أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - رسالة إلى شباب تونس بشأن دروس المصالحة الوطنية بجنوب إفريقيا.















المزيد.....

رسالة إلى شباب تونس بشأن دروس المصالحة الوطنية بجنوب إفريقيا.


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine )


الحوار المتمدن-العدد: 5641 - 2017 / 9 / 16 - 14:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وأنا أعيد التمعن في مسيرة الثورة الديمقراطية في جنوب إفريقيا، وفي مسيرة رسول السلام نيلسون مانديلا، وأقيم المقارنة بما يجري في بلدي حول قانون المصالحة المتعلق بالموظفين الإداريين، فهمت أن الثوار الكبار هم أقدر الناس على صنع السلام. لأن مثل هؤلاء الناس تقاس أحلامهم بمستقبل أوطانهم، لا بمنافع أحزابهم.

يعود الاستعمارالاوروبي لجنوب القارة الأفريقية الى العام 1625. حيث كان المستوطنون الغزاة من أصول هولندية، ألمانية وفرنسية.
خلال القرن التاسع عشر احتلت بريطانيا (وهي في اوج عصرها الكولوينالي) جنوب القارة، وخاضت حروب إبادة مروعة ضد السكان الأصليين السود، وضد البيض الذين استوطن أجدادهم في البلاد بداة القرن السابع عشر.

بعد صراع مرير حصلت جنوب أفريقيا على استقلالها في العام1911 وأصبحت إحدى دول الكومنولث. واينما تذهب في جنوب افريقيا تسمع او تقرأ كلمة الأبارتهايد (Apartheid) التي ترمز الى نظام الفصل العنصري. ونظام الفصل العنصري هو جزء تركة الاستعمار البريطاني الذي أصدر قوانين تمنع دخول السود للمناطق التي يحتلها البيض والملونين. ثم أصدر قوانين تقيد حركتهم في البلاد، إذ كان يتوجب حصولهم على تصاريح بالمرور. ولم يكن يسمح للسود بالتواجد في شوارع المدن بعد حلول الظلام.

بدأ نظام الأبرتهايد كسياسة رسمية ومعلنة في عام 1948 مع وصول "الحزب الوطني" اليميني الأفريكاني الأبيض إلى الحكم، فاستمر حكم العرق الأبيض في جنوب أفريقيا. واستندت هذه السياسة على مبادىء الفصل العنصري بين المستوطنين البيض الحاكمين وبين السكان السود أصحاب الأرض الأصليين، وتفضيل الإنسان الأبيض على الإنسان الأسود في جميع المجالات.
سيطرت الاقلية البيضاء على مقدرات البلاد الاقتصادية وثرواتها، وسط شيوع ثقافة دينية منحطة ترتكز على نظريات عرقية تتبناها الدولة والكنيسة، وتشكل تبريرا نظريا وأخلاقيا لنظام الفصل العنصري. ولزمن طويل جدا ظلت معركة الغالبية في جنوب أفريقيا ضد الفصل العنصري. ومن بين صفحات المعاناة وفصول المعارك ولدت حركات سياسية ونساء ورجال لهم خبرة ونضج ورؤية وعمق قيمي وأخلاقي، سيساعد لاحقا على بناء مجتمع ديمقراطي خارج ذهنية التشفي والضغينة برغم الجراح الغائرة وتاريخ الدم الطويل، وبرغم تنوع السكان من حيث الأصول العرقية والدينية، حيث:
يشكل السود الافارقة 85 بالمئة من السكان.
والبيض المنحدرين من اصول اوروبية ( بريطانية وهولندية وألمانية وفرنسية) 9 بالمئة، ويطلقون على انفسهم اسم الافريكان، ويتحدثون لغة مشتقة من الهولندية ممزوجة بكلمات ألمانية وإنجليزية أطلقوا عليها اللغة الأفريكانية.
ويشكل الملونون والآسيويون نسبة 4 بالمئة.
ثم الهنود 2 بالمئة.. وبحسب احصائيات أجرتها الأمم المتحدة عام 2001 فإن 80 بالمئة من السكان مسيحيون، 1.5 بالمئة مسلمون، 1.2 بالمئة هندوس، 0.2 بالمئة يهود، 0.3 بالمئة ديانات محلية، بينما يشكل عديمو الدين 15 بالمئة. ويعترف في جنوب افريقيا بـ 11 لغة.
برغم كل هذا نجحت جنوب أفريقيا في المصالحة الوطنية. وقدمت للعالم تجربة أخلاقية رفيعة حولت بلدا تسود فيه ثقافة العنف والتمييز العنصري الى بلد ديمقراطي، يتمتع فيه الجميع بحقوق متساوية.

لا شك أن هذا البلد استخدم مناهج حل النزاعات وهي التحاور، ومهارات التفاوض، والاستماع الجيد، واعادة بناء الثقة. ولكنها اتكأت على زعيم له من الأخلاق ورفعة الروح وسعة القلب وعمق الوطنية مما جعله يتغلب على ارث أسود من التمييز العنصري امتد لقرون، وسهل على البلد حل نزاع بهذه الاهمية والخطورة حلا سلميا.

لقد بنيت المصالحة الوطنية في جنوب افريقيا قبل صرامة القانون وحسابات السياسة، على خمس قناعات وطنية كبرى، نجح الزعيم الراحل نيلسون مانديلا في ترسيخها عند السود وعند البيض على حد السواء. عند إخوته الضحايا وعند أعدائه الجناة:

أولاً: ليس من مصلحة أحد أن تستمر ثقافة الحقد ويتواصل الاقتتال، وأن الحل السلمي الدائم هو الحل الاسلم.

ثانيا: على المواطنين من الاغلبية (السوداء) والاقلية (البيضاء) أن يكونوا جاهزين لتقديم تضحيات كبيرة، ضمن مبدأ نعطي ولانأخذ من أجل مستقبل البلد والأجيال المقبلة.

ثالثا : قبول الاقلية البيضاء التي كانت تنفرد بالحكم منذ 40 عاما بنتائج الانتخابات.

رابعا : عدم تجاهل الاغلبية للاقلية، بل يجب مشاركتها الحكم وتقاسم السلطة معها.

خامساً: أن تسامح الاغلبية الاقلية التي كانت تنتهك حقوقها ، وأن لا تقام محاكمات كالتي جرت في نورنبيرغ بعد سقوط النازية في المانيا. وأن يكون المبادر بالصفح وطي صفحة الماضي نيلسون مانديلا نفسه، الذي سجن 27 عاما.

ومن أجل تحويل هذه القناعات من كلمات إلى وقائع ودروس للبشرية، كان لابد من حزب قوي بما يكفي لاظهار الكفاءة في ادارة المفاوضات مع خصم يمتلك أقوى جيش في عموم افريقيا، ويمتلك الكفاءة والقدرة على سحق أي تمرد عسكري مهما كان حجمه، ويمتلك قاعدة صناعية عسكرية متينة كصناعة الاسلحة المتقدمة والغواصات والهليكوبترات.
ففي مقابل عتو نظام الأبرتهايد وجبروته، طور حزب المؤتمر الوطني الافريقي معارضة سلمية مدنية، إذ كان يتمتع بالوطنية الجبارة التي حلقت فوق الحقد والثأر والتشفي، فلاقت دعما دوليا هائلا، وتعاطفا من شعوب العالم، بينما لم تكن حكومة بريتوريا تحظى باي تأييد، بل على العكس كانت تقابل بسخط دولي، ونصائح بضرورة وضع نهاية لنظام الفصل العنصري. واقتنعت الأغلبية من الطرفين بكل ذلك الحمل الدموي، وبكل ذلك الخليط المتنوع، وذهبوا مع المصالحة وإرساء السلام الدائم. وشذت أقلية عنصرية مريضة برفضها للمصالحة ولكنها انهزمت في الأخير.

بدأت المفاوضات الشاقة، واستمرت أربع سنوات بين عامي ( 1990 ـ 1994 )، وحدثت اغتيالات سياسية وتصفيات عديدة في الخلال، وتغلبت الحكمة والعقل. وجرت الانتخابات. ثم بدأ مسار العدالة الانتقالية التي كان هدفها وضع الاجراءات والقوانين التي تسمح بتنمية مجموعة واسعة من الاستراتيجيات المتنوعة لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، املا بالوصول عمليا الى الى مستقبل أكثر عدالة. وثانيا إلى التعامل مع إرث الانتهاكات بطريقة واسعة وشاملة تتضمن:
أ- العدالة الجنائية.
ب- عدالة إصلاح الاضرار.
ج-العدالة الاجتماعية.
د- العدالة الاقتصادية.

أثناء المفاوضات بين مانديلا ودي كليرك، كان أحد
الشروط الأساسية التي أصرّ عليها قادة الحزب الوطني الحاكم ألا يواجهوا محاكمات جنائية بعد أن الانتقال الى الحكم الديمقراطي، وطلبوا من مانديلا ان يجنبهم ذلك، وعلل المسؤولون في الحزب الوطني أنهم إن لم يحصلوا على العفو لأعضاء الحزب، فلن تتمكن قوى الأمن التي يسيطر عليها البيض من ضمان إجراء الانتخابات في العام 1994 بطريقة سهلة. واعتماداً على تقاليد إفريقية قويّة في حل النزاعات عبر المفاوضات بدل العنف، وافق مانديلا وزملاؤه في رئاسة المؤتمر الأفريقي الوطني على منحهم العفو. وتمّ الانتقال بطريقة أسهل مما كان يتوقّعها غالبية الأشخاص. لقد تفهم مانديلا وبوعي عال مخاوف الاقلية البيضاء، فأبقى القائد السابق للجيش في منصبه لعامين بعد ان أصبح رئيسا، وأصدر عفوا عاما عن جميع الجنرالات، الذين أظهروا له احتراما فائقا، وأدوا له التحية العسكرية في حفل تنصيبه رئيسا للبلاد.

ولم يترك مانديلا الامور تمر دون أن ن يتم الاعتراف بالجرائم الفضيعة التي ارتكبت خلال عقود، فأمر في العام 1995 بأنشاء لجنة”الحقيقة والمصالحة “ للتحقيق في جرائم ومظالم نظام الفصل والتمييز العنصري، وطلب من كبير اساقفة جنوب إفريقيا "دزموند توتو" تولي رئاسة اللجنة، التي نظرت وعلى مدى عامين في آلاف الطلبات التي قدّمها ضحايا ومتضررون من حقبة التمييز العنصري، وآخرون ممن انتهكوا حقوق الإنسان. وللحصول على العفو، لم يكن على مقدمي الطلب إلا أن يقولوا الحقيقة كاملة بشأن الانتهاكات التي ارتكبوها بأنفسهم. وما أن تقتنع لجنة الحقيقة والمصالحة بأنّهم قالوا الحقيقة كاملة حتى تطلقهم أحراراً، واحتفظت الغالبية منهم بالوظائف الحكومية التي كانت تشغلها. وقد اختارهم مانديلا أساساً ليكونوا شركاء له في التحول الديمقراطي للبلد. لقد تكفل مانديلا عبر هذه اللجنة بحمل الجلادين على الاعتراف بالحقيقة علناً. وتمكين الضحايا من رواية ما جرى علناً أيضاً، وحظيت جلسات اللجنة باهتمام شعبي كبير، وكانت تبث في وسائل الاعلام بشكل حي، ولم يقف أي دافع انتقامي وراء عمل هذه اللجنة، بل على العكس عدت بمثابة إعلان عفو عام مشروط بالاعتراف والندم.
لقد استطاع رجال ونساء المؤتمر الإفريقي الذين، يحملون على أكتافهم دماء عشرات آلاف الضحايا، التغلب على الحقد وروح الانتقام والضغينة، لأن الوطن كان يحتاج الى أن يتسامح المواطنون وينسوا الماضي بل أن يتفاهموا بشأن ماضيهم على أسس أخلاقية مقبولة، لدفع مسألة المصالحة الى الامام، والتفاهم بشأن المستقبل.

ختاما، ليس هنالك ما يمنع التوانسة من خوض تجربة مصالحة جديرة بالاحترام، تنقل تونس من أجواء الأحقاد والكراهية إلى مناخات التآخي والوحدة وعودة الأمل في المستقبل. وكما تلاحظون، ماضينا لا يقارن بماضي جنوب إفريقيا المرعب. فلا نظام بورقيبة ولا نظام بن علي يشيه الأبارتهايد. ولا معانات الرافضين للمصالحة في توني تضاهي تضحيات السود في جنوب إفريقيا. ومع ذلك تمكن هذا البلد من الانتقال من نظام الفصل العنصري الى نظام ديمقراطيّ بفضل الكم الهائل من مشاعر التسامح والصفح والعفو والاعتذار. وبفضل أشخاص قلوبهم أوسع من التشفي.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,276,675
- حول طبيعة الثورات ومآلاتها
- تجدد النظام القديم وتعمق أزمة تونس.
- الجمود العقائدي والحرب على التقدم.
- حين يستولي الفساد على السّلطة
- نُخب الاستبداد ومستقبل الديمقراطية
- الإسلام السّياسي إعاقة حضارية.
- حِين يُقْطع رأس الثّورة
- شكري بلعيد المثقف العضوي والثوري المختلف ..
- وطن الوحشة والألم: كلمات على وسادة الغربة.
- الألم الوطني وقسوة الحرف.
- انقسام معسكر الرّجعية العالمية، وغياب الجبهة الوطنيّة الدّيم ...
- غزة الأبية ليست لوحدها // تعقيبا على مقال الشيخ راشد الغنوش
- السقوط الأخير
- أمناء المجلس الأعلى، أو السيرك الوطني !
- بعد أربع سنوات، ماذا تحقق من مطالب الثورة ؟
- الأصولية و ثقافة التخلف
- -الوطد-، تيار الشهداء .. روح تونس وعشقها الوطني
- شكري بلعيد، لوعة وطنية غير قابلة للنسيان !
- لا خوف على تونس !
- التطلع إلى الحداثة ، والإرتداد إلى الخلف


المزيد.....




- شاهد كيف ودع مواطنو كوريا الشمالية زعيمهم إلى روسيا
- هكذا ودع فلاديمير بوتين كيم جونغ أون
- شاهد: كيف تصرف بوتين وكيم خوفا من "الخيانة" والفأل ...
- تفجيرات سريلانكا: انتحارية فجرت نفسها وقتلت طفليها ورجال أمن ...
- -بعنا ابنتنا ذات الخمس سنوات في صفقة زواج لدفع نفقات علاج أخ ...
- شاهد: كيف تصرف بوتين وكيم خوفا من "الخيانة" والفأل ...
- الربيع يضفي جمالا على جمال وادي -رواندز- في العراق
- اقتراح فرنسي قد يغلق الـ-شنغن- بوجه عدد من الدول الأوروبية
- أبناء روسيا بذلوا الأرواح لتحرير كوريا
- بوتين يدعو لرد جماعي على العقوبات الأحادية التي توّلد الإرها ...


المزيد.....

- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - رسالة إلى شباب تونس بشأن دروس المصالحة الوطنية بجنوب إفريقيا.