أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الدين والتجربة الشخصية: شهادة















المزيد.....



الدين والتجربة الشخصية: شهادة


ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 5648 - 2017 / 9 / 23 - 13:44
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


في التداول كلام كثير جداً عن الإسلام اليوم، عن الإسلام السياسي والحربي، عن الإسلام العالِم والحاكم، لكن هناك القليل من وصف خبرات دينية فردية أو جمعية، أو من شهادات شخصية، يمكن أن تلقي بعض ضوء على حياة الدين والحياة مع الدين والخروج المحتمل من الدين. هذا النص يستجمع أطراف التجربة الشخصية المبكرة لكاتبه فيما يخص الدين والممارسة الدينية الإسلامية، ويحاول أن يستخلص من وقائعها ما يمكن أن تكون له دلالة عامة على جيل، وعلى تطور اجتماعي وسياسي في مجتمعاتنا المعاصرة.

كان أبي ابراهيم الحاج صالح رجلاً مؤمناً، متعلّماً في الكُتّاب، يقرأ ويكتب، ورأيته يصلي ويصوم طوال عمره. أمي عجاجة الحسين كانت غير متعلمة، تصوم شهر رمضان دوماً، وتصلي على نحو متقطع. توفيت عام 1990، وقتَ كان ثلاثةٌ من أولادها في السجن. أبي الذي تزوج من جديد بعد رحيلها ذهب إلى الحج في وقت ما من أوساط التسعينات. لكنه ظلَّ الرجل نفسه منذ أواخر ثلاثينات عمره التي أتذكرها في طفولتي الباكرة حتى وفاته ثمانينياً مطلع عام 2011: الرجل الحليق دائماً مع شاربين خفيفين، المعتدل السلوك والتدين، الذي لا يطيق المكوث طويلاً في أي مكان خارج بيته (يزعم إخوتي أني ورثت هذه الخصلة منه).
حفظتُ الفاتحة منه وأنا في الخامسة أو نحوها. أتذكر أن أكبر صعوبة واجهتها في الحفظ كانت قفزي من بسْم الله الرحمن الرحيم إلى مالك يوم الدين مباشرة، بسبب تكرر عبارة الرحمن الرحيم في متن السورة أيضاً. افتتحت مدرسة في قريتنا الصغيرة، الجرن الأسود التحتاني (أو الجرن الأسود، أو الجرن فقط، أو أيضاً جرن الحاج صالح)، في العام الدراسي 1962- 1963، وهو ما استفاد منه أخي صالح (م 1957) الذي لم يضطر، خلافاً لأخوي الأكبرين محمد (م 1953) ومصطفى (م 1955)، للذهاب إلى مدرسة في قرية تبعد كيلومترات عن الجرن، سالكاً طرقاً ترابية، تصبح طيناً وودياناً جاريةً في موسم المطر. أنا من مواليد 1961، وتقول أسطورة عائلية إني أُدخلتُ المدرسة في النصف الثاني من العام الدراسي 1965-1966، وتفوقت على أقراني. لا أذكرُ شيئاً من ذلك رغم أن لي ذكريات أقدم. وفي المدرسة التي كان يديرها ويُعلِّم في صفوفها الست أستاذٌ واحد، تلقينا من خارج المناهج بعض عقائد المعلمين الذين كانوا وافدين من مدن آخرى. كان لنا أستاذٌ إسلامي الهوى فيما يبدو، حفظت منه قصيدة يا إمام الرسل يا سندي، المغناة، ومقطعاً شعرياً مغنىً بدوره لا أزال أذكره مقترناً باسم شاعره محمد إقبال: الصين لنا والعُرْب لنا/ والهند لنا والكل لنا! ومن أستاذ بعثي ما زلت أحفظ المقطعين الركيكين التاليين من شعره الشخصي: يوم الثامن من آذار/ طلّ النور وزال النار؛ قام البعث بثورته/ وحطم قيد الاستعمار!

لكن أبهج ذكريات الطفولة في القرية كانت تتصل بأماسي الموْلود، المولد االنبوي، الذي يُحتفل به في المظافة (المضافة)، التي تسمى أيضاً الأوظة (تعريب لكلمة أوضة التركية: الغرفة). كان يملك تلك الصالة الكبيرة نسبياً الأكبر بين ابني الحاج صالح، حميدي (أصغرهما هو عبد الله، جدي والدُ أبي)، وآلت بعد وفاته إلى ابنه الأكبر، مصطفى، لكنها كانت «فضاءً عاماً» للقرية وضيوفها، وقد ألحق بها في صومعة صغيرة خاصة به دنٌّ فخاري يعاد ملؤه بالماء يومياً. تخرج من الصومعة ساقية صغيرة يتسرب فيها الماء الذي يساعد رشحه من الدن في تبريد ما فيه. وللدن طاسة خاصة، فضية جميلة، عليها نقوش وكتابة، وقد فقدت شكلها حين دهسها خطأً جرارٌ زراعيٌ في مطلع السبعينات.

ومن راديو المضافة المملوك لعمي مصطفى سمع أهالي الجرن الأسود وقرى مجاورة أخبار حرب حزيران 1967، وكنتُ في أحد أيامها واحداً من رسولين بين المضافة وبين بيتنا الذي اجتمعت فيه نساء القرية، نبلغهن بأننا أسقطنا كذا أو كذا من طائرات العدو حتى الساعة.

ما أذكره عن جدي حميدي الذي توفي نحو ذلك الوقت أنه كان يجلس في الأوضة متربعاً على بساط (مصنوع من أشرطة الملابس القديمة) أو لُبَّاد (مصنوع من صوف الغنم المضغوط) على الأرض، وأمامه مسند (كنا نسميه: كرسي) لنسخة كبيرة من القرآن، يقرأ فيها بينما جسده يتمايل قرباً من الكرسي وبعداً. أما جدي المباشر، عبد الله، فكان رجلاً مرهوباً ومختلفاً عن غيره. كان متعلماً، ولديه كتب قديمة، أذكر من عناوينها العقد الفريد، وكان مختار القرية ومفتيها في الوقت نفسه. كان قليل الاختلاط بغيره، يمارس خلوة مرة أو أكثر في السنة: ينعزل في غرفة وحيداً، لا يتكلم مع أحد، ويوضع له الطعام على باب الغرفة. تزوج ثلاث مرات، لكنه لم يجمع بين امرأتين في الوقت نفسه. وتقديري أنه لم يكن رجل عائلة يوماً، ولعله كان كارهاً للنساء. كان إذا مرَّ بجمع منهن يندبن ميتاً، يشتمهن بعربية فصيحة: لعنكن الله! ولا أذكر أنه دخل بيتنا يوماً أو بيت عمي محمد، ابنه الآخر من زوجته الأولى التي توفيت باكراً. وحتى اعتقالي عام 1980، وكان أبي في الثانية والخمسين، وجدي ربما في الخامسة والسبعين، كانت العلاقة بين الأب والابن جافة. شعرتُ مرة واحدة فقط بمودة من طرف جدي وقتَ كنتُ في زيارة للقرية، ربما عام 1979، وعرف أني أدرس في جامعة حلب. لكنه كان شخصية مثيرة ونسيج وحده، ومن أسفي أنه توفي قبل شهور قليلة من خروجي من السجن، أواخر عام 1996.

لكن لعلَّ لجدي عبد الله الذي كان يلقب بالعالِم بعضُ فضلٍ في تميز قرية الجرن عما حولها من قرى بصيت متصل بـ «العلم»، الذي كان يعني معرفة القراءة والكتابة، وإمامة صلاة العيد وتكبيراته، واستضافة المولود. كانت المضافة مقصد قادمين من قرى مجاورة من أجل التعليلة، التداول في شؤونهم، وسماع الأخبار، ويقصدها كذلك درّابون (من درب: عابري سبيل)، قد يبيتون فيها ليلتهم.

***

في ذلك «الفضاء العام»، المضافة، يجتمع عشرات الرجال في الموْلود، وبيد بعضهم دفوف يُدفِّؤونها بين حين وآخر على نار توقد خارج المضافة لهذا الغرض. كان أبي يدق بيده على ظاهر يده الأخرى، مرافقاً الدفوف، ويعلو صوته ضمن مجموعة منشداً: يا ذا المكّيّة يا ذا المكية/ مادح محمد عازز (عزيز) عليّ. كنتُ أطربُ لهذا النشيد المُوقّع الذي لا أذكر غيره، ومن المنثور أذكر فقط عبارة الذات المحمدية قرب ختام المولد. كان يجول داخل المضافة أحد الشباب حاملاً وعاءً خاصاً ينبعث منه دخان البخور. وكان مزيج البخور والنشيد المتصاعد الصوت تصدح به بحماس أصوات رجالية ودقات الدفوف، وزغاريد النساء عند مقاطع مُطرِبة، يولّد حالة خاصة من النشوة في نفوس بعض الشبان الأكبر سناً، دون العشرين، فــيُشيِّخون: يقفون وسط الحلقة بأجسام مختلجة وأفواه ينبعث منه الزبد قبل أن يقعوا أرضاً. يقوم الشيخ إبراهيم، وهو صوفي بلفة خضراء، من أهالي قرية الطيبة التي لا تبعد كثيراً عن الجرن، ويقرأ شيئاً في أذن الفتى المغشي عليه، ويضع سيفه عليه، ثم يُغطى الفتى بعباءة أو فروة (يصنع باطنها من جزز -جمع جزة- الخراف حديثة الولادة، المنتجة محلياً)، وهو سيصحو بعد دقائق. كان المشهد ذروة في الإثارة لنا نحن الأطفال. أجلس عادة قرب أبي بين الرجال، مستمتعاً كل الاستمتاع، لكن يمكن أن أتحرك داخل المضافة وخارجها للّعب مع مُجايليَّ من أبناء أعمامي. قرب باب المضافة تجلس النساء يتابعن «المولود» دون مشاركة إيجابية فيه (عدا زغاريد الأمهات الأكبر سناً أحياناً). وعلى باب المضافة هناك قدور كبيرة فيها شراب رائع المذاق لم أكن أكتفي من الشرب منه، وكنت أظنه مشروب أهل الجنة لشدة ما هو طيب. عرفت فيما بعد، ليس دون خيبة أمل، أنه لم يكن غير ماء محلى بالسكر، وقد أضيف له «ملح الليمون» الذي كنا نستخدمه لتحميض الطعام قبل توفر ثمار الليمون، وقليل من ماء الزهر.

الشيء البهيج الآخر في ليلة المولود هو ضوء اللُّكس الذي لا يجري إشعاله في غير هذه الليلة، وليالٍ خاصة قليلة أخرى كالأعراس. نستضيء عادة بـالفانوس أو السراج الذي يعطي ضوءاً خافتاً وتشتعل فتيلته على القاز (الكاز). اللكس أقوى ضوءً بمرات، ويحتاج إلى السبيرتو (كُحول الوقود) لإشعال الكيس الأبيض الذي ينبعث منه الضوء. وكان السبيرتو بلونه الأزرق الكاشف اسم لمادة أندر وأكرم من القاز، يمكن أن نضع قليلاً منها في أكفنا ونشعلها بـالجِدّاحة (القداحة) فتلتهب بلون أزرق أيضاً بلا دخان. على أن الفارق الأهم بين الفانوس واللكس هو أن ظِلَّ الواحد منا يمتد طويلاً في حضرة اللكس الذي يضيء أيضاً مساحة أوسع. كنت أحب ظلي الطويل. ثم أنه حول زجاجة اللكس تجتمع فراشات ويسقط بعضها ميتاً عند قاعدته، وهذا تكريم لا يحظى بمثله الفانوس.

***

«الفضاء العام» الآخر في القرية هو المقبرة التي تنتشر قبورها على التل الواقع على كتف المضافة. في سنوات الطفولة اقترنت المقبرة بذكريات مبهجة أكثر من العكس. ففي صباحات العيدين، الفطر والأضحى، كنا نقصد المقبرة مبكرين نحن الأطفال، ونتخاطف قطع الكرميلة أو السكاكر التي تنثرها حول القبر نساء عن خير (تكريماً لأرواح) موتاهن. قد يُطلب منا أن نقرأ الفاتحة على روح راحل أو آيات من مصحف أو أجزاء منه يحملنها معهن. كنت أقوم بذلك بسرور التلميذ المجتهد الذي يعلم أن المكافأة ستأتي. غير قطع السكاكر، يمكن للمكافأة أن تكون فرنكاً أو فرنكين، أشتري بها سكاكر من دكان عمي محمد، الدكان الوحيد في القرية. لم يكن هناك غير السكاكر، وبزر عين الشمس (دوار الشمس) أو القرع، يمكن أن يشتريه طفل في السابعة أو الثامنة أو التاسعة...

في المضافة كانت تؤدي تكبيرات العيد بحماس أصواتُ عشراتٍ من الرجال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر وللّااااااه الحمد؛ الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً! هذا بينما نتراكض نحن الأولاد من القبور إلى المضافة، ولا مسافة تذكر بينهما، وننتظر بلهفة انتهاء طقوس العيد الدينية لنيل قطعة لحم واحدة أو قطعتين، نصيبنا من أضحية العيد، نتخاطفها بأيدينا العارية من صينية مخصصة للأطفال، سكب فيها مزيج من المرقة واللحم على أرغفة من خبز الصاج الذي خُبز قبل قليل. هذا، أنا مُصرٌّ حتى اليوم، على أنه أطيب خبز في العالم. ومنه خاصة خبز الملاويح الذي كنت تخبزه أمي على الصاج في مطبخ بيتنا كل صباح، تاركة خبز الرقاق (القاف تلفظ جيماً مصرية) لمن هنَّ أقل مهارة. يحتاج خبر الرقاق إلى أداتين خاصتين، هما المِرَقّ والتختة، بينما تلزم التختة وحدها وتقوم اليدان الماهرتان بتلويح عجينة رغيف الملاويح، حتى تصبح بالرقة المطلوبة وتغطي مساحة الصاج المحدب كلها تقريباً.

لا يقترن العيد في ذاكرتي بثياب جديدة. كان أهلنا يفتقرون حينها، ولم تكن الثياب الجديدة ضمن توقعاتنا. لكن السكاكر واللعب ومزاج الناس المرحب المبتهج، وهم يُعيّدون بعضهم، كانت تورِثُ قلبي فرح العيد. يقول الزائر أو الزائرة: عيدكم مبارك! وترد أمي: أبرك الأعيّاد، علينا وعليكم! ويجلس الكبار على بساط أو حصيرة على العشب أمام البيت، ويشربون الشاي. الزمن ربيعي في ذاكرتي.

في وقت ما من العام، قبل عيد الفطر، كان أبي يُخرِج زكاة الفطر من محصول القمح من أرضنا، ويعطيه للأفقر من أعمامي. هل كان يخرج زكاة من قطيع غنمنا المتناقص العدد، عشرات وقتها، صارت آحاداً في نهاية عقد الستينات؟ لا أعرف.

***

في صيف مبكر، أظنه 1968، تعلمتُ شيئاً من القرآن في كُتّاب قام عليه أخي الأكبر محمد الذي يكبرني بثماني سنوات، لكن بإشراف أبي. حفظتُ أكثر السور القصار من جزو (جزء) عمَّ. وفي الصيف التالي ذهبتُ إلى كُتّاب في قرية الفارس القريبة، كان يشرف عليه قريب لنا. الكتاب كان يعلم القراءة والكتابة، والحساب، والإملاء، وتهجئة كلمات من سور القرآن القصيرة.

بدأتُ الصيام وأنا في الصف الثالث، وأفترض أن ذلك كان في مطلع عام 1968 أو أول ربيعه. لكني جعتُ فأفطرت بعد ساعات من صيام أول يوم. عدت صائماً في الأيام التالية، لكن جعتُ مجدداً في اليوم التاسع وأفطرت. كنت أنال استحسان أبي وأمي على مشاركتي لهما هذا الشأن الجدي الخاص بالكبار، ولا أزال أذكر أنهما خصاني بفخذ ديك الحبش الذي تسحّرناه في إحدى ليالي رمضان. كان تناول اللحم نادراً بالفعل وقتها، مرات معدودة في العام، وكانت أمي تقاوم رغبة ولدها المتذمر في ذبح إحدى دجاجاتها القليلات لأنه يشتهي أن يأكل لحماً. كان عليها أن تحسب حساب أسرة فيها سبعة ثم ثمانية غيره. لكن حين كان يحصل أن تكون ضحَّت بدجاجة، كانت تخصه بـلفّة شهية جداً. والأرجح أنها كانت تعطي انطباع الخصوصية لأولادها كلهم.

أمي كانت مشغولة طوال النهار بتدبير شؤون عائلتها المتوسعة. تخبز كل يوم، وتطبخ، وتحلب نعجاتنا وتخض خاثرها (لبنها)، وتستخرج منه الزبدة قبل ان تذيب هذه وتحولها إلى سمن، وتحتطب، وتعمل في موسم القطن في القطاف مقابل أجر زهيد، و... تنجب الأولاد. أتذكرها حاملاً بأخوي الأصغرين، خليل وفراس. أبي لم يكن يقوم بشيء من عمل البيت، لكنه يزيننا (يحلق شعرنا) ويقص أظافرنا، ويتكفل بإدارة أرضنا ومواسمها، وباستئجار ولد يرعى غنمنا حتى عام 1968 فيما أتذكر (مقابل خروف عن كل شهر)، هذا قبل أن نصبح نحن، صالح وأنا، رعيان العدد المتناقص من النعجات والماعز. ارتاحت أمي قليلاً وقت انتقالها مع الأولاد الأصغر إلى الرقة، في خريف 1976. بعد قليل صار ابنها الأكبر محمد طبيباً، وأخذت الأحول المادية للأسرة بالتحسن.

كان من عوائد رمضان التي يراعيها أمثال أبي (أكبر أولاد عبد الله الحاج صالح) وعمي مصطفى (أكبر أولاد حميدي الحاج صالح) ختم القرآن، وهو ما لا يقدر عليه عموم الصائمين. متشبهاً بالكبار الذين كنت أحظى بثنائهم على تميزي المدرسي، ختمتُ القرآن في رمضانات صيامي في القرية، وحين كنتُ في الصف السادس ختمته في تسعة عشر يوماً، وتفاخرتُ بذلك أمام عمي مصطفى الذي لم يبخل عليَّ بعبارات الثناء. وطمعاً بالمزيد بدأتُ بختمة ثانية على أن أنهيها قبل نهاية الشهر. لكن تكاسلت عن الإكمال قبل إنهاء سورة البقرة، مرتضياً من الإحجام بواقع أني أديت سلفاً قسطي للعلا.

لا أكاد أذكر شيئاً من دروس الديانة في المدرسة. لعلّه لم يكن هناك شيء اسمه دروس ديانة خاصة. بأستاذ واحد في المدرسة حتى الصف الرابع، ثم أستاذين في الخامس والسادس، وبغرفة واحدة ثم غرفتين للصفوف الستة، كانت الدروس تختلط ببعضها. لكن أذكر دروس القراءة والحساب والخط، ثم النحو، ثم العلوم، ثم التاريخ والجغرافيا، والقليل فقط عن دروس الديانة. هذا القليل هو حفظ سور أو آيات من القرأن. ولا أذكر أين تعملت الصلاة، أعتقد أني تعلمتها من أبي وليس في المدرسة.

***

بدأتُ الصلاة في الصف السادس بقرار شخصي. لم يحاول أبي إلزامنا، ولم أرَ أياً من إخوتي الثلاثة الأكبر يُصلي. كنت أتنجى (مستخدماً إبريق الماء النحاسي الذي يستخدمه أبي للغرض نفسه)، ثم أتوضاً، وأقضي صلواتي في أوقاتها غالباً. كان أبي أميل إلى التيسير علي، وكان يُفتي لي بأن لا بأس بأن أجمع صلاتين، وهو ما فعلته أحياناً. لكني كنت أفضّلُ أداء كل صلاة في وقتها.

مرة، في صيف 1971 على الأغلب، صليت المغرب على دكة حطب أمام البيت ننام عليها في شهور الحر، وغمرني بعد الصلاة شعور بطمأنينة عجيبة، حالة من السلام والسكينة عمّت نفسي لم أخبر مثلها من قبل، ولن تتكرر في صلواتي اللاحقة. ظلت تلك اللحظات الثمينة حاضرة حية في ذاكرتي، ولم تشبهها غير أوقات من الصفاء و«انشراح الصدر» عشتُها مرات في السجن، في ارتباط مع قراءة الكتب.

لكن صلاتي لم تكن خاشعة دوماً. في خريف العام نفسه، كان أخواي صالح ومصطفى يحاولان تدنيس لحظاتي المقدسة بدفعي إلى الضحك خلالها. كانت مجازر أيلول في الأردن وقعت قبل زمن غير طويل، وفي الإذاعة السورية كان هناك ساعة بث لفلسطين تبدأ في السادسة والنصف مساءً، يتكلم فيها بلهجة فلسطينية متحدثٌ اسمه أبو سليم. مرة قال مندداً بملك الأردن: الملك حسين يقول الفدائيين ما يمركوش من الأردن لفلسطين (للقيام بعمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي). ويبدو أن عبارة «ما يمركوش» كانت تكفي لأنفجر ضاحكاً. ولم يكن صالح يجد وقتاً أنسب لتكرار هذا الكلمة من صلاتي، فكان يمتزج الغضب والضحك في رد فعلي.

في الصف السادس أيضاً، 1970-1971، وقع بين يدي عدد من مجلة سوفييتية، المدار أو الاتحاد السوفييتي، وكنت أحبّ صورها الملونة. رآها أستاذ المدرسة في يدي فانتزعها مني بغضب ومزقها، وهو يقول: هذه مجلة شيوعية! كان هذا تصرفاً فظاً وغير عادل من سلطة لم أكن أقدر على فعل شيء حيالها. ولعله في هذا الوقت نفسه أعطاني الأستاذ كتاباً دينياً إسلامياً، غلافه زيتي اللون، ويخلو طبعاً من الصور. سئمت منه حتى الموت ولم يبق في بالي من محتواه شيء. بعد سنوات صار هذا الأستاذ مُفوّض فتوة في إحدى مدارس الرقة، وهو ما يوجب أنه كان بعثياً.

كان خريف عام 1971 أول انفصال راضٍّ في حياتي، الانفصال عن الأم، والذهاب إلى العيش في الرقة مع أخوي مصطفى وصالح الذين كانا في الصف العاشر والتاسع تباعاً. أخونا الأكبر محمد كان نال المرتبة الثانية في البكالوريا في الرقة في صيف العام نفسه، وذهب إلى حلب ليدرس الطب في جامعتها. قُرِئَ اسمه كمتفوق في إذاعة دمشق، ونال مكافأة شهرية مقدارها 150 ليرة سورية كانت عوناً مادياً (ومعنوياً) لأبي وأمي، بل إنقاذاً في واقع الأمر. كان أبي في الوقت نفسه يبحث عن عمل في الرقة ينال عليه أجراً لا يتجاوز 150 ليرة.

***

في الرقة دأبتُ على الصلاة لبعض الوقت، ربما لشهر أو شهرين، ثم توقفت. لا أذكر واقعة مباشرة ذات صلة بالأمر، لكن متأثراً بأخويّ مصطفى وصالح، وبالكبير «الذي علّمهم السحر» محمد، كنا ندخل عالماً مختلفاً، فيه ثقافة وكتب وأفكار وجدال، عالم المتخيل. كان من مواضيع الجدال في هذا العالم وجود الله من عدمه. أخي مصطفى كان يفسر كل شيء بالطبيعة، وكنت أجادله: من خلقك؟ فيجيب: الطبيعة! ومن خلق الطبيعة؟ وكان يرد: ومن خلق الله؟ مرة تكلم على نشوء الكون من سُدُم كونية، وهي نظرية عرفتُ لاحقاً أنها تعود إلى كانط.

وغير وجود الله من عدمه كان من سجالاتنا في أيامي الباكرة في الرقة ما يتصل بمن هي المطربة الأفضل. كان أخي مصطفى يصر أنها فيروز. وكنت أستنكر ذلك، وأنا أقلد صوتها بسخرية: حبّيطك... بالصايْف! كانت سميرة توفيق هي مطربتي العظيمة. بعد شهور قليلة، وجدتُ نفسي أجادل بيقين العارف القادم من الرقة أولاد عمي في القرية بأن فيروز هي أعظم المطربات. كان ابن عمي حامد يرى أن الأعظم هي بنت الريف، وهي مغينة عراقية أظنها من جيل ناظم الغزالي.

كنا نتعلم في المدارس في القرية والرقة، وكان أبي قد اضطر للإقامة معنا عاملاً على نحو متقطع، بعد أن لم تعد موارد الأرض تكفي لعشرة أشخاص، أبي وأمي ونحن الثمانية. سنصير تسعة عام 1972 مع ولادة فراس. كنا ندخل المراهقة ونحن بعيدون عن أمنا، ونفتقر مادياً. كانت حياة صعبة.

مرة، وكان يوم جمعة في آخر 1971 أو أوائل 1972، أخذني أبي من يدي لأداء صلاة الجمعة في جامع الفواز القريب من الغرفة التي كنا نستأجرها بخمسة وأربعين ليرة في الشهر، نحن الإخوة الثلاثة، ومعنا أبونا الذي كان وقته يتوزع بين القرية والرقة. في الجامع الواقع في منتصف شارع تل أبيض بدا لي أن المصلين جميعاً ينظرون إلي، وشعرت بخجل شديد. كانت صلواتي كلها قبل ذلك فردية، أصلي فيها وحدي لله. واقفاً للصلاة قرب أبي، انسللت بين صفوف المصلين خارجاً من الجامع، ومتحرراً من رقابة المصلين الفضوليين. لا يبعد أن أبي سألني بعد عودته من الصلاة لماذا غادرتُ الجامع، ويحتمل أني غمغمت شيئاً بخجل. لا أذكر. لكن الرجل لم يحاول مرة أخرى. وكان ذلك أول وآخر دخول لي إلى مسجد في الرقة أو غيرها، إلى عام 2008 حيث دخلت «مُصلياً» إلى عدد من المساجد في دمشق وواحد في حلب، بينما كنت أعمل على كتابي أساطير الآخِرين.

لا أذكر أنه كان في غرفتنا المستأجرة في الرقة في عامي الأول كتبٌ غير كتبنا المدرسية. كان لدينا جهاز راديو، نستمع منه كل صباح إلى فيروز في برنامج «مرحباً يا صباح» من إذاعة دمشق، ووقت الظهر نسمع أغاني عبد الحليم حافظ ونجاة وشادية وفايزة أحمد وعفاف راضي ووردة ومحمد رشدي ومحمد عبد الوهاب وغيرهم، وفي المساء أم كلثوم. وفي كل وقت نشرات الأخبار التي تحقننا بالعقيدة الوطنية. لكن بدءاً من العام التالي كانت هناك كتب ومجلات في غرفتنا، وبدأتُ بقراءة روايات مترجمة إلى العربية. كانت بعضها بوليسية من تأليف الفرنسي موريس لبلان، وبطلها أرسين لوبين. ولسبب ما لم أقرأ شيئاً من أعمال جبران خليل جبران التي كانت متوفرة في مكتبتنا الصغيرة في غرفتنا الصغيرة في الرقة.

***

كان الحزب الشيوعي السوري انشقَّ في هذا العام، وكانت النقاشات حامية في الرقة في الوسط الذي أعرفه، وإخوتي طرف فيها. كان هناك تعريض بـ «البكداشيين»، ومعارضة لكتاب أو كراس يبدو أنه صدر وقتها عن خالد بكداش، عنوانه: أربعون عاماً من النضال. المعارضة كانت تقول: أربعون عاماً من النضال، نصفها في النوم ونصفها في الهرب إلى روسيا! لكن لا أذكر أن اسم رياض الترك كان في التداول وقتها.

كنتُ مفتوناً بهذا الجو ومنجذباً كل الانجذاب إلى نقاشاته وشبابه وحيويته، وتجريده.

في نقاش بين أخي محمد الذي كان يعود من جامعته في حلب إلى الرقة بين وقت وآخر وأخي مصطفى الذي كان في الثانوية والمتصلب وقتها في شيوعيته، قال محمد جملة تركت في نفسي أثراً بالغاً لم يُمّح يوماً: ليش هِيّ الماركسية لاهوت! أحببتُ صيغة العبارة ومضمونها.

ثابرت على صوم رمضان بعد انقطاعي عن الصلاة في الرقة، لكن توقفتُ عنه هو الآخر في الصف التاسع. كنا، أُويْس المصارع وأحمد جاسم الحميدي وأنا، زملاء مدرسة، وأعضاء في تنظيم «شبابي» تابع للحزب الشيوعي- المكتب السياسي، اسمه اتحاد الشباب الديموقراطي. الاتحاد الذي مات بعد قليل كان نافذة لنا إلى الثقافة، وتداول أسماء لم نكن قرأنا لمعظمها شيئاً: من سارتر وألبير كامو وسيمون دبوفوار إلى ألبرتو مورافيا وكولن ولسون... وقبلهم مكسيم غوركي (كان مكسيم الاسم الحركي لأحمد جاسم الحميدي في اتحاد الشباب) وماياكوفسكي ولوركا ونيرودا (الذي كان اسمي الحركي)، وكذلك بيكاسو وسلفادور دالي، وقبل الجميع ماركس وإنجلس ولينين. عرفنا أدباً أجنبياً مترجماً قبل أن نتعرف على الأدب العربي الحديث. كان أحمد هو «المثقف» بيننا نحن الثلاثة، ولم يكن يكفُّ عن ذكر أسماء كتاب ومفكرين أجانب، وهو ما كنت منبهراً به. كان أيضاً يكتب قصصاً منذ ذلك الوقت. في الصف العاشر، وكانت مجموعتنا الثلاثية تفرقت على خصام، نُشرت له قصة في جريدة الثورة اسمها لا أقل من... بروميثيوس. ولشدة غيرتي كتبت قصة سميتها «في جوف الزمن الميت»، لكن الجريدة لم تنشرها، ورد عليّ محرر الصفحة الثقافية في عمود خاص، على هامش الصفحة معتذراً لكنه قال إن قصتي «متقدمة فنياً». أحمد صار طبيب أعصاب فيما بعد، وحافظ على اهتمامه الثقافي، ونشر في التسعينات كتاباً بعنوان البطل الملحمي عند عبد الرحمن منيف. كان كحولياً، وتوفي قبل نحو 10 سنوات بتشمع الكبد في الرقة. أويس كان توفي منذ أن كنا في البكالوريا بمرض عائلي وراثي.

المهم أنه في عالمنا ذاك لم يكن للصيام، وللدين ككل، موقع. كان عالم الأدب والثقافة يقف في تعارض مع عالم الدين وممارساته التي أخذت تبدو وقتها تقليدية وضيقة الأفق، وناضبة الخيال. كنا نريد الإبداع والحرية، ووجدناهما في «الثقافة» وفي «الشيوعية». كنا نتطور. كان يبدو أن المجتمع من حولنا في تطور أيضاً.

استخرجتُ بطاقة استعارة للكتب من المركز الثقافي في الرقة عام 1974 وصرت أستعير روايات مترجمة، من الأدب الروسي والفرنسي بخاصة. كنت أقرأ بنهم ولساعات طوال. وبين وقت وآخر كنت أذهب إلى قاعة المطالعة في المركز نفسه، وكان قريباً من مدرستنا ثانوية الرشيد، لأقرأ في جريدة الثورة، ثم في ملحق الثورة الثقافي الذي أخذ يصدر وقتها. وكذلك في مجلة الموقف الأدبي. قرأت في الثانوية أشياء لمعظم من ذكرت أسماءهم فوق، فضلاً عن روائيين عرب، أتذكر منهم الكويتي اسماعيل فهد اسماعيل الذي لسبب ما (هل كان «رفيقاً»؟) كانت كتبه الصغيرة متوفرة في مكتبتنا الصغيرة، وما زلت أتعجب أن يكون اسم رواية له: كانت السماء الزرقاء (أين خبر كان؟)، وكان اسم رواية أخرى: المستنقعات الضوئية. وبينما أنسى اليوم أسماء كتب ومؤلفين قرأتهم قبل أسابيع، لا أزال أذكر القلعة الخامسة لفاضل العزاوي العراقي، والزمن الموحش لحيدر حيدر السوري (وقعت الرواية في يدي من جديد في سجن عدرا في مطلع التسعينات، ولم أستطع تجاوز صفحات منها). كانت قراءة الثلاثية وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، مع معظم رواياته الصادرة حتى ذلك الحين حظاً طيباً، وكذلك موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، وإن لم أستطع إكمال روايات أخرى له، مكتوبة باللهجة السودانية: عرس الزين، ودومة ود حامد.

لعل هذه الاهتمام بالكتب والكلمات ساعد المراهق الخجول في بيئة رقيبة تتعذر فيها المصاحبة بين الفتيان والفتيات.

***

لم يكن أبي سعيداً بهذا المسار الشيوعي الذي لم يكن يبدو منذراً بعواقب وخيمة وقتها، لكنه لم يجعل منه مشكلة. كان يفضل لو أن أبناءه صاروا بعثيين، إذن لحازوا مناصب وتوفرت لهم فرص للارتقاء كان يراها تتحقق حوله لبعض من يعرف، ويرى أصحابها أقل جدارة من أبنائه. حاول عن طريق موجّه في مدرستنا ثانوية الرشيد أن أنتسب لحزب البعث، لكن منذ ذلك الوقت كان حزبنا القائد فاقداً للاحترام في عين المراهق المفتون بالثقافة والشيوعية، ولم يكن لي فيه نصيب. بعد حين كان «الحزب القائد للدولة والمجتمع» يثأر لنفسه بإرسال طالب آخر بدلاً مني إلى فرنسا، في رحلة لأسبوعين مخصصة للمتفوقين في اللغة الفرنسية. بيني وبين زميلي البعثي كانت الأفضلية لي، في اللغة الفرنسية وكل المواد الأخرى.

أظن أنه كانت تتنازع أبي مشاعر متضاربة، من جهة كان يأسف لضياع فرص الترقي والنفوذ على أولاده، ومن جهة كان راضياً عن أدائهم المدرسي المعقول أو الجيد. أمي أيضاً كانت تود لو يكون أبناؤها أنجح في هذه الدنيا، لكنها كانت راضية بدورها عن تميزهم ضمن المحيط الاجتماعي الذي تعرفه. مرة في شجار في الجرن عيّرتها امرأة جدي بكلمة: شيوعيين! كان رد أمي هجومياً: شيوعيين، وأشرف منكم! كان أبو محمد وأم محمد يجدان بعض السلوى في أن محمداً، ابنهما الأكبر، يدرس ليصير دكتوراً بعد حين.

في المدرسة الإعدادية والثانوية كانت هناك حصتان للديانة كل أسبوع. من حيث المضمون كان فيها أحاديث نبوية ينبغي حفظها (وكان هذا جديداً علي، أنا «أليف» القرآن)، و«إرشاد وتوجيه» مستحصل من الأحاديث والسور القرآنية يجب أن نعرفه ونجيب عليه في الامتحان. دروس الديانة لم تكن جذابة في أي وقت، لكن كطالب مجتهد كنت أنال درجات جيدة فيها.

***

في عام 1974 أو الذي بعده وفد إلى قريتنا صوفي اسمه محمد خان، كان كارزمي الشخصية فيما يبدو، ونال ثقة أهالي القرية وما حولها. لكن ليس أبي. إبراهيم الحاج صالح كان يظن أنه يعرف دينه بما يكفي كي لا يحتاج إلى توجيه من غريب. في هذا كان إبراهيم أقرب إلى أبيه المرهوب الجانب الذي لم يكن يجسر أحد على الاقتراب منه. وبعد قليل خانَ محمد خان الأمانة بما كان يكفي ليثبّت أبي في موقفه. كان في إحدى الليالي في بيت عم لي في غياب صاحب البيت، وكان هذا غير نادر في بيئتنا، ويُثنى على المرأة التي تُبقي البيت مفتوحاً للضيوف. غير أن الشيخ حاول «تطبيق» المرأة بالدين. قال لها إن فيها تابعة، روح شريرة فيما يبدو، وإنه كشيخ وولي من أولياء الله يستطيع إخراجها منها بالاستلقاء فوقها. طردته المرأة، وشُهِّر به في القرية وحولها، وكان هذا آخر العهد بالرجل.

بعد حين وفد غريب آخر، إبراهيم شنوان، قيل إنه من الأردن. ربما كان هذا عام 1975. هذا لم يكن صوفياً، كان إخوانياً فيما يبدو. وكان قوة «حرب أهلية» في جرن الحاج صالح. احتفى به بعض أعمامي، وخاصة عمي مصطفى الذي كان يفتقر بدوره وقتها وتتراجع وجاهته، وتتدهور وظيفة المضافة كفضاء عام. ومن المحتمل أن بعض أعمامنا عملوا على تأليبه على بيتنا... الشيوعي. أبي تشكّكَ ونفر. رحل ابراهيم شنوان بعد أسابيع من توتير جو القرية الصغيرة.

في العلاقة مع شنوان أو قبله خان لم يكن أهل القرية سلبيين، كانت لديهم رهاناتهم واستراتيجياتهم للفوز بالوجاهة في القرية ونيل أفضلية على بعضهم. من تزره وتقيم عنده لبعض الوقت شخصية تبدو ذات نفوذ أو هيبة يسجل لنفسه نقاطاً في التنافس بين بيوت آل حاج صالح التي هي كل قرية الجرن، ولم تكن تتجاوز عشرة. ولم يكن ترفّعُ أبي ذاته متجرداً من اعتبارات الوجاهة. فقد ألف طوال سنوات أن علاقته أميز من غيره بمعلم المدرسة، ولهذا على الأرجح صلةٌ بأداء إجمالي معقول لأولاده فيها. ولعله في العلاقة مع شنوان بالذات كان هناك تأثير راجع من الأولاد على الأب. كان أخي مصطفى، وهو في العشرين وقتها قد أطلق لحيته، وفي مروره الوحيد على بيتنا ذات مساء صيفي علّق شنوان على اللحية «الكاستراوية» لمصطفى. أبي امتعض ولم يخفِ امتعاضه. ومصطفى قال شيئاً عن تصنيف «الإخونجية» للحى. كانت الزيارة فاشلة.

الطلب على الوجاهة في القرية النائية كان يتحول في هذا الوقت بالذات باتجاه عارض صاعد بقوة لها: نظام حافظ الأسد الذي كان يفرض حضوراً حزبياً وأمنياً متزايداً. بعض أعمامي وأولادهم دخلوا حزب البعث والجمعية الفلاحية. وهو ما أخذ يترك آثاراً عملية على علاقات الأهالي. في عام 1976 جرى «فكّ» أخي صالح من التعليم في مدرسة قريتنا بناء على تقرير أمني، من المحتمل أن كاتبه عمٌّ لنا مجايل لصالح. كان صالح معلماً وكيلاً وطالباً جامعياً في الوقت نفسه، وكان «فكُّه» من التعليم أول لوعات أمي الكثيرة، وخاصة أن الحدث وقع أمام عيون شامتة في القرية التي كان صالح أول أبنائها يُعلِّم فيها. منتصف السبعينات هو الزمن الذي دخل فيه المشهدَ مؤذٍ كبيرٌ رفَّعَ حضورُه المكائدَ الصغيرةَ بين أهل الجرن إلى أذىً حقيقي: النظام.

***

في ثانوية الرشيد في الرقة كنت أصير مراهقاً متفوقاً واثقاً بنفسه وميالاً إلى التمرد. كنا نقفز من سور الثانوية هاربين من دروس الديانة أو التربية القومية الاشتراكية إن أمِنّا العاقبة (وحصل أن ظنناها مأمونة غير مرة ولم تكن، وكان جزاؤنا الزحف في باحة المدرسة). في درس الديانة مرة ذكر الأستاذ كلمة فَرج، فرفع زميلنا عبد المحسن أصبعه وسأل: شنو معنى فرج، سْتاذ! فَقَدَ الأستاذ أعصابه فوراً وطرد التلميذ الشقي. وبعد لحظة سأل عن اسم هذا الطالب المشاغب. لم يجب منا أحد. كان صمتاً مقاوماً للسلطة، ودافعه تضامن المجموعة. بعد لحظات طوال أفشى زميل اسم عبد المحسن. كان هذا الزميل متديناً، ولعله تنازعته أخلاقيتان: تضامن المجموعة، واستنكار ديني لفجور الزميل. حسم الأمر لمصلحة دافعه الديني. وكانت هذه شهادة غير طيبة بحق التدين.

في جامعة حلب التي صرتُ طالباً في كلية الطب فيها في العام الدراسي 1977-1978، صرتُ شيوعياً، وهو ما كان يعني وقتها معارضاً للنظام، وليس مجرد تمرد فكري وسلوكي حميد. الواقع أن العنصر السياسي المعارض في شيوعيتي الشخصية كان أقوى دوماً من العنصر الإيديولوجي والرمزي. الحزب الشيوعي- المكتب السياسي الذي كنت عضواً فيه كان يطور موقفاً أكثر جذرية حيال النظام، ويعبّرُ عن نفسه بلغة الديموقراطية ومفرداتها، بينما تتراجع مفردات اللغة الشيوعية التقليدية في خطابه. وبِدءً من عامي الجامعي الثاني أخذتُ أقرأُ أشياء خارج الأدب. كتباً وكراريساً للينين، وكتباً سوفييتية عن الفلسفة الماركسية، والقليل من ماركس وإنجلس، البيان الشيوعي وأصل العائلة والملكية والدولة، لكن أيضاً أعمال ياسين الحافظ المتاحة كلها، وكتباً لعبد الله العروي ولبرهان غليون...، وأتعلّم من رفاقي أيضاً.

في سنواتي الثلاثة في الجامعة قبل السجن أخذت أشاهد وجهاً متجهماً للدين لم أكن عرفته من قبل. في حصة البيولوجيا في عامنا الدراسي الأول قال الأستاذ عدنان قشلان شيئاً عن الروح، يردها إلى البروتين ووظائف البروتين إن لم تخني الذاكرة. يبدو هذا اختزالياً بإفراط، لكن في مواجهته نهض طالب ملتح دون استئذان، وكرّ الآية القرآنية: يسألونك عن الروح، قل علمها عند ربي! تكلم الطالب بسلطة مندداً بأستاذه وطرحه «المادي». استوعب الأستاذ الموقف، ولم يغضب أو يطرد الطالب، لكن بدا لي هذا سلوكاً فظاً من حيث الأسلوب وضيق الأفق من حيث المضمون. أن يكون علم الروح عند ربك لا يمنع أنه يمكن للبشر معرفة شيء أو أشياء عنها. كان الطالب يشهر سلطة يبدو على يقين من علوها وعلو كلمتها وطاقتها التسكيتية في وجه محاولة شرح علمي يمكن نقده، لكن ليس من موقع يضع نفسه فوق كل نقد. كانت سلطة الدين تتحدى في الجامعة سلطة العلم.

وفي معسكر التدريب العسكري الصيفي في عامنا الدراسي الثاني كُنّا قد جُمعنا من أجل ما يفترض أنه تمرين قتالي. كُنّا في شهر رمضان، وكان أحد زملائنا من مدينتنا الرقة ينفث دخان سيكارته وقت زجره بفظاظة زميل آخر، يبدو أنه كان صائماً، بذريعة أنه لا يراعي مشاعر الصائمين. ومع تعالي الأصوات قدم ضابط يتولى تدريبنا وبهدل الطالبين، لكنه كان أشد قسوة على المتدين. الواقعة جرت في صيف 1979، بعد شهرين من وقوع مجزرة المدفعية، وكانت عيون جماعة النظام مفتوحة أكثر باتجاه الإسلاميين. في المعسكر نفسه، ونحن على ظهر الشاحنة التي كانت تشحننا إلى حقل الرمي، دعاني زميل لطيف المظهر مشذب اللحية، لكنه كان الوحيد في صفنا الذي يرتدي طقماً مكوناً من قفطان فوق بنطاله، وعلى رأسه قبعة من القماش نفسه، دعاني للمشاركة معهم. معكم في ماذا؟ أناشيد ومدائح نبوية. نفرتُ ولم أستجب. كنتُ أخذتُ إلى المعسكر روايات أقرأها. كانت من بينها نجمة أغسطس لصنع الله إبراهيم.

كان من علامات الوقت أن زميلة صفّنا الرقاوية الوحيدة تحجبت قرب مطلع العام الذي اعتقلت أنا في آخره، 1980.

***

كان السجن هو الانفصال الكبير الثاني في حياتي بعد الانفصال عن أمي وعن بيتنا في الجرن عام 1971. هذه المرة انفصال عن مسار الحياة العادية المتوقعة لشاب في العشرين، وعن الأصدقاء والزملاء، وكذلك عن فرص الحب والجنس (كانت لي حبيبة قبل السجن، لكن اقتصر أمر علاقتنا على النصف الأعلى من الجسم). سيُسهّلُ من هذا الانفصال في وقت لاحق أنه أُتيحت لنا شروط حياة في سجن المسلمية في حلب يمكن التفاوض معها، وبخاصة بدءً من النصف الثاني من عام 1982، بعد نحو عام ونصف من اعتقالي، حيث توفرت كتب ووسائل تعلّمٍ للغة الانكليزية. هذا فتح سجلاً جديداً للتعلّم والتغيّر.

لكن في السجن عشتُ أيضاً تجربة تتصل بالدين رويتها بشيء من التفصيل في بالخلاص يا شباب! انقطعت عنا الزيارات في عام 1987 وظلت مقطوعة بالكامل لنحو عشرين شهراً (هذا لمن لا واسطات لديهم، ولم تكن الواسطات مبرأة بحال من علاقات «الأهل والأصل»، وما يتصل بالديني- السياسي، أي الطائفي). وقتها كنا ثلاثة أخوة في السجن، أخي مصطفي اعتُقِلَ بعدي بخمس سنوت، وأخي خالد بعده بنصف عام. كان هذا أكثر من لوعة إضافية لأمنا، كان اعتداءً على حياتها. وهي ماتت بالفعل من السرطان عام 1990 بينما نحن الثلاثة معتقلون.

وقت انقطاع الزيارات هذا كان يمكن أن يأتي الزائرون إلى باب السجن، وقد يتاح لهم أن يدخلوا فناء السجن، ومن هناك إذا تواطأ سجانونا أو تغاضوا، وكان هذا ممكناً أحياناً، يمكن لنا التكلم معهم من شبابيك جناحنا في سجن حلب المركزي، «المسلمية». من الشبابيك، رأينا أمي التي لم تنقطع عن زيارة أولادها في سجن حلب، قادمة من الرقة، دون أن تلتقي بهم. وكانت تجلب لنا مالاً وطعاماً وما قد يلزم من ألبسة، ويحصل أن يمكن إدخال هذه الأغراض أحياناً، ويتعذر أحياناً. كان شهر الصيام على الأبواب وقت جاءت أمي مرة لزيارة أخرى بلا لقاء. لا أدري إن توجهت بالطلب لي وحدي أم لجميعنا، لكنها طلبت مني أن أصوم. صمتُ بالفعل، لكن دون أي التزام ديني آخر. كان هذا الصيام مُهدىً بصورةٍ ما إلى أمي، كان جسرَ اتصالٍ معها، واستغفاراً مما كنت، وكنا، نتسبب به لها من آلام. صمتُ في أول رمضان أيضاً بعد رحيلها، وتوقفتُ بعد ذلك. كان غيابها، وخروج أخوي من السجن في أواخر عام 1991 قد خفّفَ حملي.

بنظرة راجعة اليوم تبدو لي هذه تجربة وداع محررة. فمثلما كانت تجربة السجن ككل بمثابة طفولة ثانية لي، أتاحت (فيما أرجو) تحرراً من الطفولة الأولى وعوالمها، كان هذا المسلك الديني الثاني استرجاعاً وجيزاً ووداعياً للتدين الأول، وطياً مُرتباً لصفحة الدين في التفكير والسلوك، ودون الوقوع في مطب التدين المعكوس، أعني معاداة الدين الانفعالية المتوترة. أعرف أمثلة لهذا التدين المعكوس، وهي في نظري ليست أكثر جاذبية من التدين العصابي الموتور، الممتلئ بصوابه الذاتي. استعداداتي الأقدم وتجربتي المستجدة أهّلتني لنفورٍ متساوٍ من هذين الموقفين المتعاكسين.

***

أدون هذه التذكرات من باب إتاحة شهادة شخصية، قد يكون هناك ما يشبهها في جيلي، ويمكن لجيل أصغر أن يتفاعل معها ويستخلص منها ما يهمه. لكن دافعي الأقوى لتدوين هذه الشهادة هو اعتقادي بأنه في خلفية مواقف كثيرين منا، مثقفين ومناضلين سياسيين «علمانيين»، من «الإسلام» (وغيره من الأديان وبيئات التربية الباكرة)، تجارب الطفولة وذكرياتها. ما قد يكون مميزاً لجيلنا وربما لجيل أكبر في البلدان العربية، وهذه هي خلاصتي النظرية، هو أن هناك تطوراً مبتوراً، تمثّلَ في توقف التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية النافعة لعموم الناس منذ سبيعنات القرن العشرين، فتوقفت معها قوة الدفع التحررية المتجهة نحو جديد التجارب والأفكار والمنظمات والخبرات، وحالت دون الانفصال عن أقدم خبراتنا وتجاربنا، أو قادت إلى العودة إليها بعد انفصال. أعتقد أن من شأن مراجعة السجلات الفكرية لجيل أساتذتنا منذ ثمانينات القرن الماضي أن يظهر التوقف، وأمثلة عن العودة. الظاهرة مألوفة، وحصل أن وصفها بعض أساتذتنا (جورج طرابيشي) بالردة. لكن عدا ما في هذا التعبير الأخير من مضمون ديني، ممتلئ باليقين بصواب «العلم» الذي جرى الارتداد عنه، فإنه يحجب تدهور المضمون التحرري للعلم المزعوم. بين «المرتدين» وغير قليل ممن «لم يبدلوا تبديلا» وحدةُ حالٍ تتمثل في ضآلة الحرية في التفكير والسلوك. بين ثمانينات القرن العشرين والثورات العربية جرى تخلٍّ عن الحرية، عامٌ، فتساوى أن يكون التخلي باسم الدين والأصالة أو باسم «العقل» والحداثة.

***

تجارب الطفولة تشدنا إلى المنابت والأصول، ولا يتغلَّب على تأثيرها شباب لا ينفتح، بفعل التطور المقطوع، على آفاق أوسع واختلاط أكبر وعوالم متخيلة جديدة. ما ورثناه من سنوات الطفولة واليفاع يُحرم من اللغة للتعبير عن نفسه بفعل شروط الحجر العام، وما كنا استشرفناه كأفق تحرر وخيال يغيب عن ناظرينا في حاضر تكراري يدور حول نفسه. ودون أن نمتلك طفولاتنا المختلفة ونتجاوزها، قد نتشاطر زجر ما ورثناه منها بوصفه «وعياً» غير علمي، أو فكراً غيبياً متخلفاً. هذا محقق على نطاق واسع في تجربة جيلي. نكبتُ طفولتنا ولا نتخطاها فعلاً لأننا ممنوعون من أن نشبَّ عن الطوق، أي من الاستقلال. وما يُزجر ويزدرى على هذا النحو يُكبَت ويلجأ إلى اللاوعي، لكنه لن يعدم طرقاً للتسرب إلى الوعي، وتلوين تفكيرنا أو نصوصنا المكتوبة التي سيقول ما بين سطورها شيئاً غير مطابق لما تقوله السطور. هذا لأن «العلم»، بدل أن يصف تلك التجارب ويضيئها، وينقلها إلى مجال التفكير الواعي، فتصبح معرفة قابلة للتداول يمكن أن يضاف إليها، بدل ذلك يُرهبها ويحبسها في أعماق النفس، فإن استطاعت الرشح إلى سطح النفس، إلى الوعي، لم يكن لها مكان غير بين السطور. في السطور نحن ناضجون، وبينها نحن أطفال مستعصون على النضج. وحين تنفجر أزمة اجتماعية وسياسية وفكرية ونفسية كبرى كما شهدنا مرتين في سورية خلال ثلاثين عاماً، يتحطم «العلم» المهيب الرصين، يظهر الأطفال في الكل، وتتفجر المكبوتات إلى السطح، مُنافِسةً السطور على ما يُقال. يصير كل نص مفخخاً، يقول الشيء وعكسه. وهو ما يدفع كل شخص لأن يشك في غيره. فهل ما يقوله الغير هو هذا أم ذاك؟ تصير النصوص والنفوس، والعلاقات بين النصوص والنفوس، ساحات لحرب أهلية.

فيما يخصّ جيلنا، حين كان الأولاد يلجون سنوات الشباب اعتقلوا وعذبوا وسُجنوا. لم يكن ذلك حدثاً استثنائياً جرى لبعضنا. جميع شباب سورية حبسوا بصور متنوعة. وغير قليل منهم كانوا رهيني المحبسين: محبس «علم» وثيق الارتباط بسلطة أبوية، ومحبس السجن الذي يجسد منع الاستقلال. هذا الأخير يمكن أن يكون سجن الجماعة الأهلية الضيقة حين لا يكون سجن حافظ الأسد (لكن الجماعة الأهلية أيضاً من سجون حافظ الأسد). الحاضرُ للسلطة المؤبدة، المستقبل ممنوعٌ من القدوم، والماضي وحده ملكٌ لنا.

بل نحن مُلكُه. دون نقاش ومساحات للنقاش العام، تحرم مواضينا من لغة جامعة تساعنا على السيطرة عليها، وتنفصل عن بعضها، وننفصل نحن أبناء المواضي المختلفة عن بعضنا.

أمام التفجر الجديد، والانهيارالجديد للعلم وكلام السطور، لا ينقذ الأولاد والكهول شيئاً من كرامتهم دون تفحص السجلات القديمة وإعادة امتلاكها، وربما الخروج بكتابة لا تقوض نفسها بفعل التوتر بين السطور وما بينها مثلما يفعل جيلنا المراوغ. المرواغة ليست تغلباً على الحتمية الاجتماعية في شروط الحجر السياسي، بل هي منهجها في التغلب على تحررنا المزعوم. الحتمية مع ذلك ليست كلية الجبروت. ليس محتماً أن يكون الطفل الذي كناه هو (أستعير من فرويد) الأب الفكري للرجل «الناضج» الذي نكونه اليوم، والقطيعة ممكنة. لكن القطيعة مسألة امتلاك للمسار وصراع، مسألة تمرد ومواجهة، وليست شيئاً يتحقق من تلقاء ذاته أو بفعل الاعتناق لـ «علم» متجهم ما. ننفصل عن الماضي والطفولة بأن نتولى مسار حياتنا ونقاتل من أجل الاستقلال عن الأهل والأصل. نحاول صنع مستقبلات مفتوحة.

وقتَ خرجتُ من السجن في آخر عام 1996 بدا لي أننا أضعنا عشرين عاماً. في قريتنا التي زرتُها في الشهر الأول من عام 1997 كانت هناك ماء شرب جارية وكهرباء، وأجهزة تلفزيون طبعاً، كانت البيوت أكثر راحة مما كانت في سنوات طفولتي، لكن التعليم كان أسوأ من قبل، والخوف مُرابط بين الناس. ما تراجع عن سبعينات القرن العشرين هو الأمل بمستقبل أفضل، كان دفع كثيرين من جيل أبي لأن يضحوا بالكثير من أجل تعليم أبنائهم والانخراط في ترق عام رأوه حقاً لهم. ما كان غائباً بالكامل هو النقاش الفكري والسياسي الذي يؤثر على توجهات الناس وتصورهم لأنفسهم وأدوارهم. لم يكن هناك صراع لامتلاك السياسة والتفكير والحياة، على هذا المستوى كان الخوف عاماً والاستسلام معمماً. أيام أبي وجدي كان الناس يقاومون أكثر.

وفي عام 1997، ولأول مرة في الرقة، رأيت امرأة منقبة. كانت زوجة قريب لنا من جيلي، تعثّرَ في المدرسة وغادرها مبكراً. ترى، هل في حجب الوجه ما يتصل بفشل دمقرطة الوجاهة، ترقي حياة عموم الناس ونيلهم قدراً من السيادة على مقاديرهم؟ ربما. لكن فيها بالتأكيد تشيييء للمرأة وامتلاك لها من قبل رجلها، على نحو يحاكي تشييء سورية وقلبها إلى ملك لحافظ الأسد وسلالته، مع ردّ السوريين كلهم إلى أولاد لا يتجاوزن طفولاتهم ولا يستقلّون بأنفسهم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- من المظلومية إلى الحرب الأهلية: جيش الإسلام ونظام الحزب الوا ...
- رسائل إلى سميرة 7
- إعادة بث السحر في العالم
- رسائل إلى سميرة 6
- الثورات العربية، الإسلاميون، الطائفية، اليسار والعالم/ حوار
- رسائل إلى سميرة 5
- رسائل إلى سميرة 4
- حروب السيادة والتسوية المؤسسة للسياسة
- رسائل إلى سميرة 3
- رسائل إلى سميرة 2
- الضمير الخارجي: في المظلومية وأصول الشر السياسي (2)
- الضمير الخارجي: في المظلومية وأصول الشر السياسي 1
- رسائل إلى سميرة 1
- الحرب ضد الإرهاب: الإباحة والإبادة
- الخبرة والفكرة: ثلاثة أجيال من المثقفين في سورية
- سميرة ورزان ووائل وناظم: بعض أوجه خصوصية قضيتهم
- الحرب على داعش في الرقة والمحتلون الجدد
- الصحة سلاحاً: الحرب على المرافق والعاملين الصحيين في سورية
- تطييف، لا طوائف ولا طائفية
- الهزيمة والدولة، حزيران 67 ودولة حافظ الأسد


المزيد.....




- مشروع يحيي سيارة -De Tomaso Pantera- الأسطورية
- -اخترت الصفح-.. رسالة أميركي نجا من تفجيرين إرهابيين
- نيويورك تايمز تكشف هوية مشتري قصر لويس الـ14
- أغلبية الأمريكيين غير راضين عن -ترامب-
- أمريكي يعلم زوجته تقاليد صب القهوة العربية (فيديو)
- مجلس الأمن يناقش غدا مشروع قرار بشأن القدس
- أكثر من نصف البريطانيين يريدون الآن البقاء في الاتحاد الأورو ...
- بأمر من محمد بن سلمان... السعودية تدخل العصر النووي بالتنقيب ...
- الجزء الثامن من -حرب النجوم- يتخطى 200 مليون دولار في أول يو ...
- طريقة غير تقليدية لتزيين شجرة الكريسماس (فيديو)


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الدين والتجربة الشخصية: شهادة