره وأسر جميع المعتقلين السياسيين المظلومين، مرحلةَ التطور التاريخي والسياسي الجديدة، والتي لا يمكن معها، كما سبق توضيح ذلك، العودة إلى المرحلة التي سبقتها. ما هي هذه المرحلة السابقة عن "الهومو ـ زفزاف"، والذي يُؤذن ظهوره بنهايتها؟
إنها مرحلة "الهومو ـ مخزن" Homo – Makhzen، أي "الإنسان المخزني"، والتي تتميّز بهيمنة المخزن كعنصر أساسي ومعرّف لهذا المرحلة، كما تدل على ذلك تسميتها الاصطلاحية، مع ما يرتبط بهذه الهيمنة من انتصار وانتشار للاستبداد والفساد كركن لوجود الدولة المخزنية؛ وبغياب للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، التي جعل منها (العناصر الثلاثة) المخزن "محجوزات" محظورة على الشعب. ولهذا كانت هذه القيم الإنسانية، بالإضافة إلى الدعوة إلى إسقاط الاستبداد والفساد، على رأس مطالب الحراك الشعبي بالريف والمناطق الأخرى من المغرب.
ما يميّز عصر "الهومو ـ مخزن"، هو أنه أنتج إنسانا خانعا، قانعا، مُكرها أن لا يكون إلا "عياشيا"، قابلا للتحوّل إلى إنسان عروبي تمشيا مع ما تدّعيه الدولة المخزنية من انتماء عروبي رغم اسمها ـ "المخزن" ـ ذي الأصل الأمازيغي، هلِعا من جبروت هذا المخزن وطغيانه، مستسلما لاستبداده وفساده، صابرا على ظلمه وشططه، راضيا بالعيش في دولة تستحوذ عليها وتستفيد منها مجموعة صغيرة مما يسميه المنتمون لهذه المجموعة بـ"خدّام الدولة"، شعاره: "المذلة ولا الفطنة" التي قيل له إنها فتنة، خائفا من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي قيل له إنها انفصال وزعزعة للاستقرار...
أما عصر "الهومو ـ زفزاف"، الذي دشّنه حراك الريف، والذي هو نقيض وتجاوز لعصر "الهومو ـ مخزن"، فيهيئ لإنسان لا يخاف من الحرية، بل هو مستعدّ للتضحية من أجلها، ولا يخشى من الكرامة، بل يطالب بها، ولا يتهيّب من العدالة الاجتماعية، بل يناضل من أجلها، ولا يصبر على الظلم، بل يقاومه ويتصدّى له، ولا يرتعب من جبروت المخزن، بل يواجهه ويتحدّاه، ولا يستسلم لاستبداده وفساده، بل يفضحهما ويحاربهما، فخور بانتمائه لشمال إفريقيا الأمازيغي، شعاره: "الموت ولا المذلة"، يسعى لتحرير الدولة من مفسديها والمستحوذين عليها وناهبيها من خدام المصالح الشخصية، الذين يُسمون بـ"خدّام الدولة"، مناضلا من أجل دولة الحرية والديموقراطية والكرامة والقانون والعدل...
واضح أن "الهومو ـ زفزاف" يشكّل تهديدا حقيقيا "للهومو ـ مخزن"، ولعة وجوده التي هي المخزن نفسه. وهنا تكمن خطورة ناصر الزفزافي على السلطة المخزنية، التي أصبحت ترى فيه عدوها الأول، لأنه يبشّر بعهد جديد هو عهد "الهومو ـ زفزاف"، الذي يُنذر بزوال عهد "الهومو ـ مخزن". هذا ما يجعل من الزفزافي مشكلة تؤرّق السلطة المخزنية. فإذا قتلته فهو مشكلة؛ وإذا أبقته حيا فهو مشكلة؛ وإذا احتفظت عليه أسيرا في السجن فهو مشكلة؛ وإذا أفرجت عنه فهو مشكلة... لأن عهد "الهومو ـ زفزاف"، مع ما يرمز إليه من مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن مناهضته للاستبداد وتوأمه الفساد، أصبح مستقلا عن ناصر الزفزافي كشخص، لأنه، كما شرحت، يعبّر عن ظهور إنسان مغربي جديد، هو "الهومو ـ زفزاف"، مُحدثا قطيعة مع "الهومو ـ مخزن"، الذي كانت فيه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية تبدو حلُما بعيد المنال، والمطالبة بها طيشا وخفة عقل. فالزفزافي، بالنسبة للعصر الجديد الذي يحمل اسمه ("الهومو " زفزاف")، هو بمثابة "بروميثيوس" المغرب، الذي بفضله شاع وأشعّ نورُ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية (انظر موضوع «ناصر الزفزافي أو "بروميثيوس" المغرب» على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/1tawiza-articles/arabe/prometee.htm)
ولهذا فرغم القمع الشديد الذي واجهت به السلطة المخزنية حراك الريف، ورغم اعتقالها لقائده الزفزافي ورفاقه، ورغم استعمالها القضاءَ للقضاءِ على هذا الحراك المبارك، إلا أن كل ذلك لا يجدي نفعا لمنع مسيرة "الهومو ـ زفزاف"، الزاحفة لاحتلال مكان "الهومو ـ مخزن". ولهذا فحتى إذا نجح المخزن في وقف حراك الريف، إلا أنه لن يستطيع وقف حراك "الهومو ـ زفزاف"، لأنه لم يعد يخصّ فقط منطقة الريف، أو فقط فترة 2016 ـ 2017، وإنما أصبح يخصّ كل المغرب، وكل مرحلته التاريخية الجديدة، التي تضمّ الحاضر والمستقبل. ومن هنا فإن محاولة وقفه ومنعه، لا تختلف عن محاولة وقف ومنع ظهور "الإنسان العاقل" Homo- sapiens (لنتذكّر أنه ظهر بالبلاد الأمازيغية ـ جبل إيغود ـ مثل "الهومو ـ زفزاقف"). وهو مجهود لا يفيد في وقف عجلة التاريخ أو العودة بها إلى الخلف. كما أن محاولة حصر "الهومو ـ زفزاف" في الريف الذي نشأ به، حتى لا ينتشر إلى باقي مناطق المغرب، لا تختلف، كذلك، عن محاولة حصر "الإنسان العاقل" في المنطقة الأمازيغية التي ظهر بها للمرة الأولى، حتى لا ينتشر إلى باقي بلدان المعمور. وهو كذلك مسعى أخرق ومستحيل.
فلو كان المخزن أذكى وأدهى، فإن الحلّ الأنسب له، ليس هو السعي لوقف ومنع تقدم عهد "الهومو ـ زفزاف"، من خلال قمع حراك الريف، بل هو تبنّي نفس الحراك استعدادا للدخول إلى العهد الجديد "للهومو ـ زفزاف". وهو ما سيسمح للمخزن بالبقاء بعد أن يتنازل عن خصائص "الهومو ـ مخزن"، ويُحلّ مكانها خصائص "الهومو ـ زفزفاف"، وعلى رأسها الاستجابة لمطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عندما يُستعمل القضاء للقضاء على العدالة
- خرافة -المحاكمة العادلة- لمعتقلي حراك الريف
- خرافة وحقيقة -أن التحقيق سيذهب بعيدا-
- الأمازيغية والمثقفون المغاربة*
- هل نفّذ الزفزافي تهديده بالتسبّب في سُعار المخزن؟
- من يحكم المغرب؟
- ناصر الزفزافي أو -بروميثيوس- المغرب
- المخزن يعود عاريا بعد أن مزّق حراكُ الريف أقنعتَه
- لماذا أرفع الراية الأمازيغية وراية الريف ولا أرفع الراية الم ...
- حكومة العثماني وفرصة الوحدة السياسية بين الهوية الأمازيغية و ...
- كتاب -إمازيغن وحتمية التحرر- أو حكاية -عدالة ظالمة-
- تظاهرة الناظور وغباء السلطة الذي لا حدود له
- نبوءة -مولييراس- الصادقة بخصوص تعريب المغرب في القرن العشرين
- اغتيال محسن فكري وفرصة التحرر من فوبيا السلطة
- مشروع القانون التنظيمي لمنع ترسيم الأمازيغية
- متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟ (4/4)
- متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟ (3/4)
- متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟ (2/4)
- متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟ (1/4)
- قضية حميد أعطوش: من الاعتقال الجائر إلى الإفراج الماكر


المزيد.....




- قائد الحرس الثوري: مؤامرات السعودية وأمريكا وإسرائيل فشلت.. ...
- حماس: 3 مسارات لمواجهة قرار ترامب
- بوتين: دحر الإرهابيين في سوريا يفتح الباب أمام التسوية السيا ...
- بيونغ يانغ: سننظر إلى فرض حصار بحري ضدنا على أنه عمل حربي
- سوريا بانتظار انفجار.. وروسيا هناك
- من ذكريات جنود الهندسة الروس في سوريا
- لبنان يبدأ تحركا للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين يشمل تبادل ال ...
- الجبير: إدارة ترامب جادة بإحلال السلام بين إسرائيل والعرب
- بوتين: واشنطن لا تلاحق مسلحين لاستخدامهم
- فيديو.. القوات الإسرائيلية تعتدي بوحشية على المعتصمين في باب ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بودهان - حراك الريف وميلاد -الهومو زفزاف- المغربي